خبز السوريين مهدد.. البيئة والسياسة على موعد لمواجهة الجفاف/ مختار الإبراهيم

2025.08.20
شهدت سوريا العام الحالي واحدة من أعتى موجات الجفاف خلال العقود الأخيرة، حيث انعكست آثارها الجانبية المدمرة مختلف المحافظات، بما في ذلك المناطق الساحلية التي تعُرف بغزارة معدلات هطولاتها المطرية، كما أدى التراجع الكبير في معدلات الهطل المطري إلى انخفاض منسوب السدود وجفاف العديد من الينابيع والآبار، ما تسبب في أزمة حقيقية طالت القطاع الزراعي ومصادر مياه الشرب.
في ريف حماة الغربي، يقف أبو سعيد، أحد المزارعين في بلدة خطاب، حائرا أمام أرضه التي اضطر للتفكير ببيعها بعد أن أتى الجفاف على محاصيله، فمياه نهر العاصي لم تكن كافية، رغم أن مديرية الموارد المائية في حماة فتحت سد الرستن عدة مرات، بتوجيه من هيئة الموارد المائية في دمشق، لتأمين المياه لري المزروعات والأشجار المثمرة على امتداد النهر حتى سد محردة.
ولم تقتصر تداعيات الجفاف على الزراعة، بل ساهمت درجات الحرارة المرتفعة والجفاف الشديد في اندلاع موجة حرائق غابات وأحراج في ريف حماة الغربي، آخرها تم التغلب عليه بعد أربعة أيام من اندلاعه وذلك بتضافر جهود أهلية مع فرق إطفاء حكومية. وأعلن وزير الطوارئ السوري، رائد الصالح، السيطرة الكاملة على تلك الحرائق التي أتت على مساحات واسعة من الغطاء النباتي، وأوضح الصالح أن عمليات الإخماد والتبريد اكتملت بنجاح، مع إبقاء المنطقة تحت المراقبة، مشيدا بجهود فرق الدفاع المدني والأفواج المحلية بدعم من وحدات الإطفاء القادمة من عدة محافظات، إضافة إلى الطيران المروحي.
وأعرب الوزير عن أسفه للخسائر التي طالت ممتلكات السكان وأراضيهم الزراعية، مؤكدًا أن سلامة المواطنين وحماية الغابات تبقى في صلب أولويات الحكومة، وكانت سوريا قد شهدت خلال الصيف الماضي حرائق واسعة في جبال اللاذقية، استمرت 12 يوما وأتت على أكثر من 16 ألف هكتار من الأراضي الزراعية والحرجية، أدى إلى تدخل فرق من دول مجاورة مثل الممكلة الأردنية الهاشمية.
الجفاف يهدد خبز السوريين
في السياق، قال تقرير لوكالة رويترز: إن سوريا تواجه أزمة غذاء محتملة بعد أسوأ موجة جفاف منذ 36 عاما والتي قلصت إنتاج القمح بنحو 40%.
وأضاف أن الحكومة المثقلة بالأزمات المالية لم تتمكن من تأمين مشتريات واسعة النطاق (من القمح).
وقتال برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة لرويترز: إن نحو 3 ملايين سوري قد يواجهون جوعا حادا ( دون أن يحدد إطارا زمنيا)، كما أن أكثر من نصف سكان سوريا يعانون حاليا من انعدام الأمن الغذائي.
رويترز تحدثت مع مسؤول سوري، وثلاثة تجار، وثلاثة عاملين في مجال الإغاثة، ومصدرين صناعيين مطلعين بشكل مباشر على جهود شراء القمح، وقالوا إن هناك حاجة لمزيد من الواردات والتمويل لتخفيف حدة النقص المرتقب.
توني إيتيل ممثل الفاو في سوريا أوضح أن نصف السكان مهددون بالمعاناة من آثار الجفاف خاصة فيما يتعلق بتوافر الخبز وهو الغذاء الأهم في الأزمات.
في حين قدرت وزارة الزراعة الأميركية أن سوريا ستحتاج إلى استيراد رقم قياسي يبلغ 2.15 مليون طن من القمح في عامي 2025/2026 بزيادة 53% عن العام الماضي وفقا لقاعدة بيانات الوزارة. ومع ذلك، لم تعلن وكالة شراء الحبوب الرئيسية في سوريا بعد عن استراتيجية جديدة للشراء ولم ترد على أسئلة رويترز.
أظهرت بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) أن سوريا تستهلك نحو أربعة ملايين طن من القمح سنويا، ومن المتوقع أن ينخفض الإنتاج المحلي إلى نحو 1.2 مليون طن هذا العام، بانخفاض 40 بالمئة عن العام الماضي.
وأكد مصدران مطلعان للوكالة أن واردات القمح تواجه تأخيرات في الدفع بسبب الصعوبات المالية رغم رفع العقوبات.
تفاعل المناخ مع السياسة
تذكر أزمة الجفاف التي تضرب سوريا والمنطقة بتقرير نشرته الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة عام 2015 ربط بين موجة الجفاف الطويلة التي ضربت سوريا بين عامي 2006 و2010، وبين العوامل التي مهّدت لانفجار الثورة السورية في 2011.
وأوضح التقرير، الذي أعدّه فريق بحثي بقيادة كولين كيلي، أن التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري فاقم من حدّة الجفاف، ما أدى إلى نزوح أكثر من مليون مزارع من المناطق الريفية إلى المدن، وسط تدهور في سبل العيش وغياب الدعم الحكومي.
وأضاف الباحثون أن تراكم الأزمات البيئية والاقتصادية والاجتماعية، الناتجة عن الجفاف، ساهم في خلق حالة من التوتر الاجتماعي في المدن الكبرى، وساهم في تغذية الغضب الشعبي تجاه سياسات النظام المخلوع، مشيرين إلى أن الكارثة المناخية لم تكن السبب الوحيد للثورة، لكنها كانت عاملًا مضاعفًا ضمن سلسلة طويلة من الإخفاقات السياسية والاقتصادية.
وأشار التقرير إلى أن هذه الأزمة تمثل نموذجًا لكيفية تفاعل التغير المناخي مع الأوضاع السياسية الهشة، محذرًا من أن تجاهل العوامل البيئية في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى أزمات متكررة وغير قابلة للاحتواء.
أزمة إقليمية: بلاد الشام بين المناخ والسياسة
الأزمة المناخية في سوريا ليست حالة استثنائية، إذ تشهد منطقة بلاد الشام – التي تضم الأردن، سوريا، لبنان وفلسطين – موجات جفاف غير مسبوقة من حيث الشدة والتكرار. ويؤكد عمر الشوشان، رئيس اتحاد الجمعيات البيئية في الأردن، أن التغير المناخي العالمي، إلى جانب سوء إدارة الموارد المائية، ساهم في تفاقم التحديات، بينما أدت النزاعات السياسية والحروب إلى إضعاف قدرة الحكومات على الاستثمار في مشاريع التكيف.
ويضيف الشوشان في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الزراعة والثروة الحيوانية في المنطقة تكبدتا خسائر فادحة هذا الموسم، حيث تراجع إنتاج محاصيل استراتيجية مثل القمح والشعير، وانخفضت مستويات المياه الجوفية بشكل ينذر بأزمات مائية حادة قد تهدد مياه الشرب في السنوات المقبلة. كما انعكس الوضع على الأسواق بارتفاع أسعار المواد الغذائية، ما زاد الضغط على الأسر محدودة الدخل.
خلفية مناخية: سوريا في قلب الهشاشة البيئية
تُعد سوريا بطبيعتها بيئة شبه قاحلة، إذ يتراوح معدل الهطول المطري السنوي بين 150 ملم في المناطق الشرقية والبادية، وأكثر من 1000 ملم في المناطق الساحلية، ومع ذلك، فإن التوزع الزمني والمكاني للأمطار غير متوازن، ما يجعل البلاد عرضة للجفاف بشكل متكرر. وفي السنوات الأخيرة، زادت وتيرة هذه الظواهر نتيجة التغير المناخي العالمي، حيث باتت فترات الجفاف أطول وأكثر حدة.
يرى الشوشان أن مواجهة هذه التحديات تتطلب حلولا عاجلة، منها تحسين إدارة المياه عبر الري الحديث، وحصاد مياه الأمطار، وإعادة استخدام المياه المعالجة، كما يشدد على ضرورة التعاون الإقليمي بين دول بلاد الشام لإدارة الموارد المشتركة، وتبادل البيانات المناخية، وإطلاق مشاريع مشتركة للتكيف مع التغير المناخي، كما يمكن الاستفادة من تجارب دول مثل المغرب وأستراليا، التي نجحت في التكيف مع الجفاف عبر خطط وطنية متكاملة تجمع بين التقنية، التشريعات، وتوعية المجتمع.
ويخلص الشوشان إلى أن مستقبل المنطقة يقف على مفترق طرق: فإما الاستمرار في مواجهة أزمات متكررة من جفاف وحرائق وانعدام أمن غذائي، أو الاستثمار في خطط مستدامة تضمن الأمن المائي والغذائي وتحوّل التحديات المناخية إلى فرص للتنمية الخضراء.
التعاون الإقليمي وتوطين التكنولوجيا لمواجهة الجفاف
وفي هذا السياق، يشدّد رئيس اتحاد الجمعيات البيئية في الأردن، على أن الدول الخارجة من النزاعات – مثل سوريا – تحتاج إلى دعم دولي ومشاريع مشتركة تأخذ بعين الاعتبار هشاشة البنية التحتية وغياب الاستقرار السياسي، مع التركيز على بناء قدرات المزارعين وتمويل المبادرات المحلية.
وأوضح الشوشان أن مواجهة تداعيات الجفاف والتغير المناخي في بلاد الشام تتطلب تعاونًا إقليميًا عابرًا للحدود، نظرًا للترابط الطبيعي بين أنظمة المياه والمناخ في المنطقة، ويشمل هذا التعاون تبادل البيانات المناخية والخبرات، وإطلاق مشاريع مشتركة لإدارة الأحواض المائية الجوفية والسطحية، وتعزيز شبكات الإنذار المبكر لموجات الجفاف.
كما لفت إلى أن توطين التكنولوجيا الذكية والابتكار البيئي بات ضرورة ملحّة، وليس خيارًا إضافيًا، مشيرًا إلى أهمية إدخال أنظمة الاستشعار عن بُعد لمراقبة المحاصيل والمياه، وتطوير تطبيقات ذكية لإرشاد المزارعين حول أفضل ممارسات الري، إلى جانب الاستثمار في الطاقة المتجددة لتقليل الكلفة والانبعاثات في القطاع الزراعي. وأضاف أن الاستثمار في هذه المجالات، بدعم من القطاع الخاص وتطوير بيئة بحثية محلية، يمكن أن يحوّل التحديات المناخية إلى فرص للنمو الأخضر والتنمية المستدامة.
المستقبل بين التحديات والفرص
وحذّر الشوشان من أن التوقعات المناخية للسنوات الخمس المقبلة تشير إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات الأمطار في بلاد الشام، ما ينذر ببقاء الأزمة وربما تفاقمها، ومع ذلك، يرى أن الفرصة لا تزال قائمة إذا ما تم إطلاق خطط واضحة لإشراك المجتمع المحلي في إدارة المياه والزراعة المستدامة، وتحفيز الابتكار في مجال التقنيات البيئية.
ويخلص الخبير البيئي إلى أن الجفاف في المنطقة لم يعد مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل أزمة معقدة تتقاطع فيها العوامل المناخية مع السياسية والاقتصادية، مؤكّدًا أن التعامل معها يتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد تتبناها الحكومات وتدعمها المنظمات الدولية، مع وعي مجتمعي بأن الأمن الغذائي والمائي قضية بقاء لا تحتمل التأجيل
تلفزيون سوريا



