تعيين قادة الدول وعزلهم.. نظرية القوى المتحكمة/ مصطفى إبراهيم المصطفى

2025.08.21
تعد الثقافة السياسية إحدى أهم مفردات الثقافة العامة للمجتمع، وعند الحديث عن ثقافة المجتمع يشعر المتحدث أنه بحاجة إلى التنويه أن المقصود بمفهوم ثقافة المجتمع يختلف كثيرا عن مفهوم الفرد المثقف، إذ يشير مفهوم ثقافة المجتمع في أبسط تعريفاته إلى محصلة القوانين والأعراف التي تحكم مجتمعا معينا، وتشمل الدين، والعادات والتقاليد والفنون، والمعايير الاجتماعية، والموروث الثقافي المادي.
بهذا المعنى يمكننا أن نفهم المقصود بثقافة الشعب السوري. أي، تلك المشتركات في العادات والتقاليد والمعتقدات بشتى أنواعها، ونمط التفكير واللهجة والفن، وغيرها مما يميزه عن غيره من الشعوب، وتجعلك قادرا بسهولة أن تميز السوري عن غير السوري. وعلى مستوى الثقافة السياسية؛ رغم تشابه الأنماط السائدة في المنطقة العربية إلا أن احتفاظ كل شعب بما يميزه عن غيره هو أمر حتمي، رغم أن القاسم المشترك لتلك الأنماط هو السذاجة، والسذاجة المفرطة في بعض الأحيان.
السذاجة سمة أساسية من سمات البشر سواء أحببنا ذلك أم لا؛ تعد السذاجة سمة أساسية من سمات البشر.
والسذاجة بحسب التعريف المعياري: هي فشل في الذكاء الاجتماعي حيث يتم خداع شخص ما بسهولة أو التلاعب به في سياق تصرف غير حكيم. وترتبط ارتباطًا وثيقًا بسرعة التصديق، التي تتمثل في الميل إلى تصديق الافتراضات غير المحتملة وغير المدعومة بالأدلة. والسذاجة بمفهوم غير ازدرائي لها دور وظيفي في تماسك المجتمعات وتقارب نمط تفكيرها، فالتنسيق الاجتماعي على نطاق واسع في المجتمعات البشرية المعقدة لا يمكن أن يحدث إلا إذا قبل الأفراد فيما بينهم الأفكار الخيالية المختلفة كحقائق.
إذاً، فالسذاجة ليست مجرد انحراف، وإنما سمة غالبة في حالة الإنسان، ونمط مستمر حتى يومنا هذا مع تبعات تنذر بالخطر. إن توسع المخزون الثقافي للمجتمعات الحديثة وظهور المجتمعات التعددية جعل من السذاجة التي كانت ناجحة في تعزيز بقاء الأفراد في المجتمعات البدائية القديمة أقل نجاحا في التكيف مع الازدهار والبقاء في المجتمع الحديث، ومع ارتفاع مهارة القادة السياسيين في الاستثمار في سذاجة البشر أصبحت السذاجة مصدر تفكك للمجتمعات، إذ تغدو الآراء أكثر تطرفا، ويشتد الخلاف مع جماعات المجتمع الأخرى، ويتحول إلى شيطنة، ومن ثم إلى كراهية ورفض.
السذاجة القاتلة
من أمثلة السذاجة في الثقافة السياسية السورية إيمان الأغلبية بافتراضات غير محتملة ولا توجد أدلة عليها، فالقادة السياسيون حول العالم يعينون ويعزلون ويوجهون من قبل قوى العالم السرية؛ تماما كأنهم موظفون. وتنبثق عن هذه الفرضية منظومة اعتقادات متكاملة؛ فهناك عزو خارجي دوما لأي حدث سياسي ممارس من قبل السياسيين، وهذا العزو سلاح ذو حدين؛ يستخدم من قبل السلطة أحيانا لتبرير الفشل أو الهزائم، ويستخدم في أحيان أخرى لإحباط الجمهور. وفي تناقض صارخ يلجأ أعداء السلطة لنظرية العزو لتبرير فشلهم أيضا، أو للانتقاص من شرعية الحاكم واتهامه بالعمالة والتبعية.
عندما يكون الجمهور ساذجا ويستسيغ التحليل بالتمني؛ يزج في كثير من الأحيان في مغامرات مميتة وفي غير صالحه، ثم تسوّق له الهزيمة نصرا، وببساطة تامة يروج القادة السياسيون للجمهور أوهاما تفيد في معناها الأخير: لم تذهب تضحياتكم بالمجان. لقد اقتنعت القوى المتحكمة بضرورة إزاحة الخصم، أو أن هذه القوى وعدتنا بجنة الخلد مثلا. بعد 22 عاما من النضال والتمرد والتضحية حصل الشعب في جنوب السودان على حريته حسبما سوق له القادة أصحاب الطموح. انفصل جنوب السودان عام 2011 وفي عام 2013 دخلت الدولة الوليدة في حرب أهلية وتحولت لأسوأ موطن في العالم.
الواقع ينفي
في رحلة للبحث عن بعض النماذج لحكام عزلتهم أو عينتهم القوى المتحكمة في منطقتنا نجد التالي: الرئيس المصري الراحل محمد مرسي؛ أطيح به من خلال انقلاب عسكري وانتقلت السلطة إلى قائد الانقلاب الذي كان وزيرا للدفاع وأعلى رتبة عسكرية في الجيش. لكن الانقلاب العسكري مغامرة غير مضمونة النتائج، ففي تركيا على سبيل المثال فشل الانقلاب وفشلت عملية الإطاحة بالرئيس التركي.
أما الرئيس السوداني عمر حسن البشير فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بحقه مذكرة اعتقال عام 2009، وبقي في الحكم عشر سنوات بعدها إلى أن أطيح به من خلال انقلاب عسكري ناجح بالصدفة.
في العراق أطاح الرئيس الأميركي “جورج بوش” الابن بحكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين من خلال عملية عسكرية كلفت الخزينة الأميركية ما يقارب الترليوني دولار، وهو ما جعل الرئيس “بوش” محط سخرية وتوبيخ الأميركيين حتى يومنا هذا. ولأن البديل عن الرئيس العراقي الراحل لم يأت وفق القوانين الطبيعية لوصول الحكام إلى سدة الحكم. أي، لأن حكام العراق الجدد جاؤوا بطريقة تشبه التعيين فعلا؛ لم يستقر العراق ولم تأخذ السلطة فيه مكانها الطبيعي حتى يومنا هذا.
إذاً، حتى لو توسعنا برحلة البحث هذه لتشمل العالم كله؛ لن نجد دليلا واحدا يدعم نظرية إقصاء الرؤساء وتعيينهم من قبل القوى المتحكمة، بل على العكس تماما، فإننا سوف نكتشف الكثير مما يناقض ذلك، فإلى جوار أمريكا وفي كوبا بالتحديد يوجد نظام حكم معاد لأميركا ما زال قائما رغم أكثر من ثلاثين محاولة انقلاب دعمتها أميركا.
المخلوع بشار الأسد مثالا
بناء على المعتقدات نفسها يرى الكثير من السوريين أن القوى الخفية أقالت المخلوع بشار الأسد وأتت بالرئيس أحمد الشرع مكانه. وهذا المعتقد إذا أخذناه على محمل الجد علينا أن نتصور عملية غاية في التعقيد وذات كلفة مرتفعة، فمن أجل أن تستقيم الرواية علينا نتصورها على الشكل التالي: بدأت العملية بتوريط روسيا بالحرب الأوكرانية، وفي العام التالي طلبت القوى الخفية من حماس تنفيذ عملية طوفان الأقصى ليرد عليها الكيان الصهيوني بعنف مفرط يستفز إيران ويدفعها للدخول في صراع مع الكيان الذي يرد بضرب الميليشيات الإيرانية في سوريا ولبنان. كل هذا وبعض التفاصيل الأخرى تم ترتيبه من أجل الوصول إلى لحظة الإقالة والتنصيب.
الرواية كي تستقيم يجب أن تكون على هذا الشكل، لأنه – في الواقع – لولا هذه الأحداث لكان المجرم بشار الأسد على رأس السلطة حتى اليوم. هذا كله لا يعني بأي شكل أن القوى الدولية (غير القوى الخفية) تتخذ موقف الحياد حيال كل ما يجري من صراعات داخل الدول، بل على العكس تماما، فهي دائما تتدخل، تساعد طرفاً على حساب آخر، أو تحافظ على التوازن بين القوى المتصارعة، وهي تنجح أحيانا، وتفشل في أحيان أخرى، ولكن الأهم من ذلك أن تأثيرها لا يصبح قويا إلا عند وجود الخلل داخل الدولة. أما عندما يكون النظام متماسكا ومستقرا فتأثيرها يتلاشى. وسبق أن أوردنا مثالا عن النظام الكوبي الذي يمكن أن نضيف إليه النظام الكوري الشمالي وغيره العشرات من الأنظمة غير القابلة للاختراق الفعال.
يعد مصطلح القوى الخفية أو القوى المتحكمة من أكثر المصطلحات ضبابية، فحتى الذين يؤمنون بهذه القوى لا يجيدون تحديدها بالضبط، فتارة يشيرون إلى الماسونية، وتارة إلى القوى الإمبريالية، وتارة إلى حكماء صهيون، وتارة أخرى يحصرونها بأميركا. وما دامت هذه القوى بمجملها حديثة العهد؛ يبقى التساؤل عن القوى التي كانت تطيح ببعض الحكام وتأتي بغيرهم، وتسقط وتفكك إمبراطوريات وتأتي بغيرها منذ فجر التاريخ حتى ما قبل ظهور هذه القوى الحديثة المتحكمة. يبقى هذا التساؤل مشروعا.
تلفزيون سوريا



