موظفون حكوميون في إجازات قسرية: ما الذي يحدث في طرطوس؟/ دمشق – رهام علي

الجمعة 2025/08/22
تروي إحدى الموظفات لـ”المدن” (فضّلت عدم ذكر اسمها) تجربتها بعد نحو 28 سنة من الخدمة في مديرية جمارك طرطوس، حيث تلقّت هي وزملاؤها أمراً شفهياً بالبقاء في المنزل منذ شباط 2025، من دون أن تعرف حتى اليوم مصيرها أو من حلّ مكانها. ورغم استمرار صرف رواتبهم، لم تشملهم الزيادة الأخيرة التي اقتصرت على المتقاعدين، ما أثار استغراب الكثيرين في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها أهل المحافظة. وعلى الرغم من محاولات العاملين في مديرية الجمارك التواصل مع المعنيين عبر إرسال كتاب يشرحون فيه وضعهم، لم يصلهم أي رد. يقول “ن.إ” الذي أُعطي إجازة مأجورة: “إن الراتب الذي يبلغ 300 ألف ليرة سورية بالكاد يكفي لبضعة أيام، فيما تصل معظم العائلات إلى منتصف الشهر، من دون أن تملك حتى ثمن الخبز”.
كذلك، تواجه موظفة أخرى طُلب منها البقاء في منزلها في مديرية الجمارك وضعًا مأساويًا في ظل الأزمة الاقتصادية، إذ كانت على وشك ولادة طفلها وكانت تنتظر زيادة الرواتب، لكنها بعد الولادة وجدت نفسها مديونة وغير مشمولة بالزيادة. تقول لـ”المدن”: “منذ أن أنجبت طفلي لا أشعر تجاهه بأي شيء، كأنني لست أمه. فقدت فرحتي ومشاعري بسبب الظرف المادي المستجدّ مع قدومه، إذ إن احتياجاته لا يكفيها راتب لا يتجاوز 300 ألف ليرة. إننا ننتظر الفرج”.
ويشير أكثر من عشرة موظفين تحدّثت إليهم “المدن” إلى أنهم علموا أنهم استُعيض عنهم بموظفين أقل خبرة ومعرفة، بينما عادت “الواسطة” للعمل بحسب قولهم، إذ “يُوظّف كل شخص أقاربه كما جرت العادة قبل سقوط النظام”
الإبعاد إداري؟
في تعليقه على قضية الموظفين في مديرية الجمارك، يؤكد مدير العلاقات العامة في هيئة المنافذ البرية والبحرية مازن علوش لـ”المدن” أن الأمر “يأتي في إطار إعادة هيكلة الهيئة، والتخلص من الترهل الإداري الذي كان سائداً في زمن النظام السابق”. ويوضح علوش أن هؤلاء الموظفون لا يزالون يتقاضون رواتبهم بشكل منتظم، من دون أي تأخير، ويضيف أن مسألة عودتهم إلى العمل، سواء في الهيئة أو في وزارات أخرى، يُنسَّق أمرها حالياً مع وزارة التنمية الإدارية.
عوائل بين الفقر والبطالة
في حين لم تتوفر إحصاءات رسمية لعدد الموظفين الذين طُلب منهم البقاء في المنزل في محافظة طرطوس، تتمثل الحالة في أغلب المنازل، خصوصاً في ريف المحافظة، في وجود شخص أو أكثر مفصول عن العمل، سواء بقرار نهائي أو بإجازة مأجورة أو حتى من دون أي قرار أو أجر. وتشير المشاهدات إلى أن هناك عائلات كاملة باتت تعيش من بيع محاصيل أرضها المحدودة، بعد أن فقد أحد أفرادها، الذي كانت العائلة تعتاش من راتبه، دخله الشهري الذي كان يغطي الحد الأدنى من الاحتياجات.
تتحدث “ع.ع” لـ”المدن” عن معاناتها بعد فقدان زوجها لعمله، واضطرارها للعمل في ورشة خياطة متواضعة لتأمين احتياجات أسرتها، وتقول: “لم يجد زوجي منذ ثمانية أشهر أي عمل، وعليه، لم يعد راتبي البالغ 280 ألف ليرة، أي ما يعادل نحو 30 دولاراً، يكفي لبضعة أيام لتأمين طعام للأطفال فقط. لم نكن أثرياء سابقاً، لكننا دوماً، نحن الفقراء، من ندفع الثمن في هذه الصراعات”.
وفي هذا السياق، يرى أنس جودة، المحامي والناشط في الشأن العام، أن ملفَّ فصل الموظفين المدنيين وإعادتهم لا يزال مطروحاً كأحد أخطر الملفات ذات البعد السياسي والاجتماعي، محذراً في حديثه لـ”المدن” من أن الاستمرار في تجاهله “يفاقم الانقسام المجتمعي، ويعمّق شعور شرائح واسعة بالتمييز والظلم، ويفتح الباب أمام مخاطر أمنية جدّية”.
ويضيف جودة أن آلاف العائلات تُركت بلا دخل مستقر ولا أفق وظيفي في ظرف هش، وهو ما يشكّل ـ على حد وصفه ـ “وصفة جاهزة للانفلات الأمني”.
محافظة طرطوس: لا قرارات فصل
وقال مصدر مسؤول في محافظة طرطوس لـ”المدن” إن ما يُتداول عن قرارات فصل في مديريات المحافظة “غير صحيح”، موضحًا أن ما جرى يقتصر على إعادة تنظيم شؤون الموظفين ضمن إطار مكافحة الترهل الإداري. وأكد المصدر أنه “لم تُسجل أي حالة فصل في الوحدات الإدارية، وإنما مُنحت إجازات مأجورة”، مشيرًا إلى أن الوضع في طرطوس “مختلف عن بقية المحافظات”.
وبحسب المصدر، كان التوظيف سابقًا يتم بشكل عشوائي عبر ما يُعرف بـ”ضيافة العقود” المتمثلة بالفساد في التعيين، خاصة عقود الفئة الخامسة “التي كانت تُقدّم كضيافة لمن أراد المدير المعني تقديم الوظيفة كهدية له”، ما أدى إلى تضخم الجهاز الإداري ووجود موظفين مقيّدين في أكثر من مديرية في الوقت نفسه، أو موظفون رفضوا العودة إلى وظائفهم الأصلية بعد أن شغلوا مناصب تناقض عقود تعيينهم، بحسب قوله. ويضيف المصدر: “منذ سقوط النظام لم يتم تعيين سوى مدير واحد أو بضعة موظفين في بعض المديريات، بينما بقيت البنية الأساسية على حالها”، مشددًا على أن الحلول الحالية تسعى إلى إعادة توزيع القوى العاملة بما يتناسب مع حجم كل مديرية.
المأساة تتكرر في قطاعات أخرى
في قطاعات أخرى، مثل الصحة، أُغلق المستشفى العسكري في طرطوس منذ سقوط النظام، كما هو الحال بالنسبة لجميع المستشفيات العسكرية في سوريا، وفُصل جميع الموظفين فيها من دون أي راتب أو تعويض أو مستحقات تقاعدية. الممرضة “س.أ” تقول لـ”المدن”: “بعد فقداني عملي، اضطر أبنائي للعمل في وظائفَ لا تتناسب مع ظروف دراستهم في الجامعة، وكذلك زوجي للعمل في وظيفتين رغم كبر سنه وحالته الصحية السيئة، وذلك لتأمين حد أدنى من الاحتياجات.. الظروف قاسية جداً علينا”.
وفي الحديث عن الحلول، يتطلب الأمر، وفقاً للمحامي جودة، مساراً مزدوجاً ومتوازناً: أولهما يتمثّل في إعادة قسم من الموظفين إلى وظائفهم وفق معايير واضحة تضمن التوازن وتحافظ على الخبرات الضرورية لاستمرار المؤسسات. ويشدد جودة على أن هذه الخطوة “ليست رمزية بل شرط لبقاء الجهاز المدني قادراً على خدمة الناس”.
كذلك، يقترح جودة إنشاء صندوق دعم خاص بالمسرّحين يُدار بشفافية ويوجَّه مباشرة لتمويل مشاريع صغيرة واقعية في المجالات الزراعية والمهنية والخدمية، إذ يعتبر أن الاستمرار في إطلاق ما أسماه “المشاريع الخلبية” بأرقام ضخمة لا تصل إلى المواطنين لم يعد مقبولاً، بل يزيد الهوة بين المجتمع والسلطات.
ويحذر الناشط في الشأن العام من أن أي تجاهل أو الاكتفاء بالشعارات “سيعيد إنتاج أخطاء الماضي بكلفة اجتماعية وأمنية أعلى”، وعليه يشير إلى أن إعادة جزء من الموظفين، بالتوازي مع إطلاق صندوق دعم فعلي، لم يعد ترفاً ولا إجراءً شكلياً، بل ضرورة وطنية لحماية الاستقرار ومنع الانزلاق نحو فوضى غير محسوبة العواقب.
إرث الفصل التعسفي في سوريا
يأتي ما يحدث اليوم في محافظة طرطوس من فصل لبعض الموظفين أو إجبارهم على البقاء في منازلهم من دون معرفة مصيرهم، ليعيد إلى الأذهان موجات الفصل التعسفي التي ضربت موظفي القطاع العام خلال العقد الماضي في سوريا. ففي الفترة بين عام 2011 وسقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، فُصل آلاف الموظفين لأسباب سياسية وإدارية، وفق ما ذكرته “لجنة مركزية شكلتها رئاسة الجمهورية حديثاً لدراسة أوضاع المفصولين”.
ومع أن سياق الأحداث اليوم يختلف من حيث الجهة الحاكمة والقرارات، فإن النمط الاقتصادي والمعيشي للمفصولين يظل متشابهاً: تراجع القدرة على تأمين لقمة العيش، ارتفاع معدلات البطالة، وضغط على العائلات التي فقدت مصدرَ دخلٍ ثابتٍ. وبينما لا تزال الحلول غائبة، فإن تراكم إرث الفصل التعسفي وما رافقه من معاناة معيشية يهدد بتحويل ملف الموظفين المسرّحين إلى قنبلة اجتماعية مؤجلة. فإما أن تتم معالجته بمقاربة عادلة وشفافة، أو سيبقى جرحاً مفتوحاً يعمّق أزمة الثقة بين السوريين ومؤسساتهم.
المدن



