أحمد عبد العزيز: هكذا أقنعت أجهزة الأمن بإزالة تمثال حافظ الأسد

عدنان علي
26 اغسطس 2025
في الأشهر الأولى بعد اندلاع الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد عام 2011، لفت الأنظار رجل استطاع “التلاعب” بالنظام وإقناعه بأشياء لم يكن أحد يتخيّلها، مثل إزالة تمثال لحافظ الأسد والسماح بمظاهرات ضخمة ضد النظام. إنه محافظ حماة آنذاك، الدكتور أحمد خالد عبد العزيز، أحد أبرز الأكاديميين والمسؤولين الإداريين في سورية قبل عام 2011، والذي جمع بين الخبرات القانونية والأكاديمية والإدارية.
من مكتب رئيس الوزراء إلى إدارة هيئة الاستثمار، ومن المناطق الحرّة إلى محافظة حماة، نسج أحمد عبد العزيز مسيرة مهنية حافلة بالتحديات والإنجازات، وقد تكون ملهمة للإدارة الجديدة. … وقد بدأت رحلة عبد العزيز في كلية الحقوق بجامعة دمشق، حيث برز في التدريس والبحث القانوني، قبل أن ينتقل إلى العمل العام عندما اختير للانضمام إلى مكتب رئيس الوزراء بين عامي 2002 و2006، بعد دراسة دقيقة لملفات 149 شخصية أكاديمية، تولّى في أثنائها منصب أمين سر لجنة اختيار وتعيين الكوادر، وهو دور يتطلب دقة عالية وشفافية كاملة. ولاحقاً، أصبح مديراً لمكتب رئيس الوزراء، وهو منصب وصفه بعضهم بأنه “صمّام أمان رئاسة مجلس الوزراء”.
وعن آلية الاختيار للمناصب المتبعة حينذاك، أوضح عبد العزيز أنه بعد الدراسة الأمنية والمهنية الشاملة، يتم حفظ هذه الملفات في بنك معلومات، كانت رئاسة الوزراء تلجأ إليه كلما احتاجت كادراً متخصّصاً في مجاله، وتختار من تراه مناسباً لتعيينه في منصب ما، وقال لملحق سورية الجديدة: “أعتقد جازماً أن هذا الملف ما زال محفوظاً في جهة ما في رئاسة الوزراء، وأنصح الحكومة الحالية أن تعمل ملفاً مماثلاً للضرورة القصوى، حتى لا يكون تعيين الكوادر والمناصب عشوائياً ويعتمد على الترشيح الشخصي”.
ومن أبرز القضايا التي تعامل معها عبد العزيز في أثناء عمله في مجلس الوزراء قضية الدعوى التي رفعتها شركات Group Corporation التي نفذت دورة الألعاب الرياضية المتوسطية عام 1987 ضد الحكومة السورية بمبلغ يزيد على 68 مليون دولار، وقاد فريقاً قانونياً للتعامل مع هذه القضية التي كانت تدار من باريس، وربح الجانب السوري القضية من دون أن تدفع الحكومة أي مبالغ، مع تحميل الجهة المدعية أتعاب التحكيم. وأفاد بأن الفريق القانوني السوري تقاضى أتعابه من الجهة المدعية، وتم توزيعها 30% لكل محكّم و40% لرئيس هيئة التحكيم، “وزّعنا أتعاب المحكم السوري علينا نحن الثلاثة، وما أذكرة كان نصيبي 35 ألف دولار آنذاك، لكن المكسب الأكبر خدمة بلدي”، ولفت إلى أن ابنه الوحيد الدكتور ماهر المختص بالتحكيم والمتخرّج حديثاً درس القضية نفسها في مرحلة الماجستير في جامعة السوربون، ويمكن أن نتخيّل فرحته وافتخاره بأن أباه كان رئيس الفريق القانوني السوري فيها.
في إدارة المناطق الحرّة وهيئة الاستثمار
وبعد العمل في مجلس الوزراء، تولّى أحمد عبد العزيز إدارة المؤسسة العامة للمناطق الحرّة، حيث قاد مشاريع مهمّة، مثل تأسيس المنطقة الحرّة في اليعربية بمحافظة الحسكة، كما أدار مشروع التوسّع في عدرا بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص قبل صدور القانون السوري الخاص بالشراكة (PPP) عام 2016، وجرى الانتهاء منه خلال ستة أشهر من دون أي إنفاق من ميزانية الدولة، وعلى حساب المستثمرين بالكامل، مقابل ان تعطي الدولة الأرض فقط، ما مكّن من تحقيق عائد نظري قدره مائتا مليون دولار على عشر سنوات، وقال: “كان المشروع فكرتي وتخطيطي والإشراف على التنفيذ بالمتابعة شخصياً. وكان لذلك دور كبير في نجاح الفكرة واعتماد أسلوب غير تقليدي، أي لا يخضع للإجراءات المتبعة في المناقصات العامة، ويتطلّب الجرأة في اتخاذ القرار وتحمّل المسؤولية”، وأوضح أن المشروع في عدرا ما زال قائماً.
وفي 2008، عيّن أحمد عبد العزيز رئيساً لهيئة الاستثمار السورية، وهي هيئة كانت تواجه صعوبات كبيرة آنذاك، وقال: “قبل تدشين المشروع في عدرا، طلبني رئيس مجلس الوزراء إلى مكتبه، وقال لي إن الدولة تريد مني الإشراف على مكتب الاستثمار، فطلبت منه إمهالي حتى تدشين توسّع عدرا، وكان لي ذلك، وصدر مرسوم بتعييني مديراً عاماً لهيئة الاستثمار السورية”، ويوضح أن هيئة الاستثمار السورية كانت حين انتقل إليها في قمة الضعف: حوالي 12 موظفاً في فيلا سكنية قديمة في شارع بغداد. “عند مداومتي في أول يوم فيها، لمستُ هذا الوضع البائس. روتين قاتل وموظفون لا يستفيدون من أي حوافز سوى الراتب الضئيل، في حين أن زبائن الهيئة هم من المستثمرين أصحاب الدخل المرتفع، فلم يكن همّ الموظف سوى كيفية الاستفادة من الزبون”، ويقول “وضعت في ذهني خطّة لعمل ثورة ضمن الهيئة، وأقسمتُ أن تكون أفضل مؤسّسة في الدولة، وكان لي ذلك”. ويتابع: “طلبني رئيس الجمهورية آنذاك، وقال لي بالحرف: نريد شخصا في هذا المكان يطبق أفكاره ولا نقول له ماذا يعمل. وهذا الكلام في العرف الدارج ضوء أخضر مفتوح. طلبت منه طلبين: الأول، تحسين وضع الموظفين، لأن الحالة المادّية للزبون، وهو المستثمر، مليئة، والموظف مسحوق مادياً، وهذه بيئة جيدة للفساد. وقد استجاب لي، وسألني إن كان يلزم لذلك نص تشريعي، أجبته بالنفي، لأن مرسوم إحداث الهيئة يسمح بذلك عن طريق قرار من رئيس مجلس الوزراء الذي فوّضني بإصدار القرار المناسب. وفعلاً، أصدرت قراراً بتخصيص بدل خدمة استثمار للعاملين في الهيئة بنسبة 100%، وتعويض إضافي لجميع العاملين بنسبة 20%، بشرط الاستمرار في العمل حتى الساعة الرابعة عصراً وتعويض لباس وهندام 10% لجميع العاملين تُصرف عيناً: طقم وقميص وربطة عنق وشعار الهيئة وحذاء، يعني باختصار جميع العاملين يجب أن يكونوا باللباس الرسمي الكامل، وحتى المستخدم لا تستطيع تمييزه عن المدير من حيث الهندام.
الطلب الثاني، إعفاء الاستثمار في المنطقة الشرقية من الضرائب والرسوم مدة لا تقل عن خمس سنوات. وفعلا صدر المرسوم بذلك الإعفاء لمدة عشر سنوات. والخطوة الثانية لإكمال عملية التغيير الشامل في هيئة الاستثمار كانت نقل مقرّها من شارع بغداد إلى مبنى رئاسة مجلس الوزراء القديم، حيث طبقنا نظام النافذة الواحدة مع اكتمال الهيكل التنظيمي للهيئة ليصل عدد كادرها إلى 150 موظفاً بدلاً من 12 سابقاً. وبعد هذه الخطوات “بدأ العصر الذهبي لهيئة الاستثمار السورية، وارتفع عدد المشاريع المشمولة بقانون الهيئة من 186 مشروعاً عام 2008 إلى 410 عام 2010”.
فترة صعبة في محافظة حماة
تم في فبراير/شباط 2011 تعيين أحمد عبد العزيز محافظاً لمحافظة حماة خلال فترة حسّاسة عشية اندلاع الثورة في عموم سورية. قال عبد العزيز إن هذا القرار كان مفاجئاً له، و”حين سألتُ مدير مكتب رئيس الوزراء هل أستطيع الرفض؟ أجاب بالنفي. يعني القرار متخذ من دون موافقتي”. وفي حماة واجه تحدّيات جسيمة، من الحفاظ على الأمن إلى حماية المدنيين وتنظيم المظاهرات السلمية.
أوضح عبد العزيز أن المدينة حينما وصل إليها كانت في حالة صعبة، فيها على سبيل المثال 11 ألف معاق مسجلين رسمياً. أضاف: “أول عمل قمت به، طلبت رؤساء الأجهزة الأمنية للاجتماع في وقت محدّد، وكانت برأيهم أكبر إهانة لهم أن أبلغهم بالاجتماع عن طريق مدير المكتب، وليس مني مباشرة. وبدأت معركتي معهم منذ اليوم الأول، وصراعي المرير معهم قائم أصلاً قبل ذلك”.
وبشأن التعليمات الواردة من دمشق بعد اندلاع الاحتجاجات، قال عبد العزيز: “بطبعي، لا أقبل التعليمات غير القانونية وغير المعتمدة رسمياً، وكنت واضحاً منذ الاجتماع الأول في خلية الأزمة في حماه بأني لا أقبل أي تعليمات شفهية من أي طرف. في المقابل، ردّ أحدهم: “أنت لا علاقة لك فينا، نحن نتلقّى تعليماتنا من رؤسائنا مباشرة”، أجبتُه: ارجعوا إلى المرسوم التنظيمي رقم 14 الذي يقول إن المحافظ هو أعلى رتبة في المحافظة، وهو مسؤول عن الأمن العام والصحة العامة والسلامة العامة، وترتيبه الإداري هو المسؤول الأول في المحافظة. … رفضوا، لكنني أصررت على موقفي استناداً إلى القانون. وأضاف: “كنّا نتلقّى التعليمات من الخلية المركزية في دمشق. وفي كل محافظة تم تشكيل خلية فرعية، وتجاوبي معهم كان ضمن القانون.
وكنت أجابههم بلا خوف أو تردّد، وهم جبناء يخافون من جرأتي عليهم وكرهي لهم، وكانوا يعتقدون خطأ أن خطي مفتوح مع الرئيس، ويخافون على كراسيهم”.
وعن إقناعه إياهم بإزالة تمثال حافظ الأسد في مدخل حماه آنذاك، أوضح عبد العزيز أن قادة الأمن أغبياء، إضافة إلى أنهم جبناء، ويشرح: “عدد قوات حفظ النظام في مدينة حماه كان آنذاك 1650 عنصراً (أمن وشرطة) خصّص 1200 منهم لحماية التمثال، وإطلاق النار على كل من يقترب منه. وكنت متيقّناً بأن المتظاهرين سيدمرون التمثال الضخم، والرد من عناصر الأمن سيكون مجزرة مؤكّدة، انتقاماً، كما جرى في درعا والرستن وغيرهما”. وأضاف “خلال اجتماع لخلية الأزمة في حماه برئاسة رئيس مكتب الأمن القومي آنذاك هشام بختيار، تصنّعت الحرص على التمثال، واقترحت نقله من مكانه ووضعه في واحدٍ من متاحف حماه حفاظاً على كرامته، وفي الوقت نفسه، نستعين بعناصر الأمن المخصّصة لحمايته لضبط الأمن في المدينة، وكان هذا في التاسع من يونيو/ حزيران 2011، لكن سوء تفاهم حصل بيني وبين العميد رئيس فرع الأمن العسكري الذي خلف العميد محمد مفلح الذي جرى استدعاءه إلى دمشق للتحقيق معه بسبب ارتكابات عناصره في جمعة أطفال الحرية في الثالث من الشهر نفسه، وذهب ضحيتها عشرات المدنيين. اعتقدتُ أنه المكلف بنقل التمثال، وهو اعتقد ذلك مسؤوليتي. وفي النتيجة لم يتم نقل التمثال الساعة الثانية ونصف فجراً، وفق تعليمات بختيار. وصباح اليوم التالي، الذكرى السنوية لوفاة حافظ الأسد، اتصل بي قائد الشرطة آنذاك، اللواء محمود السعودي، مستفسرا عن سبب عدم نقل التمثال، وأخبرني بأن المحافظ هو الذي يوجّه بهذا الأمر. اتصلتُ حينها برئيس بلدية حماه لينقل التمثال عن طريق المهندس الذي وضعه في مكانه بموجب خريطة لا يعرفها إلا هو. وفعلاً أزيل التمثال في وضح النهار وتم تصوير العملية بالهواتف المحمولة وإرساله إلى قناة الجزيرة التي بثته”. وعمد بعض عملاء الأمن بغرض الإيقاع به إلى وضع حمار بدلاً من التمثال، وإيصال الفيديو إلى الجزيرة التي بثته كالعادة.
وقال أحمد عبد العزيز إن مظاهرات جمعة “ارحل” الشهيرة (مليونية حماه) أرعبت نظام بشّار الأسد وأحرجته وعرّته أمام العالم بأنه لا يتمتع بالشرعية الشعبية، وأن القاتل هم الأجهزة الأمنية، والدليل أنه عندما تولى المحافظ حفظ الأمن وخرجت الجماهير وتظاهرت لم تحصل حالات قتل. وأفاد بأنه أعفي من مهمته محافظاً، وعلم بذلك من التلفزيون السوري، وقال “كوني أستاذاً جامعيّاً، رجعت إلى وظيفتي في كلية الحقوق بجامعة دمشق، ووضعتُ نفسي تحت تصرّف الكلية. ولم أكن أنوي مغادرة البلد لولا تزايد المضايقات الأمنية، إلى أن شعرت بالخطر يقترب مني أكثر، فقرّرت الخروج إلى دبي أولاً وسافرت بشكل نظامي في سبتمبر/أيلول 2011، ومنها توجهت إلى الكويت، وعملت فيها حتى تاريخه: حوالي سنتين في شركة المجموعة المشتركة للمقاولات، وأربع سنوات ونيّف خبيراً قانونياً في الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، وأخيراً أستاذاً مشاركاً في كلية القانون الكويتية العالمية منذ 2018”.
الوضع الراهن
بعد أقل من شهر على سقوط النظام، زار أحمد عبد العزيز سورية للمشاركة في فرحة التحرير، ووضع نفسه تحت تصرّف الحكومة الجديدة. وعما إذا كانت الأمور تسير وفق وتيرة معقولة أم ثمّة أخطاء ارتكبت، يرى أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، لكن الدولة الوليدة “تحتاج وقتاً، وهذا طبيعيٌّ، لا بد من مرحلة انتقالية، وطبيعيٌّ أن تكون هناك أخطاء، وفي المقابل هناك إنجازات”، ولفت إلى أن الجميع، مع ضخامة الدمار الذي تعرّضت له سورية، يشعرون بالبطء في الإجراءات، “لكن الوقت كفيل بتجاوز العقبات”.
وعما إذا كان هناك تواصل له مع الإدارة الجديدة في سورية، وهل هناك أي أفكار للتعاون معها، أكد وجود تواصل، وقال إنه وضع نفسه تحت تصرف الإدارة الجديدة مع مراعاة مبدأ “أنزلوا الناس منازلهم”. وقد طلب مقابلة الرئيس أحمد الشرع من أجل ذلك، لكن أحدهم حال دون ذلك، فرجع إلى الكويت وما زال يدرّس في كلية القانون الكويتية العالمية في الكويت.
وعن رؤيته إلى الاقتصاد السوري الجديد، اعتبر أن “لا صوت يعلو فوق صوت الاستثمار الحقيقي” واعتماد الأسلوب غير التقليدي في ذلك واعتماد نظام الـBOT في تنفيذ المشاريع والتركيز على بناء البشر قبل الحجر.
العربي الجديد



