إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 23-26 آب 2025

متابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

إشتباكات السويداء

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

عن أشتباكات صحنايا وجرمانا

—————————————-

تحديث 26 آب 2025

————————-

السويداء والتوجّه نحو إسرائيل… محاولة تفسير/ حسين عبد العزيز

26 اغسطس 2025

في مجتمعات غير متجانسة هُوياتيّاً، ومأزومة تاريخيّاً، سرعان ما يؤدّي انهيار الدولة أو ضعفها إلى ظهورٍ شرسٍ للجماعات المسيّسة، طائفية أو إثنية أو قبلية. ومع غياب التوافق الوطني، واستئثار فئةٍ ما بالحكم وفرض أيديولوجيتها ورؤيتها السياسية، سرعان ما تنحدر الأمور إلى أزمةٍ سياسيةٍ خانقةٍ تتلظّى بحمولات الدين والإثنية. هذا هو واقع الحال في لبنان منذ أمد طويل، ثم في العراق بعيد إسقاط الدولة عام 2003، ثم في سورية مع اندلاع الثورة عام 2011، حيث تتمحور الذات الجمعية على نفسها ذاتاً ما قبل مدنية في غياب الدولة الحديثة القائمة على المواطنة الكاملة، بغضّ النظر عن الانتماءات الفرعية.

في ضوء ذلك، تنشأ مطالب ما قبل دولتيّة لدى الأقليات، تتفاوت من المطالبة بلامركزية إدارية أو فيدرالية أو حكم ذاتي، وربما تنتهي للمطالبة بالانفصال التام عن الوطن الأم. ومن اللافت للانتباه أنه لم تجر في سورية خلال الثورة أية مطالبة انفصالية كاملة عن الدولة الأم، بل كان الصراع على السلطة وتدابير سياسية مرجوّة في ظل وحدة الجغرافيا السورية. وحتى بُعيد سقوط نظام الأسد، لم تظهر مطالب علوية بالانفصال أو بحكم ذاتي كامل، وهذا مؤشّر على أن مستوى الانتماء الوطني السوري لدى العلويين عالٍ جدّاً، خصوصاً مع تأثير حافظ الأسد، وهذه من أهم النقاط التي لم تتنبه إليها السلطة في دمشق، حيث ما زالت تتجاهل العلويين.

وبالنسبة للأكراد، لم تُطرح عملية إقامة دولة كردية مستقلة، بل كان العمل يجري بعد عام 2012 على إقامة فيدرالية أو حكم ذاتي شبيه بحكم إقليم كردستان العراق، بغضّ النظر عن الأسباب، أهي قناعة سياسية بوحدة سورية، أم هي نتاج قناعة ناجمة عن استحالة تحقيق إقامة الدولة الكردية في ظل شروط الإمكان المحلي الإقليمي والدولي القائمة.

وبالنسبة للمسيحيين، وعلى غرار العلويين، ثمّة حالة وطنية عالية لجهة الانتماء إلى سورية، فرغم وقوفهم على الحياد في أثناء الثورة السورية، إلا أنهم لم يفكّروا يوماً واحداً بالمطالبة باستقلالية ذاتية، لا سيما في المناطق التي تتمتّع بأغلبية مسيحية. على العكس، لعبوا دوراً مهمّاً في القضية القومية العربية، وانتماؤهم الوطني إلى سورية عال جداً، وكما هو الحل مع مسيحيي فلسطين الذين يؤدّون دوراً رئيساً في مناهضة الاحتلال الإسرائيلي.

تبرز السويداء استثناء، أو للدقّة، تبرز حالةٌ في السويداء تتجاوز ما هو قائم في عموم سورية، بما فيه جزءٌ لا يستهان به من الدروز المؤيدين وحدة الجغرافيا السورية. والحديث هنا عن تيار يترأسه شيخ عقل الدروز حكمت الهجري، وصل به الأمر إلى حد رفع أعلام إسرائيلية في تظاهرة في السويداء جرت أخيراً، تطالب بالانفصال عن سورية والانضمام إلى إسرائيل التي تلقّت الشكر الجزيل من هذا التيار، بسبب ما اعتبروه دفاع حكومة نتنياهو عنهم في مواجهة “أعدائهم الحاكمين في دمشق”.

من الصعوبة بمكان تفسير هذا الحدث، فلا تنفعنا هنا أدوات التحليل السياسي أو السوسيولوجي أو التاريخي أو حتى السيكولوجي لفهم ما جرى. وقد أخطأ بعضهم خطأ كبيراً حين اعتبر سلوك هذا التيار ردّة فعل على سياسات الحكومة السورية. والحقيقة أننا لسنا هنا أمام ردّة فعل، فبحسب قانون نيوتن الثالث: لكل فعل ردّة فعل موازية له في القوة ومضادّة له في الاتجاه. وإذا كان هذا القانون حتمياً في عالم الطبيعة، فإنه ليس كذلك تماماً في عالم الإنسان، حيث للذات سلوكياتٌ تخرُج عن الحتمية الميكانيكية. ومع ذلك، لهذا القانون إطاره العام في عالم الاجتماع الإنساني.

سلوك نظام الحكم في سورية تجاه السويداء يفرض، وفق هذا القانون، ردّ فعل موازياً له ضمن إطار الوحدة السياسية الجغرافية لسورية، أي عبر المطالبة والضغط من أجل تحقيق نظام ديمقراطي قائم على المواطنة، أو المطالبة باللامركزية أو فيدرالية أو الحكم الذاتي، فهذه المطالب، على تنوّعها، تبقى ضمن إطار ردّ الفعل. أما المطالبة بالانضمام إلى إسرائيل، فهذا  خارج جدلية الفعل ورد الفعل، إنه يأتي في سياق وفضاء آخرين تماماً.

كان التوجّه نحو إسرائيل سابقاً على أحداث الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، ففي منتصف مارس/ آذار الماضي، توجّه نحو 600 شيخ دين درزي إلى زيارة مقام النبي شُعيب في فلسطين المحتلة بتوجيه من شيخ عقل الطائفة حكمت الهجري، أو بمباركة منه. بعد شهرين، وفي مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست، قال الهجري “أرحب بالدعم الإسرائيلي المقدّم للدروز.. نحن في أزمة وندعو إلى تدخّل دولي.. إسرائيل ليست العدو”. تؤكّد هذه المعطيات المُعلنة أن ثمّة قراراً متخذاً مسبقاً من الهجري بالتوجه نحو إسرائيل، وما المسألة إلا مسألة وقت بانتظار وقوع حدثٍ ما يُتخذ ذريعة لإضفاء “شرعيةٍ” درزيةٍ نحو التقارب مع إسرائيل، وكانت هذه الذريعة أحداث يوليو الماضية.

محاولة للتفسير

كيف نفسّر هذا التوجه نحو إسرائيل؟ العدو الوجودي للعرب بمختلف أديانهم ومذاهبهم. هل يمكن ردّ ذلك إلى تقارباتٍ دينية؟ يصعب الاحتكام إلى ذلك، فالديانة اليهودية وُجدت قبل الميلاد بنحو أربعة آلاف عام، بينما نشأت الطائفة الموحدية الدرزية من رحم الطائفة الإسماعيلية أواخر القرن العاشر ميلادي في بيئة إسلامية عامة، تخلّلتها أفكار غنوصية وفلسفية ووثنية قادمة من فارس. ويظهر التأثير الإسماعيلي من صفة “الهجري” نسبة إلى مدينة هجر، عاصمة دول القرامطة شرقي الجزيرة العربية، وهي الصفة التي يُلقب بها الدروز بعض مشايخهم الكبار، ثم تحوّلت إلى كنية.

لا يوجد مشترك بين اليهود والدروز سوى النبي شُعيب، وهو في الإسلام نبيٌّ ورسولٌ لقوم مَدين، وهو الرجل الصالح الذي لجأ إليه موسى بعد هروبه من مصر، وتزوّج ابنته، ويحظى النبي شُعيب لدى اليهود بمكانة رفيعة، ففي سفر الخروج (18: 1): “فسمع يثرون كاهن مديان حمو موسى كل ما صنع الله إلى موسى وإلى إسرائيل شعبه أن الرب أخرج إسرائيل من مصر”. كما يحظى بمكانة رفيعة ايضاً عند الدروز بسبب صدقه وأمانته، وهم يطلقون عليه صفات: المختار، صفي البار، الرسول. بناء على المعطيات السابقة، لا توجد علاقة دينية إطلاقاً تربط الدروز باليهود.

هل هي أسباب سياسية واقتصادية؟ بالتأكيد لا، فالسويداء منطقة جغرافية فقيرة جداً بالموارد الطبيعية، وتفتقر إلى موقع مهم يجعلها عقدة وصل، بل هي محاطةٌ بغلافٍ عربيٍّ سُني، سواء من سورية أو الأردن، ولا يوجد فيها نواة لاقتصاد دولة. وبالنتيجة، لا توجد أسباب سياسية واقتصادية لبناء الدولة والانفصال عن سورية. هل ثمّة تجربة تاريخية يمكن البناء عليها؟ لم تعرف السويداء في تاريخها حكماً ذاتيّاً إلا مرّة واحدة بين عامي 1921 ـ 1936، حين قسّم الفرنسيون سورية إلى أربع دويلات: دولة دمشق، دولة حلب، إقليم علوي، إدارة ذاتية لجبل الدروز برئاسة سليم باشا الأطرش، لكن تحت إمرة مندوب فرنسي، هو الحاكم الفعلي في النهاية.

بسبب الرفض الشعبي لهذا التقسيم، عمد الانتداب عام 1922 إلى تأسيس اتحاد سوري، ضم دولتي دمشق وحلب والإقليم العلوي، في حين احتفظ الدروز في الجنوب باستقلال ذاتي. لم تكن هذه الدول تحمل في ذاتها مقوّمات الدول، لكن الفرنسيين، كما لفت إلى ذلك عزمي بشارة، سمّوها دولاً إمعاناً في وضع خريطة لمستقبل المشرق العربي، متمثلة في دول طائفية. وقبيل إنشاء الدويلات السورية وبعدها، انقسم الدروز بين فريقٍ يرفض الانفصال عن سورية وفريق يطالب بالانفصال وإقامة الدولة الدرزية، بل كان هذا الانقسام داخل آل الأطرش أنفسهم، بين مؤيد للانفصال عن سورية ورافض له. ولا يمكن اعتبار تجربة الحكم الذاتي إبّان الاستعمار الفرنسي باعتباره حُلماً درزياً سبباً في التوجّه نحو إسرائيل، فلو اكتفوا بالمطالبة بحكم ذاتي ضمن الدولة السورية، لأمكن القول عندها إنها محاولةٌ لتكرار تجربة تاريخية سابقة.

كيف يمكن تفسير هذا الهروب من سورية نحو إسرائيل؟ في الحقيقة، لا معطيات موضوعية وواقعية تفسّره، والدليل حالة الانقسام الحادّة في الوسط الدرزي، بين تيارٍ مؤيد بقوة الانفصال عن سورية والتوجّه نحو إسرائيل وتيار يرفض بالمطلق الانفصال عن سورية وعن العمق العربي. وفق هذا التحليل، لا يوجد سوى سبب ذاتي، في حالة فردية ناجمة عن قناعة ذاتية متمثلة بشخص حكمت الهجري بأن إسرائيل راغبة في تمكين الدروز وتحقيق هويتهم واستقلالهم مقابل سلطةٍ سُنيةٍ حاكمةٍ في دمشق تريد فرض هيمنة أيديولوجيا الأكثرية.

نجح الهجري خلال الأشهر السابقة، لأسباب عديدة، في جذب أصوات درزية لهذا الخيار، وهو ما رأيناه أخيراً في تظاهرات في السويداء. ومن الواضح أن الهجري متأثرٌ بموفق طريف وبتجربة الدروز داخل إسرائيل، حيث منحتهم إسرائيل معاملة خاصة عن باقي الفلسطينيين، فلهم محاكمهم الخاصة ولهم مكانتهم في جيش الاحتلال، لكن الهجري نسي، أو تناسى، أن المجنّدين الدروز تحوّلوا إلى قتلة للفلسطينيين وسجّانين ومعذبين لهم، وأنهم ليسوا سوى أداة بيد سلطات الاحتلال، وليس مصادفةً أن أعداد قتلى الجنود الإسرائيليين من الدروز عالية جدّاً منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزّة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023. وكما هو الحال في سورية، لم تكن الطائفة الدرزية في إسرائيل على رأي واحد، فلا تزال أصواتٌ تتعالي رافضة التجنيدَ الإجباري للدروز، ورافضة التدخل الإسرائيلي في سورية، تحت عنوان حماية دروز سورية. إذاً، نحن هنا أمام حالة فردية اسمها حكمت الهجري، لكن هذه الحالة الفردية، بحكم نخبويتها، قادرةٌ على التأثير الجمعي، وتحويلها من حالة فردية إلى حالة جمعية، وهنا تكمن الخطورة.

ما العمل؟

لا تنفع في حالتنا هذه إعلان الحكومة السورية الهجري خائناً، فهذا سيدفعه وتياره إلى مزيدٍ من التعنّت، والاندفاع نحو إسرائيل أكثر، ثم من شأنه أن يوسّع من قاعدته الشعبية داخل الوسط الدرزي، كما لا ينفع في المقابل التساهل معه حيال التوجّه نحو إسرائيل.

لدروز السويداء خصوصية تختلف عن دروز الشمال وعن باقي الأقليات، بحكم أن الأقليات الأخرى منتشرة في عموم سورية ومختلطة مع باقي الأديان والطوائف، أما دروز السويداء، فيشكلون أكثر من 85% من عدد سكان المحافظة، الأمر الذي جعلهم عبر التاريخ يحظون بكينونةٍ خاصة، وقد تنبّه إلى ذلك المؤرخ ألبرت حوراني عام 1946، فكتب: “للدروز خصوصيّتهم لأنهم لم يتفقوا يوماً مع حاكم، لا مع إبراهيم باشا المصري، في ثلاثينيات القرن الـ19، ولا مع العثمانيين أو الفرنسيين، حتى في مرحلة الاستقلال، كانت لهم خلافاتٌ كبيرة مع الرئيسين شكري القوتلي وأديب الشيشكلي”

تتطلب هذه الخصوصية مهارة سياسية عالية من دمشق في التعامل مع الهجري، حيث يمتلك الرئيس أحمد الشرع أداتين مهمّتين: وجود قسم كبير من الدروز رافضين الانفصال عن سورية، ومناخ إقليمي ـ دولي، باستثناء إسرائيل، داعم لوحدة الأراضي السورية ورافض أي عملية انفصال، لا سيما في حالة السويداء.

لا تتم عملية عزل الهجري ومشايعيه عبر خطاب سياسي عام ومتعالٍ وممارسة عملية مخالفة لهذا الخطاب، فمثل هذه الفجوة ستُبقي الوضع المتوتر على حاله، ولا تسمح بإيجاد حلولٍ ليست موجودة عند الهجري بالطبع، وإنما يجب أن تكون موجودة في دمشق. ولا مانع من تقديم تنازلاتٍ سياسيةٍ وإداريةٍ واقتصادية في هذه المرحلة من أجل طي صفحة التوجّه نحو إسرائيل، ثم اللعب على الوقت عاملاً تمكن المراهنة عليه.

أثبتت سياسة الخطوة ـ خطوة وسياسة تمرير المراحل نجاعتها كثيراً في الممارسة السياسية، والوقت يلعب لصالح السلطة في دمشق، لا لصالح الهجري وتياره، فمع الوقت، تسير البلاد نحو التعافيين، الاقتصادي والعسكري، اللازميْن لجعل الدولة هي الأقوى، وليس الأولى بين متساوين. لكن إعادة تأهيل الدولة تتطلب، بالضرورة، أن تكون الدولة دولة الجميع، وتعبّر عن مصالح الجميع، بحيث تكون الخير الأسمى الذي يرجوه السوريون، لا دولة السلطة ومصالحها وأيديولوجيتها. واللافت للانتباه، في حالة حكّام سورية، أنهم يتعاملون مع الملفات الداخلية الشائكة وفق اعتبارات خارجية: يتعاملون مع السويداء بوصفها حالة تابعة لإسرائيل، ومن ثم يكرّسون جهدهم لإقناع الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لعدم التدخل في سورية. وكذلك الأمر مع الأكراد في “الإدارة الذاتية”، حيث يلجأون إلى الولايات المتحدة تارّة وإلى تركيا تارّة أخرى، في حين يبقى الحوار الداخلي ـ الداخلي متبوعاً أو ملحقاً بمعطيات الخارج.

تقف سورية اليوم أمام مفترق طرق، في وقتٍ تفتقر فيه إلى نخب قيادية تمتلك حسّاً تاريخياً ووعياً تجاه بناء الدولة الوطنية، لصالح شخوص فاعلة تحرّكها أيديولوجيات دينية وطائفية وإثنية، وهذه لا تنشئ دولاً، بل دويلات داخل الدولة.

في اللحظات التاريخية الفارقة، ترمى الأيديولوجيات والانتماءات الضيقة جانباً لصالح الأمة المُهدّدة… سورية بحاجة إلى نخب حقيقية لديها فهم عال لمفهود الدولة وماهيتها وطبيعة الاجتماع السياسي الحديث.

العربي الجديد،

—————————-

بين النفي والتأكيد.. دمشق بين الغموض والتفاهمات الأمنية مع إسرائيل

26 أغسطس 2025

تدلُ التصريحات الرسمية المتضاربة بشأن إجراء الحكومة السورية مفاوضات مع إسرائيل على ازدواجية الخطاب السياسي في هذا الملف المليء بالغموض. كانت بداية التصريحات المتضاربة مؤخرًا، مع نفي وزارة الخارجية والمغتربين صحة الأنباء المتداولة عن قرب توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل في أيلول/سبتمبر المقبل قبل يومين. وفي مقابل ذلك، أكد الرئيس، أحمد الشرع، خلال استقباله وفدًا إعلاميًا عربيًا، بوجود تفاهمات أمنية مع الجانب الإسرائيلي بشأن جنوب سوريا ووقف إطلاق النار، وهو ما يُعد إشارة صريحة لتقدم المسار التفاوضي.

وعلى الرغم من أن هذا التناقض في التصريحات ليس الأول من نوعه، إلا أنه يدل على وجود خطابين مزدوجين، الأول موجّه إلى الداخل السوري، في مقابل توجّيه الخطاب الثاني للأطراف الخارجية، وما بينهما يبدو أن هذه الازدواجية بدأت ترسم مسار هذه المفاوضات. كما أن إعلان الشرع ليس بجديد، إذ سبق أن أفادت وكالة “سانا” بأن وزير الخارجية والمغتربين، أسعد الشيباني، التقى بمسؤولين إسرائيليين في باريس بوساطة أميركية، مشيرة إلى أن هدف اللقاء بحث “خفض التصعيد في الجنوب السوري”.

ومن هنا، نجد أن جميع هذه الرسائل تُدار عبر وسطاء ومنابر خارجية، لا عبر مخاطبة السوريين مباشرة. وبين النفي والتسريب، يبقى السؤال معلقًا: لماذا لا تُصارح دمشق مواطنيها بما يجري؟ وإذا كان هناك بالفعل “اتفاق أمني” قيد البحث مع إسرائيل، فهل يملك السوريون ترف البقاء آخر من يعلم؟

ازدواجية الخطاب.. داخليًا وخارجيًا

في حديثنا عن إن كان الغموض الحالي الذي يلف المفاوضات امتدادًا لسياسة الغموض مع إسرائيل منذ 1974، يرى الدبلوماسي السابق، بشار الحاج علي، في حديثه لموقع “الترا سوريا” أن “ما يحدث اليوم ليس مجرد امتداد آلي لسياسة الغموض التي اعتمدتها دمشق منذ اتفاق فك الاشتباك عام 1974، بل هو شكل جديد من الغموض يخدم غاية مختلفة”. ويضيف موضحًا “السلطة الجديدة تسعى قبل كل شيء إلى تثبيت شرعية خارجية تتيح لها فتح أبواب الاعتراف الدولي، لكنها تدرك أن أي إعلان صريح عن تفاهمات مع إسرائيل سيُفجر الشارع السوري ويضعف موقعها في الداخل”، الأمر الذي يدفعها لتقديم خطاب مزدوج “نفيٌ وتجنب للتصريح أمام الشعب، ورسائل مضمونة للفاعلين الإقليميين والدوليين بأنها منخرطة فعليًا في ترتيبات أمنية جديدة”.

أما الكاتب جعفر خضور، فيرى من جهته أن الإصرار على النفي غير مرتبط بالتوصل لتفاهمات بين سوريا والكيان الإسرائيلي، بدلًا من ذلك يرى أن “نفي وجود تفاهم يعني نفيًا لأساس التفاهم”، مضيفًا أن عدم الرغبة في التصريح عن الاتفاقية الأمنية المزمع إبرامها بين الطرفين، يرجع إلى “عدم القدرة على تقديم صورة حول طبيعة وشكلية الاتفاق الأمني، الذي لم ينضج حتى اللحظة”، لافتًا إلى أن خطاب الحكومة السورية تطور بعد لقاء باريس، في إشارة إلى التأكيد على وحدة الأراضي السورية.

وتوقف خضور في حديثه عند ما أثارته التقارير بشأن تقسيم سوريا، موضحًا أن هذا الملف لن يكون مطروحًا على الطاولة، وذلك بسبب “الضغوط الأميركية”، واصفًا عدم التطرق لهذا الملف بأنه “جائزة ترضية” للحكومة السورية أولًا، بالإضافة إلى “توجيه رسائل هادئة للجنوب السوري، أو شمال شرق سوريا، لن يكون على الطاولة”، وأضاف مستدركًا “أن ذلك لا يعني أنها لن تكون كبسولة تسبب صدعًا في رأس الحلول السياسية السورية، عندما يشاهدون أن سوريا غير منفتحة على الحلول الدبلوماسية”.

كما أعاد خضور التذكّير بالتطورات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال العام الماضي، مشيرًا إلى أن إسرائيل أصبحت “تعتبر أنها العنصر الفاعل في الملف السوري، واليد العليا في المنطقة بشكل عام”، والذي يربطه بالتطورات الإقليمية التي حصلت، بما في ذلك العدوان الإسرائيلي على غزة، بالإضافة إلى اليمن. وعلى هذا الأساس، لا يعتقد أن هناك “غموض كان يحيط مسار المفاوضات السورية الإسرائيلية، بل كان هناك تصريحات من الجانب السوري تحدد معيار طبيعة العلاقة”، منوهًا بأن “سوريا لم تنجح حتى الآن في بناء سردية إعلامية واضحة تخدم توجهاتها الدبلوماسية”.

من جانبه، يشير الباحث في مركز “جسور” للدراسات، وائل علوان، في حديثه لـ”الترا سوريا” إلى أن الحكومة السورية “تسعى إلى بناء مصداقية وشفافية عالية جدًا، سواءً أكان مع الجمهور داخل سوريا أو مع الأطراف الدولية والإقليمية”، بوصفه “أحد أهدافها الرئيسية”، والذي تعمل عليه بطريقة “مختلفة ومناقضة” لآلية عمل النظام السابق، الذي كان يعتمد “المراوغة” في سياسته الداخلية والخارجية.

وأعاد علوان التذكير بأن الحكومة السورية “نفت ما تم إعلانه من موعد ثابت لعقد اتفاق، وأن الأمر قد وصل إلى تفاهمات، في حين أنها لا تنفي نهائيًا أنها تقوم بمسار طويل من المفاوضات”، معتبرًا أن الحكومة السورية تسعى لما وصفه بـ”كسب الفرصة الكبيرة”، والتي رأى أنها تتمثل “بالوساطة والضغط الأميركي على حكومة نتنياهو”، لافتًا إلى أن “حكومة نتنياهو لا تريد أن تقدم شيئًا” في هذه المفاوضات، في محاولة للحصول على “مكتسبات مجانية بشكل انتهازي”.

يصف الكاتب والباحث في العلاقات الدولية، فراس علاوي، التصريحات المتضاربة بين الرئاسة السورية ووزارة الخارجية بأنها “تبادل في الأدوار السياسية”، وهو ما يُعطي “نوعًا من أوراق التفاوض”. كما أنه لا يرى أي “غموض” في نهج الحكومة السورية إزاء مفاوضاتها مع إسرائيل، مدللًا على ذلك بأنه “حتى الآن لا يوجد شيء رسمي”، معتبرًا أنه “من الخطأ إصدار تصريحات واضحة خلال سير المفاوضات، لأنه قد ينعكس سلبًا على الإدارة السورية”.

يتفق الكاتب الصحفي، أحمد مظهر سعدو، مع الآراء السابقة التي لا ترى أي “غموض” في التصريحات الخاصة بالمفاوضات مع إسرائيل، مذكّرًا بحديث الشرع مع الصحفيين العرب. وأضاف أن الشرع “معني بالوصول إلى تفاهمات أو اتفاقات من المرجح أن تكون تحديثًا جديدًا لاتفاق فض الاشتباك الموقع بين حافظ الأسد وإسرائيل عام 1974″، مرجحًا ذلك في ظل عدم إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام شامل ودائم مع إسرائيل.

ويضيف مستدركًا أن “إسرائيل غير جاهزة ولا مستعدة للانسحاب من الجولان المحتل منذ عام 1967، كما أنه لا يمكن للحكومة السورية أيضًا أن توقع على اتفاق ليس فيه عودة الجولان كاملًا”. كما يرجح أن تدور الاتفاقات الأمنية مع إسرائيل حول “المنطقة العازلة التي دخلتها إسرائيل بعد 8 كانون الأول/ديسمبر”، لافتًا إلى أنها “أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الوصول إليها”.

شرعية داخلية أم خارجية؟

أما بالنسبة للرسائل المزدوجة التي تبعثها بها دمشق على المستويين الداخلي والخارجي، يعتبر الحاج علي هذه الرسائل “سياسة واعية، وليست سهوًا”، موضحًا أن “الخطاب موجَّه للخارج، لأن الشرعية الخارجية بالنسبة للسلطة الجديدة أهم من الشرعية الداخلية في هذه المرحلة”، لافتًا إلى إدراك الحكومة السورية عدم قدرتها على “إقناع الداخل السوري بسهولة”.

وفي هذا السياق، يلفت علوان إلى أن الحكومة السورية “جادة في إعلانها دخول مسار المفاوضات، وأنها تلتقي مع الوفود الإسرائيلية بشكل مُعلن ورسمي”، مذكّرًا بأن الحكومة السورية نفت سابقًا، ومن ثم أكدت إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، معيدًا ذلك إلى “الشفافية وبناء الثقة”، مشيرًا إلى عدم وجود “غموض” في المفاوضات، عكس ما كان عليه النظام السابق، وهو ما يجعلها “تُعلن محدداتها في المفاوضات والهدنة الأمنية”.

“الثمن داخليًا باهظ”

وفيما يتعلق بانعكاسات أي اتفاق أمني محتمل على الداخل السوري، لاسيما في درعا والسويداء، يؤكد الحاج علي على عدم إمكانية “فصل هذه الخطوة عن التحولات الجارية في المنطقة”، والتي يلخصها بـ”التقارب الخليجي – الإسرائيلي، محاولات لتثبيت هدوء على الحدود السورية – الأردنية، وضغوط لإبعاد النفوذ الإيراني عن سوريا وأي خطر ممكن في الجنوب”، لافتًا إلى أن “دمشق الجديدة تحاول أن تقدّم نفسها كطرف قادر على لعب دور المسؤول في إدارة الحدود، وهذا بحد ذاته رسالة للغرب وللخليج”.

ومع ذلك، لا يستبعد الحاج علي أن يكون “الثمن داخليًا باهظًا”، مرجعًا ذلك إلى أن أي “اتفاق أمني سينعكس مباشرة على الجنوب (درعا/السويداء)، وقد يُنظر إليه محليًا كمحاولة لحقن الدماء، لكنه في الوقت نفسه قد يُفسَّر كإقرار عملي بوصاية إسرائيلية على الشريط الحدودي”.

من جانبه، يؤكد خضور أن انفتاح إسرائيل على التفاهم مع سوريا تارة، والذهاب إلى تقسيمها تارة أخرى، مرتبط بالتطورات الإقليمية، لا سيما في قطاع غزة التي “ترى أن لها اليد العليا فيها، وبالتالي تصبح قادرة على رسم صورة المستقبل السوري”، لافتًا إلى أن التقديرات الإسرائيلية تتحدث عن “التخلص من النفوذ الإيراني في سوريا”، في مقابل ظهور حليف جديد لدمشق يتمثّل في تركيا، وهو ما تنظر إليه إسرائيل على أنه “يشكل خطرًا”، وبالتالي فإن انفتاح السلطات الجديدة على إسرائيل “ليس وليد اللحظة”، مشيرًا إلى الرسائل المباشرة وغير المباشرة التي أرسلتها السلطات الجديدة منذ اليوم الأول لسقوط الأسد.

وعند هذه النقطة، يشير خضور إلى “الأخطاء الاستراتيجية التي دفعت ثمنها دمشق” في سياق تعاطيها مع الأحداث الدامية التي شهدتها السويداء منتصف تموز/يوليو الماضي، حيثُ يُنظر إلى هذه التفاهمات بأنها “ترتيب أمني تم تحت حدّ السيف”، بعد التوغلات الإسرائيلية، وما رافقها من سيطرة على مسطحات مائية ونقاط استراتيجية هدفها “تثبيت أمر واقع في الجنوب السوري وبعض مناطق ريف دمشق. أما فيما يخص انعكاس الاتفاق الأمني على الجنوب السوري، لا يستبعد خضور انعكاسه على الوضع الاجتماعي، واصفًا استراتيجية إسرائيل في الجنوب السوري بأنها “استراتيجية حضن الدب”، عبر تقديم المساعدات وما إلى ذلك.

واعتبر أن من بين الرسائل التي تبعثها إسرائيل، هناك رسالة تتلخص في أنها “لن تتخلى عن فكرة إقامة كانتون درزي في جنوب سوريا، لكنها في المقابل لا تريد أن تدفع باتجاه تقسيم سوريا، قبل أن يتم تنظيم العديد من الاتفاقيات، خاصة قسد”، لافتًا إلى أن الوضع القائم في السويداء حاليًا، كانت إسرائيل تعمل عليه منذ نحو عامين، في صورة مشابهة للدروز في فلسطين المحتلة، وذلك عبر تقديم الدعم للسويداء، بهدف أن تكون “نموذجًا أكثر تطورًا للحكم الذاتي”، معيدًا التذكير بأن السويداء كانت تتمتع بحكم شبه ذاتي وفي عهد النظام السابق، لكنه كان “منضبط روسيًا”، وبالتالي فإن السويداء “سيلعب فيها العامل الأمني والاجتماعي دورًا كبيرًا”، فيما سيلعب العامل “الأمني الإقليمي” دورًا في درعا.

في حين يربط علاوي انعكاس أي اتفاق أمني على جنوب سوريا بـ”مسار بدء المفاوضات ومدة الاتفاقيات”، معربًا عن اعتقاده بأن يكون هناك ما يشبه “المنطقة العازلة من دون سلاح في الجنوب”، ما سيؤدي إلى “استقرار من خلال تطوير اتفاق 1974”

التركّيز على “كسب مفاتيح الاعتراف”

وعلى مستوى التفاهمات الأمنية، إلى جانب ارتباطها بالتطورات الإقليمية، فضلًا عمّا يعنيه توجيه التصريحات العلنية إلى الإعلام الخليجي في مقابل استبعاد الرأي العام السوري، يرى الحاج علي أن الحكومة السورية “تُركَّز على كسب دعم الإعلام الخليجي والفاعلين الإقليميين الذين يملكون مفاتيح الاعتراف”، لكنه يحذّر في المقابل من أن “هذه الازدواجية ستُعمّق أزمة الثقة مع السوريين، الذين اعتادوا على مفارقة بين الخطاب والواقع، ومع مرور الوقت، يصبح أي رصيد خارجي بلا قيمة إذا لم يقترن بشرعية داخلية حقيقية”، مشيرًا إلى أن “السلطة تراهن على الخارج، لكنها تغامر بأن تخسر الداخل نهائيًا”.

وفي السياق، نوّه خضور في حديثه بالبيان الصادر عن الخارجية والمغتربين الذي أدان التوغل الإسرائيلي في منطقة بيت جن، مشيرًا إلى أن لا يمكن قراءته “إلا على أنه تلميح ضمني لاقتراب نضوج التفاهم الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي”، مؤكدًا أن “الوضع في الجنوب السوري لا يقل خطورة عمّا حدث في بيت جن، بل هو أكثر خطورة”، وعلى هذا الأساس يقرأ البيان بأنه رسالة تشير إلى “خروج” إسرائيل عن “التفاهم الأمني الذي ينضج”، وهو ما يستوجب “إدانة للقفز فوق سطور التفاهم المرتقب”، لافتًا إلى ضرورة أن يكون ملف المعتقلين السوريين “رغم حساسيته” على الطاولة.

وفي المقابل، يعتقد علوان أن الولايات المتحدة “اقتنعت من الحلفاء الإقليميين، وخاصة السعودية، أن الوقت غير مناسب للذهاب إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، لا سيما مع تعنت الجانب الإسرائيلي بالانسحاب من الأراضي السورية” التي احتلها بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بالإضافة إلى رفض مناقشة الانسحاب من الجولان. خاتمًا حديثه بالإشارة إلى محاولة دمشق الاستفادة “من السعودية وتركيا لكسب موقف أميركي يستطيع كبح جماح إسرائيل، ويُعيدها إلى اتفاق مستدام، على أساس اتفاق 1974”.

بينما يذهب علاوي إلى اعتبار المفاوضات “جزءًا من إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية الجديدة التي تنشأ الآن بدعم خليجي وتركي”. وعلى هذا الأساس، يشير إلى أن الانفتاح السوري على إسرائيل، يُعد جزء من “إعادة رسم خارطة التوافقات الإقليمية في المنطقة”، المرتبط بالاستراتيجية الأميركية – الخليجية التي تهدف إلى “الاستقرار في سوريا أو في المنطقة بشكل كامل، أو حتى الذهاب إلى حروب مفتوحة في المنطقة”.

————————-

 “حرس وطني” في السويداء.. ماذا يعني؟/ حسن النيفي

2025.08.26

أقدمت القوى المتنفذة في مدينة السويداء يوم السبت الفائت (23 – 8 – 2025) على اتخاذ خطوة إجرائية تمثلت بتشكيل ما يُدعى (الحرس الوطني)، وذلك عبر اندماج مجموعة من الفصائل العسكرية المتواجدة في المدينة في كيان واحد، كما جدّدت تلك الفصائل ولاءها للشيخ (حكمت الهجري) كمرجعية سياسية للكيان العسكري الجديد. وبحسب بيان أعقب الإعلان عن هذا التشكيل العسكري، فإن الأخير سيتولى مهمة الحفاظ على الأمن الداخلي للمدينة، إضافة إلى توليه مهمة التصدي للأخطار الخارجية ومواجهة الإرهاب ومكافحة تهريب المخدرات، مع الإشارة إلى استعداده للتنسيق مع التحالف الدولي لمقاومة الإرهاب، ومؤكداً في الوقت نفسه استعداده للاندماج بأية حكومة مستقبلية للبلاد.

لقد أثارت تلك الخطوة ردود أفعال عديدة ومتباينة، سواء على المستوى المحلي السوري أو على مستوى الأطراف الخارجية التي تراقب ما يجري في سوريا عن كثب، وتتراوح جميعها بين اعتبار ما جرى خطوة إجرائية وقائية حيال احتمال تصعيد عسكري ما يزال محتمل الحدوث، وبين اعتباره خطوة تأسيسية لمشروع أقل ما يقال عنه إنه يستبعد العودة إلى ما قبل 2011.

خطوة تأسيسية تمهيداً للقطيعة

وأياً كان الحال، فإنه يمكن القول إن الإعلان عن الكيان العسكري الجديد ينطوي على نقلة نوعية في الصراع بين قوى الأمر الواقع في السويداء والحكومة السورية، لأسباب عديدة، لعل أبرزها:

1 – جاء هذا الإعلان عن التشكيل العسكري لاحقاً لتأسيس كيان مدني سابق له تمثل بمجلس تنفيذي منبثق عن لجنة قانونية، ما يعني أن ثمة مشروع حوكمة لا صلة له مطلقاً بالحكومة المركزية في دمشق، ولا يعتمد أي شكل من أشكال التنسيق مع القوى الممثلة للدولة السورية، ما يعني أن القوى المتنفذة في السويداء ماضية في القطيعة مع السلطة في دمشق.

2 – يجسد الإعلان عن كيان عسكري رغبة قوية لدى قوى الأمر الواقع في السويداء على أن يكون لها أوراق قوة حيال أي عملية تفاوضية في المستقبل مع الحكومة في دمشق، بل يمكن التكهن بأن سلطة الهجري في السويداء ستشترط بقاء هذا الكيان العسكري كتلة واحدة حتى في حال اندماجه أو ارتباطه بالحكومة المركزية في دمشق – في حال حصل ذلك – وذلك على غرار ما تطالب به قوات سوريا الديمقراطية في تفاوضها مع الحكومة السورية.

3 – يرى كثيرون أن الإعلان عن هذا الكيان العسكري جاء – في أحد جوانبه – تلبية لحاجة جميع الضباط والأفراد الذين كانوا على ولاء لنظام الأسد، وهم الآن منخرطون في المجلس العسكري للسويداء، ليكون غطاء وقائياً يحافظ على حياتهم ومصيرهم، باعتبارهم باتوا مطلوبين للقضاء السوري. وربما يكون مطلب حماية هؤلاء أو مستقبلهم إحدى محطات التفاوض إذا حصل في المستقبل.

منذ اشتعال الاقتتال في السويداء في الثالث عشر من تموز الماضي وإلى الآن، لم يُلحظ في المشهد السوري أي حراك من جميع الأطراف أو أي مبادرة جدية للتعاطي مع أحداث السويداء، بل كل ما نشهده هو ردود أفعال لا تغادر تبادل الاتهامات وإعادة إنتاج سرديات لا يبعث تكرارها إلا على المزيد من تكريس الأزمة.

تزامناً مع خطاب طائفي مسعور قلّ أن شهدت الحالة السورية مثيلاً له، ولعل الأشد بؤساً هو عودة كثير من الواجهات الثقافية والإعلامية من كلا الطرفين إلى حواضنها البدائية والتزامها بحميتها الطائفية أو الدينية وتنصلها من مسؤولياتها، إما لأنها بالفعل ما تزال مشدودة لولائها البدائي أكثر بكثير من ولائها لشعاراتها ومقولاتها الفكرية أو الثقافية، أو لعدم قدرتها على مواجهة التيار الصاخب الذي لا يعلو فيه سوى الصراخ الطائفي المقيت. وفي هذه الحال، كان – وما يزال – الجميع ينتظر صوت الحكومة السورية باعتبارها ممثلة للدولة، والتي لا ينبغي أن يكون موقفها محكوماً بردود الأفعال الأخرى. فالدولة وإن كانت طرفاً في النزاع، إلا أنها ليست طائفة وليست جماعة، ولا ينبغي لها أن تفكر من هذا المنظار، بل هي الدولة بما تمثله من مرجعية لعامة السوريين بعيداً عن أية محددات عرقية أو دينية أو جهوية. وبالتالي، فإن اكتفاءها بمعالجة الأزمة عبر البحث في المؤثرات الخارجية – على الرغم من أهميته – لا يمكن أن يؤسس لحل مستدام وصحيح.

الإحالة الدائمة إلى دور العوامل الخارجية في استمرار الأزمة، وإن كان صحيحاً، إلا أنه لا يمكن أن يسهم في تمهيد سبل الحل المطلوب. إذ لقد وفر قادة إسرائيل كثيراً من عناء التأويل على أصحاب التحليل وهواة الحديث عن استشراف الاستراتيجيات المستقبلية، إذ أكد قادة الكيان الصهيوني (كان أكثرهم وضوحاً جدعون ساعر) في أكثر من مرة، ومن قبل سقوط الأسد بأشهر، أنهم يسعون إلى تقسيم سوريا وفقاً لمحددات عرقية ودينية. كما لم تكن تخفى ادعاءاتهم بالدفاع عن الأكراد تارة، والدروز والعلويين تارة أخرى، علماً أن الأكراد والدروز والعلويين ليسوا مسؤولين بالضرورة عن توجهات إسرائيل أو ادعاءاتها، إلا أن النتيجة المؤسفة هي قدرة إسرائيل بالفعل على استثمار النزاع الطائفي في سوريا. وليس أدلّ على ذلك من أن يكون موضوع السويداء على قائمة جدول أعمال لقاءات وزير الخارجية السوري بالجانب الإسرائيلي خلال اجتماعين سابقين في باريس، وبحضور المبعوث الأميركي توماس براك.

هل وصلت الحكومة السورية إلى طريق مسدود؟

منذ الأشهر الثلاثة الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، أسهمت الحكومة السورية في إقامة جسور من التواصل والحوار مع أهالي مدينة السويداء، إلا أنها اختزلت تلك الجسور والحوارات مع رجال الدين وفي مقدمتهم حكمت الهجري، في حين أبدى الأخير تردداً واضحاً في تطوير العلاقة وتنميتها مع دمشق، ثم سرعان ما تطور تردد الهجري إلى موقف عدائي حيال السلطة السورية الجديدة، متهماً إياها بالإقصاء والإرهاب، وذلك قبل اندلاع أحداث السويداء. ما يعني أن المسار الذي قرر الهجري انتهاجه – وربما كان ذلك بالتنسيق مع طرف خارجي – قد تم تحديده سابقاً، وقد وجد فرصة مناسبة لتعزيزه من خلال الأحداث الدامية التي شهدتها أيام (13 – 14 – 15 تموز الماضي).

ولكن على الرغم من ذلك، ما تزال الحكومة السورية لا ترى مفاتيح الحل إلا بالمرجعيات الدينية وفي مقدمتها الهجري، وربما ما تزال ترى الحل في صدور موقف تنتظره من واشنطن وتل أبيب بتنصلهما من أي دعم لمشروع انفصالي يقوده الهجري ومن حوله. ولعل السؤال الذي ما يزال يتكرر على الدوام: لماذا تصر الحكومة السورية على تحييد باقي الفعاليات السياسية والنقابية والمجتمع المدني في السويداء؟ أما القول بأن تأثيرهم يكاد يكون محدوداً قياساً بالنفوذ الذي يملكه رجال الدين، فهذا ربما يكون صحيحاً الآن، أي بعد المقتلة التي جرت في السويداء والتي جعلت من الهجري بطلاً في أعين حاضنته، أما قبل ذلك فقد كانت هناك أصوات أخرى ثقافية وفنية وسياسية. وأما عن عدم بروزها آنذاك، فالجواب أن الحكومة السورية أهملتها ولم تبدِ حيالها مبادرات كما فعلت مع الهجري وأقرانه.

لا ينبغي نسيان أن ما جرى في السويداء من إراقة للدماء هو موضع إدانة واستنكار شديدين، بل ما هو مؤكد أيضاً أن أوجاع أهالي مدينة السويداء قد ألقت بتشظياتها على جميع السوريين. ولعل فداحة هذا الوجع وغزارة الجراح، موازاة مع غياب أي محاسبة للجناة، قد أتاحت مناخاً مناسباً لظهور أدوار مشبوهة تسعى إلى المغامرة بمصير ومستقبل السويداء وإرثها النضالي والإنساني الذي لا يمكن تجاوزه أو المزايدة عليه.

ولئن ما يزال صوت الضمائر النقية والعقول البصيرة خافتاً أو مغيباً بموازاة هدير الردح الطائفي وردات الفعل غير المسؤولة، فإن هذا لا ينبغي أن يتحول إلى حالة اعتيادية ينبغي التصالح معها أو التماهي بها، بل لا بد من التفكير عبر مقاربات أخرى أكثر جرأة ومسؤولية، ولو استدعى ذلك تنازلات متبادلة من الجميع. فـ “وضع الملح على الجرح” – كما يقال – خير من تركه يتقيح.

تلفزيون سوريا

———————-

 أقليات سوريا: حبة فريز فوق قالب كاتو!/ عمر قدور

الثلاثاء 2025/08/26

في السجال السوري المتفاقم، لا يخفي كثر من أنصار السلطة رؤيتهم لإسقاط الأسد بأنه انتصار للسنّة، وأنهم لن يفرّطوا به إلى الأبد، حيث لا يُرى حرجٌ في استخدام الأبد على النحو الذي استخدمه أنصار الأسد من قبل. مقابل هؤلاء تكاثرت الدعوات إلى فدرالية سورية، تعتمد على الانقسام الأهلي، وتحديداً في ما يخص الدروز والأكراد والعلويين. هكذا يكون مطلب اللامركزية على سبيل التخفُّف من الهيمنة السُنية، من دون توقّف عند ماهية الوطن ككل، ولا عند فكرة المواطنة التي تُغيَّب كلياً على مذبح الجماعات.

المسألة الطائفية في سوريا ليست بجديدة طبعاً، والمزاد حول فكرة “تحالف الأقليات” في سوريا يعلو ويهبط. هناك مَن يردّ المؤامرة الأقلوية إلى اللجنة العسكرية التي صار لها صيت واسع بفضل ما نقله باتريك سيل عن حافظ الأسد، وهناك من يروّج لكونها مؤامرة فرنسية في الأصل، من خلال إنشاء جيش الشرق الذي صار عماد الجيش السوري بعد الاستقلال. أما الفرضية الأبعد فيعود أصحابها إلى أكثر من قرن، إلى انهيار الإمبراطورية العثمانية وإنشاء الكيان السوري الحديث بحدوده المعترف بها دولياً.

من المعلوم أن المواجهة بين الأسد والإخوان المسلمين في أواخر السبعينات دفعت بالمسألة الطائفية إلى الواجهة، لكن ظروفاً أخرى كان لها تأثير شديد الأهمية أيضاً، فبالتزامن كان المشروع القومي يفشل في العديد من بلدان المنطقة ومنها سوريا، ولن تتأخر التجارب اليسارية في الوصول إلى مآل محبِط تُوِّج بانهيار المعسكر الشيوعي عالمياً. قسم من القوميين واليساريين السابقين سيساهم في قراءة الفشل من خلال منظور يسهل أن يحيل إلى الطائفية، وإن قدَّمه أصحابه كتشريح يوحي بالعكس أحياناً.

هكذا استُرجعت بدايات الفكر القومي، ثم انتشاره، مع التركيز على دور الأقليات فيه. من هذا المنطلق، تكون الثورة العربية ضد العثمانيين مدفوعةً بالأقليات التي أرادت التخلص من السلطنة الإسلامية، في حين لم يكن البقاء تحت حكم السلطنة يؤرِّق الأكثرية العربية السنّية. على هذا النحو ستُفهَم مساهمة المسيحيين الأوائل في الفكر القومي العربي، وصولاً إلى رمزية ميشيل عفلق كمؤسِّس يُعدُّ الأشهر بين قادة حزب البعث. وهو تحليل لا يلتفت إلى تأثيرات الفكرة القومية الوافدة من الغرب إلى عموم المنطقة، وفي مركز السلطنة أولاً، ولا إلى أن انهيار السلطنة كان حدثاً تاريخياً غير منفصل عن انقضاء زمن الإمبراطوريات في العالم ككل.

في جهة اليسار واليسار القومي استرجع البعض تحليلاً لياسين الحافظ، ملخَّصُه أن تعثُّر مشروع الحداثة مردُّه إلى ريادة الأقليات فيه، وأن الحداثة لن تنجح في المنطقة ما لم تحمل لواءها الأكثريةُ العربية السنيّة. بهذا المعنى، كانت مشاريع الحداثة القومية ونظيرتها اليسارية محكومةً بالفشل لأنها على هامش المتن السنّي، وستبقى كذلك ما لم تتبنَّ الأكثرية مشروعَ التحديث. ثم ينبثق عن هذا الاختزال الفادح النظرُ إلى الأكثرية بوصفها كتلة منسجمة ذات طبيعة محافظة، وإلى الحداثة نفسها بوصفها ملجأً أقلويّاً من المحيط السنّي “المحافظ”!

لا ننسى أن انهيار التجربة الشيوعية رافقته مقولات من قبيل موت الأيديولوجيا ونهاية التاريخ، بل موت الحداثة بمعناها الأشمل. وهكذا لم يجد أصحاب التحليلات السابقة أنفسهم أمام تحدّي التفكير بمشروع جديد، على أنقاض المشاريع التي أخفقت. طرْحُ المسألة الوطنية من قبل البعض لم يكن بمثابة مشروع، إذا أخذناه مع المقدّمات السابقة التي تُرجِع فشل التحديث إلى صدوره عن الأقليات، إلا إذا كان المشروع الوطني المقصود مشروعاً سنياً، أو سنياً في المقام الأول ضمن تراتبية لن تتوقف عند التفاضل العددي.

السنوات إياها سيشيع فيها مفهوم السنّة-الأمة، والتوصيف بمثابة أمر واقع ثقافياً، فالمتن السنّي بقي هو الأمة حتى تحت حكمٍ يُحسب على الأقليات هنا أو هناك. أما أخْذ التوصيف إلى حقل السياسة بخفّة شديدة فهو يوصل، وقد أوصل حقاً، إلى ترجمة ذلك بأحقيّة السنّة بالسلطة حصراً، ومن منظور يحولهم عملياً إلى طائفة بخلاف موقعهم الثقافي التقليدي.

المشكلة، في المحصلة، هي في ركاكة المشروع الوطني كما كان يُطرح قبيل اندلاع الثورة في سوريا، بل هو أقل من مشروع إذا احتسبنا ذلك التركيز على الجماعات الأهلية. فالانتباه بمعظمه كان منصرفاً إلى الوطن لا المواطن، وإلى الجماعات لا إلى الأفراد، ما يغيِّب تلقائياً الحرية كمضمون له الأولوية في المسألة الوطنية؛ تحديداً الحريات الفردية التي لا تقوم مواطنة من دونها.

منطق الأكثرية والأقليات، كما هو رائج، يؤدي حتماً إلى تغليب الجماعات على الأفراد، ومن ثم قتْل السياسة بمفهومها المعاصر. فالسياسة في الدولة الحديثة تقوم على خيارات الأفراد الأحرار الذين ينتظمون في أحزاب ونقابات وجمعيات تكون مدخلاً لتشكيل غالبية سياسية (لا أهلية)، والانقلاب عليها لاحقاً وفق نظام تداولي. الغالبيات والأقليات الطائفية والإثنية لا تتغير عادة إلا بأعمال إبادة وتهجير واسعة النطاق، بخلاف الغالبية السياسية التي تتغير سلْماً.

تغليب الجماعات على الأفراد ضمن منطق الأكثرية والأقلية يطعن مبدأ المساواة التي هي في صلب المواطنة، وحتى منطق تمكين الجماعات الصغيرة يأتي لاحقاً على الحريات الفردية التي يُفترض أن تكون متساوية. والطريف أن بديهيات المواطنة يُنظر إليها على أنها مستحيلة التحقيق، في حين لا يُرى التناقض بين بناء الدولة الوطنية المزعومة ودحض مبدأ المواطنة، ولا يُرى كيف كانت تجارب إفراغ الدولة الوطنية من المواطنة تنتهي إلى الحروب الأهلية.

سوريا ليست مثقلة فقط بالصراع الدموي الذي أعقب اندلاع الثورة، هي مثقلة بقراءات لتاريخ الكيان السوري من منطلق التشكك في أدوار بعض السوريين منذ نشأة الكيان الحالي، رغم أن سوريا الحالية هي نتاج انهيار السلطنة، ثم تقسيم المشرق العربي، بإرادات دولية. التشكك، فوق تبنّيه نظرية المؤامرة، ينطوي على نكران حق المشاركة الفعّالة لمن هم خارج الأكثرية المذهبية، وهو ما وصل ببعض التحليلات إلى اعتبار مشروع الحداثة مؤامرة كانت تتسلل عبر “الأقليات”.

ثمة كتلة ضخمة اليوم تفكّر في حل موضوع “الأقليات” بمنحها حضوراً على سبيل الزينة أو الاستعراض، يمكن تشبيهه بحبة الفريز التي توضع فوق قالب من الكاتو، ما يستدرج سجالاً لا يهدأ حول حقوق الجماعات، بينما يغيب نهائياً النقاش حول حقوق المواطنة. التلازم بين تغييب هذا وحضور ذاك ليس عفوياً، لذا من المرجَّح استمرار السجال الطائفي السوري طالما بقي صالحاً لاستقطاب الذين يتخلّون طوعاً عن المطالبة بحقوقهم كمواطنين.

 المدن

 —————————–

ما الذي يناسب سوريا حقاً؟/ بكر صدقي

26 آب 2025

في تصريحات جديدة أدلى بها المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس براك، قال إن «ما يناسب سوريا هو نظام ليس فيدرالياً ولكن شيئاً قريباً منه». السمسار العقاري الذي عينه ترامب للمهمة المذكورة، إضافة إلى شغله مقعد سفير الولايات المتحدة في أنقرة، يتحدث كثيراً أمام وسائل الإعلام، وفي كل مرة يثير زوبعة من النقاشات، ليس لأهميته الشخصية أو بسبب «أفكاره» البعيدة عن الرصانة الدبلوماسية، بل بسبب وزن الدولة التي يمثلها في المعادلات الدولية كما في توازنات القوى في سوريا ما بعد الأسد. لذلك لا مفر من أخذ تصريحاته على محمل الجد بصرف النظر عن غرابتها أو عن تضاربها بين تصريح وآخر.

سبق لبراك أن أعلن، قبل نحو شهرين، رفضه للنظام الفيدرالي في إطار ضغطه على قوات سوريا الديمقراطية لتسريع اندماجها في الجيش التابع لحكومة دمشق. ومنذ ذلك الحين برز التباين بين دمشق وقسد في فهمهما لاتفاق العاشر من آذار، فرفضت الأولى المشاركة في اجتماع باريس الذي كان مقرراً. تزامن هذا الرفض مع تصريحات تصعيدية من تركيا سمحت بتفسير التوتر الحاصل بإرجاعه للعامل التركي. بين تصريحي باراك المشار إليهما وقعت مجازر السويداء التي ورطت سلطة دمشق نفسها فيها وخرجت بهزيمة سياسية دفعتها إلى التفاوض على وضع السويداء المحاصرة مع تل أبيب!

فهل تغير الموقف الأمريكي بسبب هذه التطورات التي نتجت عنها قطيعة نفسية حادة لدى الدروز في علاقتهم مع دمشق، بل ربما مع الوطن السوري بكامله؟ هل باتت واشنطن تميل إلى تبني نوع من اللامركزية السياسية التي كانت ترفضها في الشهور السابقة بعدما رأت أن تعايش المكونات السورية تحت سلطة هيئة تحرير الشام لم يعد قابلاً للحياة؟ الأمر الذي ينطوي على فرضية أن هذه السلطة باقية بدعم أمريكي، ولا خطط لدى واشنطن في الأمد القريب لفرض نظام تشاركي على دمشق وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254 الذي عاد بيان صادر مؤخرا عن مجلس الأمن إلى التذكير به.

ففي لقاء جمعه مع رؤساء تحرير مجموعة من الصحف العربية والدولية، أعاد أحمد الشرع التأكيد على «ثوابته» بشأن الدولة المركزية وحصر السلاح بيدها ورفض المحاصصة الطائفية. كما أن سلطة دمشق ماضية، في الوقت نفسه، في خططها بشأن تشكيل جسم تشريعي تسميه «مجلس شعب انتقالي» مع إقصاء كل من السويداء والحسكة والرقة بدعوى افتقادها لبيئة آمنة. مع العلم أن الشرع سيقوم بتعيين ثلث أعضاء الجسم التشريعي، في حين تشرف هيئة قام بتعيين أعضائها أيضاً على انتخاب الثلثين المتبقيين.

هذا يعني أن سلطة دمشق التي تحظى باعتراف دولي مشروط، ولا تحظى بقبول عام لدى السوريين، مصممة على تكريس تفردها بالسلطة، على رغم فشلها في التعامل مع تنوع المجتمع السوري، وتسببها بكوارث وطنية في منطقتي الساحل والسويداء، وتشكيلها جيشاً وقوات أمن عام من لون طائفي واحد معزز بإيديولوجيا متطرفة، مع حفاظ الفصائل التي من المفترض أنها انضمت إلى الجيش على ولاءاتها السابقة.

بدلاً من إصرار مجلس الأمن على إلزام دمشق بتنفيذ مضمون القرار 2254 الذي يعني نوعاً من مشاركة جميع الأطياف السياسية والاجتماعية في السلطة المركزية الانتقالية، يأتي تصريح براك الجديد كما لو كان استسلاماً أمريكياً أمام عناد دمشق على التفرد بالسلطة، مقابل توزيع هذه السلطة على الأقاليم في نظام «ليس فيدرالياً لكنه قريب منه»!

الواقع أن النظام اللامركزي قد يكون فعلاً حلاً لمشكلة انعدام الثقة بين المكونات الوطنية والسلطة المركزية في دمشق، وهو ما يطالب به أصلاً كرد ودروز وعلويون، في غياب شبه تام لقوى سياسية عابرة للهويات الصغرى، في وقت نبذت فيه سلطة دمشق ما هو موجود منها، فحل «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» نفسه «طوعاً» ويطالب مستشار الشرع أحمد موفق زيدان تنظيم الإخوان المسلمين بأن يحلوا أنفسهم.

مع ذلك كان يؤمل أن يقرر السوريون أنفسهم فيما إذا كانوا يريدون الحفاظ على النظام المركزي كما عرفوه طوال عمر الكيان السوري، أم الانتقال إلى شكل من أشكال النظام اللامركزي، في مؤتمر وطني يضع عقداً اجتماعياً جديداً يؤسس لدولة تحتضن تنوعهم. لا أن يطرح أفّاق أمريكي حدث أن شغل موقعاً مهماً أفكاراً يظن أنها «مناسبة» لهم. ثم إن السلطة القائمة في دمشق اليوم هي سلطة انتقالية، لكنها تتصرف كما لو كانت أبدية، أو كما لو كانت هي «الدولة» على ما يحاول إعلاميو المجموعة الحاكمة أن يروّجوا.

منذ أول تعيينه مبعوثاً لسوريا تحدث براك عن «الخطأ» الذي ارتكبه الغربيون في هندسة المنطقة وفقاً لاتفاقات سايكس ـ بيكو، وقال إن الولايات المتحدة لن تتدخل بعد الآن في شؤون الدول الأخرى. وفي ولايته الأولى قال ترامب إن الشرق الأوسط عبارة عن قبائل متحاربة منذ آلاف السنين! هذه هي رؤية ترامب وفريقه لمنطقتنا. بتمكينهم هيئة تحرير الشام من الاستيلاء على السلطة في أواخر العام الماضي، ثم اعترافهم بها ورفع العقوبات عنها، مع معرفتهم لما يمكن أن تثيره من هواجس لدى السوريين (للأسف تحقق كثير منها) وإطلاقهم تصريحات وأفكاراً متضاربة بشأن مستقبل الدولة السورية، كأنهم يريدونها ضعيفة مفككة «بقبائل» وجماعات تواصل احترابها الداخلي لألف عام إضافي، لمصلحة من؟ حزرتم: لمصلحة إسرائيل بالطبع!

من الحصافة ألا ينساق المرء وراء نظريات المؤامرة. ولكن ماذا نفعل إذا كانت المؤامرات تحاك فعلاً، والأسوأ منها أنها تتحقق بأدوات محلية!

كاتب سوري

القدس العربي

——————————-

 التطبيع السوري رهينة أميركية إسرائيلية/ بسام مقداد

الثلاثاء 2025/08/26

وصف أحدهم حالة إيران وحزب الله الراهنة بأنها مثل سيارة سقطت في وادٍ سحيق، ولم يسلم منها سوى جهاز الراديو الذي ما زال يبث بأعلى صوته. ومَن يستمع إلى تصريحات الإيرانيين و ما تبقى من أذرعهم في المنطقة، يتراءى له بأنهم يصدقون فعلاً أن سيارتهم خرجت من القعر ولم تُصب سوى بخدوش. وفي السياق، تعود الذاكرة إلى تسعينات القرن الماضي، حين اختطفت إسرائيل أحد مقاتلي حزب الله من قريته البقاعية. وبعد إطلاق سراحه في صفقة تبادل، عُلّقت صورته تحت أحد جسور الضاحيةالجنوبية لبيروت، وكتب عليها “الحمد لله نحن دائماً على حق”.

أتباع الأيدولوجيات، المنتصرون في كل المعارك، ومهما تغير واقعهم وتقلبت المياه تحت جسورهم، وحتى لو هدمتها، “هم دائماً على حق”. ومقابل هذا الحق الإلهي في الصواب الأبدي للإيديولوجية الدينية، كان الشيوعيون أتباع الأيديولوجيا الملحدة يرددون دائماً “وقد أثبت التاريخ صحة وجهة نظرنا”. وبينما يعلن الإيرانيون وأذرعهم أنهم منتصرون و”دائماً على حق”، يعلن الرئيس السوري أن المفاوضات مع إسرائيل قد حققت تقدماً، وتتخذ السلطات اللبنانية قراراً بتجريد حزب الله من سلاحه، وفي طريق غزة ما زالت “حماس” تضع الشروط على صفقة إنقاذ ما تبقى من حياة في القطاع.

ومع ذلك، ما زالت نبرة إيران وحزب الله وبقايا الأذرع، ترتفع عالياً. يريدون من المنطقة والعالم أن يصدقوا “نصرهم”، ويتجاهلوا أن إسرائيل الآن هي التي تملي الشروط مع الولايات المتحدة، على إيران وعلى محمياتها السابقة التي تقف على عتبة التطبيع الأمني مع إسرائيل، تمهيداً للتطبيع الشامل. وحكاية إيران وأذرعها تشبه حكاية ما يسمى “حشرة ثمرة اليقطين”. تدخل الحشرة في الثمرة عبر ثقب صغير، وتبدأ بالتهام داخلها حتى تفرغها نهائياً وتأخذ حجم الثمرة. وحين تنتهي من مهمتها وتهم بالخروج، تصطدم بضخامة حجمها وصغر الثقب الذي دخلت منه، فتضطر للصيام والعودة إلى حجمها السابق. كانت إيران تفاخر بدخولها يقطينات المنطقة الأربع، ومهما علت نبرتها وهي توزع تهديداتها الآن، ثمة مَن يجبرها على الخروج والعودة إلى حجمها الذي كانت عليه.

ومن دون أن ترفع الولايات المتحدة وإسرائيل نظرهما عن إيران العائدة إلى المفاوضات مع الترويكا الأوروبية، تنشط الدولتان الآن على الجبهتين السورية واللبنانية. ففي 22 آب الجاري، نشر موقع Detaly الإسرائيلي الناطق بالروسية، نصاً نقله عن صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية. وعنون الموقع النص: “تشابك المصالح الأميركية الإسرائيلية قد يصالح سوريا وإسرائيل”. ورأى المحلل في “هآرتس”، جاكي خوري، أن اللقاء بين وزير الخارجية السوري ووزير القضايا لإستراتيجية الإسرائيلي، في باريس، وكذلك لقاء الشيخ موفق طريف وتوم باراك، يشيران إلى أن المنطقة هي مسرح تشابك المصالح الأمنية والسياسية الأميركية والإسرائيلية. ولذلك، قد يوفر هذا التشابك نموذجاً نادراً للتعاون بين متنافسين بدا أن التوفيق بينهما مستحيل. لكن، إذا فشلت هذه الجهود الدبلوماسية، فستستمر الفوضي في المنطقة، وقد يرتفع مستوى التصعيد ويتعدى المنطقة. ومشاركة الولايات المتحدة تشير إلى استمررها في تشكيل النظام السوري الجديد، مع العلم أن لدى تركيا طموحات أيضاً حيال سوريا.

ورأى الكاتب أن المفاوضات بالنسبة للنظام السوري هي فرصة لفتح قناة اتصال مع إسرائيل، لا سيما لتعزيز العلاقات مع واشنطن. لكن تنازلات الشرع قد يعتبرها لمجتمع السوري خيانة تقوض شرعية حكمه. أما بالنسبة لإسرائيل التي تحتل قسماً من المنطقة العازلة، فهي غير معنية بالمسؤولية عن سكان هذه المنطقة، وتسعى لإعادتها إلى النظام السوري. وبعد أن يشير الكاتب إلى أن الإجتماع بين الشيخ طريف وباراك، ركز على إقامة معبر إنساني بين سوريا وإسرائيل،و يقول بأن محيط باراك يصرح بأن الولايات المتحدة تواصل دعم كل الجهود المؤدية إلى السلام والاستقرار بين إسرائيل وجيرانها. ويقولون أن هذا الدعم ينبثق من رؤية ترامب لشرق أوسط مزدهر، حيث سوريا المستقرة تعيش سلاماً مع نفسها ومع جيرانها، بمن فيهم إسرائيل. ويقول الكاتب أنه، في حين يتحدث نظام الشرع عن سعيه لحماية دروز السويداء، تصدر دعوات لإقامة منطقة حكم ذاتي درزية توفر الأمن للطائفة. كما تحدثت “هآرتس” عن المفاوضات في مرحلتها الراهنة. لكن المفاوضات تدور من أشهر، وكان الإعلام يفيض بالتكهنات عن حقيقة حصولها، ويلاحق سريتها أو علنيتها.

ونشر موقع caliber الأذري، في 3 تموز الماضي، نصاً تساءل في عنوانه عما إن كان السلام سيقوم بين سوريا وإسرائيل. وكتب النص خصيصاً للموقع، مؤلف كتاب “إسرائيل: الطرييق إلى الكارثة”، وهو المؤرخ الإسرائيلي روسي الأصل أرتيوم كيربيتشينوك Artem Kirpichenok الذي يتساءل عما إن كان مصير إسرائيل سيكون مشابهاً لمصير الدول الإستعمارية. واستهل الكاتب نصه بالقول أن التصريحات التي أطلقها آنذاك عدد من السياسيين، تشير إلى أن البلدين العدوين منذ نشوء إسرائيل، عملياً، قد يتمكنان من عقد إتفاقية سلام. ونقل عن مصدر إسرائيلي لم يذكر إسمه، أنه ليس لديه معلومات ما إن كان سيتم التوصل إلى إتفاقية شاملة عن تطبيع العلاقات بين والبلدين ومتى. وقال بأنه يعتقد أن الشرع يسير في الطريق الصحيح، إذ يريد حكومة تنعش الإقتصاد والإستثمارات. ونقل عن المصدر المجهول قوله لصحيفة The Times of Israel “نحن حذرون، وحذرون جداً”. وأكد المصدر أن “هناك رغبةً مطلقةً في توسيع نطاق اتفاقيات أبراهام…وليس سرًا أننا نريد أن تكون سوريا جزءًا منها”. وأضاف أنه، حتى في حال التوصل إلى اتفاقيات، فإن إسرائيل لن تتخلى عن جبل الشيخ أو مرتفعات الجولان.

وأشار الكاتب إلى أن وزير الخارجية الإسرائيلي أكد على الفور تقريباً ما جاء على لسان المصدر، إذ عبّر عن إستعداد إسرائيل لتطبيع العلاقات مع سوريا ولبنان وضمّهما إلى إتفاقيات أبراهام. واستهجن الكاتب كلام وزير الخارجية الذي كان منذ مدة وجيزة يعتبر الشرع “إرهابياً مستتراً”، وحذّر من “الإستسلام لسحره”. لكن الكاتب رأى أنه، بعد حرب الإثني عشر يوماً مع إيران، تعرض موقف الحكومة الإسرائيلية من الشرع لبعض التغييرات. ورأى احتمال أن يكون وقوف سوريا على الحياد في فترة الحرب قد لعب دوراً في ذلك. ونقل الكاتب عن مصدرين إسرائيليين رفيعي المستوى قولهما أن الصفقة محتملة، لكنهما أكدا أنها تتطلب الكثير من الوقت. كما نقل عن ممثل للولايات المتحدة قوله أن المفاوضات كانت تتولاها حينها الحلقة متوسطة المستوى، ولم يكن قد جرى البحث بعد في لقاء زعيمَي سوريا وإسرائيل. وتمت الإشارة حينها إلى أن الولايات المتحدة كانت تؤيد عملية تدريجية من شأنها أن تساعد في تعزيز الثقة وتحسين العلاقات بين إسرائيل وسوريا.

وبعدما استرسل في الحديث عن تطور المفاوصات حينها، ومطالب سوريا وشروط إسرائيل لمواصلتها، توقف الكاتب عند لقاء الحاخام الأميركي أبراهام كوبر مع الشرع في حزيران/يونيو المنصرم، وتأكيده بأن اللقاء بين نتنياهو والشرع “أكثر من محتمل”. وينوي الشرع التوجه إلى نيويورك في شهر أيلول المقبل لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتقول مصادر إسرائيلية أنهم  في دمشق لا يستبعدون اللقاء بين الشرع ونتنياهو. وقد يكون الوسيط في اللقاء ولي العهد السعودي الذي سيزور دمشق في وقت قريب جداً.

المدن

—————————-

مفاوضات بين سورية وإسرائيل: الاحتلال يسعى لفرض ترتيبات أمنية في الجنوب/ عدنان علي

26 اغسطس 2025

أثارت تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع أمام وفد إعلامي عربي، التقاه يوم الأحد الماضي في دمشق، حول وجود مفاوضات بين سورية وإسرائيل قطعت شوطاً متقدماً بشأن اتفاق أمني بينهما، تساؤلات حول حدود هذا الاتفاق المحتمل، وهل يرتقي إلى “اتفاق سلام” دائم، وما إذا كانت الحكومة الحالية مخولة عقد مثل هذه الاتفاقيات، في وقت يواصل الاحتلال انتهاكاته وتوغلاته داخل الأراضي السورية، وآخرها ما جرى في اليومين الماضيين.

وتوغلت قوة إسرائيلية، أمس الاثنين، في بلدة بيت جن في ريف دمشق، والتي تبعد نحو 50 كيلومتراً عن مركز العاصمة السورية. وقال الناشط الإعلامي في الجنوب السوري يوسف المصلح، لـ”العربي الجديد”، إن قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي سيطرت على تل باط الوردة في جبل الشيخ، وواصلت تقدمها نحو بلدة بيت جن التابعة إدارياً لريف دمشق الجنوبي الغربي، وانتشرت قواتها في البلدة، وأطلقت النار في الهواء. وأضاف أن القوات الإسرائيلية توغلت أيضاً مساء أول من أمس الأحد في بلدة الرفيد بريف القنيطرة، وأقامت حاجزاً على المدخل الشرقي للبلدة. في غضون ذلك، انسحبت قوة إسرائيلية من بلدة بريقة بريف القنيطرة، ومن المفرزة الأمنية فيها، والتي دخلت إليها لقرابة ساعتين الأحد الماضي. كما أجرت قوات الاحتلال عمليات تفتيش في قرية عين العبد بريف القنيطرة. وقال جيش الاحتلال في بيان الأحد الماضي، إن “قوات من لواء غولان 474 بقيادة الفرقة 210، نفذت الأسبوع الماضي، عدة مداهمات لضبط أسلحة واعتقال مشتبه بهم والتحقيق معهم في المنطقة الجنوبية من سورية”، زاعماً أنّ “القوات عثرت على عدة مستودعات أسلحة قبل مصادرتها، تتضمن صواريخ “آر بي جي”، وعبوات ناسفة، وأسلحة كلاشنيكوف، بعد عمليات تفتيش متزامنة لأهداف متعددة”.

ودانت وزارة الخارجية السورية، في بيان أمس الاثنين، “التوغل العسكري الذي نفذته قوات الاحتلال في منطقة بيت جن في ريف دمشق، والذي تم عبر قوة مؤلفة من 11 آلية عسكرية ونحو 60 جندياً، والسيطرة على تل باط الوردة في سفح جبل الشيخ، في انتهاك سافر لسيادة الجمهورية العربية السورية، ووحدة أراضيها”. واعتبرت أن “هذا التصعيد الخطير يعد تهديداً مباشراً للأمن والسلم الإقليميين، ويجسد مجدداً النهج العدواني الذي تنتهجه سلطات الاحتلال، في تحد صارخ لأحكام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، لا سيما تلك المتعلقة باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية”. وأضاف البيان: “إذ تؤكد وزارة الخارجية والمغتربين أن استمرار مثل هذه الانتهاكات يقوض جهود الاستقرار ويفاقم من حالة التوتر في المنطقة، فإنها تجدد دعوتها إلى منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لتحمل مسؤوليتهم القانونية والأخلاقية، واتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لردع سلطات الاحتلال عن ممارستها العدوانية، وضمان مساءلتها وفقاً لأحكام القانون الدولي بما يكفل صون سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها”.

وجاءت مواقف الشرع في وقت يستعد للسفر إلى نيويورك في سبتمبر/أيلول المقبل، لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقال مسؤول في وزارة الخارجية السورية لوكالة فرانس برس إن الشرع “سيشارك في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك حيث سيلقي خطاباً”. وأضاف: “سيكون أول رئيس سوري يتحدث في الأمم المتحدة منذ الرئيس الأسبق نور الدين الأتاسي (عام 1967) وأول رئيس سوري يشارك في اجتماعات الجمعية العامة” المقرر عقدها بين 22 و30 سبتمبر المقبل.

وفي كلامه أمام وفد إعلامي عربي مساء الأحد الماضي، قال الشرع إن أي اتفاق أمني سيتم الوصول إليه مع إسرائيل، سيكون على أساس خط الهدنة عام 1974. ونقل رئيس تحرير قناة “سكاي نيوز عربية” نديم قطيش، الذي حضر اللقاء، عن الشرع قوله إن المفاوضات في مرحلة متقدمة من الوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، وإن فرص إتمام هذا الاتفاق أكبر من فرص عدم الوصول إليه، مشيراً إلى أنه إن حدث هذا الأمر فسيكون على قاعدة خط الهدنة لعام 1974، بما يحفظ سيادة سورية ويفتح المجال لإجراءات بناء الثقة وربما الوصول إلى اتفاق سلام. ولفت إلى أن الرئيس السوري لا يرى الظروف الحالية سانحة لعقد اتفاق سلام مع إسرائيل، لكنه أكد أنه لو رأى أن اتفاق سلام سيخدم سورية والإقليم، فلن يتردد في عقده وسيكون ذلك على الملأ، فيما لم يصدر أي نفي من الرئاسة السورية. وتزامن حديث الشرع مع وصول المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك، إلى القدس المحتلة الأحد الماضي، حيث عقد اجتماعاً مع رئيس وزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تناول الملفين السوري واللبناني.

ونقل موقع “أكسيوس” الأميركي عن مصادر إسرائيلية وأميركية قولها إن برّاك بحث مع نتنياهو وقف الهجمات على لبنان والمفاوضات بين سورية وإسرائيل. كما التقى أيضاً، وزير الخارجية جدعون ساعر، ووزير الأمن يسرائيل كاتس، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، الذي كان اجتمع مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في باريس في 19 الشهر الحالي بحضور برّاك، بهدف بحث سبل خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار في الجنوب السوري، وإمكانية التوصل إلى ترتيبات أمنية بين الجانبين. وشمل النقاش وفق وكالة “سانا” السورية الرسمية إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، الموقع بين الجانبين برعاية الأمم المتحدة، والذي ينص على الالتزام بوقف إطلاق النار والحفاظ على خطوط التماس دون تغيير.

اتفاق فك الاشتباك بين سورية وإسرائيل

ووقّعت سورية وإسرائيل اتفاق فك الاشتباك عقب حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، بهدف الفصل بين القوات المتحاربة. وتضمن الاتفاق وقتها ترتيبات لفصل القوات، وحدد خطين رئيسيين عُرفا بـ”ألفا” و”برافو”، يفصلان بين المواقع العسكرية السورية والإسرائيلية. كما أنشئت منطقة عازلة بين الخطين، تخضع لإشراف قوة من الأمم المتحدة تعرف بـ”أندوف”، ويبلغ طولها نحو 80 كيلومتراً من الشمال حيث الحدود اللبنانية إلى الجنوب قرب بحيرة طبريا، ويتراوح عمقها بين 500 متر و10 كيلومترات، حيث يمنع على الجانبين إدخال أسلحة إلى هذه المنطقة التي تكون تحت إشراف قوات الأمم المتحدة. وفي الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلنت إسرائيل إلغاء الاتفاق من جانب واحد، وقررت احتلال منطقة جبل الشيخ الحدودية السورية المحاذية للجولان المحتل، ومجمل المنطقة العازلة بحجة المخاطر الأمنية الناجمة عن تبدل الحكم في سورية. وأقام جيش الاحتلال نحو 11 نقطة عسكرية ثابتة ضمن المنطقة العازلة من الشمال إلى الجنوب، لكنه توسع أيضاً خارج المنطقة العازلة في عمق الأراضي السورية، عبر توغلات شبه يومية في محافظتي القنيطرة ودرعا، وصلت أحياناً إلى بعد 20 كيلومتراً من العاصمة دمشق.

وقال العميد المتقاعد عبدالله الأسعد، لـ”العربي الجديد”، إن إسرائيل تسابق الزمن لفرض أمر واقع جديد في محافظة القنيطرة، سواء في المناطق القريبة من المنطقة العازلة أم في القطاع الشمالي، وذلك في إطار سعيها لفرض حقائق على الأرض تستخدمها كورقة تفاوضية مع الجانب السوري ضمن المفاوضات التي يجري الحديث عنها اليوم. ورأى الأسعد أن الجانب الإسرائيلي يقدم مطالب صعبة للجانب السوري بشأن الترتيبات الأمنية التي تريد إسرائيل أن تتجاوز اتفاقية 1974 والترتيبات الأمنية الواردة فيها، والتي تحدد حجم القوات والمحاور التي تنتشر فيها وتسليحها ونوعيتها. وأوضح أن إسرائيل تعمل على تعديل تلك الاتفاقية عبر إجراءات أحادية من طرفها، وتريد تثبيتها في الاتفاق الذي يجري التفاوض عليه حالياً مع الجانب السوري. ولفت إلى استغلال إسرائيل أحداث السويداء الأخيرة من أجل تحقيق هذه الأهداف ومنع الجيش السوري من التقدم جنوباً، معتبراً أن المعركة التفاوضية الحالية مع إسرائيل أصعب من المعارك الحربية.

ورأى بعض المراقبين أن الحديث عن اعتماد اتفاقية فك الاشتباك قاعدة للمفاوضات ربما يكون “شكلياً”، حيث يفضل الجانب السوري الإبقاء على هذا الاتفاق كأساس للترتيبات الأمنية بين الجانبين، ولكن قد يكون مستعداً لقبول “تعديلات” عليه، وإن كان من غير المعروف حتى الآن حجم هذه التعديلات. واستبعد الباحث محمد إبراهيم، في حديث مع “العربي الجديد”، أن تعود إسرائيل في الوقت الحالي إلى الحدود التي تحددها اتفاقية فك الاشتباك بعدما أعلنت مراراً أنها باقية في المناطق التي احتلتها خلال الشهور الأخيرة إلى حين التوصل لاتفاق جديد مع دمشق. وأضاف أن كبار المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم نتنياهو، أعلنوا أكثر من مرة أنهم لن يسمحوا للحكومة السورية بنشر قوات جنوبي دمشق، معتبرين أن كل المنطقة التي تفصل العاصمة عن الحدود مع الجولان المحتل يجب أن تكون منزوعة السلاح، ما يعني توسيع المنطقة العازلة من 10 كيلومترات في حدها الأقصى كما كان عليه الحال بموجب اتفاق 1974 إلى نحو 70 كيلومتراً من جهة السويداء ودرعا ونحو 40 كيلومتراً من جهة القنيطرة.

وتوقع إبراهيم أن تستغرق قضية الترتيبات الأمنية وقتاً أطول مما يشاع عن إمكانية توقيع اتفاق الشهر المقبل على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن تحتاج إلى تدخل فعال من الجانب الأميركي، لأن الحكومة الإسرائيلية تعتقد أنها في موقف قوي يمكنها فرض شروطها على الجانب السوري، لكن هذه الشروط قد يصعب على الحكومة السورية القبول بها. ورأى أن تركيز الجانب السوري قد يكون خلال هذه المرحلة على وقف الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية لما تسببه من حرج للحكومة في دمشق، وتظهرها بمظهر الضعف، وغير القادرة على الدفاع عن أراضيها. أما احتلال إسرائيل بعض المناطق الحدودية فهو عملية “غير مرئية” لعامة الناس، ويمكن التفاهم عليها خلال مدة أطول. كما لفت إلى أن الحكومة السورية الحالية قد لا تمتلك صلاحيات دستورية كافية لتوقيع اتفاقيات خارجية ذات طابع استراتيجي، لأن صلاحياتها انتقالية تقتصر على تسيير الأمور إلى حين إجراء انتخابات، وتشكيل حكومة ناجمة عن هذه الانتخابات، يكون من صلاحيتها توقيع مثل هذه الاتفاقيات.

التعديلات المقترحة

ورأى الصحافي السوري أحمد المسالمة أن التعديلات على اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 قد تشمل توسيع المنطقة العازلة، وزيادة عمق المنطقة منزوعة السلاح في الجانب السوري، بما يضمن لإسرائيل مسافة أمان أكبر، إضافة إلى توسيع صلاحيات قوات “أندوف” التابعة للأمم المتحدة ومنحها تفويضاً أوسع للمراقبة (طائرات مسيّرة، أدوات مراقبة إلكترونية، تقارير علنية أكثر شفافية). كما يمكن أن يتضمن التعديل ضبط حركة القوات السورية، وتحديد سقف لحجم ونوعية القوات السورية المسموح انتشارها قرب خط وقف إطلاق النار، مع تشديد القيود على الصواريخ والطائرات المسيّرة. ورأى المسالمة أن إسرائيل قد تطالب الجانب السوري أيضاً بالتزامات مكتوبة بعدم السماح بوجود أو نشاط لقوات أجنبية (إيران، حزب الله، أو غيرها) جنوب دمشق وحتى حدود السويداء ــ درعا، إضافة إلى بروتوكول ملحق لمكافحة التهريب عبر الحدود، خصوصاً مع تحوّل الجنوب السوري إلى ممر للمخدرات والأسلحة، واعتماد تكنولوجيا مراقبة حديثة (كاميرات، رادارات، أقمار اصطناعية) بإشراف أممي أو مشترك.

وبشأن مدى القبول السوري بهذه المطالب، قال المسالمة إن الجانب السوري سوف يتمسك بعدم المساس بالسيادة على الجولان المحتل، ولن يقبل بأي بند يُلمّح إلى اعتراف بسيطرة إسرائيل أو تعديل الوضع القانوني للجولان، مع التركيز على الأمن دون السياسة، أي أن التعديلات ستظل تقنية وأمنية، لا سياسية، بحيث يُقدَّم الاتفاق للرأي العام كترتيب ميداني لا كتنازل. كما أن دمشق تربط، وفق المسالمة، موافقتها على التعديلات بالحصول على دعم اقتصادي أو تسهيلات في ملف العقوبات وإعادة الإعمار.

وحول تأثير الاتفاق على الوضع في السويداء، رأى المسالمة أن مثل هذا الاتفاق قد يمنح مساحة للدولة السورية لالتقاط الأنفاس داخلياً، لكنه في الوقت ذاته يضعها تحت ضغط “الشرعية الوطنية” أمام شعب حساس جداً تجاه مسألة الأرض والسيادة. واعتبر أن الاتفاق قد يكون ضرورة خارجية، لكنه ليس ضمانة داخلية، مشيراً إلى أن القدرة على مواجهة تحديات السويداء وغيرها ستعتمد على العقد الاجتماعي الجديد داخل سورية، أكثر مما تعتمد على تفاهم مع إسرائيل. وأضاف أنه “إذا نجحت دمشق في تثبيت تفاهم أمني مع إسرائيل، فإن ذلك يخفف الضغوط العسكرية والحدودية، ما يمنحها هامشاً أكبر للتركيز على الداخل. هذا يعني قدرة أكبر على معالجة ملفات مثل السلاح غير المنضبط، الاقتصاد الموازي، والفوضى الأمنية في السويداء”، إضافة إلى أن “إضعاف ورقة الحماية الخارجية، وتراجع التوتر مع إسرائيل، قد يضعفان الخطاب المحلي الذي يبرّر رفع أعلام إسرائيل والتلويح بالاستقواء بها. وهنا تكسب الدولة نقطة رمزية في مواجهة سرديات الحماية الأجنبية”.

———————

 لماذا غيّرت إسرائيل نهجها حول الاتفاق الأمني مع سوريا؟

الثلاثاء 2025/08/26

قالت صحيفة “هآرتس” العبرية إن النهج الإسرائيلي تجاه رفض عقد اتفاق أمني مع سوريا قد تغيّر، لافتةً إلى أن شروطاً إسرائيلية كإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، قد تبدو مقبولة بالنسبة للجانب السوري.

سرية إسرائيلية

وقالت الصحيفة في تقرير، إن إسرائيل تحرص على المحافظة على أقصى قدر من السرية بشأن المفاوضات مع سوريا، والتي تجري بوساطة من المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، مشيرةً إلى أن الأخير زار إسرائيل، الأحد الماضي، والتقى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر.

وأضافت أن تل أبيت لم تكن ترغب مطلقاً، قبل شهرين، باتفاق أمني محدود يقيّد عمل إسرائيل في سوريا، إنما كان الهدف سلسلة طويلة من خطوات بناء الثقة التي يمكن أن تنتهي بتوقيع اتفاق سلام كامل بين دمشق وتل أبيب.

إلا أن النهج الإسرائيلي يبدو أنه قد تغيّر، مرجحةً أن ذلك يعود إلى الضغط الأميركي أو الصراعات العنيفة التي اندلعت في محافظة السويداء في منتصف تموز/يوليو، بين الميليشيات الدرزية والبدو والقوات السورية، أو نتيجة مزيج من هذين العاملَين.

المطالب السورية

ونقلت الصحيفة عن “مصادر سورية”، قولها إن المصلحة الرئيسية للإدارة السورية هي البقاء على قيد الحياة في دولة منهارة، مع المحافظة على تدفُق الموارد إلى سوريا، وخصوصاً عبر دول الخليج وبموافقة أميركية.

وذكر التقرير أن الإدارة السورية لا تملك قوة عسكرية تهدد إسرائيل، ولا يمكنها السماح بدخول ميليشيات أو تواجد فلسطينيين في جنوب سوريا، كما لا تريد أن يكون لحماس أو إيران أي نفوذ، لأن اعتمادها الكلي منصب على الولايات المتحدة ودول الخليج، وخصوصاً السعودية.

لذلك، فإن شروطاً كإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا ونشر قوات أمنية مسلحة بسلاح خفيف، ومنع دخول القوات الأجنبية، كلها تبدو مقبولة بالنسبة للإدارة السورية، وفق التقرير.

هل تنسحب إسرائيل

وكانت إسرائيل بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، قد احتلت مرتفعات جبل الشيخ السورية، والمنطقة العازلة الموجودة في جنوب سوريا، المتفق عليها وفقاً لاتفاق فصل القوات الموقع بين إسرائيل لعام 1974.

وبعد السيطرة عليها، وصف وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس جبل الشيخ السوري بأنه “عيون إسرائيل”، وأعلن أن الجيش الإسرائيلي سيبقى هناك إلى أَجَلٍ غير مسمى. كما صدرت تصريحات مماثلة بشأن المنطقة الفاصلة.

وقالت الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي كرميت فالنسي، إن إسرائيل تعتبر جبل الشيخ السوري نقطة استراتيجية، لا ترغب في الانسحاب منها قريباً، مضيفةً أن طريقة الانسحاب، بما في ذلك السرعة والحدود، لا تزال غير واضحة.

ووفق التقرير، فإن إسرائيل تعتمد حالياً عدة مبادئ، إذ أنها تسعى لنزع السلاح من جنوب دمشق، وتطالب بأن تكون الترتيبات الأمنية التي سيجري التوصل إليها مع سوريا تسمح بتطبيق العقيدة الأمنية الإسرائيلية المطبقة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، أي سيطرة إسرائيلية على ما وراء حدودها، حيث يمكن أن تكون عُرْضَةً للمخاطر.

كما تطالب إسرائيل بتحقيق مطلب الدروز في إسرائيل بفتْح ممر إنساني بين المنطقة العازلة الواقعة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي وبين محافظة السويداء.

المدن

————————

إسرائيل تسيطر على تلّ في جبل الشيخ… وسوريا: انتهاك سافر لسيادتنا

هبة محمد

توغلت قوات إسرائيلية، أمس الإثنين، في ريف دمشق، حيث سيطرت على تل في جبل الشيخ، الأمر الذي اعتبرته سوريا انتهاكا سافرا لسيادتها ووحدة أراضيها، فيما بحث رئيسها أحمد الشرع مع المبعوث الأمريكي توماس براك، مستجدات الأوضاع في سوريا.

مصدر أمني فضل حجب هويته قال لـ«القدس العربي» إن قوة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، توغلت في بلدة بيت جن الواقعة في ريف دمشق الجنوبي الغربي، والتي تبعد نحو خمسين كيلومترا عن مركز العاصمة دمشق.

توتر وخوف

ووفقا للمصدر، فإن القوة الإسرائيلية سلكت طريق حضر وهي قرية تفرض القوات الإسرائيلية سيطرتها عليها منذ سقوط نظام الأسد، في قرى جبل الشيخ في ريف دمشق.

وأضاف: سيطرت القوات على تل باط الوردة في منطقة جبل الشيخ، قبل أن تتقدم نحو البلدة وتنتشر فيها، مشيرا إلى أن الجنود أطلقوا النار في الهواء دون وقوع إصابات، ما تسبب بحالة من التوتر والخوف في المنطقة.

ولفت إلى حالة من التخبط بين الأهالي التي تنتظر الرد الرسمي حيال التوغلات الإسرائيلية المتكررة، وتعاظم التهديد الإسرائيلي في ريف دمشق جنوب سوريا.

الناشطة الميدانية، مياسة غانم قالت لـ «القدس العربي» إن دورية عسكرية يزيد عدد عناصرها على مئة عنصر، تسللت إلى أطراف قرية بيت جن ومزرعتها، وتحديدا إلى منطقة باط الوردة المطلة على البلدة، بذريعة البحث عن «مخربين».

وأضافت أن الأهالي خرجوا في احتجاج سلمي للمطالبة بانسحاب القوة المتوغلة، إلا أنهم قوبلوا بإطلاق نار مباشر، دون تسجيل إصابات.

وكانت قوة من جيش الاحتلال قد اقتحمت فجر الأحد مقر المفرزة الأمنية في بلدة بريقة في ريف القنيطرة الجنوبي، وطردت العناصر السورية الموجودة داخله، قبل أن تتمركز في المقر بشكل علني، في خطوة وصفت بأنها من أخطر الانتهاكات التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة.

الناشطة الميدانية، سلام هاروني من أهالي وسكان القنيطرة تحدثت لـ»القدس العربي»، عن تنفيذ عملية الاقتحام في ساعات الفجر الأولى، حيث عبرت قوة إسرائيلية خط وقف إطلاق النار، وتوجهت مباشرة إلى المفرزة دون أن تشتبك مع القوات السورية، التي اضطرت إلى إخلاء الموقع تحت تهديد السلاح.

وأشارت إلى أن منطقة القنيطرة تشهد بين الحين والآخر خروقات متكررة من قبل جيش الاحتلال، إلا أن تمركزه داخل نقطة أمنية سورية بهذا الشكل العلني يشكل «تصعيدا خطيرا في طبيعة تلك الانتهاكات» في جنوب البلاد.

ومساء الأحد توغلت قوات الاحتلال في بلدة الرفيد، وأقامت حاجزًا عسكريًا عند المدخل الشرقي للبلدة. كما نفذت عمليات تفتيش ميدانية في قرية عين العبد.

وفي اليوم ذاته، انسحبت قوة إسرائيلية كانت قد دخلت إلى بلدة بريقة والمفرزة الأمنية التابعة لها، بعد أن بقيت في الموقع لنحو ساعتين. وفي حادثة مشابهة، توغلت دورية إسرائيلية يوم الخميس الفائت في قرية عابدين الواقعة في منطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، واعتقلت ثلاثة شبان من أبناء القرية، قبل أن تطلق سراحهم في وقت لاحق من اليوم نفسه.

وفي سياق متصل، نشر جيش الاحتلال الإسرائيلي بيانا رسميا على موقعه الإلكتروني الأحد، أعلن فيه أن «قوات من لواء غولان 474، نفذت بإمرة الفرقة 210، خلال الأسبوع الماضي عدة مداهمات وعمليات أمنية في المنطقة الجنوبية من سوريا، بهدف ضبط أسلحة واعتقال مشتبه بهم والتحقيق معهم».

وزعم البيان أن القوات عثرت خلال عمليات تفتيش متزامنة لعدة أهداف على مستودعات تحتوي على صواريخ من نوع «آر بي جي» وعبوات ناسفة، وأسلحة رشاشة من طراز كلاشينكوف، إضافة إلى كميات كبيرة من الذخيرة، وتمت مصادرتها جميعا.

كما أشار البيان إلى أن «قوات اللواء، بالتعاون مع محققي الميدان من وحدة 504، اعتقلت عددًا من المشتبه بهم بناءً على معلومات استخباراتية تم جمعها خلال الأسابيع الأخيرة، وفتحت تحقيقات معهم في الميدان».

وفي السياق، أفاد موقع «مؤسسة جولان الإعلامية»، وهي جهة محلية تتابع التطورات في الجنوب السوري، بأن الجيش الإسرائيلي ينفذ توغلات شبه يومية في عدد من القرى والبلدات الحدودية، من بينها كودنة، العشة، الرفيد، طرنجة، وجباتا الخشب.

وأوضح الموقع أن تلك القوات تقوم بأعمال تجريف للأراضي الزراعية، وحفر خنادق في محيط مناطق انتشارها، في خطوات تشير إلى نوايا توسعية أو محاولات لتثبيت واقع ميداني جديد في المناطق القريبة من خط وقف إطلاق النار.

وبعد ساعات من التوغلات الإسرائيلية، استقبل الرئيس المؤقت أحمد الشرع في العاصمة دمشق وفدًا أمريكيًا رفيع المستوى يرأسه مبعوث الولايات المتحدة الأمريكية الخاص إلى سوريا توماس براك، وضم الوفد عضو مجلس الشيوخ السيناتور جين شاهين، وعضو مجلس النواب جو ويلسون.

وجرى خلال اللقاء «بحث مستجدات الأوضاع في سوريا والمنطقة، إضافة إلى سبل تعزيز الحوار والتعاون بما يحقق الأمن والاستقرار»، حسب الرئاسة السورية.

وكان براك في زيارة لإسرائيل حيث بحث مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عدة قضايا بينها سوريا.

دمشق تدين

وأعربت وزارة الخارجية السورية عن «إدانتها الشديدة للتوغل العسكري الذي نفذته قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة بيت جن في ريف دمشق».

وجاء في بيان لها أن العملية «تمت عبر قوة مؤلفة من إحدى عشرة آلية عسكرية وما يقارب مئتي جندي، وجرى خلالها السيطرة على تل باط الوردة في مرج جبل الشيخ، في انتهاك سافر لسيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها».

وأكدت الوزارة أن «هذا التصعيد الخطير يُعَدُّ تهديداً مباشراً للسلم والأمن الإقليميين، ويُجسِّد مجدداً النهج العدواني الذي تنتهجه سلطات الاحتلال، في تحدٍّ صارخ لأحكام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، لا سيما تلك المتعلقة باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».

وحذرت من أن «استمرار مثل هذه الانتهاكات يُقوِّض جهود الاستقرار ويُفاقِم من حالة التوتر في المنطقة»، مجددة دعوتها إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لـ»تحمّل مسؤولياتهما القانونية والأخلاقية، واتخاذ إجراءات عاجلة وفعّالة لردع سلطات الاحتلال عن ممارساتها العدوانية وضمان مساءلتها وفقاً لأحكام القانون الدولي، بما يكفل صون سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها».

كذلك، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، أمس الإثنين، إن اسرائيل تنتهك اتفاقية فصل القوات الموقعة مع بلاده عام 1974، من خلال «إنشاء مراكز استخبارية ونقاط عسكرية في مناطق محرمة خدمة لمشروعها التوسعي والتقسيمي» .

جاء ذلك في كلمته بالاجتماع الطارئ لوزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي لبحث تطورات الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.

وأضاف الشيباني أن «الاحتلال الإسرائيلي ينتهك اتفاقية فصل القوات عام 1974 وقرارات مجلس الأمن، ومبادئ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، بإنشاء مراكز استخبارية ونقاط عسكرية داخل مناطق محرّمة، خدمة لمشروعه التوسعي والتقسيمي» .

واعتبر أن «الانتهاكات تهدف إلى تمزيق النسيج الوطني السوري وإحياء الفتن الطائفية، وتحويل الهضبة السورية المحتلة (الجولان) إلى قاعدة لابتلاع المزيد من الأرض، لكن سوريا ستبقى عصية على التقسيم» .

وطالب «الأمم المتحدة بتحمل مسؤولياتها كاملة في توثيق ووقف التوغلات والانتهاكات الإسرائيلية» .

ودعا منظمة التعاون الإسلامي إلى «دعم الموقف السوري في المحافل الدولية، ورفض أي محاولة لشرعنة الاحتلال أو تكريس واقع مفروض بالقوة على حساب السيادة السورية».

ومرارا أدانت دمشق الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لسيادتها على أراضيها، وأكدت التزامها باتفاقية فصل القوات المبرمة بين الجانبين عام 1974، بينما أعلنت تل أبيب انهيار تلك الاتفاقية بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024.

وعلى صعيد الإبادة الإسرائيلية في غزة، قال الشيباني إن «دمشق لم تنحن يوما، وظلت وفية لقضايا الأمة، من فلسطين إلى كل معركة للدفاع عن الحق» .

وتابع: «رغم حرب طاحنة دامت أربعة عشر عاما (شنها النظام المخلوع بين 2011 و2024)، تنهض سوريا من بين الرماد أكثر وعيا وإصرارا على سيادتها واستقلالها» .

جرائم حرب موثقة

وأكد أن «غزة اليوم تحاصر أمام صمت الضمير الإنساني، وإسرائيل تواصل جرائمها خلافا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة» .

الشيباني شدد على أن «القصف (الإسرائيلي) على البيوت والمستشفيات والمدارس (في غزة) جرائم حرب موثقة، ندينها أخلاقيا وإنسانيا وتاريخيا، والشعب السوري عاش ذلك وذاقه مرارا» .

ودعا إلى «موقف عربي وإسلامي موحد وصادق وجريء، من أجل إنهاء الحرب (الإسرائيلية) المدمرة ورفع الحصار» .

وعقد اجتماع وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي، في مدينة جدة السعودية، برئاسة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان رئيس الدورة الحالية للمجلس، للنظر في تطورات حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.

وبدعم أمريكي، ترتكب إسرائيل منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 جرائم إبادة جماعية في غزة، تشمل القتل والتجويع والتدمير والتهجير القسري، متجاهلة النداءات الدولية كافة وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.

وخلّفت الإبادة الإسرائيلية 62 ألفا و744 شهيدا، و158 ألفا و259 جريحا من الفلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 9 آلاف مفقود، ومئات آلاف النازحين، ومجاعة قتلت 300 فلسطيني، بينهم 117 طفلا.

————————–

سوريا تؤكد حقها بالدفاع عن النفس مع استمرار اعتداءات إسرائيل

دمشق: شددت سوريا، الثلاثاء، على حقها “الثابت والمشروع” في الدفاع عن أرضها وشعبها بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي، وذلك مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية.

جاء ذلك في بيان لوزارة الخارجية السورية أدانت فيه “بأشد العبارات الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، والتي أسفرت عن استشهاد شاب جراء قصف منزله في قرية طرنجة بريف القنيطرة الشمالي”.

كما أدانت “توغل قوات الاحتلال وشنها حملات اعتقال بحق المدنيين في بلدة سويسة (بالقنيطرة)، وإعلانها الاستمرار في التمركز غير المشروع في قمة جبل الشيخ والمنطقة العازلة”.

وأكدت على أن “هذه الممارسات العدوانية تمثل خرقا فاضحا لميثاق الأمم المتحدة وللقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وتشكل تهديدا مباشرا للسلم والأمن في المنطقة”.

وجددت سوريا مطالبتها المجتمع الدولي، ولاسيما مجلس الأمن بـ”التحرك العاجل لوضع حد لهذه الانتهاكات المستمرة“.

وشددت على “حقها الثابت والمشروع في الدفاع عن أرضها وشعبها بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي”.

وخلال شهر أغسطس/ آب الجاري، توغل الجيش الإسرائيلي أربع مرات في محافظة القنيطرة جنوب غرب سوريا، كان آخرها فجر الثلاثاء، قبل أن تعلن دمشق عن مقتل أحد مواطنيها في قصف إسرائيلي لمنزل.

ومنذ 7 أشهر، يحتل الجيش الإسرائيلي جبل الشيخ وشريطا أمنيا بعرض 15 كيلومترا في بعض المناطق جنوبي سوريا.

(الأناضول)

————————–

جنوب سوريا: استهداف إسرائيلي متكرر للمدنيين وتوغلات واسعة

القنيطرة – نور الحسن

الثلاثاء 2025/08/26

حيث استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الثلاثاء، منزلاً في قرية طرنجة بريف القنيطرة الشمالي، ما أدى إلى استشهاد الشاب رامي أحمد غانم.

يأتي هذا الاستهداف في سياق سلسلة من الهجمات التي طالت مدنيين في محافظة القنيطرة خلال الأسابيع الماضية، كان من بينها استشهاد مواطن في بلدة الرفيد وآخر في بلدة الحميدية.

وفي تطور ميداني جديد، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي الشاب ضرار الكريان من بلدة سويسة في ريف القنيطرة الجنوبي، عقب عملية مداهمة نفذتها قوة عسكرية انطلقت من قاعدة تل الأحمر الواقعة غربي ريف القنيطرة الجنوبي. وتوغلت القوة المؤلفة من أكثر من ثلاثين عربة عسكرية في البلدة وسط إطلاق نار كثيف في الهواء وإلقاء قنابل مضيئة قبل أن تنسحب بعد نحو ساعة من التوغل فجر اليوم

طيران مروحي

وفي سياق متصل، رصد تحليق لطيران مروحي إسرائيلي فوق مناطق متفرقة من الجنوب السوري في ظل استمرار التوتر الأمني والعسكري في المنطقة.

كما سجلت بلدة بريقة بريف القنيطرة الأوسط توغلاً جديداً لقوات الاحتلال، حيث دخلت دورية إسرائيلية مكونة من ثلاث سيارات عسكرية إلى القرية دون تسجيل اشتباكات.

ريف دمشق

أما في ريف دمشق الغربي، فقد شهدت المنطقة الواقعة بين بلدة بيت جن ومزرعة بيت جن توغلاً واسعاً لقوة عسكرية إسرائيلية دخلت بأحد عشر سيارة وأكثر من ستين جندياً، وتمكنت من السيطرة على تل باط الوردة الذي يقع في سفح جبل الشيخ.

تأتي هذه التوغلات في ظل صمت دولي مطبق إزاء الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة بحق المدنيين السوريين وممتلكاتهم، الأمر الذي يزيد من حدة التوتر في المنطقة ويثير المخاوف من تصعيد أوسع في الأيام القادمة.

إدانة قطرية

من جهتها، أدانت دولة قطر بشدة توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل أراضي سوريا، واعتبرته “تعدياً سافراً على سيادة سوريا وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وتحديات للإرادة الدولية الداعمة لبنائها ونهضتها وإرساء دعائم السلام في المنطقة”.

ودعت وزارة الخارجية القطرية، في بيان اليوم الثلاثاء، المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات حاسمة بحق الاحتلال الإسرائيلي، وإلزامه بوقف اعتداءاته المتكررة على الأراضي السورية وتصرفاته غير المسؤولة التي تشكل تهديداً خطيراً للأمن الإقليمي والدولي.

وجددت الوزارة “دعم دولة قطر الكامل لسيادة سوريا واستقلالها وسلامة أراضيها وتطلعات شعبها الشقيق في الأمن والاستقرار”.

————————

 كاتس: لن ننسحب من جبل الشيخ والمناطق الحساسة

الثلاثاء 2025/08/26

قال وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إن الجيش الإسرائيلي سيبقى على قمة جبل الشيخ بزعم حماية سكان الجولان والجليل، فيما أكد المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، أن توقيع اتفاقية بين سوريا وإسرائيل ما يزال بعيداً حتى الآن.

وتأتي تصريحات كاتس وباراك بالتزامن مع تقارير إسرائيلية تتحدث عن اتفاقية أمنية إسرائيلية- سورية، سيجري توقيعها في نهاية أيلول/سبتمبر المقبل.

المناطق الحساسة

وقال كاتس إن الجيش الإسرائيلي سيبقى على قمة جبل حرمون وفي المنطقة الأمنية اللازمة لحماية مجتمعات الجولان والجليل من التهديدات التي يشكلها الماضي السوري، كدرس رئيسي من أحداث 7 أكتوبر”.

وأضاف أن الاتفاق المحتمل لا يعني انسحاب القوات من المناطق الحساسة، وأن إسرائيل ستواصل أيضاً حماية الطائفة الدرزية في سوريا.

والأحد، قالت “القناة 12” العبرية، إن إسرائيل وسوريا تقتربان من توقيع اتفاق تسوية أمنية في نهاية أيلول/ سبتمبر، بوساطة من الولايات المتحدة ورعاية دول خليجية.

وزعمت القناة أن التسوية الأمنية بين سوريا وإسرائيل تشمل نزع السلاح من الجولان ومن المنطقة الممتدة بين دمشق والسويداء، كما سيحظر على دمشق نشر أسلحة استراتيجية في سوريا بما يشمل الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي.

وادعت أن الحكومة السورية ستحصل بموجب التسوية الأمنية مع إسرائيل على مساعدات أميركية وخليجية لإعادة الإعمار، لافتةً إلى أن التسوية تتضمن إنشاء ممر أمني مع السويداء.

رغبة متبادلة

في غضون ذلك، نقل موقع “أكسيوس” عن مصادر أن توقيع اتفاقية بين سوريا وإسرائيل ما يزال بعيداً حتى الآن، لكنه لفت إلى مضي المحادثات التي تتوسط فيها الولايات المتحدة بين الجانبين بإيجابية.

وأضاف أن سوريا وإسرائيل تناقشان بـ”حسن نية” اتفاقية أمنية محتملة، ولديهما نية ورغبة متبادلة لذلك، “لكن في الوقت الحالي، لا يزال هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به”.

وذكر أن الحوار البنّاء بين هاتين الدولتين هو الطريق نحو تفاهم طويل الأمد يُمهد للاستقرار والازدهار في المنطقة.

والأحد الماضي، كشف الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقاء وفد إعلامي عربي، عن وجود مباحثات متقدمة بشأن اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، يستند إلى وقف خط إطلاق النار 1974، مشدداً على أنه “لن يتردّد في اتخاذ أي اتفاق أو قرار يخدم مصلحة سوريا والمنطقة”.

————————–

==================-

تحديث 25 آب 2025

————————-

السوريون الدروز… من الاندماج إلى دعوات الانفصال/ عمر كوش

25 اغسطس 2025

رفع متظاهرون غاضبون في السويداء علم إسرائيل، إلى جانب صور الزعيم الروحي لطائفة الموحّدين الدروز حكمت الهجري، في تظاهرة نُظّمت في 16 أغسطس/ آب الجاري، تحت شعار “حقّ تقرير المصير”، وطالبت بالانفصال عن سورية. كما رفع بعضهم لافتاتٍ تشكر مجرم الحرب بنيامين نتنياهو. تتناقض مشهديات هذه التظاهرة مع المواقف التاريخية للسوريين الدروز، المشهود لهم بالمواقف الوطنية، فالذاكرة التاريخية للسوريين تحفظ تلك اللحظة التي رفع فيها سلطان باشا الأطرش العلم العربي في 29 سبتمبر/ أيلول 1918، ثمّ قاد الثورة السورية عام 1925 من جبل العرب جنوبي سورية، بعد أن أصدر بيانه الشهير الذي دعا فيه إلى “وحدة البلاد السورية، ساحلها وداخلها، والاعتراف بدولة سورية عربية واحدة مستقلّة استقلالاً تامّاً، وقيام حكومة شعبية”. ولم يتأخّر السوريون الدروز عن الانخراط (ومعهم معظم السوريين) في ثورتهم على نظام الأسد عام 2011، ولم تتوقّف تظاهراتهم في ساحة الكرامة ضدّه، لكن الأمور تغيّرت بعد سقوط هذا النظام لأسباب عديدة، ووصلت إلى حدودٍ قصوى في الآونة الماضية.

الأصول والعقيدة

يعود أصل الدروز إلى قبائل وعشائر من شبه الجزيرة العربية، ارتحلت إلى بلاد الرافدين، ثمّ بلاد الشام، وسكنت، منذ بداية القرن الثامن عشر، مناطق غير متّصلة جغرافياً من الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وانتقل بعضها إلى داخل سورية الطبيعية. ودخلت هذه القبائل والعشائر الإسلام مع الفتح الإسلامي لبلاد الشام، وقاتلت مجموعات من أبنائها في الجيش الإسلامي خلال العهد الأموي ثمّ العباسي، وكانت لهم أدوار في حماية شواطئ البحر المتوسط الشرقية من الغزو البيزنطي. وهرب كثيرون من الدروز من ملاحقة الخليفة الفاطمي السابع الظاهر لإعزاز دين الله (علي بن الحاكم بأمر الله)، وسكنوا في جبال لبنان وسورية وفلسطين، وساهمت تلك الملاحقة إلى زيادة حالة الانغلاق على أنفسهم.

يرجع ظهور الدعوة التوحيدية إلى عهد الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي (996 -1021)، وحملها في ذلك الوقت مجموعة من الدعاة، أشهرهم محمد بن إسماعيل الدَرَزي (نسبة إلى أولاد درزة أي صانعي الثياب)، الذي هاجر إلى الشام، والأرجح أن الطائفة اشتهرت باسمه، فيما ترجّح بعض المصادر أن أصل تسمية الطائفة يعود إلى مبدأ “دَرْز الدماغ”، لاعتمادهم على العقل، وتعتبر أن المؤسّس الفعلي للموحّدين الدروز هو حمزة بن علي بن محمد الزوزني، الذي يعدّ المؤلف الرئيس للنصوص الدرزية. وتنهض دعوة التوحيد على تقديم تفسير للنصّ القرآني، ينهل من الفلسفة اليونانية والديانات الفارسية. ونشرت هذه الدعوة في رسائل تبشيرية سرّية، عرفت فيما بعد بـ”رسائل الحكمة”. ويعرّف الدروز أنفسهم بـ”الموحّدين” أو “بنو معروف”، وهو اسم يعود إلى قبيلة عربية استجابت للدعوة الدرزية في بداياتها.

توزّع الموحدون الدروز، مع مرور الوقت، بين كلّ من سورية ولبنان وفلسطين والأردن، وشكّلوا إحدى الجماعات المنغلقة دينياً، والمتماسكة اجتماعياً وثقافياً. ويؤمنون بميثاق (أو عهد) ولي الزمان، الذي يعتبر ميثاقاً أزلياً بالنسبة إليهم، وهو قَسم يؤدّيه الشخص كي يصبح درزياً فعلياً، وفيه يتبرَّأ من جميع الأديان الأخرى ليلتزم ديانته في ميثاق أزلي. ويحيط عقيدة الطائفة ومذهبها كثير من الغموض والإبهام، بالنظر إلى أن مؤسّسيها آثروا عدم البوْح بها، وحصروا معرفة تعاليمها وطقوسها في حفنة ضيّقة من أبناء الطائفة.

يبلغ عدد الدروز في سورية أكثر من 700 ألف نسمة (حسب إحصائيات 2010)، ويشكّلون 3% من تعداد سكّان سورية. يعيش معظمهم في محافظة السويداء (حوالي 400 ألف نسمة)، ذات الطبيعة الجبلية جنوب غربي سورية، التي تعرف باسم جبل العرب، وفيها أكثر من 85% من السوريين الدروز، يتوزّعون هناك على نحو 120 قرية. كما يوجد في محافظة السويداء عشائر من البدو، ومسيحيون. يسكن البدو في مدينة السويداء في أحياء مثل المقوس، المشورب، الحروبي، ورجم الزيتون. ويوجدون كذلك في قرى الدياثة والشقراوية، وفي مدينة شهبا وقرى الأصلحة والرحا والكفر وعريقة والمزرعة وولغا وقم والخرسا، فيما يتوزّع المسيحيون بشكل رئيس في مدينتي السويداء وشهبا، وبلدات مثل القريا وأم الرمان وخربا وغيرها. ويعيش قسم من الدروز في منقطة حارم وجبل السمّاق في محافظة إدلب (14 قرية)، وكذلك في مدينة دمشق، وبلدات جرمانا وصحنايا وجديدة عرطوز، وفي المنحدرات الجنوبية الشرقية لجبل الشيخ في محافظة القنيطرة. ويعيش آخرون في مرتفعات الجولان المحتلّة، إذ نزح قسم منهم إلى داخل سورية بعد الحرب مع إسرائيل في عامي 1967 و1973، ومعظم الذين بقوا فيها رفضوا الجنسية الإسرائيلية، واختاروا الاحتفاظ بجنسيّتهم وهُويَّتهم السوريتَين. ولم يكتفوا بذلك، بل حرقوا الهُويَّات الإسرائيلية، ورفعوا شعار “لا بديل عن الهُويَّة السورية”، ونظّموا انتفاضات واجهتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتطبيق الحصار على مناطقهم، واعتقال العديد من الشاب الدروز، الذين قضى بعضهم أكثر من 20 سنة في السجون الإسرائيلية.

لعب الدروز دوراً مهماً في مختلف تفاصيل الحياة السورية، ولا تعكس النسبة المحدودة لعدد الدروز وزنهم الحقيقي فيها، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي، إذ شكّلوا قوة فاعلة في السياسة السورية، وتجسّد ذلك في الدور القيادي الذي لعبه سلطان باشا الأطرش في الكفاح الوطني ضدّ الانتداب الفرنسي وقيادته الثورة السورية الكبرى بين عامَي 1925 و1927.

لا يقتصر الأمر على باشا الأطرش، بل هناك شخصيات سياسية عديدة برز دورها، منها عادل أرسلان، الذي تولّى منصب رئاسة أمانة السرّ في المملكة السورية الهاشمية، التي تأسّست في دمشق عام 1920، ثمّ تولّى وزارات الخارجية والدفاع والتربية في السنوات الأولى بعد استقلال سورية. كما برزت شخصياتٌ أخرى، مثل فريد زين الدين، إبّان الوحدة مع مصر، وكذلك الفريق عبد الكريم زهر الدين الذي شارك في حرب فلسطين 1948، وعُيّن قائداً للجيش السوري عام 1961، وبعدها أصبح وزيراً للدفاع.

بعد الاستقلال، طالبت قيادات درزية بالحفاظ على إدارتهم المستقلّة، وعلى مزايا سياسية عديدة منحهم إياها الفرنسيون، إلى جانب مطالبتهم بمساعدة اقتصادية كبيرة من الحكومة السورية المستقلّة حديثاً، الأمر الذي أثار توجّسها. وتعرّض الدروز إلى هجوم من سلطة أديب الشيشكلي، الذي جاء إلى الحكم بانقلاب في 1947. لكنّ منطلق الشيشكلي لم يكن طائفياً، إذ وصف أعداءه بالثعبان “الرأس هو جبل الدروز، والمعدة هي حمص، والذيل هي حلب. إذا سحقتَ الرأس، يموت الثعبان”. وشكّلت هجماته العسكرية على جبل العرب أول ضربة للتنوّع السوري بعد جلاء فرنسا عن سورية. وبعد رحيل الشيشكلي، لعب ضباطٌ عسكريون دروز أدواراً مهمّة في حكومة حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي حكم سورية بعد انقلاب 1963.

لا يقتصر انخراط الدروز على الجانبين، السياسي والعسكري، بل يمتدّ إلى نسيج الهُويَّة الوطنية السورية، ومختلف تفاصيل الحياة الفكرية والثقافية والفنّية، فكان من بينهم مؤسّسون وروادٌ في الصحافة من أمثال عجاج نويهض، وهاني أبو مصلح، وبرز في فنون الموسيقى والغناء فريد الأطرش، وأسمهان، وفهد بلّان، وسواهم. وفي الفنّ المسرحي والسينمائي برز كلٌّ من ناجي جبر ومحمود جبر وغيرهما. ولم يقدّم هؤلاء أنفسهم دروزاً، بل سوريين.

إدارة التنوع

عُرفت سورية تاريخيّاً بتنوّعها الإثني والطائفي، وشهدت تعايشاً تاريخياً بين مختلف مكوّناتها الاجتماعية والدينية، فتشكّلت روابط وعلاقات وتقاليد للعيش المشترك، أسّست إطاراً مسكونياً في سورية الطبيعية والمشرق العربي منذ ما قبل الإمبراطورية العثمانية. وكان تاريخ المكوّنات الدينية والإثنية السورية تاريخاً للعيش المشترك أيضاً، جمع بين السوريين، وشكّل مانعاً أمام محاولات ضربه وحصره في لون ديني أو إثني وحيد، وخاصّة خلال لحظات التحوّل والانتقال، التي شهدت صراعات وحروباً، فعانى التنوع السوري من صدمات وإخفاقات، نتيجة الاستغلال السياسي له من الأنظمة السياسية والزعامات الدينية والقومية، الأمر الذي أفضى إلى حدوث انتهاكات جسيمة، ارتُكبت فيها مجازر وجرائم خلال فترات عصيبة من التاريخ السوري.

كان طبيعيّاً، في غياب دولة المواطنة والقانون، أن تظهر الخلافات بين المكوّنات الإثنية والدينية، ولم يكن العامل المسبّب لها دينياً، بل سياسياً واقتصادياً. وفي حالة السويداء، تركّزت الخلافات بين عشائر البدو والدروز في مسائل الرعي والزراعة، وأحقية استخدام الأراضي والاستفادة منها، لكنّ الأنظمة الحاكمة، والزعامات الدينية المحلّية، غالباً ما كانت تستغلّها، بغرض بسط هيمنتها عبر إضعاف المكوّنات، وتفتيت إطار التعايش المسكوني. وغالباً ما كانت تحلّ الخلافات بجهود محلّية. وقد لعب نظام الأسد البائد دوراً كبيراً في تأجيج الخلافات والصراعات بين مكوّنات الشعب السوري. ففي عام 2000، وقعت أحداث دامية بين السوريين البدو والدروز، استغلّها النظام كي يعزّز وجوده العسكري والأمني داخل السويداء، بحجّة حماية أهلها من البدو. ثمّ سادت بعدها حالة الاستعداد والتوتر بين الطرفَين، واستمرّت حتى اندلاع الثورة السورية عام 2011، فازداد تسلّحهما، ونشأت عصابات الخطف، إلى جانب متاجرتها بالأسلحة والمخدّرات تحت إشراف أجهزة الأمن. ثم تنافس كلّ من الروس والإيرانيين في بسط نفوذهما في محافظة السويداء بشكل خاصّ، والمنطقة الجنوبية بشكل عام. وبعد سقوط نظام الأسد، زادت عمليات الخطف المتبادَل، ووصلت الأمور إلى اندلاع مواجهة مسلّحة في بداية الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، أفضت إلى تدخّل قوى الجيش والأمن العام التابعة للإدارة الجديدة، وحدثت انتهاكات جسيمة ومجازر، فيما تدخّلت إسرائيل بحجّة حماية الدروز، فاستهداف قوات الأمن العام والجيش، وقصفت مبنى هيئة الأركان ومحيط القصر الرئاسي في دمشق.

الوضع الجديد

أفضت أسباب عديدة إلى تعميق الشروخ في النسيج الاجتماعي السوري، ووصل الأمر إلى حدّ مطالبة بعضهم بالانفصال. ويمكن تفهّم الصدمة التي أصابت أبناء السويداء جرّاء الأحداث الدامية التي ارتكبت خلالها جميع الأطراف انتهاكات جسيمة. ومع ذلك فإنه ليس بالضرورة أنّ من خرجوا في تظاهرة رافعين أعلام إسرائيل يعبّرون عن مواقف غالبية أهل السويداء، فالذين نظّموا التظاهرة مجموعة من السياسيين، يتخفّى بعضهم في لباس مشيخة العقل، إلى جانب قادة مجموعات مسلّحة ترتبط بإسرائيل، التي تستخدم بعض أبناء السويداء ورقة من أجل تنفيذ مخطّطاتها الهادفة إلى ضرب النسيج السوري وتمزيق وحدة البلاد. وثمّة اختلاف كبير بين تحميل السلطة السورية الجديدة مسؤولية الانتهاكات التي حصلت في السويداء والمطالبة بالانفصال والاستقواء بإسرائيل، ليس بسبب التاريخ والعيش المشترك، بل لارتباط السويداء الكلّي بسورية على الصعد كافّة.

تقف أسباب عديدة وراء ما آلت إليه الأمور بين السلطة الجديدة والقوى المسيطرة على السويداء، لكن أساسها سياسي بامتياز، ولا تتعلّق بالسوريين الدروز أقلية أو طائفة، إنما بتعامل السلطة الجديدة مع مكوّنات المجتمع، الساعية إلى إخضاع مناطق سورية كافّة، وتتعلّق كذلك بالطائفية السياسية، وبالتحديد بـ”الدرزية السياسية”، أي بعملية تسييس الطائفة، التي تلجأ إليها بعض القوى السائدة، وتقحمها بالصراع على السلطة، وتوظّفها خدمة لمطامحها ومصالحها الضيّقة، إضافة إلى التوجّس من السلطة الجديدة والتوقّف عند ماضيها الفصائلي، واتهامها بالتطرّف والداعشية، وبإبادة متنقّلة، بدأت في الساحل ثمّ امتدّت إلى جرمانا ووصلت السويداء. ويساهم في إشاعة ذلك (من دون دلائل) سياسيون ومثقفون ناقمون من كل شيء.

تقتضي إدارة التنوّع في سورية توفير بيئة مناسبة لإطار التعايش، عبر الوصول إلى تناغم أكبر بين مكوّناتها، عبر إشراكها في عملية الانتقال السياسي، والابتعاد عمّا يساهم في التفتيت والتمزيق. وهي مهمّة منوطة بالسوريين كافّة، وقواهم الحيّة، وخصوصاً السلطة الجديدة، التي لم تحسن التعامل من التركة الثقيلة التي خلّفها نظام الأسد والخراب الذي أصاب النسيج الاجتماعي. ولا يزال مطلوباً منها العمل لاحتضان الجميع، وفق مبدأ المواطنة المتساوية، والابتعاد عن منطق الأقليات والطوائف والعشائر، والتعامل مع السوريين بوصفهم كائناتٍ سياسية، ولا سبيل سوى فتح حوار وطني مع جميع قواهم الحيّة، كي يتمكّنوا من المساهمة في بناء ما تهدّم، ورأب الصدع، ولملمة الجراح.

العربي الجديد

————————-

الموساد و”خطة ينون”.. ماذا نعرف عن مشروع إسرائيل في سوريا؟/ غازي دحمان

25/8/2025

في سياق العمل على تنفيذ مشروعها، المعلن والصريح، والقاضي بتفكيك سوريا إلى دويلات، تسعى إسرائيل إلى تفجير جنوب سوريا عبر تفخيخه بحرب طائفية، تتيح لها فرصة الالتفاف على حالة الإجماع الإقليمي والدولي المتقاطعة عند نقطة استقرار سوريا ووحدة أراضيها وإعادة دمجها في النطاقين؛ الإقليمي، والدولي.

مثّل ذلك التوجه العالمي ضربة لحسابات إسرائيل الأمنية ونكسة لمشروعها الجيوسياسي المصمم على أساس تغيير البيئة الإستراتيجية المحيطة بإسرائيل إلى الأبد، في ظل وجود عوامل مساعدة، لا يمكن توفرها دائما، كما أن احتمال قدرة سوريا على تجاوزها، وإصلاح مواطن الخلل فيها، سيجعل إسرائيل تندم على ضياع الفرصة التاريخية لتفتيت سوريا.

الجدار الدرزي من النظرية إلى التنفيذ

لطالما كان تفكيك سوريا هدفا إستراتيجيا لإسرائيل، لأسباب يتعلق بعضها بالبنية الاجتماعية السورية متعددة الطوائف والأعراق، ويتعلق بعضها بالموقع الجيوستراتيجي لسوريا في قلب المنطقة العربية، حيث تتحكم بمسارات نقل حيوية، وممرات تجارية، وتحالفات إقليمية، بما يجعلها منصة مهمة للتأثير على الشرق الأوسط وإعادة تشكيله.

تعود إستراتيجية إسرائيل لتفكيك سوريا إلى خمسينيات القرن الماضي، حسبما كشفته وثائق داخلية مسربة، لكنها تجسدت برؤية واضحة فيما عرف بـ”خطة ينون”، التي وضعها الدبلوماسي الإسرائيلي عوديد ينون سنة 1982، والتي دعت إلى تفكيك سوريا لمناطق تسكنها أقليات دينية وعرقية، وتشكل فيها عدة دويلات على أساس تلك التركيبة الطائفية والعرقية، بهدف أن تتحول هذه الكيانات إلى حلفاء ووكلاء خاضعين لحماية إسرائيل.

والواضح أن هذا التفكير تحول إلى مكون أساسي في الإستراتيجية الإسرائيلية في سوريا، والواضح أيضا أن إسرائيل، التي أظهرت فوضى واضحة في تكتيكاتها الخاصة بتنفيذ إستراتيجية تفتيت سوريا، تتجه اليوم لإعادة تشكيل سياساتها لتتوافق مع مواردها؛ احتمالَ أن يؤدي احتلالها العسكري كامل الجنوب السوري إلى استنزافها، ولا سيما في ظل الواقع الإقليمي والدولي الرافض تلك السياسات.

فقد سبق أن لمح إستراتيجيوها وساستها إلى إنشاء “ممر داود” الذي يربط الجنوب بالشرق لدعم الكيانين الدرزي والكردي وتثبيتهما في الجغرافيا السورية، ثم، بعد أن قامت بتدمير البنى العسكرية السورية وتصاعد الأزمات بين المركز والأطراف، طورت إسرائيل أهدافها إلى إقامة دولتين درزية وكردية، بعد أن رأت أن الأدوات باتت موجودة وناضجة.

ولكن مفاجأة الاحتضان الإقليمي والدولي لسوريا الجديدة، وبروز تحالف إقليمي تركي- عربي، ذهب إلى حد التصعيد في مواجهة الخطط الإسرائيلية، دفعا إسرائيل إلى التراجع تكتيكيا ومرحليا عن “ممر داود” ودولتي الكرد والدروز، إلى إنشاء حائط درزي في جنوب سوريا كمرحلة أولى، على أن يتم تطويره في مرحلة لاحقة ليحقق الأهداف المشار إليها.

تقوم فكرة “الجدار الدرزي” على تشكيل مجموعات مسلحة من دروز قرى جبل الشيخ، التابعة لمنطقة قطنا، وتسليحها بأحدث أنواع الأسلحة، وتسليم قيادتها وإدارتها لدروز من الأراضي المحتلة خدموا في الجيش الإسرائيلي، وإنشاء غرفة عمليات داخل الأراضي المحتلة تنسق عمل هذه المجموعات.

وفي مرحلة لاحقة، تنخرط هذه المجموعات، بعد أن يتم توسيعها وزيادة حجمها، عبر إضافة منتسبين لها من محافظة السويداء وحتى من دروز الجولان، ضمن هياكل الجيش الإسرائيلي، من خلال المشاركة في الألوية التي تحتل الشريط الحدودي في جنوب سوريا، من القنيطرة إلى وادي اليرموك، ويشكلون حائطا يمنع أي تهديد قد يشكله سكان تلك المناطق على الجيش الإسرائيلي.

بالطبع، هذه الترتيبات ستضع ضمن خططها إجراء عمليات تفريغ وتهجير ديمغرافي من مناطق الشريط الحدودي، وهي عملية بدأت بالفعل، وإن بشكل محدود حتى اللحظة، لكن من المرجح أن تزداد عندما يتدخل العامل الطائفي في الصراع، ليستكمل ما تم البدء به في السويداء، التي شهدت عمليات تهجير البدو من مناطقهم التي عاشوا بها منذ مئات السنين.

الجدار الدرزي ليس كلاما من وحي الخيال، فقد تحدث عنه الزعيم وليد جنبلاط، الذي كان أول من زار دمشق والتقى بقيادتها، وحذرها من مخططات إسرائيل التي تهدف إلى إقامة “حائط درزي”، في تصريحات لم يبدُ أنها جاءت من فراغ، بل جاءت في سياق تحذيرات ممن يمتلك معطيات تؤكد تحذيراته. بالإضافة إلى ذلك، فإن إسرائيل تقوم بإجراءات لا تخطئها العين للتجهيز لهذا التطور.

تجهيز البنية للجدار

تراهن إسرائيل على التفاعلات الجارية في سوريا، وتعتقد أن الديناميكيات الطائفية والعرقية ستصنع واقعا جديدا، يعفي إسرائيل من التدخل العنيف والمكلف في الوقت نفسه، والذي قد يؤدي إلى عكس المتوقع والمطلوب، لذلك، بات الأمر يحتاج لترتيبات تناسب هذه الوقائع، ومن أهمها تجهيز البنية التحتية، والتي تستلزم:

    أولا: إنضاج المطالبة بالحكم الذاتي في أكثر من منطقة سورية، بالتزامن مع ذلك يجري وضع الفخاخ في وجه حكومة الشرع، التي تواجه تحديات في إدارة التنوع والأزمات؛ لتجعل من أي خطأ يحدث مبررا مشروعا للمطالبة بالحكم الذاتي.

وفي هذا السياق، يجري تكثيف عمل المؤتمرات الداعية إلى اللامركزية، والقيام بضغط إعلامي لإحراج الأطراف المؤيدة لنظام دمشق، أو الداعمة لوحدة سوريا.

    ثانيا: تجهيز مقاربة جديدة للتعاطي مع الأقلية الدرزية، تقوم على فتح فرص العمل لدروز سوريا في الجولان السوري، في المشاريع الزراعية الإسرائيلية، بهدف ربطهم عاطفيا بإسرائيل، وتقوية التيارات الداعية إلى نسج علاقة معها على حساب القوى الوطنية التي تؤكد على وحدة سوريا.

وفي هذا السياق، يتم تجنيس دروز الجولان، إذ يبدو أن قسما كبيرا منهم، بعد أحداث السويداء، لم تعد لديهم موانع في التخلي عن الجنسية السورية. بالإضافة إلى ذلك، تقديم المساعدات الغذائية والطبية للقرى الدرزية في جبل الشيخ ومحافظة السويداء، وحتى إقامة بنية مؤسسية بذريعة مساعدة السكان.

    ثالثا: التضييق على سكان الشريط الحدودي في القنيطرة ودرعا، من خلال حرمانهم من زراعة أراضيهم والرعي بمواشيهم، وهي مصادر الرزق الأساسية لسكان هذه المناطق، واتباع سياسة عنيفة معهم تقوم على الاعتقالات الدائمة، والاقتحامات، وعمليات التفتيش والمداهمة التي لا تحترم خصوصية السكان، كما هو حاصل الآن، ودفعهم إلى ترك مناطقهم والتوجه نحو درعا أو دمشق، في إطار عملية قضم وتهجير بطيئة لكنها حثيثة.

    رابعا: تعمل إسرائيل على بناء بنية عسكرية في جنوب سوريا، تشمل تثبيت نقاط ارتكاز، وفرض منطقة منزوعة السلاح، وفرض سيطرة استخباراتية ومراقبة إستراتيجية لمحيط دمشق والجنوب.

وكل ذلك يأتي في سياق عملية تموضع إستراتيجية بعيدة المدى، تهدف إلى إعادة تصميم وتنسيق الواقع الأمني لجزء كبير من سوريا، بما يناسب رؤيتها الإستراتيجية للمنطقة.

وكانت صحيفة يديعوت أحرونوت قد نقلت عن شخصيات عسكرية إسرائيلية أن العقيدة الجديدة للجيش الإسرائيلي، والتي تطبق بشكل حازم في سوريا الآن، تقوم على ثلاث دوائر أمنية.

يهمنا فيها هنا دائرتها الأولى، التي تشتمل على “حشود عسكرية كبيرة من القواعد، وتعميق الفصل بين البلدين، بواسطة وادٍ اصطناعي”، ويبدو أن الترجمة العملية لذلك هي الجدار الاصطناعي الذي نتحدث عنه.

إستراتيجية مواجهة

الحائط الدرزي، و”ممر داود”، والتجهيز لإنشاء كيانات انفصالية، هذه أدوات إسرائيل المعلنة لتحقيق إستراتيجيتها لتفكيك سوريا، والواضح أن هذا المشروع، الذي انتظر عقودا طويلة في أدراج مكاتب الموساد الإسرائيلي، يجري وضعه على الطاولة الآن، ودعمه بأدوات تشغيلية تؤمّن تنفيذه على الأرض.

يستدعي ذلك من النظام الحاكم في دمشق بناء إستراتيجية مواجهة، ليس بالضرورة أن يكون محتواها عسكريا، بسبب اختلال موازين القوى بشكل كبير، لكن عبر إعادة صياغة السياسات الداخلية، من خلال التراجع عن الإجراءات التي اتخذتها السلطة- ولا سيما مؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري- التي لم تكن سوى مسرحيات سيئة الإخراج.

المطلوب اليوم توسيع دائرة الحوار، والتوصل إلى إعلان دستوري يراعي الواقع السوري الحالي، ويضمن مشاركة أوسع طيف من السوريين.

المطلوب اليوم مساعدة القوى الوطنية السورية من كل المكونات لتستطيع الدفاع عن سوريا الموحدة في مواجهة الأصوات الانفصالية قبل أن يخترق مسار التفكيك الإسرائيلي الجدران السورية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كاتب سوري

الجزيرة

——————————-

ممرّ إنساني” نحو التقسيم في سوريا!/ عمار جلّو

الاثنين 25 أغسطس 2025

شهدت محافظة السويداء السورية تحوّلاً دراماتيكياً نقلها من كونها منطقةً هامشيةً نسبياً لتصير مركز الأزمة السورية، حيث تجلّت فيها تعقيدات المرحلة الانتقالية ما بعد سقوط نظام الأسد. فبعد سنوات من الانعزالية والهدوء، تلتها أحداث دامية في تموز/ يوليو 2025، شكّلت منعطفاً خطيراً ليس فقط في المسار الانتقالي السوري الهشّ، بل في مفهوم الدولة السورية ذاتها، ذلك أنّ ما بدأ كاشتباكات قبلية طائفية بين الدروز والبدو، سرعان ما تحوّل إلى مواجهة شاملة كشفت عن أزمات بنيوية عميقة: أزمة شرعية السلطة الانتقالية، أزمة الثقة بين المكونات، التدخل الإقليمي المباشر، وفشل نموذج الدولة المركزية.

مؤخراً، أعلنت الفصائل الدرزية عن انضوائها ضمن حرس الوطني، كمؤسسة عسكرية مرتبطة بالمرجعية الروحية للشيخ حكمت الهجري. قبلها طالبت النقابات المهنية بـ”الحماية الدولية وحق تقرير المصير”، ما يعكس انهياراً كاملاً للثقة بين المجتمع المحلي وسلطة دمشق. وقبلهما، أعلنت اللجنة القانونية العليا في المحافظة تشكيل إدارة مدنية مؤقتة. يأتي ذلك بعد فشل الحكومة الانتقالية في تقديم نموذج إدماج مقبول، واتّباع نهج أحادي همّش النخب المحلية وعمّق من هوة انعدام الثقة، إلى جانب الانتهاكات المرتكبة من قبل قواتها في السويداء، بعد دخولها إلى المحافظة في 13 تموز/ يوليو الماضي، لفضّ الاشتباكات القائمة حينها بين البدو والفصائل الدرزية. وبدلاً من الحلّ السياسي، اختارت السلطة الحل الأمني والعسكري لمحاولة إخضاع السويداء، مستخدمةً التوترات المحلية كذريعة للتدخل، ما شكّل خطأ قاتلاً وانتحاراً سياسياً.

في المقابل، وعبر الاستعانة بالقوى الخارجية وطلب التدخل الإسرائيلي بشكل علني، أعطى الشيخ حكمت الهجري ذريعةً للقمع، ولتصعيد غير محسوب، دون إدراك مخاطر الاستعانة بإسرائيل على المصلحة الوطنية. وقبلها، وفي مناسبات متكررة، شنّ الهجري هجوماً كلامياً على الحكومة في دمشق، بجانب نقض الكثير من التوافقات التي تمت بين دمشق والقوى المدنية والعسكرية والدينية الأخرى في المحافظة. ووفقاً لإبراهيم الأصيل في المجلس الأطلسي، فإنّ صعود مظهر “دولة داخل الدولة”، وبروز الشيخ الهجري كـ”بطل” في أعين كثير من الدروز بعد “حمايته” الإسرائيلية يمثلان سابقةً خطيرةً، ذلك أنّ الزعيم المحلّي لم يعد بحاجة إلى شرعية من دمشق، بل يمكنه الحصول على الدعم من قوى إقليمية معادية. هذا يقوّض مفهوم السيادة الوطنية من جذوره.

جاء التدخل العسكري الإسرائيلي، من خلال ضربات ضد مواقع الجيش السوري في السويداء ودمشق، تحت شعار “حماية الدروز”، فيما هو حقيقةً جزء من إستراتيجية أوسع لإبقاء السلطة في سوريا هشّةً ومجزّأةً، وخلق واقع جديد يضمن لها منطقةً عازلةً ونفوذاً في الجنوب، وكل ذلك تحت الشعار نفسه، وصولاً إلى مباحثات بين وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، برعاية أمريكية لإنشاء “ممر إنساني”، لإدخال إسرائيل المساعدات إلى السويداء.

هذه الصفقة إن تمّت تعترف ضمناً بسيادة إسرائيل على الأراضي السورية عبر السماح لها بإنشاء ممرات، وهو ما يقوّض بدوره مفهوم السيادة السورية ويعزز نموذج “سوريا الأرخبيل” وتتقاسم القوى الإقليمية فيها النفوذ. كما أنّ قبول دمشق بهذه الصفقة، برغم تحفظها على تهريب السلاح، يظهر ضعفها ويجعلها طرفاً تابعاً في لعبة إقليمية كبرى، بدلاً من كونها حكومةً ذات سيادة. كما يُمثّل هذا الممر بوابةً للتطبيع التدريجي، ويرسخ التقسيم الطائفي، ويجعل إسرائيل راعيةً وحاميةً لأقليات سورية، ما يفكك سوريا إلى كانتونات طائفية تحت نفوذ إقليمي.

مع ذلك، وإن كان غضب أهل السويداء مبرراً، فإنّ المطالبة بالانفصال الفوري شكّل نقطةً سوداء بحق المحافظة، مع افتقارها إلى خطة عملية قابلة للتطبيق على أرض الواقع، وإمكانية التعرّض لخطر العزلة الاقتصادية والأمنية التامة. لكن هنا يجب التنبيه إلى أنّ التحدي الآن لم يعد محصوراً في السويداء فقط، بل يتعداها إلى ضرورة منع هذا التفتت في مناطق أخرى من الجغرافيا السورية، إذ إنّ أزمة السويداء صورة مصغرة عن مستقبل سوريا إذا استمر النهج القائم على الإقصاء والتحريض والعسكرة. لذا، يجب بدء العمل على صيغة جديدة للعيش المشترك، تعترف بتنوع سوريا بدلاً من تجاهله، ضمن صيغة تقوم على مواطنة كاملة، وليس على انتماء طائفي، حسب ياسين الحاج صالح.

عود على بدء، فإنّ الاستمرار في حصار المحافظة بغية “إخضاعها”، سيدمّر أي أمل في مصالحة سورية، وقد يؤدي إلى انفجار يتحوّل إلى حرب أهلية طائفية تتجاوز السويداء لتُشعل الجنوب السوري بأكمله، ويكون شرارةً تعيد إطلاق شلال من العنف والتدخلات الإقليمية، بما قد يؤدي إلى تقسيم البلاد، وهو مصير يحذّر منه الجميع، بينما تسير سياسات الطرفين الحالية نحو تحقيقه خطوةً خطوة. فالسويداء اليوم تقف على الحافة، وسوريا كلها على المحك.

أزمة السويداء ليست مجرد فصل آخر من فصول الحرب السورية الأليمة، بل هي جرس إنذار لما قد تؤول إليه الأوضاع عندما تتحول الدولة إلى أداة قمع ضد شعبها، وعندما يُترك المجال للخطاب الطائفي التحريضي أن يحلّ محل السياسة، وعندما يختطف الهجري المجتمع الدرزي لحسابات ومواقف شخصية، وعندما يستقوي بالعدو التاريخي لسوريا، إسرائيل، في مواجهة حكومة بلاده. ولكون المطالبة بالاستفتاء صيغةً متطرفةً ناتجةً عن اليأس، فإنّ البديل الواقعي هو العمل نحو صيغة حكم لامركزي حقيقي ضمن سوريا الموحدة، يمنح المحافظات صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها الأمنية والاقتصادية، ويحفظ حقوق جميع المكونات، بجانب اعتراف دمشق بأنّ النموذج المركزي الشديد قد فشل، ولعلّه البديل الوحيد الذي قد يسحب البساط من تحت مطالب الانفصال.

ختاماً، فإنّ مستقبل سوريا يتوقف على قدرة جميع الأطراف على التعلّم من دروس السويداء المأساوية قبل فوات الأوان، والانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة والتعددية، إذ إنّ مستقبل سوريا لم يعد يُكتب في قصر الرئاسة في دمشق، ولا في غرف العمليات في واشنطن أو موسكو وغيرهما من العواصم الإقليمية، بل في القدرة على بناء عقد اجتماعي جديد يعترف بأنّ سوريا متعددة، وأنّ قوتها في تنوعها، وأنّ وحدتها لن تتحقق بالقوة، بل بالاعتراف الطوعي بهذا التعدد وإدارته بعدالة.

رصيف 22

————————

اللقاء المحتمل بين الشرع ونتنياهو.. اختراق دبلوماسي أم تطبيع في زمن الحرب؟/ أغيد حجازي

25 أغسطس 2025

وسط التحولات العاصفة في الشرق الأوسط، وبعد تداعيات حرب غزة، ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن لقاءً محتملاً قد يجمع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بالرئيس السوري أحمد الشرع، برعاية أميركية، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وفي هذا السياق، أكد مصدر حكومي سوري لوكالة “الصحافة الفرنسية” أن الشرع سيشارك في قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الثمانين. في حين لم يصدر من دمشق أي تأكيد أو نفي رسمي بشأن لقاء نتنياهو.

ويرى مراقبون أن لقاءً كهذا – إن حصل – لن يكون مجرد اجتماع دبلوماسي عابر، بل أول لقاء علني من نوعه بين قيادتين من إسرائيل وسوريا في القرن الحادي والعشرين، بما يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول مستقبل الصراع العربي–الإسرائيلي، ومكانة القضية الفلسطينية، وحدود إعادة تموضع سوريا الجديدة في خارطة الإقليم.

سابقة بعد حرب دامية

الجدير بالذكر أن آخر لقاء علني جمع نتنياهو بزعيم عربي كان في 24 كانون الثاني/يناير 2023، عندما زار الأردن والتقى بالملك عبد الله الثاني. غير أن الحديث اليوم عن اجتماع محتمل مع الشرع يكتسب بعدًا استثنائيًا، إذ يرى مراقبون أنه سيكون سابقة لكونه أول لقاء مباشر بين رئيس وزراء إسرائيلي ورئيس سوري. وتكمن دلالته أيضًا في التوقيت الحساس، فهو – إن تحقق – سيكون أول لقاء عربي–إسرائيلي بهذا المستوى بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تبعها من حرب مدمرة في غزة.

لا تزال فصول تلك الحرب مستمرة، مع ما صاحبها من صور مروعة لمجازر ودمار وحصار. هذه الخلفية تجعل أي تقارب عربي–إسرائيلي في الظرف الراهن بمثابة تحدٍّ كبير للرأي العام العربي والإسلامي. فالشارع العربي لا يزال يعيش صدمة مشاهد غزة الدامية، وأي لقاء في هذا التوقيت يُقرأ من قبل الكثيرين كأنه صفعة سياسية وأخلاقية لمشاعر الشعوب. ويثير ذلك تساؤلات حادة حول مكانة القضية الفلسطينية في أجندات بعض الأنظمة العربية إذا ما أقدمت على مثل هكذا خطوة تطبيعية في خضم حرب الإبادة على غزة.

أشار محللون ونشطاء إلى أن عقد لقاء عربي–إسرائيلي رفيع المستوى في وقت تستعر فيه حرب توصف بـ”الإبادة الجماعية” في غزة، وفي ظل إعلان الأمم المتحدة رسميًا وقوع مجاعة هناك في سابقة هي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، ومع استمرار عمليات القتل والانتهاكات الإسرائيلية لسيادة كل من لبنان وسوريا، يُعد استفزازًا صارخًا لمشاعر الجماهير.

في المقابل، نفت وزارة الخارجية السورية الأنباء المتداولة عن توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل في أيلول/سبتمبر المقبل، وفق ما صرح به مصدر في الوزارة لـ”التلفزيون العربي”، مؤكدة أن هذه الأنباء “عارية عن الصحة”.

بينما الرئيس الشرع قال في لقاء مع مدراء مؤسسات إعلامية عربية إن المحادثات بين بلاده وإسرائيل دخلت مراحل متقدمة بهدف التوصل إلى اتفاق أمني، استنادًا إلى خط وقف إطلاق النار لعام 1974. مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن الظروف الراهنة لا تسمح بتوقيع اتفاق سلام شامل بين دمشق وتل أبيب.

من باريس إلى نيويورك

لم يأتِ الحديث عن لقاء نيويورك من فراغ، فقد سبقته مؤشرات تمهيدية. في 19 آب/أغسطس 2025، اجتمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في باريس بحضور المبعوث الأميركي توماس باراك. هذا اللقاء الذي أعلن عنه رسميًا عبر وكالة الأنباء السورية (سانا) شكّل أول تأكيد علني على اتصالات مباشرة بين دمشق وتل أبيب منذ أكثر من ربع قرن – وتحديدًا منذ مفاوضات وزير الخارجية السوري الأسبق فاروق الشرع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك أواخر التسعينيات.

ووفق “سانا”، جاء اجتماع باريس لمناقشة ترتيبات أمنية على الحدود السورية مع فلسطين المحتلة، بما يشمل مراقبة وقف إطلاق النار في جنوب سوريا وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. وقد كشفت التقارير أن اللقاءات لم تكن وليدة اللحظة؛ إذ سبقتها جولات سرّية أبرزها اجتماع في العاصمة باكو أواخر تموز/يوليو 2025، ثم لقاء باريس الأول في أواخر نفس الشهر الذي مهّد الطريق لاجتماع آب/أغسطس الماضي.

وبحسب الخبير في الشؤون الاستراتيجية د. محمد عباس – في حديث لموقع “الترا صوت” – قد يشكل اجتماع باريس مقدمةً أو خطوة أولى نحو اجتماع نيويورك المرتقب. ويرجّح أن ملامح تفاهم أمني مشترك بين سوريا وإسرائيل وُضعت في باريس، ما يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الأمنية بين الجانبين.

وأوضح عباس أن سوريا اليوم تفتقد القدرات العسكرية القتالية، وبالتالي لا تستطيع فرض شروطها التفاوضية، بل تسعى إلى صيغة تفاهمات أمنية جديدة تستند إلى اتفاق فضّ الاشتباك وفصل القوات الموقّع عام 1974، وتضمن أمن الحدود وتنظيم العلاقات بين البلدين. وأضاف أن القضية الفلسطينية تراجعت إلى المرتبة الثانية في أولويات دمشق، التي تركّز حاليًا على إعادة ترميم ما دمرته الحرب، مؤكّدًا أن المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة فرضت مفاهيم جديدة على الساحتين السورية والإقليمية.

الموقف العربي والمبادرة العالقة

على المستوى العربي العام، ما تزال “مبادرة السلام العربية” التي أقرتها قمة بيروت عام 2002 هي الإطار النظري للموقف العربي من الصراع. تقترح المبادرة تطبيعًا شاملًا للعلاقات مع إسرائيل مقابل إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية وانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية المحتلة عام 1967، بما فيها الجولان، مع إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين.

 هذه المبادرة ظلت رسميًا معروضة على الطاولة منذ عقدين، لكنها عمليًا مجمَّدة ولم تلق قبولًا إسرائيليًا. بل أكد نتنياهو صراحة في أكثر من مناسبة رفضه لبنود المبادرة الأصلية، خاصة ما يتعلق بانسحاب إسرائيل إلى خطوط 1967 وقضية اللاجئين.

ويشير مراقبون إلى أن إسرائيل غير مستعدة أصلًا للقبول بشروط المبادرة العربية، إذ يعتبرها نتنياهو تنازلًا يمس “أمن إسرائيل ومصالحها الحيوية”. وقد صرّح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر مؤخرًا بأن هضبة الجولان ستبقى جزءًا من إسرائيل في أي اتفاق مستقبلي، ما يعني ضمنًا رفض مبدأ إعادة الجولان المحتل، وهو أحد ركائز المبادرة العربية.

في ضوء ذلك، يتساءل البعض: هل لا تزال مرجعية مبادرة بيروت 2002 واقعية اليوم؟ خاصة وأن التطبيع الفردي تجاوزها فعليًا عبر اتفاقيات أبراهام (2020) وغيرها، حيث أقامت دول عربية علاقات مع إسرائيل دون ارتباط مباشر بحل القضية الفلسطينية.

في هذا الإطار، لفت عباس إلى أن المبادرة العربية لعام 2002 ما زالت تمثل المرجعية الأساسية، إذ تشترط إقامة دولة فلسطينية على أساس حل الدولتين، وعودة اللاجئين، وأن تكون القدس عاصمتها، مؤكدًا أن سوريا ستؤيد هذه المبادرة وتتحرك في إطارها. لكن يبقى التساؤل: هل إسرائيل مستعدة فعلًا للقبول بهذه المبادرة وشروطها؟ مضيفًا أن العرب أبدوا استعدادًا لتقديم تنازلات كثيرة، في حين يسعى المشروع الإسرائيلي إلى صياغة “شرق أوسط جديد”، وفقًا لرؤية نتنياهو.

ومن زاوية أخرى، تدرك العواصم العربية أن توقيع دمشق لاتفاق منفرد مع إسرائيل (إن حدث) سيكون تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في التوازن الإقليمي. فالجامعة العربية تبنّت تاريخيًا موقف “الأرض مقابل السلام” كأساس للتسوية. لكننا شهدنا مؤخرًا تصدّعًا في الإجماع العربي، حيث انخرطت بعض الدول باتفاقات سلام منفصلة. لذا يستبعد محللون أن تتخذ جامعة الدول العربية موقفًا موحدًا صارمًا ضد دمشق إذا مضت نحو تفاهم مع إسرائيل، لكنها في الوقت ذاته ستجد حرجًا في مباركة خطوة كهذه علنًا دون تقدم على المسار الفلسطيني. ربما يلتزم الموقف العربي الرسمي بالعموميات، كإعادة التأكيد أن السلام الشامل والعادل لن يتحقق إلا بقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس – وذلك حفاظًا على المبدأ – حتى لو كانت الرياح تسير باتجاه آخر في الخفاء.

أثمان وتنازلات مطروحة

يدرك الجميع أن أي مسار تفاوضي سوري–إسرائيلي لن يكون سهلًا، وستكون كلفته السياسية عالية بالنسبة لسوريا خصوصًا. فبعد أكثر من نصف قرن على احتلال الجولان السوري عام 1967، أعلنت إسرائيل ضم الهضبة رسميًا (1981) وترفض كليًا بحث مسألة الانسحاب منها.

في المقابل، تؤكد دمشق – حتى وهي في أضعف حالاتها – أن عودة الجولان بشكل كامل حق سيادي غير قابل للمساومة. هذا التباين الحاد يطرح تساؤلات حول شكل التسوية الممكنة بين طرفين متمسكين بمواقف متناقضة: كيف سيتحقق التقارب إذن؟

أشار عباس إلى أن الأثمان التي ستدفعها سوريا لن تكون قليلة، موضحًا أن هناك سيناريوهات قد تُطرح مثل التخلي عن الجولان كليًا أو إيجاد بدائل، منها تأجير مناطق لفترة زمنية معينة أو جعلها مناطق منزوعة السلاح. واعتبر أن أي صيغة لعلاقة سورية-إسرائيلية يجب أن تقوم على تنازلات متكافئة ومتوازنة، وإلا فإنها ستؤثر سلبًا على السيادة الوطنية.

على طاولة النقاش الإقليمي اليوم تطرح كل هذه المعطيات الثقيلة، ويبقى السؤال الأبرز معلقًا: هل سنشهد حقًا لقاءً تاريخيًا بين الشرع نتنياهو في نيويورك، أم أن ما نُشر لا يعدو كونه تسريبات غير دقيقة أو بالونات اختبار؟ لا شك أن مجرد انتشار خبر التخطيط لهكذا اجتماع أثار زوبعة من الردود المتباينة. وإذا ما تم اللقاء فعلًا فسيكون سابقة سياسية مدوّية قد تغيّر ملامح المشهد في الشرق الأوسط، مع ما يرافق ذلك من مخاطر داخلية وضغوط شعبية على دمشق.

أما إذا تراجعت الأطراف تحت وطأة الرفض والحرج، فسيبقى الأمر عند حدود رسائل مبطنة وجسّ نبض بين الخصوم. في كل الأحوال، دخلت سوريا مرحلة جديدة منذ إسقاط نظام الأسد، مرحلة تحاول فيها إعادة التموضع ورسم سياساتها الخارجية وفق موازين القوى المستجدة. وسيثبت المستقبل القريب ما إذا كانت دمشق ستنجح في الموازنة بين ضرورات البقاء ومبادئ القضية.

الترا صوت

———————

كلمات قاتلة: كيف نواجه منشورات الكراهية والتضليل في سوريا والعالم/ خالد منصور

25-08-2025

        في مطلع الشهر انتشر بشكل فيروسيٍّ مشهد إعدام مرعب في ردهات مستشفى السويداء الوطني، حيث تهاوى جسد رجل بدا أنه أحد العاملين في المستشفى تحت طلقات جنود يرتدون زياً رسمياً، بينما ركع عشرات الأشخاص المرتدون ملابس معتادة للعاملين في المجال الطبي على البلاط رافعي الأيدي مذعورين تحت فوهات الأسلحة التي قتلت الرجل، زميلهم، بعد اشتباك قصير بالأيدي بينه وبين أحد المسلحين من غير الواضح لماذا بدأ.

        سيصير المقطع المصور جزءاً من وثائق عديدة وشهادات لما جرى في تلك المنطقة ذات الأغلبية الدرزية الشهر الماضي، وراح ضحيته مئات الأشخاص من أهالي المنطقة بصفة أساسية وممن هاجمهم من ميليشيات مسلحة ومن قوات الأمن التي ادعت أنها تدخلت لفض النزاع. سيُدرج هذا المقطع في أعمال لجان تحقيق وتقصي حقائق حكومية أو دولية، وفي كتب تاريخ. ولكنه مثل عشرات الوثائق المماثلة بدأ يلعب دوراً بالفعل منذ تسريبه وذلك في تأجيج الصراع وتجييش العواطف وتجنيد الطاقات في مواجهة صار وجهها الرئيسي الطائفي يُخفي جذورها المناطقية والسياسية.

        لم يكن عالم منصات التواصل الاجتماعي قط مجرد ناقلٍ لما يجري في الواقع. إذ يصوغ المستخدمون وقائع العالم المادي وينشرونها ويستغلونها بشكل انتقائي، ليخدموا بها أغراضاً عديدة، أقلّها أهمية لدى معظمهم هي التوثيق من أجل الحقيقة والمحاسبة.

        في ديسمبر(كانون الأول) الماضي، سادت حالة من الفرح الجماعي وسط الحسابات السورية على منصات التواصل الاجتماعي، مع عدد قليل من المنشورات التي تعبر عن مخاوف من هجمات انتقامية أو تجاوزات من قبل الميليشيات التي تواترت تقارير موثقة عن انتهاكاتها العنيفة لحقوق الإنسان على مدى السنوات الماضية. ابتهجت غالبية الشعب السوري بإسقاط النظام الذي قتل ما يقرب من نصف مليون شخص منذ مطلع العقد الماضي، وفرض مناخاً قمعياً دموياً قاتماً على البلاد كلها منذ الثمانينيات. غير أن شهر العسل الافتراضي لم يدم طويلاً، فخلال الأسابيع التالية ظهرت خطابات الكراهية والانتقام والتحريض على العنف – خاصة ضد الأقليات، أو المجموعات والأفراد المشتبه في تورطهم في الجرائم الأسدية – مصحوبة بحملات تضليل شبه ممنهجة على المنصات نفسها.

        على سبيل المثال، خلال ثلاثة أيام مرعبة في مارس (آذار)، حفلت منصات التواصل الاجتماعي بدعوات للحشد والتجنيد والتوجه نحو منطقة الساحل ذات الأغلبية العلوية لتأديب ما قال أصحاب المنشورات إنها فلول للنظام القديم الساعية لقلب النظام الجديد. وقُتل قرابة 1500 شخص في منطقة الساحل، أغلبيتهم من المدنيين غير المسلحين من الأقلية العلوية، بينهم عدد كبير من النساء والأطفال، وذلك بعد اشتباكات مع ما وصفته الحكومة الجديدة في دمشق بأنها ميليشيات انقلابية شكّلها بقايا نظام الأسد، قتل خلالها قرابة مائتين من الجنود التابعين للنظام الجديد. وبعد مقتل هؤلاء الجنود فيما يبدو أنه حملة منظمة من ضباط سابقين في الجيش السوري وجنود متضررين من تسريحهم من الطائفة العلوية وفقا لتقرير تفصيلي دامغ نشرته وكالة رويترز للأنباء، حشد النظام جنوده وميليشيات داعمة وتدفق أنصاره من أجل إيقاف هذه الهجمات وربما عقاب المسؤولين عنها سواء فعلياً أو عن طريق عقاب جماعي للطائفة كما أوحت منشورات التواصل الاجتماعي.

        وفي أواخر شهر أبريل (نيسان) قُتل عشرات من الدروز منهم مدنيون ومسلحون وأيضاً جنود تابعون للأمن العام في مواجهات حول وداخل مناطق ذات غالبية درزية عقب ادعاءات بوجود تسريب صوتي لرجل دين درزي مسيئ للنبي محمد – على منصات التواصل. وجرى احتواء هذا الموقف بسرعة نسبية. ولكن السويداء، ذات الأغلبية الدرزية انفجرت لاحقاً بعد أن كانت تغلي من قبل، وخاصة في ضوء مشاحنات مع ميليشيات بدوية.

        وفي كل هذه الحالات هيمنت منشورات التجييش الطائفي وتحقير الطوائف الدينية والمناطقية على منصات التواصل واحتوى كثير منها على معلومات مضللة أو مغلوطة ساهمت بدورها في تأجيج مشاعر الثأر والانتقام، وربما تسببت في سقوط المزيد من الضحايا على أرض الواقع وليس فقط إشعال الضغينة والغضب بين مستخدمي المنصات فحسب.

        صدر حتى الآن تقريران عما جرى في منطقة الساحل، أحدهما من لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة وصدر في شهر آب (أغسطس)، والثاني قبله ببضع أسابيع من لجنة حكومية سورية، ولم يُنشر سوى ملخص له. والغرض الأساسي من مثل هذه التقارير هو توثيق ما جرى وتوصيفه وتحديد من قام بالانتهاكات والتجاوزات، وعلى الأخص من أمر بها وقادها ومعرفة ما إذا كانت سياسة منهجية. وهذه كلها أمور مهمة للغاية، ولكن لتفادى التكرار الذي يتوقعه كثيرون، للأسف، لمثل هذه المجازر، ينبغي النظر في جزء مهم من البنية التحتية التي مكنت لهذه المجازر أن تقع، بل وأن تحصل على قدر من الدعم الشعبي، وذلك هو الجزء الخاص بدور منشورات التواصل الاجتماعي. وهذا أمر مهم للغاية في بلد تتعدى نسبة حسابات الإنترنت فيها ثلث عدد السكان ويتجاوز عدد صفحات السوريين على منصة مثل فيسبوك 11 مليون صفحة وعلى إنستغرام ستة ملايين، بينما يعتمد كثيرون أيضاً على منصة تليجرام، غير الخاضغة لأي رقابة فعلية ولو حتى واهية مثلما هو الحال مع المنصات الأخرى.

        أشار التقرير الأممي إلى أن أحداث الساحل التي أسفرت عن مقتل نحو 1500 شخص وقعت في «سياق استخدام شبكات التواصل الاجتماعي لنشر المعلومات المضللة وخطاب الكراهية» كما استخدمت هذه المنصات في نشر «دعوات للحشد الديني والنفير العام على نطاق واسع».

        ولم يتعرض ملخص التقرير الحكومي كثيراً لدورِ شبكات التواصل الاجتماعي مقتصراً على توصية حول «اتخاذ تدابير تشريعية وتنفيذية وتعليمية لمنع التحريض على العنف أو الفتنة أو إثارة النعرات الطائفية وكفالة رقابة ذلك في وسائط الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي».

        وفي مقابلة مع أحمد بريمو، قال مؤسس ومدير منصة «تأكد» السورية للتحقق من المعلومات «إن كثيراً من الحسابات التي تنشر الأكاذيب الضارة وتقوم بالتحريض في سورية تُدار من قبل أفراد أو شركات، ومُعدة بطريقة توحي بأنها تتحدث باسم مجموعة دينية أو عرقية معينة، وتعتمد على استخدام مقاطع فيديو أو صور مزيفة أو مُحرّفة – بعضها مأخوذ خارج سياقه – لنشر محتوى كراهية بهدف التحريض على العنف وإشعال العداوات عبر الطوائف والجماعات السياسية والمناطقية. وبمقتضى الحال فإن كثيراً من المتابعين يتبنون هذا المحتوى وينشرونه، معتقدين أنه صحيح». ويؤيد التقرير الأممي حول أحداث الساحل هذا مشيراً إلى «نشر معلومات كاذبة وخطاب كراهية والتحريض ضد العلويين في منشورات قيل أن مصدرها في كثير من الأحيان جاء من الخارج»، وأن هذا الخطاب ساهم في زيادة «المضايقات والانتهاكات ضد الطائفة العلوية».

        ولا شك أن هناك أهمية توثيقية – خصوصاً من أجل عمل لجان تقصي الحقائق – في ترك كثير من هذه المنشورات على المنصات دون حذفها ولكن يمكن تقييدها تماماً للجمهور العام بل وجعلها متاحة فقط للجان التحقيق الرسمية وللباحثين في المنظمات ذات المصداقية وللصحفيين وهذا أمر سهل التنفيذ على إدارات شبكات التواصل الاجتماعي. ولكن تركها هكذا بما فيها فيديوهات صورها القتلة أنفسهم تشمل (الضرب المبرح والإعدامات) تؤدي إلى نشر الخوف والرعب بين الفئات والطوائف المستهدفة على هويتها وتكريس مناخ يعيش فيه المجرمون دون خوف من العقاب، وأخيراً تأجيج الشعور الانتقامي.

        تاريخ التحريض القاتل

        منذ مذابح ميانمار في 2017 بات واضحاً أن وسائل التواصل الاجتماعي لها قدرة فائقة على العمل كسلاح في النزاعات عندما تصبح الانتماءات الطائفية والإقليمية والعرقية وغيرها وقوداً لتسوية توترات سياسية واقتصادية واجتماعية في الأساس. ويُستخدم محتوى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبئة، والتجنيد، وجمع التبرعات، وتنظيم الأعمال العنيفة. وقد يكون الوضع أسوأ على تليجرام ومجموعات واتساب المغلقة مقارنةً بمنصات عامة مثل فيسبوك وتيك توك ما زالت تدعي أنها تبذل مجهوداً لمنع نشر المحتوى الذي يحرض على العنف وينشر الكراهية. وشدد التقرير الأممي حول أحداث الساحل على الدور الهدّام لمنصة تليجرام ضارباً كمثال صفحة قناة قيادة العمليات العسكرية صاحبة السبعين ألف متابع التي تشير للعلويين مستخدمة «لغة طائفية صريحة… وتوجيه تهديدات طائفية صريحة ومهينة».

        بالطبع، يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تكون أداة لبناء الجسور، ودحض الشائعات، ومكافحة التضليل. إنها بلا شك سيف ذو حدين، لكن الحد الذي يسفك الدماء يتطلب المزيد من الاهتمام.

        في ميانمار شنت قوات الأمن حملة «تطهير عرقي وحشية» ضد مسلمي الروهينجا حيث قُتل الآلاف بما فيهم أطفال صغار، وانتهكت نساء وفتيات، وأُحرقت مئات القرى. وفي الأشهر والسنوات التي سبقت المذابح كان فيسبوك منصة حشد ضد الروهينجا حيث نشر الجيش والجماعات القومية البوذية المتطرفة محتوى تحريضي ومعلومات مضللة حول استيلاء المسلمين الوشيك على البلاد. وبحسب تقرير للأمم المتحدة، لعب موقع فيسبوك دوراً أساسياً في تأجيج تطرف السكان المحليين والتحريض على العنف. وصورت هذه الحملات الروهينجا على أنهم دون مستوى البشر. سنسمع هذا التشبيه يُوجه للفلسطينيين على أنهم «حيوانات بشرية» من وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف جالانت في عام 2023 بعد أن بدأت الحملة العسكرية الإسرائيلية الإبادية في قطاع غزة المحتل.

        المعلومات الخاطئة والمضللة وخطاب الكراهية – بما في ذلك تجريد الناس من إنسانيتهم – قد تؤدي إلى القتل، كما رأينا في رواندا وميانمار والآن في سوريا وغزة. ويكمن التحدي في التمييز بين النقد المباح وحمايته كحرية تعبير من ناحية وخطاب الكراهية والتحريض والسعي لتقييده والحد منه أو حظره من ناحية أخرى.

        كيف يمكن التفريق بين حرية التعبير وخطاب الكراهية

        مواجهة خطاب الكراهية دون تقييد حرية التعبير عمل صعب للغاية، ويتعين بداية أن يتم التفريق بين نوعين متمايزين من الخطاب، الأول هو خطاب الكراهية ضد أفكار ومؤسسات ودول والذي قد يؤذي المشاعر وهو خطاب يدافع عن شرعية وجوده معظم مؤيدي حرية التعبير. والخطاب الثاني يحض على كراهية البشر بصفتهم أعضاء في جماعات دينية أو عرقية أو طائفية أو بناء على نوعهم الاجتماعي أو جنسيتهم، إلخ، وهو خطاب يتفق أغلب المعنيين بهذه المسألة على وجوب التعامل معه بتقييد الانتشار أو الحذف إذا كان من المحتمل بشكل واضح أن يؤدي لعنف على أرض الواقع.

        وهكذا على سبيل المثال هناك فارق بين انتقاد اسرائيل وسياساتها بكافة الأوجه من ناحية، ومعاداة اليهود عموماً ووصمهم (العداء للسامية) كما هناك فارق بين وصم وتوجيه اتهامات مشينة لكل المسلمين من ناحية وهو خطاب كراهية ونشر تعليقات مزعجة للمتدينين بشأن الإسلام نفسه كدين. وهناك لا شك خطوط رفيعة وتداخلات يصعب معها أحياناً الفصل بين الخطاب الذي يجب الدفاع عنه من باب حرية التعبير عن الرأي والخطاب الذي يتعين مناهضته لأنه يحض على الكراهية وقد يؤدي للعنف غير المشروع. وهكذا فليس كل خطاب كريه هو خطاب كراهية يستلزم التقييد القانوني!

        وضع إعلان الرباط في 2012 قواعد استرشادية لتعامل القانون مع خطاب الكراهية والتحريض على العنف منها: سياق الخطاب، وطبيعة صاحب الخطاب (الفرد أو المؤسسة)، ونية صاحب الخطاب، ومحتوى الخطاب، ومدى انتشار الخطاب، ومدى احتمال ونطاق وقوع ضرر بسبب هذا الخطاب. وعلى سبيل المثال فإن رجلاً ينشر خطاب كراهية ضد سكان القطب الشمالي وهو يعيش في أمريكا اللاتينية فحصل منشوره على اهتمام شخصين اثنين هو خطاب لا يحتاج في الأغلب للتدخل السريع والحظر، وإن تعيّن على المنصات عموماً ربما تقييد مثل هذه الخطابات وعدم المساهمة في توسيع نطاق نشرها.

        خوارزميات ضبط المحتوى 

        تقدم منصات التواصل الاجتماعي يومياً عدة مليارات من المنشورات (نصوص وفيديوهات وصور وتسجيلات صوتية) ومن المستحيل أن يقوم بشر بمراجعة كل هذا المحتوى قبل نشره للتأكد من عدم وجود خطاب كراهية أو تحريض يستلزم التقييد أو الحذف. هذا أمر سيتطلب وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. ولذا تستعمل كل المنصات برامج أو خوارزميات آلية تقوم عادة بأكثر من 95 بالمئة من إجراءات الحذف والتقييد وفرض جزاءات على المخالفين لقواعد المحتوى. ورغم التقدم المضطرد في عمل البرامج واعتمادها على تقنيات الذكاء الاصطناعي إلا أن قواعدها الحاكمة في نهاية الأمر موضوعة من قبل بشر وقد تخضع أحياناً لاعتبارات سياسية. وهناك تحديات تقنية تتعلق بقدرة الخوارزميات على التفريق بين الجد والهزل أو النشر الصحفي والأكاديمي لأمثلة من خطاب الكراهية وحتى توظيفه في حملات توعية ومناهضة.

        ورغم هذه التحديات يتعين على هذه المنصات أن تراقب المحتوى الكاره والضار وتقلل من انتشاره أو تضع علامات تحذيرية عليه أو حتى تزيله، خاصة إذا بدأ بالانتشار السريع أو تم ترويجه من خلال حسابات ومجموعات مشبوهة. ويمكن بسهولة للمنصات الكبيرة جداً مثل ميتا وإكس وتيك توك أن تقوم على الأقل بتقليل انتشار المحتوى الضار أو شبه الضار عن طريق أنظمة التوصية التلقائية التي تدفع إلى شاشاتنا كثيراً من المحتوى غير القادم من أصدقائنا ودوائرنا المباشرة (إما لأنه مدفوع الأجر للمنصات بصفته إعلانات أو لأن الخوارزميات ترى أن المستخدم مهتم بهذه النوعية وهكذا تعمل أنظمة التوصية وترتيب المحتوى على خلق تأثير أكبر للمحتوى الإثاري والعنيف).

        وفي الواقع إن المنصات نفسها متهمة بترويج هذا الخطاب كما رأينا في حالة ميانمار. فمثلاً تُعطي خوارزميات ميتا الأولوية لبعض المحتوى الأكثر ضرراً وتُضخّمه، بما في ذلك الدعوة إلى الكراهية، والمعلومات المضللة، والمحتوى المُحرّض على العنف العنصري – كل ذلك باسم تعظيم «تفاعل المستخدمين»، وبالتالي الربح. وقد أظهرت الأبحاث أن هذه الخوارزميات تُعزّز باستمرار المحتوى الذي يُثير ردود فعل عاطفية قوية، أحياناً على حساب اعتبارات تتحسب للأضرار المتوقعة خاصة على الفئات والمجموعات الأكثر ضعفاً وتهميشاً.

        تقصي الحقائق والمعلومات

        وفي سورية وغيرها من مناطق الحروب والصراعات يتطوع مستخدمون أو مجموعات منظمة لدحض الأكاذيب أو كشف زيف صور وفيديوهات كان من الممكن أن تسبب المزيد من القتل والعنف لو تُركت دون رقابة. لكن المتطوعين لا يمتلكون الأدوات أو المصداقية نفسها التي يتمتع بها المحققون المحترفون، ولا يقتربون حتى من التأثير الذي يمكن أن تحققه المنصات نفسها إذا خصصت المزيد من الموارد والأدوات الفعالة.

        وظهرت منظمات التحقق من المعلومات في المنطقة العربية خلال جائحة كورونا عندما انهالت المعلومات المضللة حول الفيروس واللقاحات. وتأسست الشبكة العربية للتحقق من الأخبار (AFCN) عام 2020، وطورت منذ ذلك الحين برنامجاً تدريبياً، وكتيبات إرشادات مهنية، ومنصة إلكترونية لتدقيق المعلومات القادمة من أي مستخدم (chatbot)، وفقاً لـسجى مرتضى، منسقة الشبكة التي تضم حاليا 34 منظمة من 12 دولة عربية. 

        وتعاني هذه المنظمات ومثيلاتها في أنحاء العالم من قلق شديد مع انخفاض الدعم المادي من المانحين ومن الشركات بسبب تحولات كبيرة في نظم تمويل المجتمع المدني وأيضاً في سياسات شركات سيليكون فالي الضخمة (جوجل، ميتا، إكس، إلخ). وعلى سبيل المثال ألغت ميتا التعامل مع شركات التحقق من المعلومات في الولايات المتحدة وخففت عمل الخوارزميات المكلفة برصد خطاب الكراهية وحذفه أو تقييده وفق قواعد معينة.

        كان قرار ميتا (صاحبة منصات فيسبوك وإنستغرام وثريدز وواتساب) إعادة التفكير في نهجها تجاه مراقبة المحتوى وتدقيق الحقائق على منصاتها مدفوعاً بالحسابات السياسية في الأغلب، بخاصة وأن الرئيس دونالد ترامب وأنصاره يتهمون نظم وشركات تقصي الحقائق والمعلومات بأنها تمارس الرقابة على آراء المحافظين والجمهوريين. ويحيط بالرئيس الأميركي، الذي حذفت ميتا نفسها حسابه في 2020 بعد خسارته الانتخابات بسبب خشيتها من تحريضه لأنصاره على العنف، مجموعات تدعي الدفاع عن «الحرية المطلقة في التعبير»، وتعتقد أن معظم المحاولات لتقييد الكلمات أو الصور أو الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي هي بمثابة رقابة سياسية.

        هل تجدي مناهضة الأكاذيب والكراهية عن طريق نشر الوعي؟

        يدعي البعض أن الوسيلة الناجعة لمواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة هي نشر الوعي المعلوماتي بداية من مناهج المدارس الابتدائية من أجل إكساب مستخدمي الإنترنت قدرة نقدية على التعرف بشكل أفضل على المحتوى الخاطئ والمضلل معتمدين على: محتوى الرسائل، طبيعة مرسلها، تماسكها المنطقي، علامات التلاعب في الصور والفيديوهات، إلخ، وبالتالي تكون لهم القدرة على فرز هذا السيل المنهمر واستبعاد الزائف منه. ولكن هذا في الأغلب لا يستغرق وقتاً طويلاً فحسب، ولكنه أيضاً قد لا يفيد كثيراً في مكافحة خطاب الكراهية العام بين فئات مستعدة ومؤيدة له.

        ويضع هذا الحكومات ومنصات التواصل الاجتماعي الكبرى أمام مسؤولية جسيمة، لتتعامل عن طريق التشريعات من ناحية، وخوارزميات إدارة محتوى المنصات من ناحية أخرى، لتقليل التحريض على العنف والتضليل خاصة أثناء الصراعات التي يُساهم مثل هذا المحتوى في تأجيجها، بل وتعميم توتراتها لأنحاء العالم في صورة عداء وأعمال عنف لفظي وفعلي ضد المهاجرين وأتباع أديان مختلفة وأقليات اجتماعية أو طائفية.

        لم تخترع المنصات خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، فهي تقنيات قديمة مغروسة في قلب الصراعات الاجتماعية والسياسية منذ مئات السنين، ولكن الزيادة المذهلة في حجم هذه المنشورات وسرعة انتشارها كونياً وتأثير شركات ودول وجماعات تقف خلف بعض هذه الحملات وتمولها، والقدرة المتعاظمة على تزييف الصور والفيديوهات، والضعف المتزايد في قدرة وسائل الإعلام التقليدية الجادة على مواصلة العمل بسبب تحولات أنماط إنتاج واستهلاك المعلومات… كل هذا يحمّل هذه المنصات والحكومات مسؤولية أكبر في مواجهة تلك الكلمات والصور والفيديوهات القاتلة.

        وهنا يكمن التحدي الأعمق والأكبر: من سيضغط على هذه الحكومات والمنصات للقيام بهذا العمل المهم؟ القانون، الناخبون، المستثمرون… من؟ الحكومات – الديمقراطية وأشباهها – معنية في النهاية بأصوات الناخبين، بينما الشركات معنية بأرباحها والمستثمرين في أسهمها.

        كل هذه الطرق تبدو الآن مظلمة نوعاً ما أو مسدودة، فمنذ بداية الحرب الإبادية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في غزة تآكلت بسرعة قوة وسلطان كثير من المنظمات الدولية وضعفت سطوة القانون الدولي ومشروعيته والتي كانت واهنة بالفعل وبات تعليق الأمل على قواعد قانونية حقوقية يشبه انتظار الظامئ للسراب المتلاشي، حيث ضعفت قدرة مؤسسات مثل المحكمة الجنائية الدولية على تولي مهامها بل وصارت مهددة من جانب قوى عظمى فرضت عقوبات على هذه المحكمة. يقف خلف كل هذا ضربات قاسية وجهت للقدرة على التعاطف الإنساني عبر الطبقات والحدود في العقدين الماضيين إلى جانب انتشار متزايد لخطابات الكراهية والإقصاء التي رفعت الأسوار عالية بين الفئات والطوائف والطبقات. ويُشكّل التعاطف الإنساني بين البشر والشعور بالتماثل أساس مناهضة خطاب الكراهية والحض على العنف ضد الآخرين، وهذا هو التحدي الأعمق الذي يواجه البشرية حالياً لمناهضة خطابات التضليل والكراهية والتحريض على العنف إذا أردنا أن يحدث ضغط منظم وناجع من قبل ناخبين ومستهلكين ومواطنين لدفع الحكومات والشركات إلى اتخاذ إجراءات أكثر فعالية في مواجهة هذه المنشورات القاتلة.

موقع الجمهورية

————————

 السويداء مرة أخرى إلى أين؟/ أحمد مظهر سعدو

2025.08.25

مازالت الحالة التي وصلت إليها أوضاع السويداء وجبل العرب تراوح بالمكان، وما برح المشهد هناك يشي بكثير وكثير من الدراماتيكية المتحركة، التي قد تصل إلى احتمالات كبيرة وجد خطيرة. كما ما يزال الواقع في محافظة السويداء يشهد كثيرا من التغيرات والتوقعات والتبدلات ضمنن آليات معينة، يحاول فيها بعضهم كأمثال الشيخ حكمت الهجري وجماعاته الوصول إلى حالة انقلاب حقيقي في الجنوب السوري تهيئة لانبثاق أوضاع جديدة قد تذهب بعيدًا ومديدًا باتجاه إعادة إحياء بعض المشاريع الخارجية، اللا وطنية، إنجازًا وإنفاذًا لاشتغالات حثيثة، تريد على أرض الواقع في السويداء وجبل العرب المزيد من حالات التشظي والتفتت والتفسخ في الجغرافيا السورية، وهو ما أشارت إليه تظاهرات حصلت مؤخرًا،  بكل أسف، تم فيها رفع العلم الإسرائيلي، ثم دعوة إسرائيل إلى التدخل المباشر في الحالة السورية، ضمن سياقات استدعاء الخارج، وحماية الكيان الانفصالي الجنوبي المفترض.

رغم أن هناك العديد من حالات التململ ثم التصدي (لدى النخب الوطنية في السويداء) لكل ما يريد فعله حكمت الهجري ومجموعاته، من إقامة أوضاع جديدة في الجنوب، وتعديات على مقامات روحية، وكذلك سرقة المواد الغذائية التي تصل إلى السويداء من الحكومة السورية ومن منظمات وطنية وخارجية أيضًا، اليوم يبدو أن النخب الثقافية والسياسية والدينية أدركت تمام الإدراك خطورة المسألة وحجم وفداحة الانجرار إلى مشاريع وأجندات خارجية، كان من الممكن أن تسهم في تفتيت الوضع السوري، ومنع الوصول إلى حالة من الاستقرار طالما حلم بها السوريون.

مما دفع بعض منهم رغم تهديدات وتخويفات وتهديدات ما يسمى المجلس العسكري في السويداء، وكذلك مجموعات الهجري، حيث خرجت بعض النخب (ولو كان ذلك متأخرًا) من عنق الزجاجة، ثم راحت تحاول فضح وكشف أساليب حكمت الهجري وأجنداته وخطورتها على الواقع السوري، خاصة عندما أكد (عبد الباقي) أن ما يزيد على 75 بالمئة من الشعب في محافظة السويداء لم يعد متوافقًا أو متساوقًا أبدًا مع خيارات حكمت الهجري اللاوطنية، وهو (أي الشعب في السويداء) مازال مصرًا على العودة للدولة الوطنية السورية ومنع التقسيم، أو الجلوس والتربع في بوتقة العدو الإسرائيلي، الذي لا يمكن أن يكون خيارًا وطنيًا سوريًا لا في السويداء ولا في سواها. بأي حال من الأحوال بعد أن خبر السوريون ماهية الكيان الصهيوني وسياساته في سوريا والمنطقة العربية برمتها.

لكن يبقى السؤال: هل يمكن أن يتحقق المزيد ضمن هذه السياقات، في إطار التغير الحاصل على طريق محاصرة كل أفكار وسياسات حكمت الهجري وتهيئة الأمور إلى عودة سويداوية حقيقية وجدية إلى ملاذات الوطن السوري ولفظ كل المشاريع التفتيتية.. والحقيقة تقول وبوضوح إن هناك انحسارا جديا وحقيقيا لبعض ذلك المد والتوسع الشعبي الذي كان قد التف مع حكمت الهجري مؤخرًا، كردة فعل مباشرة على ما حصل من انتهاكات لحقوق الإنسان في بعض مناطق محافظة السويداء وجبل العرب، والتي أدت فيما أدت إليه، إلى توسع رقعة الوجود العسكري مع حكمت الهجري، قبل أن تعود هذه الجموع وتنفك من حوله، وتتركه بعد تصريحاته ومواقفه الأخيرة اللاوطنية التفتيتة والتي تريد الالتحاق بالكيان الصهيوني  وهو ما لا يقبله أهلنا في السويداء وجبل العرب أبدًا.

انحسر الالتفاف حول حكمت الهجري وبات هذا الهجري يلاطم ومجموعاته الأمواج ولم يعد بالإمكان العودة إلى مسارات وأجندات تخريبية تفتيتية، خاصة بعد أن بدأت إسرائيل بالتخلي عن هذه المجموعات إبان مرحلة جديدة كان ديدنها المضي في سياسات إسرائيلية تفاوضية مع الحكومة السورية، حيث يبدو أن إسرائيل وجدت مصلحتها هنا، وليست هناك.

المهم في كل ذلك أن السياقات الجديدة للمشهد السوري في السويداء وجبل العرب تقول: إن هناك تغيرا ما في الوضع جنوبًا، وقد يؤدي قريبًا إلى المزيد من فتح قنوات الحوار المطلوبة وطنيًا، حيث يدرك السوريون أن لا مناص أبدًا من العودة إلى التفاهمات والحوارات السورية السورية نحو إعادة بناء صرح الوطن السوري الواحد الموحد الذي تريد استقراره، ليس انبثاقات وهيئات الدولة السورية فقط، بل معظم الدول الإقليمية والعربية وأيضًا الدولية.

فهل نشهد يا ترى وقريبًا بعض الانزياحات الكبرى في المشهد السوري في الجنوب السوري وخاصة في السويداء وجبل العرب؟ وهل تتغير بالفعل هذه المسارات؟ حتى يكون هناك امتدادات وآمال حقيقية لبناء الوطن السوري الواحد الموحد؟ أسئلة ما انفكت موجودة برسم أهل السياسة من السوريين، الحاكمين والمحكومين وكل المهتمين بالشأن السوري، كذلك الحريصون على بناء الدولة الوطنية السورية الجدية، دولة المواطنة المنشودة، الخالية من كل أنواع التفتت والتشظي أو الفوات.

السويداء محافظة مهمة وأساسية من محافظات سوريا، وكل الشعب السوري معني بأن تبقى جزءًا مهمًا من الجغرافيا السورية، مع أهمية إشراك نخبها وعلمائها ومختصيها، وكل طبقاتها الاجتماعية بحركة المشهد السوري برمته. شاء من شاء وأبى من أبى، وعوا ذلك أم لم يعوه أدركوا ذلك أم لم يدركوه.. حيث (لا مطلق ولا أزلي إلا الله، ماعدا ذلك فنسبي وتاريخي نحن منه حكرة وعي إنساني يتقدم، ونحن فيه حركة جدال).

تلفزيون سوريا

————————-

 من كيسنجر- الأسد إلى باراك- الشرع: اتفاقية 1974 تطال لبنان؟

الاثنين 2025/08/25

تعلن سوريا بوضوح موقفها بشأن المفاوضات التي تجريها مع إسرائيل، وهو العودة إلى اتفاقية العام 1974، وما يرتبط بها من ترتيبات تخص وضع الجنوب السوري. ولكن ما هو غير ملحوظ، أن تلك الاتفاقية انطوت إما على “بنود سرية” أو تداعيات طبيعية لسياق التطورات في تلك الفترة، فتأثر لبنان بها على مدى سنوات أو عقود. عمل وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كينسجر على صياغة تلك الاتفاقية سياسياً، واشتهر مسار التفاوض حينها بمسار “كيسنجر- الأسد”. وكان ما نتج عنه يشبه التفويض الأميركي لسوريا للعب دور في لبنان.

مطالب دمشق وواشنطن

في ضوء المسار التفاوضي بين سوريا وإسرائيل، ينتظر لبنان زيارة لوفد رسمي سوري للبحث في معالجة الملفات العالقة، وتصحيح مسار العلاقات. لدى دمشق مطالب أصبحت معروفة. أولها، إخراج المعتقلين السوريين من السجون اللبنانية وتسليمهم لسوريا، لمحاكمتهم هناك. ثانيها، التوصية بإطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين الإسلاميين، الذين تعتبرهم دمشق بأنهم سجنوا بسبب تأييدهم للثورة السورية. ثالثها، تنظيم آلية دخول وخروج السوريين واللبنانيين وترتيبها بين البلدين. رابعها، التعامل تعاملاً حسناً مع السوريين المقيمين في لبنان، وعدم التعرض لهم بالتعذيب أو بعمليات التوقيف العشوائية. خامسها، التنسيق الأمني والعسكري لضبط الحدود، وصولاً إلى ترسيمها. سادسها، البحث في تطوير العلاقات وتعيين سفراء وتفعيل العمل الديبلوماسي. سابعها، الدخول في مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة. ثامنها، الدخول في اتفاقيات تجارية وفتح خطوط الترانزيت، واستفادة لبنان من المجالات الاقتصادية والتجارية وإعادة الإعمار في سوريا.

وإلى جانب زيارة الوفد السوري، لا يمكن إغفال الزيارات المتكررة للوفود الأميركية إلى بيروت، للبحث أيضاً في إنجاز ترتيبات خاصة بالوضع في الجنوب، وسحب السلاح، مع وعود بالحصول على مساعدات ومشاريع استثمارية. هنا يبدو لبنان كأنه بين منزلتين. المنزلة الأميركية الإسرائيلية، والمنزلة السورية. علماً أن العلاقات بين واشنطن ودمشق تشهد تقدماً وتطوراً ملحوظاً، خصوصاً أن الموفد الأميركي توم باراك يمسك بالملفين، وهو من أكثر المتحمسين للرئيس السوري أحمد الشرع وقيادته للمرحلة، وهو لطالما نصح المسؤولين اللبنانيين بضرورة ترتيب العلاقة وتحسينها وتطويرها مع الشرع.

بين دمشق وبيروت

في كلام سابق لمسؤولين سوريين وعلى رأسهم الشرع نفسه، تحدثوا عن أن دمشق لن تشكل خطراً على دول الجوار، ولن تكون منطلقاً لأية عمليات عسكرية. ما يقصده الشرع، أن سوريا لا تريد خوض مواجهة عسكرية ضد إسرائيل. كما أردف في الموقف نفسه، عن وجود أخصام أو أعداء مشتركين للجانبين. وهو كان يقصد بذلك حزب الله وإيران. الكلام الرسمي بالنسبة إلى المسؤولين السوريين حول لبنان، هو التشديد على العلاقة الجيدة والندية بين الجانبين، وأن دمشق حريصة على احترام سيادة لبنان وعدم التدخل بشؤونه، وهو ما يجب العمل على ترسيخه. وهذا ما ستسعى سوريا إلى مناقشته خلال زيارة الوفد إلى لبنان، وفق ما يؤكد مسؤولون سوريون.

تتولى واشنطن مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل، في حين أصبحت المفاوضات السورية الإسرائيلية مباشرة. ربما تريد واشنطن للمسار اللبناني الإسرائيلي أن يصبح مباشراً في المرحلة اللاحقة. ولذلك هي تسعى إلى جعل مهلة عمل قوات اليونيفيل محصورة بسنة واحدة لا أكثر. عملياً، وضعت إسرائيل وأميركا شروطهما على لبنان، وأساسها سحب السلاح وصولاً إلى ترسيم الحدود وإنهاء حالة الصراع. سوريا أيضاً لديها شروطها على لبنان، وهي التي ذكرناها سابقاً. في حين أنَّ لبنان لا يزال يتعايش مع تعقيدات مختلفة بفعل الوضع الداخلي والوضع الإقليمي المتشابك.

السلاح وتفويض سوريا

القرار الذي اتُّخذ بشأن حصر السلاح أو سحبه لا يبدو أنه قابل للتطبيق سريعاً، خصوصاً في ظل المفاوضات الجانبية الدائرة، من أجل تجنب مسألة الجدول الزمني. كما أن حزب الله يتخذ مواقف علنية واضحة تشير إلى رفض تسليم السلاح.

يعني ذلك أن المسار الأميركي اللبناني قد يتعثر أو يتأخر، لكن في حال استمر التقدم على الخطّ الأميركي السوري، والإسرائيلي السوري، حينها ستكون هناك تداعيات لإعادة تفعيل اتفاقية 1974 على لبنان. وهنا لا بد من التوقف عند الكلام الذي أطلقه الموفد الأميركي توم باراك قبل فترة، حين قال إن لبنان أمام تهديد وجودي، وإن لم يتحرك قد يعود إلى بلاد الشام. هو موقف يحمل إشارات واضحة أنه في حال تعثر لبنان في المسار الذي يرسمه الأميركيون، فإنه سيكون عرضة لتدخلات سورية، أو ربما لتفويض جديد لسوريا على الساحة اللبنانية، وإن على نحوٍ مختلف عن ما كان عليه الوضع في العقود الماضية.

المدن

—————————

 هل يوقف فتح طريق دمشق – السويداء تشكيل “حرس الهجري”؟/ أنيس المهنا

الاثنين 2025/08/25

تشهد محافظة السويداء في الجنوب السوري أزمة إنسانية خانقة تتداخل فيها المعاناة المعيشية مع التعقيدات السياسية والأمنية. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة السورية على سيادتها ووحدة أراضيها، يصف بعض الأهالي ما يجري بأنه “حصار ممنهج”، الأمر الذي استُخدم لتبرير إعلان تأسيس ما سُمّي “الحرس الوطني” برعاية الشيخ حكمت الهجري، وسط رفض واضح من شخصيات دينية وشرائح اجتماعية واسعة خشية انعكاساته على وحدة البلاد واستقرارها.

معاناة يومية

وتسود المحافظة أوضاعاً صعبة مع نقص حاد في الخبز والماء والدواء وانقطاع الكهرباء معظم ساعات اليوم، ما أدى إلى تراجع ضخ المياه وتعطّل الخدمات الأساسية. كما يشهد قطاع المحروقات شحاً كبيراً دفع الأهالي إلى استنزاف مدخراتهم لتأمين أبسط احتياجاتهم. ومع تزايد أعمال العنف، نزح أكثر من 200 ألف شخص من ريف السويداء نحو مراكز إيواء ومنازل الأهالي، فيما تصل المساعدات الإنسانية بكميات قليلة لا تكفي لسد الاحتياجات.

الطلاب أيضاً يواجهون صعوبات في التنقل إلى دمشق ومتابعة دراستهم، بينما يشتكي السكان من استمرار انقطاع الكهرباء وتأخر الرواتب، إلى جانب ندرة الأدوية والمحروقات، ما يفاقم شعورهم بالتهميش.

خلافات محلية حول “الحرس الوطني”

إعلان اندماج فصائل محلية تحت مسمى “الحرس الوطني” بدعم من الشيخ الهجري أثار جدلاً واسعاً داخل السويداء. شخصيات دينية مثل الشيخ ليث البلعوس اعتبرت الخطوة “استنساخاً للحرس الثوري الإيراني” وتهديداً بمزيد من الفوضى، بينما رأى آخرون أنها محاولة للهروب من الحلول الواقعية، متهمين الهجري بالتسبب بفتنة داخلية. مصادر محلية أكدت أن نسبة الداعين للانفصال والتقسيم لا تتجاوز 5% من السكان، مقابل أغلبية تصرّ على الانتماء الوطني.

على المستوى الإقليمي، شدد الأردن على رفضه مرور أي مساعدات عبر أراضيه من إسرائيل إلى السويداء، مؤكداً أن أي دعم يجب أن يتم حصراً بالتنسيق مع الحكومة السورية. هذا الموقف أضعف محاولات الهجري لتدويل الأزمة، فيما أشارت مصادر إلى أن الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في فلسطين، الشيخ موفق طريف، نصح الهجري بالحوار مع دمشق.

رؤية رسمية ومعارضة

الحكومة السورية تواصل التأكيد على أن السويداء جزء لا يتجزأ من البلاد، وتبذل جهوداً لفتح طريق دمشق – السويداء وإيصال القوافل الإغاثية. في المقابل، يتهم مقربون من دمشق الهجري وفصائله بمنع دخول المواد الغذائية لترسيخ “سردية الحصار”، بينما يحذّر آخرون من استغلال إسرائيل للأزمة كذريعة للتدخل. ويرى محللون أن الحل يكمن في مصالحة وطنية شاملة، رغم صعوبة تحقيقها حالياً بفعل الانقسامات العائلية والفصائلية.

تبقى أزمة السويداء نموذجاً للتعقيد السوري، حيث تختلط المعاناة الإنسانية بالمطالب السياسية والخلافات الداخلية. وبينما ينتظر الأهالي فتح الطريق الرئيسي إلى دمشق، تظل المحافظة شاهدة على معركة تحتاج إلى حلول متوازنة تراعي مصالح السكان وتؤكد على وحدة وسيادة الدولة السورية.

————————

 جيش الاحتلال يصل إلى ريف دمشق بعد توغله في بيت جن/ حسام رستم

25 اغسطس 2025

تبعد بيت جن نحو 50 كيلومتراً عن مركز العاصمة السورية

سيطر جيش الاحتلال اليوم على تل باط الوردة في جبل الشيخ

تنفذ قوات الاحتلال اقتحامات شبه يومية في قرى الجنوب السوري

واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي توغلاته في جنوب سورية، ووصلت قوة إسرائيلية إلى بلدة بيت جن في ريف دمشق، والتي تبعد نحو 50 كيلومتراً عن مركز العاصمة السورية. وقال الناشط الإعلامي في الجنوب السوري يوسف المصلح، لـ”العربي الجديد”، إن قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي سيطرت، اليوم الاثنين، على تل باط الوردة في جبل الشيخ، وواصلت تقدمها نحو بلدة بين جن التابعة إدارياً لريف دمشق الجنوبي الغربي، وانتشرت قواتها في البلدة، وأطلقت النار في الهواء.

وأضاف أن القوات الإسرائيلية توغلت أيضاً مساء أمس الأحد في بلدة الرفيد بريف القنيطرة، وأقامت حاجزاً على المدخل الشرقي للبلدة. في غضون ذلك، انسحبت قوة إسرائيلية من بلدة بريقة بريف القنيطرة، ومن المفرزة الأمنية فيها، والتي دخلت إليها لقرابة ساعتين يوم أمس الأحد. كما أجرت قوات الاحتلال عمليات تفتيش في قرية عين العبد بريف القنيطرة. ويوم الخميس الفائت، توغلت دورية تابعة لقوات الاحتلال الإسرائيلي في قرية عابدين بمنطقة حوض اليرموك غربي درعا، واعتقلت ثلاثة شبان من القرية قبل أن تطلق سراحهم مساء.

وفي بيان نشره جيش الاحتلال عبر موقعه الإلكتروني الرسمي الأحد،  قال إن “قوات من لواء غولان 474 بقيادة الفرقة 210، نفذت الأسبوع الماضي، عدة مداهمات لضبط أسلحة واعتقال مشتبه بهم والتحقيق معهم في المنطقة الجنوبية من سورية”، زاعما أنّ القوات عثرت على عدة مستودعات أسلحة قبل مصادرتها، تتضمن صواريخ “آر بي جي”، وعبوات ناسفة، وأسلحة كلاشينكوف، بعد عمليات تفتيش متزامنة لأهداف متعددة”.

وتنفذ القوات الإسرائيلية توغلات شبه يومية في قرى وبلدات كودنة والعشة والرفيد، إضافة إلى طرنجة وجباتا الخشب، حيث تعمل على تجريف الأراضي الزراعية وإنشاء خنادق جديدة، وفق ما ذكره موقع “مؤسسة جولان الإعلامية” المحلي المعني بمتابعة الشأن الجنوبي في سورية.

العربي الجديد

—————————-

الحرس” يضم “رجال الكرامة”.. الهجري يصرح بالانفصال

أعلن “الحرس الوطني“، وهو الهيكل العسكري الذي أسسه الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، حكمت الهجري، انضمام عدة فصائل محلية في السويداء، جنوبي سوريا، إلى صفوفه، أبرزها “حركة رجال الكرامة”.

وتضم قائمة الفصائل المنضمة إلى “الحرس” اليوم، الاثنين 25 من آب، “حركة رجال الكرامة و”المقاومة الشعبية التوحيدية” و”قوات درع الجنوب”، و”قوات درع الجبل” و”قوات أسود الجبل” و”درع التوحيد” و”درع سهوة الخضر” و”ميماس وتل اللوز” و”رجال اللجاة” و”رجال الكفر”.

وكان “اللواء 164” انضم أمس الأحد، إلى صفوف “الحرس الوطني”.

“الحرس الوطني” تشكل في 23 من آب الحالي، بمباركة من الشيخ الهجري، ويضم نحو 40 تشكيلًا عسكريًا عاملًا في السويداء.

وخرج قائد “حركة رجال الكرامة” الجديد، مزيد خداج، بتسجيل مصور، نقلته شبكات محلية عاملة في السويداء، ومنها “الراصد” يعرب عن مباركته للتشكيل العسكري الجديد، و”اللجنة القانونية العليا”، اللذين أسسهما الهجري، ويعلن ولاءه للأخير.

ما “حركة رجال الكرامة”

“حركة رجال الكرامة” هي أبرز الفصائل العسكرية العاملة في السويداء، وأعلنت أمس، تعيين مزيد خداج (أبو ذياب) قائدًا عامًا لها، خلفًا ليحيى الحجار.

تأسست “حركة رجال الكرامة” على يد الشيخ وحيد البلعوس في عام 2013، الذي صرح بمعارضته لنظام الأسد، إلى أن اغتيل في أيلول 2015 بتفجير استهدف سيارته دون أن تعرف الجهة التي اغتالته، واتهم النظام و”حزب الله” بالوقوف خلف استهدافه.

وعيّنت الحركة رأفت البلعوس، الذي أكد استمرار الحركة على نفس النهج وحفاظها على وحدة سوريا وانتمائها إليها، وتحريم التعدي على السويداء أو التعدي منها على الآخرين.

وفي شباط 2017، عينت الحركة الشيخ يحيى حجار قائدًا لها، بسبب حالة رأفت البلعوس الصحية، الذي كان قد أصيب في تفجير اغتيال شقيقه.

ويضم الفصيل الآلاف من أبناء المحافظة، معظمهم يرتدي زيًا تقليديًا متعارف عليه في المحافظة.

وكانت “رجال الكرامة” أبرز الفصائل التي دعمت الحكومة السورية بعد سقوط النظام السابق، وأكد قائد الفصيل، الحجار، بتسجيل صوتي حصلت عنب بلدي على نسخة منه في 4 من شباط، ضرورة إنهاء المظاهر المسلحة، لفرض الأمن في سوريا وبمحافظة السويداء تحديدًا.

وأعلن حجار أن الحركة ستتعاون مع الشرطة المدنية وتسيير دوريات مشتركة، تمهيدًا لبناء دولة قانونية يسودها العدل وبناء “سوريا الجديدة والمنشودة”.

ولاقى تعاون الحركة مع الحكومة الجديدة معارضة من أطراف في السويداء، وانتشرت صوتيات تهدد باستهداف السيارات التابعة للأمن العام حينها، إلا أن “الحركة” ظلت على موقفها حتى انقلبت عليه بعد هجوم القوات الحكومية في منصف تموز الماضي.

البلعوس ينتقد “الحرس”

انتقد ممثل “مضافة الكرامة” ليث البلعوس، نجل مؤسس “حركة رجال الكرامة” الشيخ وحيد البلعوس، تشكيل “الحرس الوطني” واعتبره تسمية مستنسخة من “الحرس الثوري” الإيراني.

البعلوس، أعرب عن سعادته بموقف حركة “رجال الكرامة” الذين لم ينضموا للتشكيل العسكري الجديد حينها.

لكن حركة “رجال الكرامة” أصدرت بيانًا لاحقًا رحبت فيه بالإعلان الذي صدر باندماج الفصائل المحلية ضمن “جسم عسكري منظّم”.

واعتبرت أن هذا “ما تتطلبه المرحلة الراهنة في وقت تدافع الطائفة المعروفية عن وجودها ضد الغزاة الطامعين”.

كما تعهدت بالمبادرة لـ”وحدة الصف في هذه المرحلة الحساسة”.

الهجري يطلب دعمًا للإقليم

تعقيبًا على انضمام الحركة، أعرب الشيخ، الهجري، عن مباركته بتشكيل “الحرس الوطني” و”اللجنة العليا” وذكر أنهما بمثابة الأجهزة الأمنية والعسكرية والسياسية والقانونية.

وقال إن المرحلة الجديدة بدأت بعد ما وصفها بـ”المحنة الجديدة” والتي “أُريد منها إبادة الطائفة الدرزية”، وفق تعبيره.

وطالب الهجري من وصفهم بـ”شرفاء العالم” و”الدول والشعوب الحرة” بالوقوف إلى جانب الطائفة الدرزية ودعمهم لإعلان إقليم منفصل.

كما دعا إلى الفصائل إلى الالتزام بما أسماه “الذراع العسكري الدرزي”، والذي يشرف عليه ضباط مختصين، وبدعم دولي.

ووجه الهجري الشكر إلى الدول التي قال إنها وقفت إلى جانبهم، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل.

بعد مظاهرة “تقرير المصير”

وشهدت السويداء، في 16 من آب الحالي، مظاهرات في ساحة “الكرامة” وسط المدينة، تطالب بـ”تقرير المصير”، ترفع أعلامًا إسرائيلية.

وتعد المرة الأولى التي تخرج بها حشود بهذا العدد داخل محافظة السويداء للمطالبة بالاستقلال والانفصال عن سوريا.

وتعيش المدينة وسط هدوء حذر، بعد أحداث دامية شهدتها منذ 13 من تموز الماضي على خلفية اختطاف متبادل بين عشائر البدو وأفراد من الطائفة الدرزية.

وأدى دخول القوات الحكومية إلى مقاومة داخلية، حتى من الفصائل التي كانت داعمة لها، بعد انتهاكات من عناصر وزارتي الداخلية والدفاع.

خرجت القوات الحكومية في 16 من تموز، بعد ضربات إسرائيلية لنصرة الفصائل المحلية، وأعقب خروجها أعمال انتقامية بحق البدو الذين بقوا في المدينة.

عنب بلدي

———————————–

 الهجري: نطالب العالم بالوقوف معنا لإعلان إقليم منفصل

الاثنين 2025/08/25

طالب الشيخ حكمت الهجري، أحد مشايخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء، اليوم الاثنين، المجتمع الدولي بـ”الوقوف إلى جانب دروز سوريا لإعلان إقليم منفصل في الجنوب”، وذلك خلال اجتماع رعاه في بلدته قنوات تحت شعار “توحيد الصفوف” والانضمام إلى “الحرس الوطني الدرزي”.

وقال الهجري إن “مشوارنا بدأ بعنوان جديد بعد المحنة الأخيرة التي كان القصد منها إبادة الطائفة الدرزية في سوريا”. وأضاف “نحن دعاة سلام ولسنا دعاة شر، لكن من حقنا الدفاع عن أنفسنا، وما حصل مؤخراً كان هجمة بربرية ووحشية علينا”.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب “العناية بتفاصيل الترتيبات الجديدة”، مشيراً إلى تأسيس الحرس الوطني واللجان القانونية كخطوات لضمان أمن السويداء، معتبراً أنها تجري “بضمانة دولية”.

إشادة بالولايات المتحدة وإسرائيل

وشكر الزعيم الروحي للدروز، الدول التي وقفت إلى جانب الدروز، “وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل”، كما خص بالشكر “دروز إسرائيل”، مؤكداً أن تلك الدول “حمت كرامتنا ووجودنا، ولن تلقى منا إلا الوفاء”.

وقال في فيديو مصور نُشر عبر مواقع التواصل: “نقولها على رأس السطح، أي وجهة نظر تقف لحماية حقوقنا وكرامتنا، لن تلقى منا إلا الوفاء اتجاهها”، لافتاً إلى أن الدروز “عاشوا عقوداً في ظل كذبة كبيرة دفعوا خلالها الدماء، دون احترام لتاريخهم الصحيح”.

الحرس الوطني الدرزي

وكان 30 فصيلاً مسلحاً قد أعلنوا الأسبوع الماضي، اندماجهم ضمن “الحرس الوطني في السويداء”، في اجتماع حضره الهجري، تعهّدوا فيه بالالتزام المطلق بقراراته، واعتباره “الممثل الشرعي والمخول عن أبناء الطائفة الدرزية”.

وأوضح الهجري أن الذراع العسكري الوليد سيعمل على محاربة ما وصفها بـ”الفصائل السلفية الإرهابية”، مؤكداً في الوقت ذاته وجود “تناغم في كل شيء” مع المكون الكردي في الشمال السوري، ومع الطائفة العلوية في الساحل.

في المقابل، لم تحظَ خطوات الهجري بإجماع درزي. فقد انتقد ليث البلعوس، القيادي في تجمع “رجال الكرامة”، إعلان تشكيل الحرس الوطني، معتبراً أن “الخطوة لا تحمل رسالة حكمة أو مسؤولية، بل تزيد من الخراب والدمار”.

———————————–

السويداء: تشكيل «الحرس الوطني» والبلعوس يعتبره خطة للخراب

هبة محمد

25 آب 2025

 أعلنت مجموعة من الفصائل المحلية في السويداء عن اندماجها في تشكيل عسكري جديد تحت مسمى «الحرس الوطني» بدعم الرئاسة الروحية للطائفة ممثلة بالشيخ حكمت الهجري، بزعم «توحيد الجهود تحت مظلة عسكرية واحدة تُعنى بحماية الجبل وضبط الأمن والدفاع عن الهوية».

انتقادات واتهامات

وفي حين لاقى التشكيل الجديد ترحيبا من بعض الفصائل الفاعلة مثل «حركة رجال الكرامة» فقد أثار في المقابل موجة من الانتقادات والاتهامات، لا سيما من شخصيات معارضة للشيخ الهجري، على رأسها الشيخ ليث البلعوس، الذي اعتبر الإعلان نسخة مكررة من تجارب ميليشياوية إقليمية، محذراً من تداعيات هذا المسار على مستقبل السويداء وأهلها.

واعتبر البلعوس أن الهجري خرج ليعلن عن تشكيل نسخة جديدة عن الحرس الثوري الإيراني.

وأضاف «حكمت الهجري الذي يعتبره البعض مرجعية لهم» أطل «اليوم وكعادته في فيديو محاطًا بزمرة من قادة الفصائل بينهم من عُرف سابقًا بالخطف والسرقة والنهب وابتزاز النساء أمثال «قوات سيف الحق ـ وقوات الفهد» المعروفة تبعيتهم لعلي مملوك وكفاح الملحم وراجي فلحوط لدى أبناء المحافظة، ليعلنوا تشكيل ما يسمى «الحرس الوطني» تسمية مستنسخة من الحرس الثوري».

وأضاف: في ظل الظروف العصيبة التي تعيشها محافظة السويداء من دمار وخراب ونقص في المواد الغذائية وشح في المياه والكهرباء وانقطاع الاتصالات، ومع غياب كامل لصوت العقل والحكمة والمواقف الوطنية التي يحتاجها الناس اليوم، كان أبناء المحافظة ينتظرون من الشيخ حكمت الهجري الذي يعتبره البعض مرجعيةً لهم أن يطلّ عليهم بموقف جامع يطرح الحلول ويقود الناس نحو برّ الأمان.

وتابع: «وكأن أبناء السويداء الذين قدّموا دماء أبنائهم وتحمّلوا التهجير والحرمان ينتظرون المزيد من العسكرة والسلاح والفوضى» معتبرا ان رسالة الهجري من «هذا الظهور لم تكن رسالة حكمة أو مسؤولية بل رسالة تحمل في طياتها المزيد من الخراب والدمار بدلامن أن تكون بارقة أمل للناس التي تتطلع إلى الأمن والسلام والعيش الكريم».

كذلك اتهم قائد فصيل «تجمع أحرار جبل العرب» سليمان عبد الباقي، المعارض للهجري، أنصار الأخير بمهاجمة منزله في السويداء وخطف والده وإشهار السلاح على أمه وشقيقاته.

وفي منشور له على صفحته الشخصية على «فيسبوك» قال: إن المهاجمين سرقوا محتويات منزله قبل محاولة إحراقه مرات عدّة لكنهم فشلوا في ذلك، فعمدوا إلى سرقة السيارات من المنزل، والآلاف من أشتال الأشجار، ومحتويات محلاته التجارية.

توحيد الجهود

في المقابل، أشار المتحدث باسم التشكيل الجديد إلى «توحيد الجهود» في مواجهة ما وصفها بـ»العصابات السلفية المقيتة» مؤكدا أنّ هذه الخطوة تأتي انطلاقا من الإيمان «بوحدة الهدف والمصير» و«سيراً على خطى الأسلاف في الدفاع عن الهوية».

وأعلن القائمون على التشكيل المسلح الالتزام بقرارات الرئاسة الروحية الممثلة بالشيخ الهجري، واعتباره «الممثل الشرعي والمخول بتمثيل الطائفة الدرزية في الجبل».

وأكدوا الاندماج «بقوات الحرس الوطني باعتباره المؤسسة العسكرية الرسمية الممثلة للطائفة والتزامنا المطلق بالمهام الدفاعية الموكلة إلينا بالتعاون مع كافة القوات الرديفة وحماية الجبل وهويتنا المعروفية التوحيدية».

وانتهى البيان بذكر أسماء الفصائل المنضمة للتشكيل الجديد والتي بلغ تعدادها ثلاثين فصيلا وقوة محلية، بينها «قوات نسر الجبل، فزعة فخر، قوات نشامى الجبل، قوات نسور الجبل، تجمع أبناء الجبل، فزعة شباب الجبل، سرايا الجبل، قوات مكافحة الإرهاب، قوات شيخ الكرامة، وجيش الموحدون» وغيرهم.

وتداول رواد وسائل التواصل في السويداء بيانات متفرقة للفصائل المحلية في السويداء، تُعلن فيه الاندماج ضمن «جيش موحد».

وتقول الفصائل المندمجة إن هذه الخطوة تهدف إلى تشكيل «قوّة منظّمة وصلبة تتولى حماية البلاد».

المسؤول الإعلامي لشبكة «السويداء 24» ريان معروف قال لـ «القدس العربي» إن اجتماع الذي انعقد السبت، في دارة الرئاسة الروحية في قنوات، ضم قادة من مختلف الفصائل المحلية والتشكيلات الأهلية والعائلية، بهدف الاندماج ضمن تشكيل «الحرس الوطني».

ونقل المتحدث عن مصدر في قيادة الحرس الوطني قوله «وجدت السويداء نفسها، بعد سقوط نظام الأسد، أمام فراغ أمني كبير، في ظل انتشار للفصائل المسلحة متعددة وانتشار كبير للسلاح العشوائي، وتجنبا للوقوع بالفوضى فرض هذا الواقع الحاجة إلى تشكيل الحرس الوطني كإطار منظم يوحد القوى المحلية ويضبط السلاح».

ووفق المصدر فإن من أبرز أسباب تشكيل الحرس الوطني واندماج الفصائل المسلحة فيه «ملء الفراغ الأمني لضمان عدم انزلاق المنطقة إلى الفوضى بعد غياب الأجهزة الرسمية، توحيد الصفوف من خلال جمع الفصائل المحلية تحت قيادة واحدة بدل التشتت والتنافس، وضبط السلاح لمنع أي حالة الفوضى تنتج عن انتشار السلاح العشوائي.

والغاية الرئيسية وفقا للمتحدث: «حماية المجتمع والدفاع عن الأهالي والقرى في وجه أي اعتداءات».

وأشار إلى أن من بين المهام الرئيسية للحرس الوطني، «مكافحة الإرهاب والتصدي لأي تنظيمات متطرفة تحاول التمدد نحو السويداء، خصوصا فلول «داعش» والتنظيمات المشابهة» إضافة إلى «التنسيق الإقليمي والدولي والتعاون مع التحالف الدولي في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية والعمليات العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية».

حماية الحدود

كما أكد المتحدث أن حماية الحدود من خلال المساهمة في ضبط الحدود مع البادية لمنع تسلل المسلحين أو تهريب السلاح والمخدرات، من مهام الحرس الوطني أيضا.

واعتبر أن «الخطوة نحو التنظيم المجتمعي من تشكيل إطار قانوني/مؤسسي للفصائل تضمن أن تبقى تحت سقف الدولة المستقبلية والقانون» لافتا إلى أن «الحرس الوطني» سيظهر بهذا الشكل كمؤسسة عسكرية محلية، و«قوة منظمة ‏يشترك بها كل أبناء الجبل لحماية السويداء، وللمشاركة في الحرب على الإرهاب جنباً إلى جنب مع الشركاء الإقليميين والدوليين».

وعلى صعيد ردود الأفعال، رحبت حركة رجال الكرامة» بالإعلان الذي صدر من دارة الرئاسة الروحية في قنوات باندماج الفصائل المحلية ضمن جسم عسكري منظّم».

وأفادت الحركة في بيان رسمي أن هذه الخطوة هي «ما تتطلبه المرحلة الراهنة في وقت تدافع الطائفة المعروفية عن وجودها ضد الغزاة الطامعين. وسنكون المبادرين كما عهدتمونا لوحدة الصف في هذه المرحلة الحساسة».

—————————

 اتفاق أمني سوري- إسرائيلي في أيلول.. يشمل نزع السلاح

الأحد 2025/08/24

قالت “القناة 12” العبرية، إن إسرائيل وسوريا تقتربان من توقيع اتفاق تسوية أمنية في نهاية أيلول/سبتمبر، بوساطة من الولايات المتحدة ورعاية دول خليجية.

نزع السلاح

وزعمت القناة أن التسوية الأمنية بين سوريا وإسرائيل تشمل نزع السلاح من الجولان ومن المنطقة الممتدة بين دمشق والسويداء، كما سيحظر على دمشق نشر أسلحة استراتيجية في سوريا بما يشمل الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي.

وادعت أن الحكومة السورية ستحصل بموجب التسوية الأمنية مع إسرائيل على مساعدات أميركية وخليجية لإعادة الإعمار، لافتةً إلى أن التسوية تتضمن إنشاء ممر أمني مع السويداء.

وأشارت القناة إلى أن إسرائيل تسعى لمنع إعادة بناء الجيش السوري عبر تركيا.

مباحثات متقدمة

يأتي ذلك، فيما كشف الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقاء وفد إعلامي عربي، اليوم الأحد، عن وجود مباحثات متقدمة بشأن اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، مشدداً أنه “لن يتردّد في اتخاذ أي اتفاق أو قرار يخدم مصلحة سوريا والمنطقة”.

في غضون ذلك، وصل المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك إلى إسرائيل، في زيارة التقى خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ونقل موقع “أكسيوس” عن ثلاثة مصادر إسرائيلية وأميركية، بأن باراك بحث مع نتنياهو وقف الهجمات على لبنان والمفاوضات بين سوريا وإسرائيل.

وقبل أيام، تحدثت تقارير عن قرب عقد اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل وذلك في أيلول/سبتمبر المقبل، مضيفةً أن الشرع ونتنياهو سيلتقيان في نيويورك بوساطة أميركية، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

لكن مدير إدارة الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية السورية قتيبة إدلبي، نفى في تصريحات تلك المعلومات، بما في ذلك اللقاء بين نتنياهو والشرع.

والأربعاء الماضي، نقلت “الإخبارية السورية” عن مصدر حكومي، قوله إن وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس الاستخبارات السورية حسين سلامة التقيا وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في العاصمة الفرنسية باريس، وأكدا خلال الاجتماع التمسك بوحدة الأراضي السورية ورفض أي مشاريع تستهدف تقسيمها.

وفيما ذكر الاعلام الإسرائيلي أن الجانب الاسرائيلي أراد التركيز على فتح معبر يربط اسرائيل بالسويداء، وهو ما أكدت الخارجية السورية رفضه، اتفق المجتمعون على أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، وأن المواطنين الدروز هم جزء أصيل من النسيج الوطني، مشيراً إلى أن اللقاء يأتي في إطار الجهود المبذولة لاحتواء التوتر في الجنوب السوري.

———————–

==================

تحديث 24 آب 2025

——————————-

ممرّ داود” والخيال الجيوسياسي الخلاق/ فاطمة ياسين

24 اغسطس 2025

لا يوجد ممرّ داود تاريخي، لكن المصطلح استعار اسم النبي داود، مُستشهداً بفتوحاته التوراتية في جنوب سورية، ومستوحياً من إرث هذا الشخص الذي يعتبره اليهود ملكاً، ويصفونه بالقائد الفذّ والمحارب الصلب، ويقدّمون حكايته بشكلٍ يتوافق مع الرؤى الصهيونية للشرعية التاريخية. ولكن المصطلح يُستخدم حالياً للإشارة إلى مشروع “مواصلات” ذي طبيعة جيوسياسية، والهدف منه إنشاء كوريدور برّي يمتد من مرتفعات الجولان السوري المحتل، مروراً بمناطق الجنوب (القنيطرة ودرعا والسويداء) ليصعد شرقاً ويقطع البادية، ويصل إلى مكان تمركز القوات الأميركية في نقطة “التنف”، ثم الاستمرار صعوداً نحو شرق الفرات لقطع محافظة دير الزور والوصول إلى الحدود العراقية، وربما إلى إقليم كردستان هناك. الهدف المفترض لهذا الممرّ (المزعوم) تعزيز النفوذ الجيوسياسي لإسرائيل في المنطقة، عبر ربطها بخطوط إمداد استراتيجية ومصالح اقتصادية، مثل نقل النفط من مناطق كردية غنيّة بالموارد إلى موانئ إسرائيلية على البحر المتوسّط. ويُنظر إلى المشروع أيضاً على أنه جزء من رؤية أوسع تُعرف بـ”إسرائيل الكبرى” التي أشار إليها نتنياهو الأسبوع الماضي، وهي فكرة ترتبط تاريخياً بالطموحات الصهيونية التي تستند إلى سردياتٍ توراتيةٍ عن دولةٍ تمتدّ من نهر النيل إلى نهر الفرات، ويمكن إعادة التفكير فيها، وإنْ أتت اليوم تحت عناوين أمنية أو إنسانية.

ابتعد بشّار الأسد في سنوات حكمه أخيراً عن هذا الكوريدور، فوافق برعاية دولٍ حليفةٍ له على الاكتفاء بما سمّيت حينها “سورية المفيدة” التي تترك مناطق “الممرّ” لمصيرها تعاني من فراغاتٍ وتملأها قوى محلية تدير أمرها بصعوبة، مع محاولة فرض حصارٍ عليها، وبعد سقوطه حدثت توتّرات سياسية وعسكرية تركّزت في مدينة السويداء وما يحيط بها، بدأت بنزاع مسلح بين فصائل درزية وعشائر بدوية سُنية تقيم حول المدينة وتتوزّع على قراها، تدخلت لفضه قوات الأمن العام تحت وابلٍ من قصف الطائرات الإسرائيلية، وأدّى سقوط ضحايا كثيرين إلى انفجار مشاعر الغضب لدى كل الأطراف، وصولاً إلى اتفاق يقضي بخروج القوات الرسمية من السويداء وبقائها على أطراف المدينة ورعاية إدخال مساعداتٍ لسكّانها بالتعاون مع منظمة الهلال الأحمر.

وشهدنا بعدها خروج متظاهرين في السويداء يوم السبت، رفَع بعض الموجودين بينهم أعلاماً وشعاراتٍ إسرائيلية أثارت تساؤلات بشأن نيّات حامليها، وفيما إن كانت مرتّبة مع الجانب الإسرائيلي، أو أنها مجرّد دعواتٍ رفعها طامعون في التقارب مع إسرائيل لتوفير الحماية أو الحكم الذاتي لهم، أو أن حامليها مجرّد غاضبين مستائين من كل شيء. وفي كل الأحوال، منح هذا الحدث لمصطلح “ممرّ داود” زخماً جديداً، تغذّيه تحرّكات إسرائيل العسكرية في الجنوب السوري، وتوغّلاتها المتكرّرة بحجج أمنية غير مقنعة.

تتقاطع التكهنات حول “الممرّ” مع فكرة “تفكيك سورية” التي تلازم الرؤية الإسرائيلية، وقد جرى تداولها في التحليلات لتفسير سياسات إسرائيل في المنطقة بهدف التصدّي لـ”جالوت” الضخم، أو النفوذ المعادي لها الممتد من تركيا نحو سورية حتى حدود الدولة العبرية. ويمكن لهذا المعبر، إن وجد، أن يحول سورية الحالية إلى تجمّعات مفكّكة غير قادرة على العيش مع بعضها، ولا حتى بشكلٍ منفرد، وقد تضطرّ إلى طلب المساعدة من الخارج بشكل متكرّر، مع إمكانية نشوب نزاعات مذهبية من السهل تغذيتها وإدامتها فترة طويلة جدّاً.

مع ذلك، تنفيذ إسرائيل مشروع سيطرة بالحجم الذي تتحدّث عنه الأسطورة شديد الصعوبة، فالممر واسع جداً، ويدخل في محافظات كثيفة السكان، ولا تحمل مشاعر ودّية نحو إسرائيل التي تحكم كياناً صغيراً لا يملك أعداداً كافية للإدارة والسيطرة على مساحة كتلك، بالإضافة إلى الوجود التركي المتيقظ في الشمال، الذي يعادي أي مشروع يهدف إلى تغيير الحدود القائمة، ومصلحة تركيا ومعظم دول الجوار ببقاء الدولة السورية بشكلها الحالي، من دون وجود مثل هذا الطريق الملتبس على حدودها المباشرة.

العربي الجديد،

———————–

الواقعية السورية والتهديدات الإسرائيلية/ عالية منصور

تحتاج دمشق للعودة إلى الاتفاق الأمني السابق

آخر تحديث 23 أغسطس 2025

في الوقت الذي تخوض فيه المنطقة معركة مصيرية لتحدد شكل الدولة الوطنية، وللتخلص من إرث الميليشيات التي سيطرت عليها خلال العقود الـ4 الماضية، يبدو رئيس الحكومة الاسرائيلية كمن يخوض حروبا غير متجانسة الأهداف.

أخطأت “حماس” ليلة السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ولم يعد من ضرورة للتذكير بنتائج هذا الخطأ الكارثي على غزة والفلسطينيين، فالعالم يسمع ويرى ما يعيشه الفلسطينيون من أهوال ومآس. هذا الخطأ الذي كلف الفلسطينيين الكثير تسبب أيضا في خسائر لا تعوض على المحور الإيراني أو ما يعرف بمحور الممانعة.

انتهت قوة “حزب الله” الذي سيطر على لبنان لعقود، ومهما حاول أمينه العام نعيم قاسم ورئيس كتلته النيابية محمد رعد التهديد بحرب أهلية والقول إن “الحزب” بدأ يتعافى من الضربات القاتلة التي تعرض لها بعد “حرب الإسناد”، إلا أن الحقيقة أن “الحزب” كما عرفناه أصبح من الماضي ولم يعد أمامه أي أفق لاستعادة “أمجاد” سطوته، بعد أن قطع شريان الحياة الذي كان يتغذى عليه عبر طريق طهران دمشق مع سقوط نظام الأسد في سوريا ووصول نظام معاد لإيران إلى السلطة بعد كل المجازر والفظائع التي ارتكبتها طهران وأذرعها في سوريا.

بعد أيام من سقوط الأسد وهروبه، وأثناء استقبال الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع لرئيس الحكومة اللبنانية حينها نجيب ميقاتي، تسرب إلى الإعلام كلام على لسان الشرع مفاده إعجاب الشرع بتجربة الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وهذا الإعجاب ليس تفصيلا بل هو نهج اتضح مع الوقت أن إدارة الشرع اتخذته لحل ما يمكن حله من مشكلات مع إسرائيل.

انتهى العمل باتفاق فك الاشتباك لعام 1974 بعدما أعطي الجيش السوري أوامر بالانسحاب من جميع مواقعه أثناء رحلة هروب بشار الأسد إلى موسكو، وما هي إلا ساعات قليلة حتى أعلن نتنياهو ذلك.

اعتبرت إسرائيل أن الفرصة مواتية لتدمير ما بقي من الجيش العربي السوري، فاستمرت بشن الغارات على سوريا وتحديدا على مواقع الجيش وأماكن وجود آلياته وأسلحته الثقيلة.

لم يكتف نتنياهو بذلك، بل أصر على التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا مستغلا حالة عدم الاستقرار التي تعيشها البلاد، فكانت أحداث السويداء كما كان القصف على دمشق، وهذه المرة كان القصف رسالة سياسية أكثر منه أمنية، حتى اغتيال الرئيس أحمد الشرع كان على طاولة نتنياهو لولا التدخل السعودي-الأردني-التركي عبر الأميركيين حيث أدرك أن أي عمل من هذا النوع سينتج عنه انهيار شامل في سوريا لن تستفيد منه إلا طهران و”داعش”.

تغيرت لهجة دمشق بعد ذلك، ولكن قرارها لم يتغير، خرج الشرع في خطاب متلفز في ساعات الصباح الأولى بعد قصف إسرائيل لمقر قيادة الأركان ولقصر الشعب وقال: “لسنا ممن يخشى الحرب ونحن الذين قضينا أعمارنا في مواجهة التحديات والدفاع عن شعبنا، لكننا قدمنا مصلحة السوريين على الفوضى والدمار”، لم يلجأ إلى خطاب العنتريات والتهديد والوعيد الذي اشتهرت به “قوى الممانعة” في كل مرة كانت ترد على أي عمل أو تصريح إسرائيلي. أدرك حساسية الوضع السوري الهش وإمكانات سوريا للدخول في أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل.

عادت الوساطات خلف الأضواء وتحديدا الأميركية، وكان لقاء باريس الأخير الذي لم يكن اللقاء الأول حسب ما سرب خلال الفترة الماضية في الإعلام، إلا أنها كانت المرة الأولى التي تعلن فيها سوريا عبر وكالة الأنباء الرسمية (سانا) خبر اللقاء، إذ ذكرت أن وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، التقى وفدا إسرائيليا لمناقشة عدد من الملفات المرتبطة بتعزيز الاستقرار في المنطقة والجنوب السوري.

وفي وقت لم تسم الوكالة الوفد الذي التقاه الشيباني، نقل موقع “أكسيوس” الأميركي، أن اللقاء جمع الشيباني  مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، المقرّب من نتنياهو، والمبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك.

وما هي إلا دقائق على الإعلان الرسمي عن اللقاء حتى بدأت حملة إعلامية شرسة ضده. تزعّم الحملة إعلاميون وصحافيون عرب داعمون لمحور الممانعة وإن اختلفوا أحيانا تكتيكيا أو كلاميا مع سياسة إيران في المنطقة. حملة تتهم سوريا بالتخاذل والتطبيع والجلوس مع الإسرائيلي الذي يجوّع أطفال غزة. تجاهل هؤلاء أن “حماس” نفسها تفاوض إسرائيل عبر وسيط، كما تجاهلوا أن “حزب الله” فاوض إسرائيل عبر الوسيط الأميركي للوصول لوقف إطلاق نار.

تجري المفاوضات السورية-الإسرائيلية اليوم وحسب ما ذكرت “سانا” حول خفض التصعيد والتوصل لتفاهمات تدعم الاستقرار في المنطقة، وإعادة تفعيل اتفاق 1974. في الواقع لم يذكر أي مصدر أن موضوع التطبيع أو التوصل إلى اتفاق سلام هو ما يتم بحثه اليوم.

تحتاج سوريا اليوم للعودة إلى الاتفاق الأمني السابق، ولكن المنطقة أيضا تحتاج الأمر نفسه، ففتح أي جبهة حرب في سوريا سيعني الفوضى والتي تنبه العرب والأميركيون إلى أن المستفيد الوحيد منها سيكون إيران لإعادة إحياء الميليشيات التابعة لها، و”داعش” الذي ينمو في الفوضى والحروب.

—————————–

من باريس إلى الجولان.. هل تنضج تفاهمات سوريا وإسرائيل؟/ محمد كاخي

اجتمع وزير الخارجية السورية، أسعد الشيباني، بوفد رسمي إسرائيلي ترأسه وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، في 19 من آب الحالي، بالعاصمة الفرنسية باريس، بوساطة أمريكية تهدف إلى بحث سبل خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار في الجنوب السوري.

ركزت المباحثات التي أجراها وزير الخارجية السوري مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي على ملفات أمنية وسياسية، أبرزها مراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، وتأكيد مبدأ عدم التدخل في الشأن السوري الداخلي، إلى جانب دراسة تفاهمات ثنائية يمكن أن تسهم في استقرار الأوضاع بالمنطقة الجنوبية، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

وشمل النقاش أيضًا، بحسب الوكالة، إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، الموقع بين سوريا وإسرائيل برعاية الأمم المتحدة، والذي ينص على الالتزام بوقف إطلاق النار والحفاظ على خطوط التماس دون تغيير.

خفض للتصعيد أم تفاوض استراتيجي

الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع، يرى أن من الصعب الحديث عن عودة كاملة وسريعة إلى اتفاق فضّ الاشتباك، فإسرائيل أعلنت أنها باقية “إلى أجل غير مسمى” داخل ما تسميه مناطق عازلة في سوريا، وربطت أي انسحاب بشروط صارمة مثل نزع السلاح الكامل جنوب دمشق.

وبالرغم من أن تقارير الأمم المتحدة وثّقت الخروقات الإسرائيلية للاتفاقيات الدولية الموقعة بين سوريا وإسرائيل، لا توجد آلية لإجبار إسرائيل على التراجع، وبالتالي، الاحتمال الأقرب هو ترتيبات مرحلية أو جزئية، بينما يبقى الانسحاب الكامل مرهونًا بتغيرات سياسية وأمنية أوسع لا تبدو قريبة، بحسب مناع.

وتميل الحكومة السورية، بحسب المحلل السياسي أيمن الدسوقي، إلى الحوار والدبلوماسية بدعم من حلفائها وتسهيل من شركائها، كأداة لتفكيك الملفات المعقدة إقليميًا المهددة لأمن واستقرار سوريا، وكورقة لاستعادة دور سوريا كفاعل مسؤول في الإقليم.

وبالتالي، يمكن إدراج هذه الاجتماعات في سياق خفض التصعيد وسحب الذرائع عبر التوصل إلى تفاهمات وترتيبات أمنية.

ولدى الحكومة السورية اليوم إدراك لما هو تكتيكي وما هو استراتيجي في مقاربتها التفاوضية بملف الجنوب السوري، فضلًا عن أن تسكين هذا الملف يمنح الحكومة دعمًا إقليميًا ودوليًا، ويتيح لها تعزيز موقفها التفاوضي وقدرتها على إدارة الملفات الأخرى، وفق حديث الدسوقي إلى عنب بلدي.

الدور الأمريكي والموازين الإقليمية

لم يكن اللقاء السوري- الإسرائيلي في باريس ليأخذ هذا الزخم لولا الحضور الأمريكي الذي بدا فاعلًا في رسم ملامح المسار الجديد للعلاقة.

فمنذ أسابيع، تتحرك واشنطن على أكثر من خط، بدءًا من رعاية اجتماع باريس بين الشيباني وديرمر، مرورًا بطرح مبادرة لإنشاء ممر إنساني إلى السويداء، وصولًا إلى لقاءات مباشرة مع القيادات الدرزية في إسرائيل لاحتواء التوتر، وترافقت هذه التحركات مع اجتماعات تمهيدية في عمّان ضمت وفودًا سورية وأردنية وأمريكية.

يرى الباحث والمحلل السياسي لؤي صافي، أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار في سوريا نتيجة لاتخاذ إدارة الشرع موقفًا واضحًا من إيران و”حزب الله”، واستعداد الإدارة السورية الجديدة للدخول في علاقات تعاون مع حلفاء الولايات المتحدة في المشرق العربي.

واعتبر صافي، في حديث إلى عنب بلدي، أن الولايات المتحدة تريد ضم الإدارة الجديدة إلى اتفاقية “أبراهام” التي تشمل، إضافة إلى إسرائيل، أربع دول عربية مشرقية، لكنها تدرك أن مثل هذا الاتفاق غير ممكن في المرحلة الحالية، وهي لذلك لا تمانع الوصول إلى اتفاقية تضع حدًا للعمليات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل في الجنوب السوري خوفًا من توسيع رقعة الصراع.

الموقف المرن من الإدارة الأمريكية تجاه الحكومة السورية لا يعني أنها تقف على مسافة واحدة من سوريا و”الكيان الصهيوني”، فالعلاقة الأمريكية- الإسرائيلية عميقة، لأن الجالية اليهودية في أمريكا تمتلك نفوذًا كبيرًا في السياسات الداخلية والخارجية الأمريكية من خلال جماعات الضغط العديدة التي تتبع لها، وفي مقدمتها “اللوبي الصهيوني” (إيباك)، وتمتلك كذلك تأثيرًا كبيرًا في مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بحسب صافي.

وأضاف أن القيادة السياسية والعسكرية الأمريكية لا تحبذ أن تعزز سوريا علاقاتها العسكرية والتجارية مع تركيا، وتفضّل أن تعطي الشركات الأمريكية دورًا أكبر في التجارة ومشاريع إعادة الإعمار.

ويمكن لهذا الموقف أن يتغير مع تغير المصالح الأمريكية أو إذا تمكنت أمريكا من تحييد الدور الإيراني في المشرق العربي.

مشروع إسرائيل الكبرى وأبعاد الاستيطان

أقدمت مجموعة إسرائيلية تُعرف باسم “رواد الباشان” في 18 من آب، على محاولة التوغل داخل الأراضي السورية في الجولان المحتل، بهدف وضع حجر الأساس لمستوطنة جديدة أطلقوا عليها اسم “نيڤيه هاباشان”.

ورغم تدخل الجيش الإسرائيلي وإحباط العملية، فإن رمزية الحدث تدفع للتساؤل حول صعود خطاب “إسرائيل الكبرى” الذي تحدث عنه نتنياهو، في 13 من آب، لقناة “I24” الإسرائيلية، بوصفه “مهمة أجيال يُسلمها جيل إلى جيل”، وكيف أنه يشعر بأنه في مهمة “روحية وتاريخية” من أجل الشعب اليهودي.

استُخدم مصطلح “إسرائيل الكبرى” بعد حرب الأيام الستة في حزيران 1967 للإشارة إلى إسرائيل، ومناطق القدس الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء في مصر، ومرتفعات الجولان.

الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع، قال لعنب بلدي، إن ما قام به المستوطنون في الجولان لا يمكن عزله عن المناخ الفكري والسياسي الذي يغذيه خطاب نتنياهو عن “إسرائيل الكبرى”، وبالرغم من تصريحات الجيش الإسرائيلي بأن الحادث “مبادرة فردية” وجرى التعامل معه كخرق أمني، فإن تزامنه مع تصريحات نتنياهو يمنح هذه الخطوات معنى أعمق، ويُظهر كيف يتحول الخطاب الرسمي إلى مصدر إلهام للمجموعات المتطرفة لاختبار الحدود ورسم وقائع ميدانية، حتى وإن لم يكن هناك قرار حكومي مباشر.

وتابع مناع أن الخطوة بحد ذاتها أكثر من مجرد نواة بؤرة استيطانية، وخطورتها تكمن في السياق، فمنذ أواخر 2024 تتمركز قوات إسرائيلية بالفعل داخل الأراضي السورية، وأقامت قواعد ونقاطًا عسكرية في “منطقة الفصل” التي حددها اتفاق 1974، بل وسيطرت على أجزاء من جبل الشيخ الاستراتيجي.

ويخلق هذا الواقع العسكري بيئة تسمح بمبادرات استيطانية من الأطراف الأشد تطرفًا، ويثير الشكوك حول أن التوجه العام في إسرائيل هو تكريس سياسة توسعية تدريجية، حتى وإن أنكرت إسرائيل ذلك رسميًا، بحسب مناع.

كذلك يرى الباحث والمحلل السياسي لؤي صافي، أن حكومة نتنياهو تضغط باتجاه تحييد دور دمشق في الجنوب السوري، وفتح ممرات عسكرية مع السويداء، كخطوة أساسية في مشروع “إسرائيل الكبرى” طويل المدى.

اتفاق أمني في الغرف المغلقة

يتزايد الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية أن اتفاقًا أمنيًا مرتقبًا سيتم عقده بين سوريا وإسرائيل. وبالرغم من نفي وزارة الخارجية السورية وجود أي اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، خلال زيارة الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى نيويورك في أيلول المقبل، فإن خبراء يرون أن الاجتماعات المتواترة بين سوريا وإسرائيل تتجاوز مسألة السويداء وما يرتبط بها.

يرى المحلل السياسي أيمن الدسوقي، أن السويداء ليست سوى جزء من ملف الجنوب السوري المطروح على طاولة التفاوض بين الحكومة السورية وإسرائيل، والإسرائيليون غير معنيين بالسويداء إلا في سياق ما يخدم رؤيتهم للشرق الأوسط ما بعد “7 أكتوبر” ومصالحهم الأمنية المباشرة، والتي تشكل إعادة صياغة اتفاق “فض الاشتباك” لعام 1974 بداية مدخلها، ليأخذ بعين الاعتبار حقائق ومعطيات مرحلة ما بعد “7 أكتوبر” وما يعنيه ذلك من ترتيبات أمنية متقدمة، بقيود صارمة وضمانات مغلظة.

بينما يرى الباحث والمحلل السياسي لؤي صافي، أن استمرار الصراع بين إسرائيل والأطراف العربية، ومن بينها سوريا، هو المرجح مستقبلًا، لأن الواضح من السياسات الإسرائيلية أن القيادة الإسرائيلية تمضي بهوس متزايد في بناء مشروعها التوسعي مستفيدة من التناقضات الداخلية كما تستغل اليوم ما يجري في محافظة السويداء.

لذلك، يتناقض الحديث عن تعاون عربي- إقليمي- إسرائيلي مع تاريخ الكيان المتعالي على حقوق أبناء الأرض، ومع مصالحها التوسعية التي لا تقف عند حدود فلسطين بل تشمل المشرق العربي برمته، بحسب صافي.

وقد يعطي الإنهاك المجتمعي والعسكري والاقتصادي الذي أصاب إسرائيل خلال سنوات الحرب الأخيرة في غزة فرصة لسوريا في الحصول على فسحة خلال السنوات القليلة المقبلة، لإعادة بناء مجتمعها واقتصادها وجيشها الذي دمره النظام الساقط، بحسب صافي.

وذهب المحلل السياسي أيمن الدسوقي، إلى أن اختبار مدى نجاح اجتماعات باريس في التأسيس لاتفاق جديد بحاجة لمزيد من الوقت، فبالرغم من أنها نجحت مرحليًا وجزئيًا في كسر الجليد، والشروع ببناء بعض الثقة بين الطرفين، فإن استمرارها مرهون بجدية الوسطاء والتزام الطرفين، وعدم التشويش عليها بمسارات تفاوضية بمصالح متضاربة.

عنب بلدي

———————-

 قيادة سوريا مرتاحة:شرط السلام ترتيبات فضّ الاشتباك لعام 1974

الأحد 2025/08/24

لدى زيارة دمشق، ولقاء المسؤولين في السلطة السورية الجديدة، يتلمس المرء ارتياحاً سورياً إزاء التطورات القائمة ومسارها. في مقابل استشعار فوارق متعددة لدى فئات اجتماعية أو نخب سياسية كانت سابقاً معارضة لنظام الأسد، لكنها حالياً تطرح علامات استفهام كثيرة حول أداء القيادة الجديدة، خصوصاً بعد أحداث الساحل والسويداء. نخب كثيرة تشير إلى تبدد الآمال أو إضاعة الفرصة الحقيقية للانطلاقة التي كان يمكن البناء عليها في بناء سوريا الجديدة. أما بالنسبة إلى القيادة فهي ترى أن الفرصة لا تزال قائمة، وعلى الرغم من الاعتراف بالكثير من الأخطاء التي ارتكبت في الساحل أو في السويداء أو في ملفات أخرى غير أمنية، إلا أنها ترى إمكانية تجاوز هذه الأخطاء.

تركز النخب السياسية السورية على ضرورة العودة إلى مؤتمر عام سوري، وإعادة إحياء منتديات وحوارات فعلية وجدية تقودها السلطة الجديدة لانتظام عقد اجتماعي جديد يضع البلاد على سكة بناء دولة حديثة، إضافة إلى إجراء مصالحات حقيقية مع مختلف مكونات الشعب السوري، والتفاهم على شكل الدولة، وضمان مشاركة جميع المكونات الاجتماعية والطائفية والدينية فيها. أما بالنسبة إلى السلطة فإن تركيز الاستقرار وتثبيته وضمان نجاح التجربة تحتاج إلى سنتين بالحدّ الأدنى نظراً لكل ما مرتّ به سوريا طوال السنوات الماضية. لذا فإن القوة التي ترتكز عليها دمشق حالياً هي تعزيز العلاقات مع الخارج والحصول على الدعم اللازم لتثبيت السلطة في الداخل.

وفق هذا المعيار، يبدي المسؤولون السوريون ارتياحاً لمسار الأمور وتطوراتها في سوريا. بمعزل عن الملاحظات والاعتراضات الداخلية. في حين يتركز العمل على نوع من الترتيبات البسيطة والتي تحمل دلالات، مثل الزيارة التي أجراها وفد وزاري إلى المطران يوحنا العاشر يازجي، والذي بدوره زار القصر الجمهوري والتقى بالرئيس السوري أحمد الشرع. خطوات أخرى يُعمَل عليها باتجاه الساحل والعلويين لإجراء مصالحة أيضاً. أما الملفان العالقان حتى الآن فهما ملفا السويداء وقوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا.

لا إدارة ذاتية ولا انفصال

تبدو القيادة السورية مرتاحة للمسار مع المنطقتين؛ فيجزم المسؤولون السوريون أنه لن يكون هناك أي كيان لإدارة ذاتية في سوريا، ولا انفصال، فمع قوات سوريا الديمقراطية سيكون الخيار الوحيد هو العودة إلى اتفاق 10 آذار، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع قسد، والتي وفق المسؤولين السوريين تنقسمُ ثلاثةَ أقسامٍ. قسم تمثله العشائر التي تمتلك العدد البشري الأكبر. وقسم يمثله مظلوم عبدي. والقسم الثالث يمثله المحسوبون على حزب العمال الكردستاني ولديهم ارتباط بجبال قنديل. بالنسبة إلى دمشق فإن العشائر وعبدي يؤيدون اتفاق 10 آذار، ويريدون نسج تفاهم مع القيادة السورية، وهذا ما ستسعى دمشق إلى تحقيقه في المرحلة المقبلة.

هناك جهود حثيثة لتجنب حصول أي معارك أو مواجهات، بالتركيز على الدور الذي يمكن أن يلعبه عبدي مع العشائر لتطويق القسم الثالث وتثبيت اتفاق آذار. في حين تتوقع مصادر أخرى أن تقع المواجهات العسكرية لتتمكن دمشق من استعادة دير الزور والرقة، وعندها تُحصر قوات سوريا الديمقراطية في الحسكة، علماً أن المسؤولين السوريين ينفون ذلك، ويؤكدون أن المحافظات الثلاث ستكون خاضعة لتفاهم 10 آذار.

أما في السويداء، فإن دمشق تبدو مرتاحة أيضاً نظراً لما يتجمع بين يديها من معطيات وأجواء دولية، ويعتبر المسؤولون السوريون أنه لن يكون هناك أي انفصال أو إدارة ذاتية ولا حتى ممر إنساني لا بين السويداء والجولان، ولا بينها وبين شمال شرق سوريا. ويؤكد المسؤولون السوريون أن الطريق الوحيد للسويداء هو باتجاه دمشق، وهذا ما تبلغه الجميع من مسؤولين أميركيين وغربيين، على أن يُعمَل على فتح طريق السويداء دمشق خلال ساعات.

في هذا السياق، تشير مصادر متابعة إلى أن الشيخ موفق طريف والمقربين منه قد تراجعوا عن مواقف سابقة تخص مسألة فتح المعبر “الإنساني” بين إسرائيل والسويداء. وأن المعبر الوحيد هو عبر دمشق. وأجرى طريف اتصالاً بالهجري ناصحاً إياه بالتواصل مع دمشق ومعالجة الأمور بالحوار معها. الآن، هدأت الأمور نسبياً، وثُبِّتت مسألة إدخال المساعدات إلى المحافظة عبر طريق دمشق، وتعزيز دخول القوافل التجارية، وفتح سوق للتجار على تخوم السويداء، لأن هناك مجموعات من داخل المحافظة تمنع التجار من استيراد البضائع، على أن يبدأ العمل سريعاً على معالجة ملف المخطوفين. وهذا ما عمل عليه الموفد الأميركي توم باراك خلال اللقاءات التي عقدها في باريس، ولا سيما مع الشيخ طريف.

أما الملف الأكبر، فهو مسار التفاوض مع إسرائيل. ووفق ما تؤكده مصادر في القيادة السورية، فإن دمشق لن تذهب لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، وأن المفاوضات التي تجري تخص بعض الترتيبات الأمنية لمنع التصعيد وعدم الدخول في أية مواجهة، وتضيف المصادر أنَّ دمشق تتمسك باتفاق فض الاشتباك؛ أي ما يُعرف باتفاقية 1974. وتشير المصادر إلى أن الشرع يرفض التنازل عن الجولان أو الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليه. أقصى ما يمكن الوصول إليه بالنسبة إلى سوريا هو ترتيبات أمنية لفض الاشتباك عملاً باتفاقية 1974، في الوقت الذي لا تزال إسرائيل تصر فيه على الاحتفاظ بنقاط استراتيجية في سوريا تتجاوز تلك الاتفاقية، خصوصاً عبر احتفاظها بنقطة مرصد جبل الشيخ، وتل الحارة ونقاط أخرى.

——————————-

فرنسا تساند “قسد” إسرائيل تناور جنوبًًا وتركيا تردع شمالًا/ عمر علاء الدين

يبدو أن لإسرائيل وتركيا مصالح متضاربة في سوريا حاليًا، بحسب السفير الإسرائيلي السابق، مايكل هراري، والسؤال الحاسم، بحسب هراري هو: هل يمكن التوصل إلى تفاهم متبادل يمنع سوء التقدير والحسابات، ويمنع تحول تصعيد محتمل إلى مواجهة مباشرة.

ويبرز التنافس التركي- الفرنسي أيضًا في سوريا، ففرنسا التي تدعم “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وترعى محادثات باريس بشأنها، تبقي أنقرة مستاءة من عدم تحكمها بسير المحادثات، وفق ما نقله “المونيتور”.

ويهدد هذا التضارب في المصالح والطموحات بتفجير الوضع، وخوض مواجهات لأطراف دولية متناحرة على الأرض السورية.

أنقرة وتل أبيب.. تنافس قد يمتد لتصادم

يرى السفير الإسرائيلي السابق، مايكل هراري، في مقال له نشرته مجلة “المجلة” السعودية، أنه يمكن الافتراض أن “إسرائيل تحاول رسم نوع من التوازي بين نفوذها في المنطقة الدرزية، ونفوذ تركيا في المنطقة الكردية”.

وترى إسرائيل أن التدخل التركي في سوريا “مفرط”، وقد يعرض مصالحها الحيوية للخطر.

وفي الواقع، هناك جهات فاعلة أخرى في المنطقة ترى الأمر نفسه، وفق هراري.

في المقابل، ترى تركيا أن أمامها “فرصة تاريخية لتثبيت استقرار حدودها مع سوريا وبشروطها الخاصة، خصوصًا تجاه قضية الكرد بمن فيهم حزب “العمال الكردستاني”، وأن “تعزز في الوقت نفسه من اعتماد نظام الشرع عليها”، على حد تعبيره.

وتركيا باعتبارها دولة كبرى وعضوًا في حلف “الناتو”، تتمتع بنفوذ كبير في السياسة الدولية، وتعاملها مع الأحداث الإقليمية يكون سريعًا وفعالًا، ولا تسمح بوجود تهديدات على أمنها القومي، وفق ما يرى الباحث في مركز “جسور للدراسات” محمد سليمان.

وفق ما قاله سليمان لعنب بلدي، فإن أنقرة تدعم الحكومة السورية وتسعى جاهدة لتحييد الجهات التي تسعى لزعزعة الاستقرار في سوريا، سواء باستخدام قوتها الذاتية أو من خلال تحالفاتها الدولية.

ويرى سليمان أن التنافس بين إسرائيل وتركيا لن يصل إلى مرحلة الصدام، إذ تتبنى إسرائيل استراتيجية تعتمد على القوة والموافقة الأمريكية في جميع صداماتها، وتعلم أن تركيا دولة قوية ولها تحالفات دولية كبيرة.

وبالتالي، بحسب الباحث في مركز “جسور للدراسات”، لا تستطيع إسرائيل الدخول في صدام مع تركيا، في المقابل، تركيا تسعى دائمًا لتعزيز السلام والاستقرار في أي ملف تتعامل معه، وخصوصًا في ملفات دول الجوار، على حد تعبيره.

وكان وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، قال، في 25 من تموز الماضي، إن تركيا ترسل إلى إسرائيل رسالة عبر قنوات استخباراتية وعبر وسطاء مشتركين.

وأضاف فيدان، “لا أجندة خفية لدينا. ولا ينبغي لأي دولة أن تشكل تهديدًا لسوريا، كما لا ينبغي لسوريا أن تشكل تهديدًا لأحد. سوريا خط أحمر بالنسبة لنا، فهي مسألة أمن قومي. لا نسعى للهيمنة”.

ويرى مدير “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس”، سلام كواكبي، أنه ليس جديدًا أن الطرفين (تركيا وإسرائيل) يتجنبان مثل هذا الصراع بأساليب مختلفة.

وعلى الرغم من التشجيع التركي على “تقارب محدود” بين دمشق وتل أبيب، فإن عجلة التصالح السوري- الإسرائيلي كانت أسرع مما تمنى الأتراك وتوقعوه، وفق الباحث.

ومن جهة الأمن القومي، فما يهم تركيا هو منع تقسيم سوريا الجاري على قدم وساق بمساهمات أطراف متناقضة، وليس موضوع جنوبي أو شمال شرقي سوريا، بحسب كواكبي، الذي يرى أن الملف الكردي يشكل عاملَي “قلق وتحفيز” دائمَين في أنقرة.

باريس تنافس أنقرة من المتوسط إلى “قسد”

يبدو أن التنافس التركي- الفرنسي يعطل “الوساطة” التي تقودها الولايات المتحدة بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بحسب تقرير لموقع “المونيتور” الأمريكي، في 8 من آب الحالي.

وتضغط أنقرة على دمشق لإلغاء المحادثات المقررة في باريس، خوفًا من أن يؤدي الدعم الفرنسي إلى ترجيح كفة المفاوضات لمصلحة الأكراد.

وانفجر ملف شمال شرقي سوريا عند عقد مؤتمر “المكونات”، في 8 من آب الحالي.

ودعا البيان الذي نشرته وكالة “هاوار”، المقربة من “قسد”، إلى صياغة دستور ديمقراطي جديد لسوريا، يُكرّس اللامركزية، ويضمن المشاركة السياسية، لترد دمشق بتعليق المفاوضات مع “قسد” التي كانت مقررة في باريس.

وعقب المؤتمر لوّحت كل من دمشق وأنقرة بالتصعيد في ملف “قسد” بعد تعثر المفاوضات معها.

وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، حذر في مؤتمر مع نظيره السوري، في 13 من آب الحالي، من أن غياب تلبية المطالب الأمنية لتركيا في سوريا يجعل “الحفاظ على الهدوء أمرًا مستحيلًا”، داعيًا “قسد” إلى وقف “التهديدات المباشرة لتركيا والمنطقة”.

من جانبه، اعتبر وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، أن مؤتمر “وحدة المكونات” الذي انعقد في الحسكة لا يمثل الشعب السوري، وحاول استغلال أحداث السويداء، ويمثل انتهاكًا لاتفاق اندماج “قسد” في مؤسسات الدولة.

مستشار الأمين العام للأمم المتحدة السابق، والباحث الفرنسي- اللبناني، إيلي حاتم، قال في تصريحات لعنب بلدي، إن دعم فرنسا لـ”قسد” لا يعتبر “مشروعًا”.

وأشار حاتم إلى أنه حتى وإن دعمت باريس “قسد” عسكريًا، يعتبر ذلك تدخلًا في الشؤون الداخلية السورية، وهذا يتعارض مع المادة الثانية من شرعة الأمم المتحدة، وفرنسا تحترم القواعد الدولية.

واعتبر الباحث الفرنسي- اللبناني، أن هناك طرقًا “غير مباشرة” لدعم تلك القوات، وهذا ما يشكل “صراع نفوذ” بين فرنسا وتركيا، خاصة أن فرنسا تريد العودة للشرق الأوسط أي سوريا ولبنان بعد أن أخرجت منهما.

وليس لفرنسا تأثير مباشر في سوريا، بحسب الباحث في مركز “جسور للدراسات”، محمد سليمان، بسبب الدبلوماسية السياسية التي تتبعها إدارة الشرع تجاه الدول الراغبة في التدخل بالشأن السوري، وترفض الإدارة أن يكون هناك تواصل مع أطراف خارجة عن نطاق سيطرة الحكومة، وفق ما يقول.

ولا تزال باريس تسعى للعب دور أكبر في سوريا، حيث تحافظ على علاقاتها مع “قسد”، وتعتبر هذه العلاقة استثمارًا سياسيًا يمكن أن يزيد الضغط على دمشق، وفق سليمان.

لكن دمشق، بحسب الباحث السوري، مستعدة لاتخاذ “خطوات عسكرية” إذا دعت الحاجة لإنهاء وجود “قسد” في مناطق الجزيرة السورية، و”قسد” نفسها تدرك أن “التفاهمات الدولية” تدعم دمشق، وأن سوريا ستكون تحت حكم دولة سورية موحدة، تسيطر على كامل الأراضي وجمعي الموارد.

وخلافًا لكل ما سبق، يرى مدير “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس”، سلام كواكبي، أن البرود بين البلدين (فرنسا وتركيا) مرتبط أساسًا بتزعم فرنسا للتوجه الأوروبي لعدم ضم تركيا الى الاتحاد الأوروبي.

ووفق ما قاله لعنب بلدي، فإنه في بعض الأحيان، هناك توجه نحو شخصنة الخلاف السياسي وصولًا إلى تبادل اتهامات وكلمات قاسية بين مسؤولي البلدين.

لكن منذ فترة قليلة، وفق كواكبي، طبّع الطرفان العلاقات وهدأت التوترات، وعاد التنسيق في عديد من الملفات.

ولا يعتقد كواكبي أن تبديل مكان التفاوض بين دمشق و”قسد” (من باريس إلى دمشق) يدخل في إطار صراع تركي- فرنسي من أي نوع كان.

واشنطن بين أنقرة وتل أبيب وباريس

يرى السفير الإسرائيلي السابق، مايكل هراري، أن واشنطن والساحة الإقليمية وأنقرة تنظر بسلبية إلى النهج الإسرائيلي الاستباقي، أي التدخل العسكري، وخاصة ما يعتبر “إصبعًا إسرائيلية خفيفة على الزناد” ضد نظام الشرع.

وبحسب هراري، ترى إسرائيل أن التدخل التركي في سوريا “مفرط”، وقد يعرض مصالحها الحيوية للخطر.

بالنسبة لموقف واشنطن، يرى الباحث في مركز “جسور للدراسات”، محمد سليمان، أن واشنطن تعمل على إدارة الصراع السوري، والتوصل إلى تفاهمات تهدف إلى تحييد العديد من الأطراف والدول عن التدخل في الشأن السوري، مع الحرص على أن يكون الوضع الداخلي السوري خاليًا من الصراعات ومتماشيًا مع مصالح سوريا وجيرانها وحلفائها، وألا تكون بؤرة لعودة النفوذ الإيراني في المنطقة.

ووفق الباحث في مركز “جسور”، فقد أعطت واشنطن الدولة السورية الجديدة فرصة لبناء نفسها، لتكون متوازنة تهدف لإيصال الشعب السوري إلى دولة وطنية حديثة أساسها الحرية والعدالة اجتماعية.

وبالنسبة لموقف واشنطن من دور باريس في سوريا، يرى الباحث الفرنسيـ اللبناني إيلي حاتم، أن إسرائيل والولايات المتحدة وتركيا لا “يريدون أن تعود فرنسا إلى المنطقة”.

ويعزو حاتم ذلك إلى أن فرنسا تريد مشروعًا في المنطقة، تكون فيه جميع الطوائف والأعراق يتعايشون بدولة واحدة، على عكس “المشروع الصهيوني”، الذي يرى أنه يهدف لشرذمة الشرق الأوسط وتقسيم المنطقة إلى دويلات صغيرة متناحرة مع بعضها لتكون الولايات المتحدة وإسرائيل هما المسيطرتين، على حد تعبيره.

ويعتقد إيلي حاتم أن واشنطن ستقوم بدفع أنقرة ومساعدتها ليكون نفوذها أقوى من النفوذ الفرنسي في سوريا، كما أن واشنطن تعول على أنقرة باعتبارها عضوًا مهمًا في حلف “الناتو”، مشيرًا إلى أن كلًا من إسرائيل والولايات المتحدة استطاعتا التلاعب بتركيا لدفعها للمساهمة في مشروع التقسيم.

أين دمشق؟

تتعامل الإدارة السورية الحالية مع الوضع الراهن بشكل “براغماتي”، وفق الباحث في مركز “جسور للدراسات” محمد سليمان.

يرى سليمان أن دمشق تسعى دائمًا لتحقيق توازنات تساعد في تقليص تأثير الدول الخارجية على السياسة السورية، مع الأخذ في الاعتبار وجود حلفاء مثل تركيا والسعودية وقطر، الذين يسهمون في تنظيم العلاقات مع دول لها مصالح حساسة في الملف السوري مثل إسرائيل وروسيا، وهذا التوازن، باعتقاده، “يسهم في الحد من التدخلات الخارجية التي قد تؤثر على سوريا”.

لكن مدير “المركز العربي للدراسات في باريس”، سلام كواكبي، لا يرى “سياسة خارجية واضحة من قبل دمشق”.

وهذا يعود باعتقاده إلى افتقاد الخارجية السورية لـ”الخبرات اللازمة لإدارة هذا الملف وسواه”.

وقال، “سوريا بعيدة كل البعد حتى عن مجرد التفكير باستغلال مثل هذه الصراعات الدبلوماسية بحيث تخدم مصالحها”.

لكن مستشار الأمين العام السابق للأمم المتحدة، إيلي حاتم، يعتقد أن على حكومة الشرع ليس فقط الاستفادة من الصراع بين أنقرة وباريس، بل “إعادة تمركز القوة والحكومة في سوريا”، وإحباط ما سماه “المشروع التقسيمي للدول في المنطقة التي ترعاه الولايات المتحدة”.

ويرى حاتم أن على دمشق أن تتقرب من تركيا وفرنسا لـ”توازن في سياستها” ولا تقع في يدي واشنطن، وكذلك تل أبيب التي لا تريد الاستقرار في المنطقة خدمة لمصالحها التوسعية عبر إسرائيل الكبرى كما تحدث عنها نتنياهو.

عنب بلدي

—————————-

سوريا: قلق أممي من استئناف العنف في السويداء/ منهل باريش

24 آب 2025

الاشتباكات في السويداء وما سبقها في الساحل تشير إلى حجم الانقسامات والتحديات التي يعاني منها المجتمع السوري وإلى هشاشة عملية الانتقال السياسي.

قال مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسون، الخميس الماضي، إن اتفاق وقف إطلاق النار في السويداء في 19 تموز (يوليو) من الشهر الفائت «صمد إلى حد كبير». ولفت خلال إحاطة عبر الفيديو قدمها لمجلس الأمن، إلى أن «انتقال سوريا لا يزال على حافة الهاوية، وأن العنف قد يستأنف في أي لحظة في مدينة السويداء التي شهدت اشتباكات دموية الشهر الماضي»، مضيفاً «ما زلنا نرى أعمالاً عدائية ومناوشات خطيرة على هوامش السويداء، وقد يستأنف العنف في أي لحظة».

ودعا المبعوث الأممي إلى إصلاحات كبيرة في قطاع الأمن، بالإضافة إلى نزع سلاح كافة القوات غير الحكومية وإعادة دمجها في المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية. وفي هذا السياق، قال بيدرسون: «هناك حاجة ملحة لقوات الأمن التابعة للحكومة الانتقالية، بقيادة أحمد الشرع الرئيس المؤقت، لإثبات أنها تعمل على حماية كافة السوريين»، محذراً من أخطار إهدار الدعم الدولي إلى سوريا، أو «توجيهه بشكل خاطئ» من دون تحقيق انتقال سياسي حقيقي يمهد الطريق للاستقرار على المدى الطويل.

بدوره، قال توم فيلتشر، مسؤول الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، إن الوضع في سوريا «مأساوي»، مؤكداً الحاجة إلى المال لتوفير الغذاء والخدمات والمساعدات الأخرى.

ولفت فيلتشر إلى أن نداء الأمم المتحدة للمساعدات الإنسانية للعام الجاري، وقيمته 3.19 مليار دولار أمريكي، لم يمول سوى بنسبة 14 في المئة، محذراً من أن نحو 16 مليون شخص في جميع أنحاء سوريا بحاجة إلى الدعم الإنساني.

بموازاة ذلك، دق خبراء الأمم المتحدة، الخميس ناقوس الخطر إزاء موجة العنف والهجمات المسلحة على المجتمعات الدرزية في السويداء، والتي بدأت في 13 تموز (يوليو)، والتي شملت تقارير عن «عمليات قتل واختفاء قسري ونهب وخطف وتدمير ممتلكات»، بالإضافة إلى ما وصفه الخبراء بـ«عنف جنسي وجندري ضد النساء والفتيات».

وأعربوا عن بالغ قلقهم إزاء الهجمات المبلغ عنها التي تستهدف الأقلية الدرزية على أساس ديانتهم، بما في ذلك «حلق شوارب المتدينين الرجال قسراً، والخطاب التحريضي على وسائل التواصل الاجتماعي الذي يصور الدروز ككفار وخونة يجب قتلهم، والدعوات لخطف النساء الدرزيات واستعبادهن».

وأشار خبراء الأمم المتحدة إلى تقارير تفيد باختطاف ما لا يقل عن 105 فتاة وامرأة من طائفة الموحدين الدروز على يد جماعات مسلحة تابعة للسلطة السورية المؤقتة، وأن 80 منهن لا يزلن في عداد المفقودات. وتابع الخبراء أن بعض النساء ممن أطلق سراحهن لا يستطعن العودة إلى منازلهن بسبب «مخاوف أمنية».وحصلت «القدس العربي» على معلومات خاصة تفيد بإطلاق سراح خمس سيدات ورجل وطفلين، جميعهم من عائلة نصر، الجمعة. وقال مصدر محلي من درعا إن أحد أفراد العائلة أخذ رهينة من قبل إحدى العشائر حتى إطلاق سراح أحد أبنائها من قبل الفصائل المحلية في السويداء.

خبراء الأمم المتحدة قالوا إن الانتهاكات المبلغ عنها تكشف عن «فشل منهجي في حماية الأقليات، والتصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي في ظل غياب تحقيقات شاملة ومستقلة ومحايدة بشأن الإعدامات خارج نطاق القضاء»، كما أشاروا إلى أن القوات التابعة للسلطة السورية المؤقتة «ساعدت في تنفيذ الهجمات، وعززت مناخ الإفلات من العقاب، وأسكتت عائلات الضحايا وأعاقت الجهود الرامية إلى معرفة مصير المختفين».

الجدير بالذكر أن الاشتباكات في السويداء وما تضمنته من عنف وانتهاكات مرتكبة من كافة أطراف النزاع، وما سبقها أيضاً في نفس السياق من هجمات واشتباكات في الساحل السوري في آذار (مارس) الماضي، تشير إلى حجم الانقسامات والتحديات التي يعاني منها المجتمع السوري عقب سقوط نظام الأسد نهاية العام الماضي، كما تشير إلى هشاشة الانتقال السياسي الحقيقي الممهد للاستقرار والأمن المستدامين على المدى الطويل.

واندلعت اشتباكات في السويداء في 13 من الشهر الماضي على خلفية خلافات بين المجتمعات البدوية والدرزية في السويداء، ما لبثت أن تدخلت فيها القوات الحكومية بهدف بسط الأمن في المنطقة والسيطرة على المدينة، إلا أن القصف الإسرائيلي على قوات السلطة الانتقالية من جهة، وصمود الميليشيات الدرزية من جهة أخرى، دفعا بانسحاب القوات الحكومية، وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 19 من ذات الشهر.

وفي السياق، قالت منصة «الراصد» المحلية التي تغطي أخبار محافظة السويداء، إن سبعة من الناشطين العاملين في مجال الإغاثة أفرج عنهم الأربعاء الماضي، بعد عشرة أيام على اختطافهم من قبل مجموعة مسلحة في محافظة درعا. وحسب مصادر محلية، فقد تم اختطاف النشطاء في الحادي عشر من الشهر الجاري أثناء مرافقتهم لقافلة إغاثية متوجهة إلى السويداء بالقرب من حاجز لـ«الأمن العام» التابع لوزارة الداخلية، على الحدود الإدارية بين محافظتي درعا والسويداء. وظهر المختطفون في مقاطع فيديو مصورة من قبل المجموعة المسلحة التي قالت إن النشطاء في ضيافتهم حتى إطلاق سراح أقاربهم المختطفين على يد ميليشيا درزية في السويداء. وأشارت منصة «الراصد» إلى أن المختطفين المفرج عنهم هم عابد أبو فخر، فداء عزام، سمير بركات، يامن الصحناوي، رضوان الصحناوي، وناشطين آخرين من دمشق، توجهوا إلى مدينة جرمانا بريف دمشق.

وحول دخول المساعدات الإنسانية إلى السويداء، صرح رئيس فرع الأمن الداخلي في محافظة السويداء العميد أحمد الدالاتي بأن تجار السويداء تعرضوا لضغوط لوقف التعامل مع موردي المواد الغذائية من خارج المحافظة، ولفت إلى إدخال أكثر من ألف طن من المواد الغذائية إلى السويداء بتاريخ 17 آب (أغسطس) بالتنسيق مع غرفة التجارة في السويداء، مضيفاً أن تجار السويداء اعتذروا عن متابعة التوريد بعد «تعرضهم لتهديدات من أطراف داخلية».

وأعرب العميد عن جهوزية قوى الأمن الداخلي لتأمين خط تجاري آمن ومستقر لإدخال المواد الغذائية إلى السويداء، ونوه بتوفر الطرق المؤمنة لضمان استمرار وصول المواد الأساسية لجميع المواطنين في السويداء.

في المقابل، ردت غرفة التجارة والصناعة في السويداء، مساء الجمعة، على تصريحات الدالاتي المتعلقة بإدخال المواد الغذائية إلى المحافظة، رافضة ما وصفته بـ«التلفيقات التي تروج لها دمشق».

ونفى المسؤولون في الغرفة أي تنسيق أو تواصل مع حكومة دمشق منذ انطلاق «الحرب البربرية» التي تشنها على أهل السويداء، معتبرين تصريحات الدالاتي محاولة لـ«التغطية على سياسة الحصار». واستنكرت الغرفة «الادعاءات المضللة» لوزارة الداخلية، واصفة إياها «أداة لتلميع صورة الجهات الرسمية على حساب معاناة الأهالي». وأكدت أن السويداء تظل تحت «حصار خانق يمنع تدفق السلع الأساسية»، ودعت إلى إنهائه فوراً وتأمين وصول المستلزمات بدون قيود.

في سياق منفصل، نفى مصدر حكومي سوري، الأربعاء، وجود أي ممر إنساني عبر الحدود، مؤكداً أن المساعدات الإنسانية تقدم حصرياً بالتنسيق مع مؤسسات الدولة في دمشق، لضمان وصولها بأمان وتنظيم إلى جميع المستحقين، بمن فيهم أهالي السويداء. وأوضح المصدر لوكالة «سانا» أن الحكومة منحت المنظمات الأممية التسهيلات اللازمة، فيما تواصل القوافل الإغاثية السورية عملها بانتظام، مؤكدة التزام دمشق بتأمين الاحتياجات الإنسانية مع شركائها الدوليين. جاء ذلك رداً على تقارير تحدثت عن تنسيق مع إسرائيل لفتح ممر إنساني من الجولان المحتل والحدود الأردنية إلى السويداء، خلال لقاء في باريس.

وفي جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة في 20 آب (أغسطس)، عارضت الصين مشروع قرار أمريكي يقضي بتعديل العقوبات المفروضة على سوريا، يشمل رفع أسماء من القائمة السوداء، أبرزهم الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب، إلى جانب هيئة «تحرير الشام».

السفير الصيني فو كونغ اعتبر أن الوقت «غير مناسب سياسياً وأمنياً»، محذراً من أن رفع العقوبات الآن قد يفتح ثغرات خطيرة تُستغل من قبل الجماعات الجهادية لإعادة التموضع في شمال البلاد. وأكد أن «السماح لكيانات لها تاريخ من العنف بالتحرك دون قيود يعرض الاستقرار الإقليمي للخطر».

كما دعا فو إلى تحقيقات مستقلة في الانتهاكات الأخيرة، مشدداً على أن أي خطوة لتخفيف العقوبات يجب أن تستند إلى نتائج واضحة وموثوقة، لا إلى حسابات سياسية.

الصين لم تكن وحدها المتحفظة، لكنها كانت الأوضح في خطابها، ما أعاق تمرير المسودة الأمريكية، وفتح الباب مجدداً أمام خلافات داخل المجلس بشأن مستقبل العقوبات وأولويات المرحلة الانتقالية في سوريا.

القدس العربي

—————————–

حمزة العمارين..عملية خطف في قلب العنف الطائفي السوري/ كاثرين شير

ما زالت واقعة اختطاف حمزة العمارين، أحد عناصر الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء”، تثير تساؤلات في سوريا.

وقد جرى اختطاف العمارين، رئيس مركز الخوذ البيضاء في مدينة إزرع بمحافظة درعا، من سيارته في 16 من يوليو/تموز الماضي، أثناء مشاركته في مهمة إخلاء خلال أعمال العنف الأخيرة في محافظة السويداء، التي يقطنها أغلبية درزية، وذلك قبل شهر.

وبحسب بيان

نشرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإنه بعد أقل من 24 ساعة من الاختطاف، تمكنت منظمة الدفاع المدني السوري من الاتصال بهاتف العمارين، حيث أجاب شخص مجهول وأكد أنه بخير، قبل أن ينقطع الاتصال.

وقالت المنظمة إنه منذ ذلك الوقت لم ترد أي معلومات مؤكدة عن مكان وظروف احتجاز العمارين، وهو أب لثلاثة أطفال.

وفي رسالة إلكترونية إلى DW، تساءلت عائلة العمارين عن السبب وراء اختطافه بهذه الطريقة.

وأضافت أنه “في العادة لا يتم استهداف العاملين في المجال الإنساني لأنهم ليس لديهم صلة بأي صراع. انتابنا صدمة لأن حمزة لا صلة له بأي طرف. فقد كانت مهمته إنسانية بحتة.”

ويشير مراقبون إلى أن واقعة اختطاف العمارين تعد حلقة من سلسلة العنف الطائفي في السويداء، التي شهدت مؤخرا قتالا بين عناصر من أبناء المكونين الدرزي وعشائر البدو.

وتعتقد عائلة العمارين أن الأخير ربما يكون محتجزا لدى ميليشيا درزية في السويداء، ومن المحتمل جدا أنه تم اختطافه لمجرد أنه ينتمي إلى المكون السني.

وقد أسفرت أعمال العنف في السويداء، التي بدأت في منتصف يوليو/ تموز الماضي، عن مقتل ما يقرب من 1700 شخص، بينما اندلعت أعمال عنف طائفية في مناطق أخرى من سوريا.

ويشير أحدث إحصاء من الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى مقتل 1334 شخصا في منطقة الساحل السوري، التي يقطنها أقلية علوية، في مارس/ آذار الماضي.

ويقول مراقبون إن هناك حوادث مستمرة من أعمال قتل وخطف وانتهاكات طائفية، مضيفين أن هناك حملات تضليل ومعلومات مغلوطة وتحامل حول الجهة التي تقف وراء مثل هذه الأعمال.

وفي هذا السياق، نقل موقع “سوريا في مرحلة انتقالية” باللغة الإنجليزية عن سوري يعيش في ألمانيا قوله: “لا أحد يعرف الحقائق. يستند الكثيرون في تحديد الطرف المسؤول، بشكل كامل إلى المنظور السياسي.”

دوامة العنف .. من المسؤول؟

وبعد أعمال العنف التي شهدها الساحل السوري، وعدت الحكومة السورية برئاسة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بإجراء تحقيق للكشف عن المسؤولين عن أعمال القتل الأخيرة.

وأعلنت لجنة التحقيق الوطنية في أحداث الساحل السوري في يوليو/ تموز الماضي أنها حددت هوية 298 شخصا متورطين في أعمال العنف التي طالت الأقلية العلوية، مشيرة إلى تحققها من “انتهاكات جسيمة” أسفرت عن مقتل 1426 علويا تم التحقق من أسمائهم.

واتهمت السلطات مسلحين موالين للرئيس المخلوع بشار الأسد بإشعال أعمال العنف عبر شن هجمات دامية أودت بالعشرات من عناصرها.

وخلصت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، في تقرير نشرته في منتصف أغسطس/أب الجاري، إلى أن أعمال العنف في الساحل كانت “منهجية وواسعة النطاق”، وتضمنت انتهاكات “قد ترقى إلى جرائم حرب”.

وأوردت اللجنة أن أعمال العنف التي ارتكبها “أعضاء قوات الحكومة المؤقتة والأفراد الذين يعملون معها أو بجانبها” اتبعت “نمطا منهجيا في مواقع متعددة وواسعة الانتشار”.

واستنتجت “ارتكاب أفعال قد ترقى إلى جرائم حرب” خلال أعمال العنف التي شملت “القتل والتعذيب والأفعال اللاإنسانية المتعلقة بمعاملة الموتى، والنهب على نطاق واسع، وحرق المنازل”. وأوضحت اللجنة في الوقت ذاته أنها “لم تجد أي دليل على وجود سياسة أو خطة حكومية لتنفيذ مثل هذه الهجمات”.

ومن خلال توثيق 42 حادثة وإجراء مقابلات مع أكثر من 200 شاهد، فإن التقرير يدق ناقوس الخطر إزاء حالة الفوضى في سوريا.

فعلى سبيل المثال، في بعض المدن، قام مقاتلون مرتبطون بالحكومة بحماية المدنيين، بينما في الوقت نفسه، تورط مقاتلون آخرون مرتبطون بالحكومة في جرائم حرب ونهب.

وقال رئيس اللجنة باولو سيرجيو بينهيرو إن “حجم ووحشية العنف الموثق في تقريرنا أمر مقلق للغاية”، داعيا “السلطات المؤقتة إلى ملاحقة جميع الجناة، بغض النظر عن انتماءاتهم أو رتبهم”.

ويرى آرون زيلين، الزميل البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن الأمر يتسم بالمنطقية.

وأشار إلى أن تحقيق الحكومة السورية قدّر أن 200 ألف شخص شاركوا في أعمال العنف بالساحل بشكل أو بآخر، بينما لم يتواجد سوى 30 ألفا إلى 60 ألف مقاتل من هيئة تحرير الشام، التي كان يتزعمها الشرع وتعد عمود قوات الأمن الحالية.

عقود من غياب الثقة

قال لارس هاوش، الباحث في شركة الاستشارات البريطانية “حلول الوساطة في النزاعات” ورئيس تحرير موقع “سوريا في مرحلة انتقالية”، إن الحرب في سوريا “لم تنته بشكل سحري بعد الإطاحة بالأسد”.

وأضاف أن الحرب “ما زالت مستمرة، وما زالت التدخلات الأجنبية والتنافسات الإقليمية قائمة. لقد تشكلت سوريا بفعل محن متوارثة عبر الأجيال وانقسامات طائفية ومعلومات مضللة تنتشر عبر الإنترنت، إضافة إلى ضعف في القدرة على الحوكمة.”

ولم يؤد العنف الأخير إلا إلى تعميق انعدام الثقة القائم بين مختلف المجتمعات السورية، وهو أمر كرسه حكم عائلة الأسدالاستبدادي الذي استمر أربعة عقود.

ويقول الباحثون إن نظام الأسد حكم السوريين بقبضة من حديد، مضيفين أن مشاعر الكراهية التي كانت مكبوتة لعقود تفجرت الآن بعد سقوط الديكتاتورية.

ويشير الباحثون إلى أن بعض الأطياف المدنية تستغل الفراغ الأمني النسبي للانتقام من الأشخاص الذين يعتقدون أنهم آذوهم خلال حكم عائلة الأسد.

وعلى وقع الفوضى وانعدام الأمن، والكم الكبير من المعلومات المضللة التي في كثير من الأحيان يتم نشرها بشكل متعمد، فإن هناك صعوبات في تحديد الطرف الذي يقف وراء مثل هذه الأعمال.

ورغم أن التحقيقات، سواء أكانت محلية أو دولية، تشير إلى وجود انتهاكات، إلا أن نشطاء المجتمع المدني يقولون إن مسؤولية منع تنامي العنف والانقسام تقع الآن على عاتق الحكومة المؤقتة.

حماية المدنيين

وفي مقابلة مع DW، قالت رزان رشيدي، المديرة التنفيذية لمنظمة “حملة سوريا” لحقوق الإنسان، ومقرها المملكة المتحدة، إنه يتعين “كسر القواعد والمعايير التي أسسها نظام الأسد، وهو ما يتطلب تحركا عاجلا من الحكومة المؤقتة لحماية المدنيين ومحاسبة عناصرها”.

وأضافت أن “الاستهداف الجلي للعاملين في المجال الإنساني واستخدام الحصار وترهيب الصحفيين والمجتمع المدني، كل ذلك سيفاقم من ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد مشاعر الخوف المترسخة في أنحاء البلاد”.

وبالعودة إلى عائلة حمزة العمارين، فإنه ليس أمامهم سوى الانتظار.

وتطالب العائلة الحكومة السورية بالضغط على الميليشيا التي تحتجز حمزة، مناشدين المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة بالتدخل لإنهاء المأساة.

ولم يكن حمزة العامل في المجال الإنساني الوحيد الذي تم اختطافه. فقبل أيام، أشارت مصادر للمرصد السوري لحقوق الإنسان إلى عودة خمسة عاملين في نقل المواد الغذائية بعد اختطافهم في وقت سابق من الشهر الجاري، بوساطات أهلية وجهود متواصلة من عدة أطراف.

وترغب عائلة حمزة في وضع نهاية لمثل هذه الحوادث، مضيفة في بيانها إلى DW “نحن ضد مخططات التقسيم في سوريا تحت أي ظرف من الظروف. أصدقاؤنا من جميع الطوائف في سوريا. وما زال لدينا أمل في تحسن الوضع، لأننا نؤمن بمستقبل أفضل وأكثر أمانا لبلدنا.”

أعده للعربية: محمد فرحان

————————

ما “الحرس الوطني” الذي شكله الهجري في السويداء

أعلنت فصائل في السويداء في 23 من آب الحالي، عن تشكيل “الحرس الوطني” في السويداء بقيادة رئيس الطائفة الروحية للموحدين الدروز، حكمت الهجري.

ويضم هذا التشكيل العسكري 30 فصيلًا محليًا، ويهدف إلى تعزيز الدفاع عن المنطقة وحمايتها بحسب تعبيرهم

وجرى الإعلان عن التشكيل من خلال بيان مصور نشره المجلس عبر صفحته في “فيسبوك“.

وأكد البيان التزام الفصائل العسكرية بقرارات القيادة الروحية ممثلة بحكمت الهجري، معتبرة أنه الممثل الشرعي للطائفة الدرزية في السويداء.

كما أكدت الفصائل الاندماج الكامل ضمن “الحرس الوطني” باعتباره المؤسسة العسكرية الرسمية للطائفة، مع الالتزام التام بالمهام الدفاعية بالتعاون مع القوات الرديفة.

وذكر البيان أن تشكيل تحالف عسكري من الفصائل المحلية يهدف إلى ضمان الدفاع عن الهوية التوحيدية المعروفية وحماية الجبل.

الفصائل المنضمة

ضم “الحرس الوطني” 30 فصيلًا محليًا أبرزها: “قوات سيف الحق” و”قوات الفهد” و”قوات العليا” وغيرها.

وبحسب منشور لممثل مضافة الكرامة، ليث البلعوس، عبر “فيسبوك“، فإن أبناء المحافظة كانوا ينتظرون من حكمت الهجري الذي يعتبره البعض مرجعيةً لهم أن يطل عليهم بموقف جامع يطرح الحلول ويقود الناس نحو بر الأمان.

وأضاف البلعوس أن مجموعة من هذه الفصائل عُرفت سابقًا بالخطف والسرقة والنهب وابتزاز النساء.

وضرب مثالًا بـ”قوات سيف الحق” و”قوات الفهد”، التي كانت تتبع للضباط السابقين في نظام الأسد علي مملوك وكفاح الملحم والقيادي المحلي راجي فلحوط المتهم بتجارة المخدرات.

حالة مستنسخة

واعتبر البلعوس تشكيل “قوات الحرس الوطني” بأنه خطوة تفتقد لصوت العقل.

وأضاف أن الحرس الوطني بالسويداء تسمية مستنسخة من “الحرس الثوري” الإيراني، معبرًا عن سعادته بموقف حركة “رجال الكرامة” الذين لم ينضموا للتشكيل العسكري الجديد.

لكن حركة “رجال الكرامة” أصدرت بيانًا لاحقًا رحبت فيه بالإعلان الذي صدر باندماج الفصائل المحلية ضمن “جسم عسكري منظّم”.

واعتبرت أن هذا “ما تتطلبه المرحلة الراهنة في وقت تدافع الطائفة المعروفية عن وجودها ضد الغزاة الطامعين”.

كما تعهدت بالمبادرة لـ”وحدة الصف في هذه المرحلة الحساسة”.

خطوة تصعيدية؟

ويأتي هذا التشكيل بعد مظاهرات سابقة طالبت بالاستقلال الكامل لمحافظة السويداء، ورفضت التواصل أو التفاوض مع دمشق بعد أحداث تموز الدامية.

وأكدت المظاهرات طلب الحماية من إسرائيل لمواجهة قوات دمشق، التي انسحبت إلى الحدود الإدارية للمحافظة.

بدأت الأحداث، في 13 من تموز، إثر اندلاع اشتباكات بين فصائل محلية في السويداء ومسلحين من عشائر البدو تدخل على إثرها قوات من وزارة الدفاع، ما تسبب بانتهاكات متبادلة.

ثم انسحبت القوات الحكومية على وقع ضربات إسرائيلية استهدفت الجيش السوري في الجنوب، ومقرات وسط دمشق، لتنفذ فصائل محلية حملة انتهاكات أخرى بحق عائلات من البدو داخل السويداء، ما استدعى أيضًا حشودًا وقوات عسكرية عشائرية انخرطت في سلسلة الانتهاكات.

ثم جرى التوصل لاتفاق بين دمشق وتل أبيب لوقف العمليات العسكرية، برعاية أمريكية وتبنٍ تركي أردني.

وانقطع طريق دمشق- السويداء ما أدى إلى أزمة إنسانية وسط قصور في وصول الدواء والمواد الغذائية عن المحافظة والاعتماد على قوافل المساعدات.

————————–

الحرس الوطني” في السويداء لتوحيد الفصائل أم لتجذير الانقسام

اندماج فصائل مسلحة يمثل خطوة نحو الوحدة بالنسبة للمؤيدين، بينما يراه المعارضون محاولة لشرعنة فصائل معينة وتهميش قوى أخرى.

الأحد 2025/08/24

السويداء على مفترق طرق

دمشق – أعلنت مجموعة من الفصائل المسلحة في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية في جنوب سوريا السبت عن اندماجها تحت مسمى “الحرس الوطني في السويداء”.

وهذا التشكيل الذي ضم 30 فصيلا مسلحا يهدف إلى الإشراف على الأوضاع الأمنية في المحافظة، وقد تم الإعلان عنه عبر بيان مصور نُشر على صفحة على فيسبوك تحمل اسم “الحرس الوطني المكتب الإعلامي”.

ويأتي هذا الاندماج في ظل حالة من عدم الاستقرار الأمني المستمرة في المحافظة منذ منتصف شهر يوليو، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بين مسلحين دروز ومقاتلين بدو، سرعان ما تصاعدت لتتحول إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ومسلحين من العشائر.

وأسفرت هذه الاشتباكات عن مقتل أكثر من 1600 شخص، بينهم عدد كبير من المدنيين الدروز، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. كما تخللتها انتهاكات وعمليات إعدام ميدانية طالت الأقلية الدرزية، في حين شنت إسرائيل ضربات قرب القصر الرئاسي ومقر هيئة الأركان العامة في دمشق بذريعة حماية الأقلية الدرزية.

ويبدو أن هذا التشكيل العسكري الجديد يمثل نقطة تحول حاسمة في المشهد الأمني والاجتماعي لمحافظة السويداء، لكنه يطرح تساؤلات حول طبيعته الحقيقية، ما إذا كان خطوة نحو الوحدة أم أنه يمهد لمزيد من الانقسام.

 ويرى المؤيدون أن جمع 30 فصيلا تحت مظلة واحدة هو إنجاز كبير من شأنه أن ينهي حالة الفوضى والتشرذم، ويوحد جهود الدفاع عن المحافظة ومصالحها، كما أن هذا التوحيد للقوة يمكن أن يمنع الصراعات الداخلية ويفرض سيطرة أمنية تشتد الحاجة إليها.

على الجانب الآخر، يرى المعارضون أن هذا الاندماج ليس سوى محاولة لشرعنة فصائل معينة وتقديمها كقوة رسمية، مما قد يؤدي إلى تهميش قوى أخرى معارضة لهذه التوجهات.

وتثير الانتقادات الموجهة إلى بعض قادة هذه الفصائل، وربط التشكيل بـ”الحرس الثوري الإيراني”، مخاوف جدية من أن يكون هذا التشكيل أداة لخدمة أجندات خارجية، مما سيزيد من الانقسام داخل المجتمع الدرزي بدلا من توحيده.

وبحسب البيان، أعلنت الفصائل التزامها المطلق بقرارات الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، واعتبرته “الممثل الشرعي والمخول عن أبناء الطائفة الدرزية في السويداء”.

كما أكدت الفصائل الاندماج الكامل ضمن “الحرس الوطني” باعتباره المؤسسة العسكرية الرسمية للطائفة، مع الالتزام التام بالمهام الدفاعية بالتعاون مع القوات الرديفة.

ويهدف هذا التحالف العسكري، الذي يضم فصائل بارزة مثل “قوات نسر الجبل”، “قوات شيخ الكرامة”، “قوات فرسان حمزة”، “قوات سيف الحق”، “قوات الفهد”، و”قوات العليا”، إلى ضمان الدفاع عن الهوية التوحيدية المعروفية وحماية الجبل.

ووفقا لشبكات محلية في السويداء، تتمثل مهمة ما يسمى بـ”الحرس الوطني” في “حماية الحدود والمناطق البرية مع البادية، لمنع تسلل العناصر المسلحة أو عمليات تهريب السلاح والمخدرات، في تعاون محتمل مع أطراف إقليمية ودولية”.

كما سيعمل “الحرس الوطني” على إضفاء طابع مؤسسي ومنظم على العمل العسكري والأمني في المحافظة، تمهيدا لدمجه في أي هيكل أمني لدولة مستقبلية، بحسب تلك الشبكات.

تباينت الآراء بشكل حاد حول تشكيل “الحرس الوطني”. فبينما يرى البعض في هذه الخطوة ضرورة حتمية لتوحيد الفصائل المحلية وجمع شتاتها تحت مظلة قيادة واحدة، مما يمنع الفوضى الناتجة عن انتشار السلاح العشوائي ويؤسس لقوة منظمة قادرة على حماية المحافظة في ظل الفراغ الأمني، يرفضها آخرون من القادة المحليين، محذرين من أنها قد تكون بداية لمزيد من الفوضى والدمار.

وفي هذا السياق، انتقد القيادي الممثل لمضافة الكرامة في السويداء، ليث البلعوس، تشكيل “الحرس الوطني”، واعتبر أن الرسالة بالفيديو الجديد للشيخ حكمت الهجري “تحمل في طياتها المزيد من الخراب والدمار”.

وكتب البلعوس على صفحته على فيسبوك أن “أبناء محافظة السويداء كانوا ينتظرون من الشيخ حكمت الهجري الذي يعتبره البعض مرجعية لهم أن يطلّ عليهم بموقف جامع يطرح الحلول ويقود الناس نحو برّ الأمان، لكن اليوم وكعادته ظهر في فيديو محاطًا بزمرة من قادة الفصائل بينهم من عُرف سابقًا بالخطف والسرقة والنهب وابتزاز النساء”.

واعتبر أن “إعلان تشكيل ما يسمى “الحرس الوطني” تسمية مستنسخة من “الحرس الثوري” (الإيراني)، والرسالة التي وصلت من هذا الظهور لم تكن رسالة حكمة أو مسؤولية بل رسالة تحمل في طياتها المزيد من الخراب والدمار”.

وأثنى البلعوس على موقف حركة رجال الكرامة التي لم تكن من بين الفصائل المعلنة، واعتبر ذلك “دلالات خير نستبشر بها”.

————————

 ليث البلعوس: تشكيل الحرس الوطني يوصل رسالة “خراب ودمار

الأحد 2025/08/24

قال ممثل “مضافة الكرامة” في السويداء، الشيخ ليث البلعوس، إن تشكيل “الحرس الوطني” في المحافظة، يمثل “تسمية مستنسخة من الحرس الثوري الإيراني”، ويعكس غياب صوت العقل والمواقف الوطنية التي يحتاجها أبناء السويداء في هذه المرحلة العصيبة.

انتقاد الهجري

وأوضح البلعوس في بيان نشره على “فايسبوك”، اليوم السبت، أن أبناء السويداء كانوا ينتظرون من الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز، “أن يطل عليهم بموقف جامع يطرح الحلول ويقود الناس نحو برّ الأمان، خصوصاً في ظل الظروف القاسية التي تمر بها المحافظة من دمار وخراب، ونقص في المواد الغذائية، وشحّ في المياه والكهرباء، وانقطاع الاتصالات”.

وأضاف أن الهجري ظهر في مقطع فيديو محاطاً بقيادات فصائل مسلحة، بينهم عناصر سبق أن عُرفوا بالخطف والسرقة والنهب وابتزاز النساء، مثل “قوات سيف الحق” و”قوات الفهد”، الذين يعتبرهم أبناء المحافظة مقربين من شخصيات أمنية بارزة في النظام السابق مثل علي مملوك وكفاح الملحم وراجي فلحوط.

وأكد أن إعلان تشكيل “الحرس الوطني” عبر هؤلاء القادة، يوصل رسالة “خراب ودمار”، بدلاً من أن يكون بارقة أمل لسكان السويداء الذين يتطلعون إلى الأمن والسلام والعيش الكريم.

وأشار البلعوس إلى أن “أبناء المحافظة الذين قدّموا دماء أبنائهم وتحمّلوا التهجير والحرمان لا ينتظرون المزيد من العسكرة والسلاح والفوضى”، مؤكداً أن ما جرى يزيد من حالة الانقسام بدلاً من لمّ الشمل.

وختم البلعوس بيانه مثمناً موقف “حركة رجال الكرامة” التي لم تكن من بين الفصائل المعلنة عن تشكيل الحرس الوطني، معتبراً ذلك “دلالة خير تُبشر بموقف أكثر حكمة ومسؤولية في المرحلة المقبلة”.

إعلان “الحرس الوطني”

وفي وقت سابق اليوم، أعلنت مجموعات مسلحة في محافظة السويداء، الاندماج تحت مسمى “الحرس الوطني”، واعتبارها المؤسسة العسكرية الممثلة للدروز في السويداء، مؤكدة التزامها الكامل بقرارات الزعيم الروحي للدروز في السويداء حكمت الهجري.

وجاء الإعلان في بيان مصور، اليوم السبت، من مضافة الهجري، وذلك بعد اجتماع جميع قادة المجموعات في التشكيل.

وقالت شبكات إخبارية محلية في السويداء، إن الخطوة تهدف “لتوحيد الجهود العسكرية ودمج الفصائل ضمن عمل مؤسساتي منظّم في السويداء”، مشيرةً إلى أن التشكيل يحظى بمباركة الهجري. وأضافت أن تشكيل “الحرس الوطني” جاء بوصفه ضرورةً بعد الفراغ الأمني في السويداء، وبعد انتشار الفصائل المسلحة المتعددة، والانتشار الكبير للسلاح العشوائي، بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وذكرت أن من أسباب التشكيل، “ملء الفراغ الأمني لضمان عدم انزلاق المنطقة إلى الفوضى بعد غياب الأجهزة الرسمية، وتوحيد الصفوف عبر جمع الفصائل المحلية تحت قيادة واحدة بدلاً من التشتت والتنافس، وضبط السلاح لمنع أية حالة الفوضى تنتج عن انتشار السلاح العشوائي”، إلى جانب الدفاع عن السويداء.

وبلغ عدد الفصائل التي انضمت للتشكيل 30 فصيلاً مسلحاً، كان من ضمنها قادة مجموعات كانت على ارتباط بالأجهزة الأمنية للنظام المخلوع بشار الأسد، إحداها “قوات الفهد”، والتي سبق أن تعرضت للتفكيك على يد الفصائل المحلية في العام 2022، بسبب امتهانها الخطف والسلب وتجارة المخدرات.

ويأتي الإعلان في ظل مطالبات من قبل الهجري باستقلال المحافظة أو الحصول على الحكم الذاتي، بعد الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة في تموز/ يوليو الماضي.

————————————

الهجري يشكل فصيلا عسكريا بالسويداء والبلعوس يحذّر من “خراب ودمار

قوات الأمن السورية تنتشر في محيط محافظة السويداء استعدادها لدخولها عقب التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار–من وكالة الأنباء السورية

24/8/2025

شكَّل حكمت الهجري أحد شيوخ الدروز في سوريا قوة عسكرية بمحافظة السويداء (جنوب) اعتبرها القيادي في تجمع “رجال الكرامة” ليث البلعوس نسخة من الحرس الثوري الإيراني ورسالة تنذر “بمزيد من الخراب والدمار”.

ونقلت قناة “الإخبارية” السورية عن البلعوس، وهو قيادي درزي، قوله مساء أمس السبت إن أبناء السويداء كانوا ينتظرون من الشيخ الهجري “أن يطلّ عليهم بموقف جامع يطرح الحلول ويقود الناس نحو برّ الأمان”.

ورأى البلعوس أن الهجري محاط بمجموعة من قادة الفصائل “بينهم من عُرف سابقا بالخطف والسرقة والنهب وابتزاز النساء”.

واعتبر أن هذا الإعلان “مستنسخ عن الحرس الثوري الإيراني” ويحمل في مضمونه رسالة تنذر “بالمزيد من الخراب والدمار”.

وثمَّن القيادي الدرزي موقف “حركة رجال الكرامة” التي لم تكن من بين تلك الفصائل المعلن عن تشكيلها باسم الحرس الوطني.

ونقلا عن مقطع مصور متداول، ذكرت قناة “الإخبارية” أن الهجري أعلن تشكيل “الحرس الوطني” من فصائل مسلحة أعلنت ولاءها التام له، واستعدادها لمحاربة ما سمتها “فصائل سلفية إرهابية”.

ومرارا أكد مسؤولون سوريون، لا سيما الرئيس أحمد الشرع، أن الدروز “مكون أصيل” من الشعب السوري، وحمايتهم مسؤولية الدولة التي تضمن حقوقا متساوية لجميع السوريين.

منير البرش يتحدث عن خطورة التجويع في غزة

وللدروز في السويداء 3 مشايخ عقل (مراجع دينية) وهم: حمود الحناوي، ويوسف جربوع، والهجري الذي يرى مراقبون أن “أتباعه يشكّلون أقلية لا تعكس الموقف العام للطائفة”.

وسبق أن أعرب كل من جربوع والحناوي في مناسبات عدة رفضهما طلب الحماية من إسرائيل، وتمسكهما بخيار الوحدة الوطنية. بينما ناشد الهجري إسرائيل مرارا التدخل معربا عن شكره لها، وهو ما اعتبره ناشطون إفشالا لمحاولات تسوية الأزمة الأخيرة بالمحافظة.

ومنذ 19 يوليو/تموز الماضي، تشهد السويداء وقفا لإطلاق النار عقب اشتباكات مسلحة دامت أسبوعا وخلفت عديد القتلى.

وتذرعت إسرائيل بـ”حماية الدروز” لتصعيد عدوانها على سوريا، وهو ما اعتبرته دمشق تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية، مطالبة بإلزام إسرائيل بالامتثال لاتفاقية فصل القوات الموقعة بين الجانبين عام 1974.

وتبذل الحكومة السورية جهودا مكثفة لضبط الأمن في البلاد، منذ الإطاحة في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 بنظام بشار الأسد.

ولم تهدد الإدارة الجديدة برئاسة الشرع إسرائيلَ بأي شكل، ورغم ذلك شنت الأخيرة غارات جوية قتلت مدنيين ودمرت مواقع عسكرية وآليات وذخائر للجيش السوري.

وتحتل إسرائيل منذ عام 1967 معظم مساحة هضبة الجولان السورية، واستغلت أحداث الإطاحة ببشار ووسعت رقعة احتلالها في الجولان، كما احتلت المنطقة العازلة السورية.

المصدر: الجزيرة + الأناضول

——————————–

 “واشنطن بوست”: توماس باراك يغيّر نظرته تجاه اللامركزية

 الأحد, 24 أغسطس 2025

بعد أحداث العنف الأخيرة في مناطق ذات أقلية دينية من سوريا، تصاعدت الأصوات للمطالبة باللامركزية، في ظل شعور متنامي بالتهديد، بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري، غربي البلاد، ومحافظة السويداء، من أحداث دموية، ارتكبت فيها قوات حكومية انتهاكات جسيمة.

وقالت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، إن العنف المُتصاعد في مناطق مُختلفة يُغذي مطالب الأقليات بالحكم الذاتي، مُشكلاً تحدياً لخطط الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، لإقامة دولة مركزية قوية.

تصاعد الخوف

في بلدة عرنة، يتصاعد جدار من الخوف حول هذه البلدة الواقعة عند سفوح جبل الشيخ. حيث يقول العديد من سكان عرنة الدروز إنهم يخشون الخروج من حدودها بسبب العنف أو التمييز الذي يستهدف أقليتهم الدينية في أجزاء من سوريا. ولا يقل سكان البلدة تردداً في السماح لبعض الغرباء بالدخول: فأقرب قوات حكومية تبقى عند نقطة تفتيش في البلدة المجاورة، بحسب “واشنطن بوست”.

تصاعد الدخان من بلدة المزرعة نتيجة احتراق المنازل إثر اشتباكات بين قبائل بدوية وفصائل درزية محلية في ريف السويداء (إ.ب.أ)

في عرنة وغيرها من المناطق التي تقطنها أقليات دينية وعرقية، يُنظر إلى الحكومة السورية التي يقودها الإسلاميون السنة بشكل متزايد على أنها تهديد. ويُمثل هذا الاغتراب منعطفاً خطيراً لقادة البلاد، الذين تولوا السلطة أواخر العام الماضي بعد الإطاحة بدكتاتورية بشار الأسد وتعهدوا بتوحيد البلاد.

في معاقل الدروز الجبلية جنوب وغرب سوريا، على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​حيث تتركز الأقلية الدينية العلوية، وفي المناطق الكردية في الشمال الشرقي، تعالت دعواتٌ للحكم الذاتي أو اللامركزية أو حتى لمجرد تركهم وشأنهم. ويشعر السكان الذين يقولون إنهم ما زالوا يعتزون بهويتهم السورية بالقلق إزاء مستقبلهم في البلاد. بينما يستغل بعض قادة المجتمع المخاوف الحالية للضغط بقوة من أجل تحقيق أحلام الاستقلال التي طال أمدها.

نقلت الصحيفة الأميركية عن نبيه قابول، وهو درزي من سكان عرنة قوله: “كان هناك الكثير من الأمل في سوريا الجديدة. للأسف، هذه الفترة أسوأ مما كنا فيه”.

دعا الشرع إلى دولة مركزية بقيادة دمشق، تُشبه في هيكلها الدولة التي كانت قائمة قبل تمزق سوريا بفعل الحرب الأهلية الطويلة. وما تزال رؤيته، التي يقول إنها تُركز على “التنمية والبناء ووحدة الأراضي السورية”، تحظى بشعبية لدى العديد من السوريين. كما تبنى هذه الرؤية داعمون أجانب مؤثرون، بمن فيهم حلفاء الخليج العربي الذين تعهدوا بتقديم الدعم والمساعدة للشرع، وفق الصحيفة.

وصرح حايد حايد، الزميل في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “تشاتام هاوس”، بأنه خلال المرحلة الانتقالية السورية من عهد الأسد، تُريد الحكومة “هيكلية مركزية قوية تُمكّنها من اتخاذ القرارات بسرعة”. لكن حوادث العنف المُتصاعدة الأخيرة تُهدد – بل وتُتجاوز – مثل هذه الخطط. وأضاف: “في كل أسبوع، تزداد الأمور إثارة للقلق بدلًا من أن تتحسن”.

تصميم جديد لعملة سوريا.. ما أبرز ملامحه؟

ولطالما ألقت الحكومة باللوم في مشاكل سوريا على فلول نظام الأسد المخلوع أو على قوى خارجية – وخاصة إسرائيل، بسبب تدخلاتها العسكرية في البلاد وتواصلها مع الدروز. تُؤجج هذه الاتهامات استقطابًا سياسيًا ترك بعض الأقليات والقوات الحكومية تنظر إلى بعضها البعض بانعدام ثقة متزايد.

قال ضياء خيربيك، رئيس بلدية جبلة على الساحل السوري، والذي يحاول تهدئة التوترات بين القوات الحكومية المتمركزة هناك والسكان العلويين الذين ما يزالون يعانون من آثار مذبحة راح ضحيتها أقاربهم وجيرانهم في آذار/مارس الماضي على يد القوات الحكومية أو المقاتلين الموالين لها: “الخوف من كلا الجانبين”.

باراك يغير نظرته تجاه المركزية

هزت موجة أخرى من أعمال القتل سوريا الشهر الماضي، في محافظة السويداء، ذات الأغلبية الدرزية، جنوبي العاصمة دمشق. حيث لقي أكثر من ألف شخص حتفهم في اضطرابات اتسمت بفظائع، بعضها ارتُكب ضد المدنيين الدروز على يد مقاتلين موالين للدولة.

الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني يلتقيان بالمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس باراك في اسطنبول – “الرئاسة السورية”

وبعد أسابيع، ما تزال السويداء مضطربة ومعزولة، حيث أغلقت القوات الحكومية مداخلها بينما يكافح سكانها للحصول على الطعام والماء وينظمون مظاهرات من حين لآخر. خلال الاحتجاجات الأخيرة يوم السبت، “طالب السكان استفزازيًا بحق تقرير المصير والحماية من إسرائيل، التي شنت غارات جوية ضد القوات السورية خلال المعارك في المدينة”.

وقال لمجموعة من الصحفيين الشهر الماضي: “ليست فيدرالية، بل شيء أقل من ذلك، يسمح للجميع بالحفاظ على وحدتهم وثقافتهم ولغتهم، وبعيدًا عن أي تهديد للإسلاموية”. وأضاف: “أعتقد أن الجميع يقولون إننا بحاجة إلى إيجاد طريقة لنكون أكثر عقلانية”.

لكن الشرع استبعد إمكانية تقسيم سوريا، إذ قال في خطاب نقلته وسائل الإعلام الرسمية: “هناك رغبات لدى البعض بتقسيم سوريا ومحاولة إنشاء كانتونات محلية داخليًا، لكن منطقيًا وسياسيًا وعقلانيًا، هذا مستحيل”.

وأدان التدخلات الإسرائيلية في السويداء، قائلًا إنها “تهدف إلى إضعاف الدولة”. لكنه أقر أيضًا بدور حكومته في عزل المدينة، مؤكدًا أن مرتكبي الانتهاكات خلال القتال سيُعاقبون.

وترى “واشنطن بوست” أن الشرع منذ توليه السلطة في كانون الأول/ديسمبر بعد قيادة هجوم المتمردين الذي أطاح بالأسد، كافح لإقناع المشككين بصدق تعهداته بحماية الأقليات. وأضافت: “لقد كان تاريخه الشخصي – كمقاتل سابق قاد فرع القاعدة السوري – عبئًا ثقيلًا. وكذلك سلوك المقاتلين المتطرفين الذين يعملون تحت قيادته ظاهريًا، والمرتبطين بسلسلة متزايدة من الفظائع.”

السلاح “لم يجد نفعا”

اعتبرت الصحيفة الأميركية، أن جهود حكومة الشرع لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتخفيف العزلة الدبلوماسية لسوريا، والتخلص من العقوبات الدولية المفروضة على الأسد أكثر نجاحًا.

وقال حايد: “مع أن ذلك قد يُساعد”، إلا أن أكثر مشاكل سوريا تعقيدًا هي مشاكل سياسية. وأضاف أن حماس الحكومة لفرض سيطرتها على كامل الأراضي السورية – بما في ذلك بقوة السلاح – “لم يُجدِ نفعًا”. ودعا بدلًا من ذلك إلى حوار وطني بين مختلف مكونات البلاد.

وأشارت “واشنطن بوست” إلى أن الخلاف الأكثر زعزعة للاستقرار في سوريا هو النزاع بين الحكومة و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي يقودها الأكراد وسيطرت على مساحة واسعة من الأراضي في شمال شرق سوريا في السنوات الأخيرة خلال الحرب ضد تنظيم “داعش”.

إذ أبرمت “قسد”، المدعومة من الولايات المتحدة، اتفاقًا مع الحكومة السورية في آذار/مارس الماضي، نصّ جزئيًا على “دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية” في الدولة السورية.

إلا أن الاتفاق لم يُنفّذ بعد، وسط خلافات حول مدى استقلالية المنطقة التي تسيطر عليها “قسد”. ويزيد من تعقيد الوضع استمرار العنف بين “قوات سوريا الديمقراطية” والفصائل المدعومة من تركيا. وتنظر أنقرة إلى “قسد” كخصم بسبب صلاتها بـ “حزب العمال الكردستاني”، الذي خاض تمردًا طويلًا ضد الدولة التركية.

وأثار مؤتمرٌ للأقليات، رعته “قسد” في مدينة الحسكة هذا الشهر، غضب الحكومة السورية لدعوته، من بين أمور أخرى، إلى دولة لامركزية. وصرح وزير الخارجية السوري بعد أيام قليلة بأن هذا المؤتمر “لا يمثل الشعب السوري”، متهمًا المشاركين بمحاولة “استغلال أحداث السويداء”.

كما تتجمع المشاعر المناهضة للحكومة في قرى وبلدات ومدن المنطقة الساحلية السورية. هذه هي معقل الأقلية العلوية في سوريا، وهي طائفة مهمشة تاريخيًا واجهت استياءً لارتباطها بالأسد، العلوي الذي اعتمد بشكل كبير على طائفته لشغل مناصب حكومية وعسكرية عليا.

أودت عمليات القتل الساحلية في مارس/آذار، والتي اندلعت نتيجة هجمات شنها موالون للأسد على قوات الأمن الحكومية، بحياة ما لا يقل عن 1400 شخص، وزادت من استياء العلويين. بينما قُتل أكثر من 200 جندي حكومي في أعمال العنف، لكن معظم المذبحة استهدفت مدنيين على أساس طائفتهم، حيث قُتل الضحايا بالرصاص بعد سؤالهم عما إذا كانوا علويين، من قبل القوات الحكومية أو مقاتلين متحالفين معها، وفقًا لسكان وتقرير للأمم المتحدة حول أعمال العنف.

وقال خيربك، رئيس بلدية حي الرميلي في منطقة جبلة، إن أكثر من 55 شخصًا في منطقته قُتلوا خلال الاضطرابات. كما أُحرقت ودُمّرت متاجر يملكها أسفل شقته، بما في ذلك صالون حلاقة. ومع ذلك، ظل خيربك كوسيط بين قوات الأمن الحكومية – التي ما تزال تحتفظ بحضور قوي في المناطق العلوية – والسكان المحليين.

وأضاف أن سكان الحي، الذين ما زالوا يخشون الخروج بعد حلول الظلام، وصموه بالخيانة. في حين تجاهلت الحكومة مناشداته بنشر سكان محليين على نقاط التفتيش الأمنية، مفضلةً أن يكون جنودها من إدلب، المحافظة السورية التي كان الشرع يحكمها قبل وصوله إلى دمشق.

واعتبر خيربك أن تقسيم سوريا “لن يحل مشاكلنا”. وأضاف، في إشارة إلى المحافظة الواقعة شرق سوريا على الحدود العراقية: “نحن بحاجة إلى قمح الحسكة. إنهم بحاجة إلى سمك الساحل”.

————————–

==================

تحديث 23 آب 2025

————————-

الاتفاق السوري ــ الإسرائيلي: ملامح تجربة أولى/ فايز سارة

23 آب 2025

صعَّدت إسرائيل ظلَّها الثقيلَ على سوريا في خلال الأشهر التي تلت إسقاط نظام بشار الأسد وقيام النظام الجديد، وجاءَ في عداد التحركات الإسرائيلية نحو دمشق قيام القوات الإسرائيلية بشن هجمات جوية واسعة في عموم البلاد، هدفها تدمير ما تبقى من البنية التحتية للجيش والقوات المسلحة، ثم زادت على ما سبق التوغل في عمق الأراضي السورية والتأسيس لوجود عسكري دائم خلف خط وقف إطلاق النار القائم منذ عام 1974، والذي تم فيه التوصل إلى اتفاق فصل القوات على جبهة الجولان، وقد أعلنت إسرائيل نهاية الاتفاق من جانب واحد. ولعل الأهم مما سبق، إعلانات سياسية صدرت من مستويات وجهات إسرائيلية متعددة، كشفت عن أطماع إسرائيلية بالجنوب السوري ومياهه تحت لافتة: «أمن إسرائيل».

لقد خلقت خطوات إسرائيل في سوريا وبصددها أجواء غير مسبوقة في سياسة إسرائيل السورية، خاصة مع مساعي تدخلها في الأزمة المتفاقمة بين حكومة دمشق ومناهضين لسياستها في محافظة السويداء التي تسكنها أغلبية من السوريين الدروز، والتي سعت حكومة دمشق إلى إحكام قبضتها عليها بالقوة في سياق إعادة فرض السيادة على مناطق شمال شرقي وجنوب سوريا.

ومن الواضح أن ارتباكاً تصاعد في دمشق حيال التطورات الإسرائيلية التي لا تجد دمشق سبيلاً عملياً للرد عليها إلا في الحدود الدنيا الدبلوماسية؛ إذ لا جيش لديها بعد فرط عقد جيش النظام البائد، وكل ما لديها نواة محدودة لجيش جديد بإمكانات متواضعة، وهو مشغول بأعباء أمنية داخلية كثيرة، آخرها أحداث مدينة السويداء وما حدث فيها من مواجهات وارتكابات، تنشغل دمشق في لملمة تداعياتها.

وسط الحاجة إلى معالجة تداعيات التدخلات الإسرائيلية في سوريا، تصاعدت أحاديث عن احتمالات تطبيع في العلاقات السورية – الإسرائيلية، والتوصل إلى تسوية اتفاقية سلام بين الطرفين. وللحق، فإن هذه الأطروحات مؤجلة حالياً، إن لم نقل بعيدة؛ فلا الظروف مناسبة، ولا الطرف الإسرائيلي يريدها؛ إذ إسرائيل لا تزال ترى أن نظام الرئيس الشرع في دمشق غير مستقر، وبالتالي لا ترغب في التوصل معه إلى اتفاقات ذات أبعاد مستقبلية، والأهم أنها لا تريد أن تقيد نفسها بالتزامات قد تمنعها عن تجديد سياساتها مستقبلاً إزاء سوريا، وخاصة أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي ليس لها حدود معروفة، بل «حدود مؤقتة».

ومما لا شك فيه، أن رغبة إسرائيل اليوم في عدم التوصل إلى اتفاقات صلح وسلام وتطبيع مع سوريا، لا تتعارض مع التوصل إلى اتفاقات أمنية، تعيد ترتيب العلاقة على جانبَي خط وقف إطلاق النار، وتوفر لإسرائيل ما أمكن من مكاسب تدخلاتها الأخيرة في سوريا، وما رافقها من فرض وقائع جديدة.

ولا يحتاج إلى تأكيد، أن التوصل إلى اتفاقات أمنية أمر يهم الولايات المتحدة؛ لأنه يحد من التماسات والتعارضات الإسرائيلية – السورية حتى لو كانت محدودة وبسيطة، كما أن التوصل إلى اتفاقات أمنية من وجهة نظر دمشق أمر مطلوب؛ لأنه يكرس الوقوف عند حد أدنى من شرور التدخلات واستعراضات القوة التي تمارسها إسرائيل، ويعطي الحكومة السورية فرصة التفرغ لمعالجة قضايا تعتبر أكثر إلحاحاً، ومنها استكمال سيطرتها على بقية المناطق السورية، وبناء الجيش والقوات المسلحة، وإطلاق نشاط القطاعات الاقتصادية لتلبية الاحتياجات الأساسية للسوريين.

غير أن الوصول إلى اتفاقات أمنية سورية – إسرائيلية، ينبغي أن يكون متوازناً، وألا يكون على حساب السوريين، ولا يكرس نتائج ما قامت به إسرائيل من خروقات، سواء على خط الحدود أو لجهة انتهاك الأراضي والأجواء السورية، والتي تمثل عدواناً متعدد الأوجه، وتمثل انتهاكات للقانون الدولي يُفترض أن يُوضع حد لها، وألا يكون للاتفاقات الأمنية تأثير في تغيير الطبيعة القانونية لمرتفعات الجولان السورية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967.

ودون أدنى شك، فلن يكون الوصول إلى اتفاقات أمنية بين إسرائيل وسوريا سهلاً، ولعل هذا ما يؤكده الحضور والرعاية الأميركية التي أعلنت وجودها في العملية، والتي يُفترض أن تساعد في مواجهة الصلف الإسرائيلي، والوقائع الجديدة التي خلقتها على خط وقف إطلاق النار وفي الأبعد منه، تحت ذريعة ضمانات الأمن الإسرائيلي، واتخاذ واشنطن موقفاً يمنع تجاوز الحقوق السورية وتكريس تعديات مخالفة للقانون، والتي تشكل أساس المستندات التي يحملها المفاوض السوري.

بين الإعلان عن الموعد المرتقب والتوقيع العملي على الاتفاق الأمني بعد شهر، سيكون أمام السوريين وقت قليل من أجل تجربة أولى في مفاوضات مع الإسرائيليين، تشمل جمع وتنسيق الأوراق، وإدارة مفاوضات ستكون صعبة مع الطرف الإسرائيلي، والأهم أن يكون لديهم وقت يسعون فيه للحصول على موقف أميركي أكثر توازناً في مواجهة التغول الإسرائيلي… وكلها خلاصات يحتاجونها في مسارات تفاوضية مقبلة مع الإسرائيليين.

الشرق الأوسط

————————–

 هل من مبادرة ممكنة تجاه السويداء؟/ عمر قدور

السبت 2025/08/23

لا يزال طريق دمشق-السويداء مقطوعاً على العديد من المستويات. هو مقطوع سياسياً بين السلطة القائمة فيها والسلطة في دمشق، ويُذكَر أن الأولى اتخذت وتتخذ إجراءات إدارية خاصة في طريق تشكيل إدارة ذاتية. الملف الإنساني بالطبع لا يقلّ أهمية عن السياسي الذي تسبَّب به، فطريق الإمداد الرئيس من دمشق إلى السويداء لا يزال مقطوعاً، والمحافظة تعتمد على القليل من المساعدات التي تصل بإشراف أممي. وقد لا يقل فداحة، على المدى الأبعد، الانقطاع بين السويداء والكيان السوري لأول مرة على هذا النحو منذ قرن.

كانت السويداء قد شهدت قبل أسبوع تظاهرة تحت شعار “حق تقرير المصير”، ثم راح كثر يروّجون لانتصار تحقَّقَ للمحافظة بضغط إسرائيلي في مفاوضات باريس بين وزير الخارجية الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي. إذ قيل إن الأول وافق على ممر درزي-درزي، يربط بين دروز إسرائيل والسويداء، فيما لم يؤكد أي مصدر مستقل تفاصيل اللقاء. في الغضون كانت الأصوات الأعلى تتصدر التعبير عن السويداء، وهي أصوات تنادي باستقلال يقطع لا مع السلطة الحالية فحسب، بل يقطع أيضاً مع مئة عام من الكيان السوري وأهله.

أصوات قليلة، خافتة بطبيعة الحال، تمنّى أصحابها صدور مبادرة سورية تجاه السويداء، ويُقصد بها على نحو خاص مبادرة من الأكثرية المذهبية السنية. إلا أن هذه الأصوات لاقت الإهمال من جانب الفئة المستهدَفة بإطلاق المبادرة، ولاقت التوبيخ من نشطاء الاستقلال. في المحصّلة، يجوز الحديث عن قرابة شهر من الانفصال، تؤجّجه على السوشيال ميديا سجالات لا تنتمي إلى مشروع سوري جامع.

من بين المطالبين بالاستقلال هناك مَن يطالب بفتح طريق دمشق-السويداء، ولا يطالب مثلاً بفتح معبر من الأردن، على افتراض أن الأخير قد تكون له الأولوية مع المطالبة بالانفصال. وهناك أيضاً من لامَ الأكثرية المفترضة لأنها لم تتحرك في الشارع، فلم تكن هناك مثلاً مظاهرات داعمة للسويداء، أو حتى تحركات رمزية على غرار ما عُرف بـ”بيان الحليب” الذي وقّعه مثقفون في مستهل الثورة السورية ضد الأسد، مطالبين آنذاك بفكّ الحصار عن درعا.

والواقع، أن المطالبات غير المنسجمة مع طرح الاستقلال، لا تلحظ ما تتسبب فيه فكرة التقسيم من اضطراب فكري يلجم بدوره حسّ المبادرة المأمولة على أسس وطنية. مثلاً، قبل قرابة أربعة أسابيع بدأ تضامن غير منسَّق يظهر على السوشيال ميديا، يطالب أصحابه بفكّ الحصار عن السويداء، وبفصل الملفّ الإنساني عن السياسي. وحينها سُلِّطت الأضواء على دخول أول قافلة مساعدات، لكن سرعان ما تراجع التضامن الواعد بسبب تظاهرة في السويداء هُتِف فيها: “بدنا إسرائيل.. بدنا إسرائيل”.

قد يكون أصحاب الهتاف قلّة لا تمثّل الأكثرية في السويداء، وكذلك حال الذين رفعوا العلَم الإسرائيلي في تظاهرات لاحقة. وإذا كان الأمر على هذا النحو فهو يشير إلى أغلبية صامتة لا يُعرَف رأيها، ووجود الأغلبية الصامتة ليس حكراً على السويداء، ولا على الأكثرية المذهبية المخاطَبة؛ إنه بالأحرى ظاهرة سورية راسخة، ما يعيدنا إلى الأصوات الأعلى التي تختطف تمثيل الصامتين.

كَسْر الاصطفاف الحاد الراهن بمبادرة وطنية يلزمه أولاً فصْلٌ متفق عليه بين اتخاذ أشد المواقف راديكالية من السلطة في دمشق وبين الإصرار على الوطن السوري، حيث لا يجب أن يكون ثمة تفاضل في الانتماء إليه. السلطة (ككل سلطة) زائلة، أما التفكير في شؤون البلد وأهله فهو شأن آخر، بما في ذلك التفكير المشترك في النظام السياسي الأنسب.

يمكن اليوم التشارك على بعض القواعد الأساسية، وبحيث يكون الهدف استقطاب طيف من السوريين، فلا تقتصر المبادرة على الأكثرية المذهبية، ولا تكون على شاكلة نفاق الطوائف. أولى القواعد التي تحتاج إلى ترسيخ هي عدم استخدام الملف الإنساني كأداة للضغط السياسي، هذا يتضمن عدم استخدام سلاح التجويع، وطيّ صفحته نهائياً بعد 14 عاماً من الويلات والكوارث بسببه. أيضاً، هذا يقتضي عدم استخدام المدنيات والمدنيين كأوراق ضغط وابتزاز للخصوم السياسيين، وتجريم كافة عمليات الاعتقال والاختطاف بلا مواربة أو تنصّل من المسؤولية، من أية جهة كانت.

ذلك يقود إلى ضرورة تجريم العنف السياسي بمختلف أشكاله، بدءاً من استخدام الوسائل العسكرية لتحقيق أغراض سياسية، مروراً بكافة أشكال الاعتقال السياسي والإخفاء القسري والتعذيب. لقد كان العنف السياسي في صُلب السلطة الأسدية، ومن ثم الثورة عليها، وتجريمه هو الذي يستهل عهداً جديداً من استرجاع السياسة كأداة للصراع بين السوريين المختلفين. ولئن كان العنف السياسي، ثم الرد عليه بعسكرة مضادة، قد أدّيا إلى حال الانقسام السوري الراهن، فمعالجة الانقسام لا تكون من جنس الداء، أي أن اللجوء إلى القوة ينبغي ألا يكون خياراً في معالجة ما تسبب به اللجوء إلى القوة من قبل.

نبذُ العنف بالمطلق، ومن قبل الجميع، سيعطي وجاهةً عملية وأخلاقية لمبدأ عدم جواز اقتطاع أجزاء من البلد بالقوة. وجدير بالتذكير أن اللجوء إلى العنف، ثم العنف المضاد، شرّع البلد أمام التدخلات الخارجية، وفي هذا العصر (على الأقل) لم تعد سيادات الدول تُفرض بالقوة، لأن الإكراه يستولد عنفاً لا يندر أن يجد سنداً من الخارج. الدولة الحديثة تحتكر العنف لأنها ليست طرفاً في صراع داخلي، بل المفترض أنها حصيلة مجموع الإرادات الداخلية.

الاتفاق على النقاط السابقة، وغيرها مما قد يكون أساسياً وضرورياً، ليس مهمة فئة بعينها من السوريين. ومن الجيد الابتعاد قدر الإمكان عن أوهام الأكثرية والأقليات، فلا أبناء الأكثرية ولا أبناء الأقليات أُتيح لهم التعبير عن إراداتهم السياسية سلْماً وفق قواعد ديموقراطية. ومن دون توفّر مناخ ديموقراطي، آمن ومستدام، لا أفق كي تعبِّر الأغلبيات الصامتة عن مواقف سياسية، ما يحمِّل الأقليات من “الناطقين” مسؤوليةَ الوصول إلى تفاهمات.

عموماً، ستكون سوريا في مأزق كبير إذا بقي هناك تفاضل “وطني” على قاعدة الأكثرية والأقليات، فالفرز نفسه يُفترض أنه ينتمي إلى ما قبل المرحلة الوطنية. وتأسيس الكيان السوري قبل مئة عام كان تشاركياً، من دون المفاضلة بين أدوار المجتمعات السورية. واليوم، على عتبة المئوية الثانية، سيؤدي انكفاء “الأقليات” إلى غياب المعنى الوطني الجامع بطبيعته.

أي أن المبادرة الوطنية ليست حكراً على فئة من السوريين، والأمر يتعدى مبادرة تعيد فتح طريق دمشق-السويداء. ثمة معنى تأسيسي غائب، رغم أن البلد واقعياً في حالة إعادة تأسيس. التخلّي عن المسؤولية الجماعية إزاء هذا التناقض سيطيل أمده، في حين لا تظهر فرصة أخرى، حقيقية مقنعة، خارج مواجهته.

المدن

—————————-

 مراهنات خطيرة في شرق أوسط منهك/ ناصر زيدان

الجمعة 2025/08/22

المنطقة العربية، أو الشرق الأوسط الكبير، في وضعٍ استثنائيٍ مُرتبك، وتكاد “سوريا الكبرى” التي تشمل فلسطين ولبنان والعراق وسوريا، وفقاً لتحديد بعض المؤرخين؛ تأخذ النصيب الأوفر من حالة الاضطراب المخيفة، بينما تدور القوى الإقليمية المؤثرة حول جسد الضحية المُنهك، بإنتظار الحصول على حصة من هذا الجسد. وتتقدَّم إسرائيل على غيرها بقدرة الافتراس، كونها تملك أكبر قوة عدوانية، وتحظى بدعم أميركي واسع تسبيح بواسطته حقوق الآخرين، وترتكب موبقات في غزة وغيرها، هي الأبشع على مرَّ التاريخ.

وبينما تحاول إيران الحفاظ على ما تبقى لها من دورٍ ومكانة في بلاد ما بين النهرين ولبنان، تجهد تركيا لاستعادة بعض النفوذ الذي خسرته قبل مئة عام، وإسرائيل تنطلق في وثبات عدوانية جديدة، استناداً الى “عقيدةٍ دينية” واهية وليس لها أي أساس، لتفرض واقعاً جديداً، فيه هيمنة استراتيجية مطلقة في المنطقة الشرق أوسطية المنكوبة، وهي تحمل طموح “نيروني” سام، أعلن عنه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الذي لم يتوانَ عن القول بأنه يطمح لتأسيس “إسرائيل الكبرى” وفق وعد جاء في كتب مشكوك بصدقيتها، حدودها تمتدُّ من الفرات الى النيل، وهذه أراضٍ يملكها ويعيش عليها أكثر من 200 مليون عربي. في وقت تعمل الدول العربية على الحفاظ على الاستقرار في سوريا وفي المنطقة، وتقدِّم التسهيلات أمام التسوية العادلة والشاملة للنزاع العربي-الإسرائيلي، من خلال “حلّ الدولتين” الذي أقرته قمة بيروت العربية في العام 2002، وهو اقتراح يحظى بتأييد الأغلبية الساحقة من دول العالم.

ويلاقي إسرائيل في مخططاتها العدوانية المُتجددة دول كبرى، وشخصيات وقوى من مكونات المنطقة، وبعضهم يطالب بتطبيق مبدأ حق تقرير المصير الذي أقره ميثاق الأمم المتحدة، بينما إسرائيل تسعى بكل جهدها لإنهاء دور الأمم المتحدة برمته. وتطالب بعض المكونات بالانفصال عن دولها الأم بحجة عدم وجود حريات، ولأنها ذاقت ويلات القتل بخلفيات طائفية أو عرقية في الشهور الماضية وعلى يد قوى حكومية أو مدعومة من الحكومة – لا سيما في سوريا – والغريب أن المطالبات الانفصالية التي ترفعها شخصيات وقوىً في جنوب سوريا وساحلها وفي الشرق والشمال؛ لم تُرفع بذات الوثيرة قبل سقوط نظام الأسد، والموحدون المسلمون الدروز وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، كانوا من أشد المعارضين للنظام الأسدي البائد، بينما مناطق الساحل كانت محسوبة على أهل السلطة، برغم أن غالبية من العلويين لم تستفِد من مغانم النظام، وهي دفعت ثمناً غالياً من دماء أبنائها في الحروب التي استمرت من العام 2011 الى العام 2024.

لا تكفي أخطاء وارتكابات الإدارة السورية الجديدة – وهي مؤكدة وغير مقبولة – لتبرير الطموحات التقسيمية لبعض القوى وفرض واقع جديد يتناسب مع مصالحها الخاصة أكثر مما يتناسب مع مصلحة المكونات التي تدَّعي تمثيلها، وهذه القوى تحصل من وراء مواقفها على مغانم مالية وسياسية وازنة من الذين يستسيغون تخريب سوريا، لا سيما من إسرائيل، ولا نكشف سراً في قولنا هذا، فأصحاب هذه الرؤى أعلنوا عن مواقفهم جهاراً. فمعارضة السلطة الجديدة واعلانها الدستوري المبتور شيء، والتآمر على وحدة سوريا شيء آخر، وسبق لأجداد هؤلاء خصوصاً القادة: سلطان باشا الأطرش ابن السويداء، وابراهيم هنانو ابن الشمال، وصالح العلي ابن الساحل؛ أن أطلقوا مع رفاق لهم عام 1925، ثورة عارمة ضد الاستعمار الفرنسي لتوحيد سوريا بعد أن قسمها هذا الاستعمار لأربع دويلات. وقمع الحريات والتضييق الاجتماعي والسياسي والأمني المُمارس من قبل بعض رجال السلطة السورية الجديدة، عن قصد أو عن قلة تمرس؛ يفعل أكثر منه المتنفذين أمنياً ودينياً في المناطق التي تُطالب بالانفصال، بحق الذين يخالفونهم الرأي في هذه المناطق، ويخونون مَن يعارضهم.

سبق لإقليم كردستان العراق أن طالب بالاستقلال، وشَرَعَ في تنظيم استفتاء حول ذلك في العام 2010، ولكنه فشل رغم وجود بعض المُسوغات المقبولة خلف طرحه، وعاد إلى صيغة الفيدرالية المعمول بها حالياً. فتقسيم المنطقة وشرذمة دولها ليست مسألة تفصيلية يمكن لهذه الجهة أو تلك أن تندفع إليها، بما في ذلك إسرائيل التي تضمر شراً واضحاً لكل المكونات، وهي لن تتمكن من تنفيذ مآربها التفتيتية والتهجيرية، لا في فلسطين ولا في سوريا ولا في لبنان. وعلى الرغم من أنها تعتبر أن المنطقة برمتها الآن “ساحة للتعاون البناء بينها وبين الولايات المتحدة وقد تتحوَّل إلى نموذج للتعاون مع دول قريبة منها” (كما يقول بعض قادتها). تجارب الماضي، والمعطيات السياسية والديمغرافية، تؤكد أن الطموحات الإسرائيلية واهية، ولن تُحقق أي استقرار لها أو للذين يتعاونون معها. ومراهنات البعض على عصرٍ إسرائيلي دائم؛ وهمٌ وخيال. لا سيما لأن إسرائيل تستند الى أساطير دينية ومنطلقات عرقية في سياق البحث عن وسائل تساعدها لتنفيذ مشروعها العدواني، فكيف للذين يتعاونون معها لتحقيق مآربها أن يتخلوا عن منطلقاتهم الدينية الإسلامية وعن تاريخهم، وعن انتمائهم العربي الدامغ؟

اتقاء الشرور وضبط الجنوح يحتاج الى حكمةٍ وتعقّل، والمغامرات الكبيرة خطر لا يمكن تجنّب شره في المستقبل. وإسرائيل دولة يهودية بموجب دستورها، وهي شر مطلق. وتحسين مستوى المعيشة وضمان أمن كل المكونات؛ حق بديهي ولكن لا يُبرر التعاون مع عدو.

المدن

—————————–

 عن اللقاء الباريسي الأمني بين الشيباني وديرمر/ ماجد عزام

2025.08.23

عُقد مساء الثلاثاء الماضي اللقاء السوري الإسرائيلي الثاني في العاصمة الفرنسية “باريس”. ورغم الإطار السياسي العام للقاء، الذي تمّ بوساطة أميركية وتشجيع من فرنسا وتركيا والأردن، إلا أن الجوهر يبقى أمنيًّا – عسكريًّا بامتياز، تمامًا كما الأول الذي عُقد في باريس أيضًا نهاية شهر تموز/ يوليو الماضي.

وبالتأكيد لا نقاش حول التطبيع وتوقيع اتفاق سلام بين الجانبين. أما القاعدة للقاءات، أقله من وجهة نظر دمشق المدعومة أميركيًّا وعربيًّا وتركيًّا وأوروبيًّا ودوليًّا كذلك، فتتمثل بتكريس سيادة سوريا الجديدة وسلامة ووحدة أراضيها، والحفاظ على اتفاق وقف النار الأخير الذي تم التوصل إليه منتصف تموز/ يوليو الجاري بعد الاشتباكات الأخيرة بجبل العرب، والذي يمنع إسرائيل من التدخل في الشؤون السورية الداخلية، مع بحث جدي بكيفية العودة إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974 الذي انتهكته تل أبيب بفظاظة إثر سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ربما مع تحديث ما يتعلق بزيادة عديد القوات الدولية – يوندوف – وتواجد جنود أميركيين فيها، والانفتاح على فكرة لجنة تشكيل رباعية للإشراف على تنفيذ الاتفاق، كما هو الحال مع القرار 1701 في لبنان.

إذن، وبناءً على وساطة أميركية من السفير بأنقرة والمبعوث إلى دمشق وبيروت “توم باراك”، عُقد مساء الثلاثاء الماضي اللقاء السوري – الإسرائيلي الثاني في باريس. ولكن، وقبل الحديث عن الجوهر الأمني – العسكري للقاء، حتى مع ترؤس سياسيين له، لا بد من التطرق إلى معطيين أساسيين متعلقين بالزمان والمكان.

زمانيًّا، ارتبط اللقاء الثاني كما الأول بالوساطة الأميركية بين دمشق وتل أبيب، وسعي واشنطن لتكريس وتقوية وقف إطلاق النار الأخير الذي تم التوصل إليه منتصف تموز/ يوليو الماضي إثر الاشتباكات الأخيرة في جبل العرب، بعدما أقحمت إسرائيل نفسها بطريقة فظة وعدوانية ودموية على خط الاشتباكات، بقصف رئاسة الأركان ومحيط القصر الرئاسي بدمشق والقوات الأمنية الشرعية المنتشرة في الجبل لفضّ الاشتباكات بين العشائر والجماعات الخارجة عن القانون هناك. مع التذكير هنا بتجاوزات إسرائيل وتدخلاتها الفظة في الشأن السوري، وانتهاكها اتفاق فك الاشتباك عام 1974، واعتباره حتى كأنه لم يكن، عبر احتلال المنطقة العازلة من الحدود والجانب السوري من جبل الشيخ، مع التذكير بأوامر رئيس النظام الساقط بشار الأسد وقبل هروبه بلحظات للفرقة الخامسة بالانسحاب من المنطقة، ما سهّل لإسرائيل انتهاك الاتفاق.

مكانيًّا، عُقد اللقاء في باريس ولكن من دون أي حضور أو انخراط فرنسي مباشر، مع الإشارة إلى قناعة واشنطن – حتى مع تراجع نفوذ وحضور فرنسا العام في المنطقة – إلا أن لا داعي لإخراجها نهائيًّا من المشهد. والانتباه كذلك إلى أن الحضور الأكبر في سوريا الجديدة هو للجارتين تركيا والأردن، وبالطبع للسعودية وقطر إضافة إلى الولايات المتحدة. ومع ذلك لا نية لمنع فرنسا من الانخراط نهائيًّا في المشهد السوري، خاصة فيما يتعلق بـ “قسد” وإدماجها في الدولة السورية وفق اتفاق 10 آذار/ مارس الذي كانت واشنطن حاضرة فيه أيضًا، مع انخراط تركي في تفاصيله والمساعدة على تنفيذه بنجاح.

وفيما يخص جوهر اللقاء الباريسي الأخير، وكما المرة الأولى، فقد ترأس الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني بصحبة وفد عسكري – أمني من جهاز الاستخبارات الوطني المشكَّل حديثًا، ويملك عناصره وقادته خبرات جيدة من زمن الثورة ضد نظام الأسد، وتتطور أكثر مع الوقت ومساعدة الحلفاء والأصدقاء. في حين ترأس الوفد الإسرائيلي وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، الذي يعمل كمبعوث خاص ومساعد سياسي وأمني لصديقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الممسك فعلاً بالملفات السياسية والأمنية عبر مبعوثيه المقربين. كما يترأس ديرمر كذلك الوفد الإسرائيلي إلى مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وهي مفاوضات بلا جانب أو جوهر سياسي. علمًا أن ديرمر “الأميركي النشأة”، المفتقد للخبرة العسكرية ولم يتجند في الجيش، صديق مقرب جدًا لنتنياهو. وقد أعاد الأخير ذات مرة مشكلة فشل حملة إسرائيل الدعائية في العالم وخسارتها المعركة الإعلامية إلى عدم وجود شخصيات في مكتبه تتحدث اللغة الإنكليزية بلباقة، كما يفعل ديرمر، وبالطبع هو شخصيًّا.

وبالعودة إلى اللقاء الباريسي الأخير، فكما سابقه لم يكن سياسيًّا البتة، بمعنى أنه لا حديث عن تطبيع أو اتفاق سلام نهائي، إذ لم نصل إلى هذه المرحلة بعد. والجوهر كان أمنيًّا – عسكريًّا بامتياز، ويتعلق أساسًا بتكريس وتقوية اتفاق وقف النار الأخير، وهو أهم بكثير، على ما يبدو، من لجهة كفّ يد إسرائيل عن التدخل في الشؤون السورية أو تعامل الحكومة الشرعية مع مواطنيها. وعليه جرى النقاش في مواضيع تتعلق بالواقع الراهن المتمثل بالانتهاكات الإسرائيلية بعد سقوط النظام، واحتلال المنطقة العازلة على الحدود وجبل الشيخ، والغارات والهجمات والتوغلات البرية في الجنوب ومحافظات أخرى. وموقف سوريا الجديدة هنا أيضًا واضح لجهة التمسك بسيادة البلاد ووحدة وسلامة أراضيها، وقدرتها على حفظ الأمن والدفاع عن مواطنيها، ورفض الانتهاكات والتجاوزات الإسرائيلية، والتمسك باتفاق 1974 مع الانفتاح على تحديثه أو توسيعه، لكن بما لا يحوله إلى تطبيع أو اتفاق سلام. بمعنى توسيع عديد القوات الدولية “يوندوف”، وإشراك جنود أميركيين، وتشكيل لجنة للإشراف على تنفيذه برئاسة أميركية – سياسية وعسكرية – على نموذج أقرب إلى القرار 1701 في لبنان.

ولا يقل أهمية عمّا سبق الرفض السوري القاطع لفكرة، أو للدقة خدعة، الممر الإسرائيلي المزعوم إلى السويداء، فالممر الإنساني والسياسي والاستراتيجي والوطني أساسًا مع دمشق. وتقديم المساعدات للجبل ودرعا يجري على قدم وساق عبر المنظمات المحلية والأممية، كما تنفيذ اتفاق وقف النار متعدد المراحل الذي عُقد بوساطة أميركية – أردنية – تركية.

ثمة معطى مهم آخر ينبغي الانتباه له، كشفت عنه وسائل الإعلام العبرية خلال الفترة الماضية، مفاده أن إسرائيل كانت ترفض مجرد الحديث عن اتفاق 1974 واعتبرته من الماضي، ناهيك عن العودة إليه أو تحديثه. وهي كانت ترفض أي نقاش أو حوار مع سوريا الجديدة، حتى إنها رفعت السقف عاليًا فيما يتعلق بالجولان لمنع التفاوض لا للرغبة فيه. وقبل ذلك كان هناك حديث فظّ عن دعم خطط الانفصال والتقسيم. لكنها اضطرت إلى القبول باللقاء ومناقشة اتفاق 1974 نتيجة لضغط أميركي، إثر صدمة الغارات الأخيرة على دمشق – القصر والرئاسة والأركان – التي وُصفت من الإدارة الأميركية بـ “غير المبررة والمجنونة”، كما نقل موقع “أكسيوس” وثيق الصلة وحسن الاطلاع.

وبالعموم، فالشاهد في اللقاء الأخير والمشهد الباريسي ولقاءات الضرورة هو كف يد إسرائيل وتحجيم حضورها، ومنع الاستقواء بها في جبل العرب وسوريا الجديدة، وعدم تفريط الدولة بمسؤولياتها وواجباتها في الدفاع عن مواطنيها وسيادتها ووحدة أراضيها في الجبل والجنوب وجميع المحافظات. في حين العلاقة مع إسرائيل أمر مختلف تمامًا يتعلق بالإجماع العربي ومبادرة بيروت 2002. وبالتأكيد، لا حديث أبدًا عن التفريط بالجولان أو تقديم تنازلات إقليمية تتعلق بالمنطقة العازلة والجنوب وجبل الشيخ، مع التمسك بفرض الدولة السورية سيادتها وسلطتها على كامل أراضيها.

تلفزيون سوريا

—————————–

السويداء بين الخوف والانتماء: من صنع سرديّة الخيانة؟/ مناهل السهوي

23.08.2025

حين يُقتل الناس تحت راية بلادهم، قد يجدون أنفسهم منساقين نحو الرايات الطائفية أو الاحتماء بقوى خارجية. فغياب الخيارات الآمنة والتمثيل الحقيقي يدفع البعض إلى اتخاذ مواقف لم تكن مطروحة في السابق، مدفوعين بالخوف أكثر من القناعة

منذ ما قبل سقوط نظام الأسد، كانت السويداء من أوائل المحافظات التي دعمت التغيير، وخرج أبناؤها إلى “ساحة الكرامة” الشهيرة مطالبين بإسقاط النظام على مدى عامين. لكن بعد سقوط النظام والاحتفال بالخروج من حقبة دموية امتدت لأكثر من نصف قرن، سرعان ما انقلب المشهد.

التوترات التي بدأت مع وصول السلطة الانتقالية ومقاربتها ملفات عدة، خصوصاً ما يُعرف بـ “ملف الأقليات”، وبعد مجازر الساحل ضد العلويين، تصاعدت معها هجمات شخصيات وجهات محسوبة على السلطة الجديدة، ترافقها حملة تحريض مكثفة من إعلام النظام ضد دروز السويداء.

يمكن اختزال الصدام برغبة السلطة الجديدة في استعادة هيبتها على المنطقة، في مقابل قلق وجودي لدى الجماعة، بخاصة بعد مجازر الساحل وتشدّد بعض الجهات التابعة للسلطة.

هنا يبرز العامل الإسرائيلي، فمن المعروف أن الدروز كمجموعة تنتشر بين سوريا ولبنان وإسرائيل، ويرتبطون بعلاقات قربى وصلات وثيقة، وهي نقطة استثمرت فيها إسرائيل.

حملات دمشق ترافقها اتهامات بالخيانة والعمالة لأبناء السويداء مع تصويرهم كأدوات في مشروع خارجي. كما تم التركيز على دور الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي للطائفة، الذي صرّح علناً بخياره التقرب من إسرائيل، بوصف ذلك حماية لأبناء الطائفة من وجهة نظره.

وقد جعلت حملات السلطة من إسقاط الهجري هدفاً مشروعاً تم عبره وصم منطقة بأكملها تقريباً بتهمة “العمالة”..

فكيف تحولت المحافظة إلى هدف “أخلاقي”؟ وكيف بلغ الخطاب السوري هذه الدرجة من الانقسام؟

الوصول إلى لحظة الانفجار

الانفتاح المحدود الذي أبدته السويداء تجاه حكومة دمشق بعد تولّيها الحكم كان حذراً، بخاصة مع تصاعد الخوف من الفصائل المتشددة التي انخرط بعضها في وزارة الدفاع السورية. سعى الشيخ الهجري، ومعه أبناء السويداء، إلى تفاهمات ومطالبات بتمثيل الأقليات، وهي مطالب تشاركها شرائح واسعة من السوريين.

ازدادت مخاوف السويداء وعموم الأقليات مع وقوع أولى مجازر الساحل، ما دفع فصائل المدينة إلى التمسك بسلاحها وبشبه سلطتها الذاتية.

في أيار/ مايو الماضي، أشعل تسجيل نُسب إلى شخصية درزية، يتضمن إساءة الى النبي محمد، دعوات لـ “الجهاد” ضد الدروز. ليتبين لاحقاً أن التسجيل مفبرك، فتدخلت الحكومة وعملت على التهدئة.

لاحقاً، تسببت حوادث خطف في إشعال فتيل الاقتتال مجدداً. وهي حوادث كان يمكن تداركها محلياً، كما جرت العادة في السويداء التي واجه فيها البدو والدروز خلافات مماثلة عبر تسويات محلية. لكن، بدلاً من ذلك، اختارت الدولة فرض هيبتها في التوقيت الخاطئ، فأرسلت قوات الأمن ـ المتهمة بعض تشكيلاتها بارتكاب مجازر في الساحل ـ لتقتحم المدينة، وترتكب انتهاكات واسعة شملت إعدامات ميدانية وحرقاً وسرقة للمنازل.

رداً على ذلك، شنّت فصائل درزية هجمات انتقامية على أحياء البدو، ما استنهض عشائر سوريا. وسرعان ما ارتفع عدد المقاتلين المتجهين نحو السويداء إلى نحو 50 ألفاً، مهددين بارتكاب مجزرة أوسع.

إسرائيل، التي تراقب المشهد، واصلت مفاوضاتها مع الحكومة، وأبقت على قنوات اتصال مفتوحة مع الشيخ الهجري عبر الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل.

وسط هذا الجنون، ارتفعت أصوات درزية تطالب بحماية دولية، وهو مطلب لم يلقَ أي تجاوب، فشعر كثيرون في الطائفة بأنهم تُركوا وحدهم. وهناك كان اللجوء إلى ما بات يُعرف في سوريا بـ “الأزرق” (إسرائيل). تدخلت الأخيرة مستفيدة من التوتر، لتقدّم نفسها كمنقذ للدروز، وأوقفت بالقوة تقدم القوات المهاجمة من حكومة دمشق والعشائر. وكانت المعادلة المؤسفة: حماية إسرائيلية للسوري من السوري.

لماذا فضّل البعض إسرائيل على الحكومة؟

تدخّل إسرائيل الأخير لمنع اقتحام مقاتلي العشائر السويداء، أعاد رسم المشهد السياسي في المدينة، وطرح تساؤلات حرجة حول مفهومي الحماية والانتماء. لم يكن المدنيون في السويداء يتصوّرون يوماً أن يأتيهم العون من طرف طالما اعتُبر عدواً، لكن اللحظة كانت مصيرية. أمام غياب الدولة وصمتها عن العنف، لجأ البعض إلى من كان مستعداً للتدخل، على رغم أن كثيرين لم يكونوا ليتخيّلوا هذا الخيار قبل أشهر.

اليوم، يُطلب من أبناء السويداء ـ صراحة أو ضِمناً ـ إدانة إسرائيل وتقديم ما يشبه “صك الوطنية”، فيما لا يزالون يعيشون تداعيات العنف والخوف والحصار. يرى البعض أن هذه الإدانة رمزية لا تكلّف شيئاً، لكنّها في نظر آخرين تتجاهل تعقيد اللحظة وواقع المدينة التي وجدت نفسها بين سلطة تتهمها بالتقصير والخيانة والانفصال، وقوة خارجية تحرّكت حين كانت الأبواب الأخرى موصدة.

هذا الشعور بالخذلان لا يرتبط فقط بالدولة، بل يمتد إلى الصمت العربي الواسع الذي لم يُترجم بأي موقف تضامني مع المدنيين، ما عمّق الإحساس بالعزلة، وطرح تساؤلات عن معنى الانتماء وجدواه في لحظات التهديد الوجودي.

من جهتها، إسرائيل ليست فاعلاً نزيهاً، والتعويل عليها وهم آني، فهي تتحرك وفق مصالحها. لكنها، في نظر العائلات الخائفة، كانت الطرف الوحيد الذي تدخّل عملياً، وهو ما جعل سكان المدينة يشعرون أنهم عالقون بين خيارات قاسية، فرضتها الوقائع أكثر مما اختاروها.

في هذا السياق، يتنامى شعور “الانفصال النفسي” عن الدولة ليس كموقف سياسي، بل كردّ فعل على ما يراه البعض تخلياً، وتحريضاً، ووصماً جماعياً للدروز. وهو ما يعمّق الهوة، ويُنتج جرحاً لا تداويه شعارات الوحدة الوطنية.

وفي ظل تصاعد خطاب الكراهية على وسائل التواصل، والدعوات إلى نبذ أبناء السويداء أو حرمانهم من المساعدات، بل وصول بعضها إلى حدّ المطالبة بتسميم مياه الشرب ـ في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ مراحل الحرب الأهلية في لبنان ـ يشعر كثر من الأهالي أنهم محاصرون، لا جغرافياً فحسب، بل رمزياً أيضاً.

من هنا، لا يمكن فصل ما يحدث في السويداء عن مسؤولية الدولة، كما لا يمكن تبرير أي شكل من أشكال التحريض الطائفي أو الانتقام، بما في ذلك رفع بعض الأطراف العلم الإسرائيلي، أو الممارسات الانتقامية ضد مجموعات من البدو، أو الدفع باتجاه تهجير قسري لعائلات من عشائرهم، أجبروا على مغادرة بيوتهم وقراهم كجزء من التسوية بين الحكومة والفصائل الدرزية.

اللافت أن كل هذه التطورات تحصل في غياب أي حوار وطني جاد، فيما تتصدر الأطراف الخارجية المشهد وتدير التفاعلات على الأرض. إذاً، الأزمة اليوم، في جوهرها، ليست مع إسرائيل وحدها، ولا بين الدروز والسنّة فحسب، بل بين سرديات الخوف الوجودي وانهيار الثقة في دولة هشّة.

إسرائيل التي لا تحمي سوى نفسها

لطالما بررت إسرائيل تدخلها في سوريا بحجة “حماية أمنها”، مركّزة على منع تمدد إيران وحزب الله نحو الجولان. لكن تدخلها لم يقتصر على ذلك، بل شمل استثمار الانقسام الطائفي وتعزيز نفوذها عبر دعم فصائل معارضة قرب الحدود، من خلال تمويل، ومعالجة جرحى، وتقديم مساعدات.

وبحسب تحقيق نشرته صحيفة وول ستريت جورنال عام 2017، أشرفت وحدة إسرائيلية خاصة على دعم فصائل أبرزها “فرسان الجولان”، ضمن ما عُرف بسياسة “الجيرة الحسنة”، بهدف إنشاء منطقة عازلة غير رسمية داخل سوريا.

اليوم، تحاول إسرائيل تكرار التجربة نفسها في جنوب سوريا، في ما يشبه “منطقة عازلة جديدة” ولكن بواجهة مختلفة. فالدعم الذي يُقدَّم حالياً، وإن لم يُعلن رسمياً، يحمل ملامح مشابهة لما حصل في الجولان، وربما يتجاوزها من حيث مستوى التنسيق والتأثير.

في الجوهر، لم تتغير سياسات إسرائيل التي تجيد التلاعب بالتناقضات واستثمارها لصالحها، بل يُعاد إنتاجها ضمن سياق مختلف، مع جمهور مستهدف جديد داخل سوريا. الفارق الوحيد أن هذه المرة تستغل إسرائيل الشرخ الطائفي المتصاعد، ومخاوف الدروز الوجودية، لتقدّم نفسها كقوة “ضامنة”.

لماذا نجحت إسرائيل؟

حتى الآن، لم تقدّم الدولة السورية أي بادرة حسن نية تجاه السويداء بالمعنى الحقيقي: لم يعتذر مسؤول، ولم يُقدَّم واجب عزاء. على العكس، ما زالت المدينة محاصرة، وتتباهى شخصيات محسوبة على النظام بذلك.

وهنا يطرح سؤال نفسه: هل غياب حسن النية عجز أم خيار مدروس، يناسب تماماً السيناريو الذي يرغبون في استمراره؟

على الجهة الأخرى، هل لا بدّ من تشكيل مجموعة مدنية تمثّل صوت المدينة خارج سلطة المشايخ؟ قد يكون هذا الكلام متأخراً، بعدما ساهمت الدولة في تجسيد أكبر مخاوف الناس (المجزرة!)، وتركتهم بلا خيار، مؤكدة أن سلاحهم هو من يحميهم، لا الدولة.

هناك واقع مفروض في سوريا، يتمثل في تصدّر القيادات الدينية المشهد السياسي، على رغم افتقار معظمها إلى الخبرة السياسية. وينطبق الأمر ذاته على الدولة، التي ما زالت تتعامل بعقلية الميليشيات لا بعقلية الدولة.

وهكذا، ساهمت الحكومة السورية وإعلامها، بوعي أو عن جهل، في صناعة صورة مضخّمة للهجري، وروّجوا لحضوره وتصريحاته بهدف شيطنة مدينة بكاملها. وبعيداً عن مصالحه الخاصة، في ظل كل ما حصل من رعب بات من السهل الترويج لمقولات من نوع: لو أن الهجري سلّم السلاح، لكانت المجزرة أوسع. ولولا تدخل إسرائيل، لأُبيدت المدينة بكاملها.

هذا الواقع يضع كثيرين في السويداء في خانة مربكة: فإسرائيل دولة إبادة تحتل جزءاً من سوريا وتُعتبر “عدواً”، لكن في المقابل، من هاجم المدنيين هم أيضاً أعداء. وفي لحظة القتل والاستباحة، تصبح الاستعانة بـ”العدو” خياراً يصعب عقلنته، إذ تتفوق غريزة البقاء على كل ما عداها.

لا شك في أن رفع البعض في السويداء العلم الإسرائيلي أثار جدلاً واسعاً، باعتباره خطوة مثيرة للانقسام، فهو العلم نفسه الذي يحاصر الغزيين منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والعلم نفسه الذي ارتكب جرائم إبادة وتجويع لم تتوقف حتى الآن. ومع ذلك، لا يمكن اعتباره تبنياً من المدينة لهذا العلم، بل سلوكاً فردياً لبعض الأشخاص أو الجماعات، يعكس تعقيد المرحلة الراهنة وعجز الناس في المدينة.

لنصل إلى المعضلة الأخلاقية الأكبر: العدو الذي يحاصر الغزيين اليوم، يقف في وجه الدولة التي تحاصر مدينة سورية!

وهكذا، حين يُقتل الناس تحت راية بلادهم، قد يجدون أنفسهم منساقين نحو الرايات الطائفية أو الاحتماء بقوى خارجية. فغياب الخيارات الآمنة والتمثيل الحقيقي يدفع البعض إلى اتخاذ مواقف لم تكن مطروحة في السابق، مدفوعين بالخوف أكثر من القناعة الأيديولوجية.

هل ثمانية أشهر من المفاوضات كانت كافية؟

ما يحصل في الجنوب السوري يُصنَّف بامتياز كحرب بالوكالة، إذ تشير المعطيات إلى أن إسرائيل تستفيد من تحالفات مع بعض المجموعات الدرزية في السويداء، على المستويين السياسي والعسكري، بهدف التأثير في الواقع الأمني للمنطقة مستغلة الخوف الطائفي. ولا يمكن إغفال فشل الدولة في التوصل إلى اتفاق مع القوى المحلية، بوصفه جزءاً من المشهد العام الذي قد يخدم مصالح أطراف خارجية.

قد يُقال إن الحكومة فاوضت الأطراف في السويداء لثمانية أشهر من دون الوصول إلى نتيجة، في محاولة لإظهار أنها منحت ما يكفي من الفرص، بينما لم تُبدِ القوى الفاعلة في السويداء تجاوباً جدياً. لكن يبقى السؤال المشروع: هل كانت هذه مفاوضات حقيقية فعلاً؟ خصوصاً في ظل نهج الدولة القائم على تهميش معظم المكوّنات الأقلّوية وإقصائها من مسارات صنع القرار، الأمر الذي يُضعف صدقية أي حوار أو تفاوض يُطرح في هذا السياق.

من يسعى إلى بناء دولة حقيقية يدرك أن السياسة تتطلب نفساً طويلاً، وأنها قد تكون بطيئة ومملة في كثير من الأحيان. فكلما ازداد الملف تعقيداً وتعددت الأطراف المتدخلة فيه، طال أمد الوصول إلى حل. وهذا ينطبق تماماً على ملف السويداء، حيث تتداخل أطراف دولية مثل إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة، إلى جانب أطراف محلية كالعشائر والبدو والحكومة السورية نفسها.

في تجارب أخرى، استغرقت مفاوضات السلام في كولومبيا أربع سنوات متواصلة، بينما امتد المسار التفاوضي في السودان على مدار عقدين كاملين. فكيف يمكن القول إن ثمانية أشهر كانت كافية لحل أزمة مركّبة كأزمة السويداء؟

لا أحد يرغب في صراع دموي أو مفاوضات مفتوحة بلا أفق، لكن كان من الممكن الإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة، وتفادي الانزلاق نحو المواجهة المسلحة. لقد كانت هناك فرصة حقيقية لتجنيب المدنيين هذا المسار، لو مُنحت السياسة ما تستحقه من وقت وحكمة ومسؤولية من جميع الأطراف.

– كاتبة وصحفية سورية

درج

———————————–

ماذا تفعل حين تجد نفسك داخل القطيع؟/ د. فيصل القاسم

23 آب 2025

في صباحٍ من شتاء عام 1929، كان جوزيف كينيدي، رجل الأعمال والمستثمر اللامع ووالد الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي، يسير في أحد شوارع نيويورك متوجهاً إلى مكتبه في وول ستريت. توقف عند زاوية، حيث اعتاد أن يلمّع حذاءه لدى فتى صغير كان يعمل ماسح أحذية. كان الجو بارداً، والناس يتحدثون عن الأسهم والفرص السريعة، فقد كانت البورصة آنذاك حديث الجميع.

وبينما ينحني الصبي على حذاء كينيدي، قال بثقة: «هل اشتريت أسهم شركة (فورد)؟ سترتفع كثيراً هذا الأسبوع. الجميع يشترونها!» تجمّد كينيدي في مكانه. لم يضحك. لم يناقش. لم يسأله «من أين لك هذا؟». بل نظر للأفق وقال لنفسه: «إذا كان حتى ماسح الأحذية يتحدث عن الأسهم، فالفقاعة قد بلغت ذروتها. هذا السوق لم يعد يحكمه المنطق، بل الحماسة العمياء. لقد دخل القطيع… وحان وقت الخروج».

في اليوم التالي، بدأ كينيدي يبيع كل ممتلكاته في السوق. انسحب بهدوء…بعد أسابيع فقط، انهار كل شيء. الثلاثاء الأسود، أكتوبر 1929، أطاح بالملايين. البنوك أُغلقت. رجال الأعمال ألقوا بأنفسهم من نوافذ الأبراج. والاقتصاد الأمريكي دخل نفقاً مظلماً. لكن كينيدي نجا. نجا لأنه فهم الإشارة: حين يبدأ الجهلاء بتوزيع النصائح، فهذا ليس وقت التعلم… بل وقت الهروب.

واليوم من البورصة إلى مواقع التواصل: نفس القطيع، لكن بثياب جديدة. تخيّل الآن أن ماسح الأحذية عاد، لكن هذه المرة ليس على الرصيف… بل على منصة إكس، أو فيسبوك، أو تيك توك. يضع صورة بروفايل لرمز ناري أو راية سياسية أو دينية أو زعيم عشيرة أو طائفة، ويبدأ بإلقاء المحاضرات: عن الاقتصاد، وعن الوطن والسياسة، وعن الدين، وعنك أنت. ينصبّ نفسه مرجعاً، ويصرخ: «أنت خائن!»، «أنت عميل!»، «أنت قوّاد» «أنت لا تفهم»، «أنت مرتزق». ويرد عليه مئات الغوغاء بقلوبٍ ونيران وتصفيق وتأييد وإعجابات.

هل تضحك؟ لا تفعل. فقد تحوّلت مواقع التواصل اليوم إلى نسخة حديثة من وول ستريت قبل الانهيار: نفس الحماسة، نفس الغوغائية، نفس القطيع … لكن هذه المرة الخسارة ليست مالك، بل وعيك، وقيمك، وأعصابك ورصانتك وإنسانيتك. هذا ليس نقاشاً… هذه حظيرة رقمية. لا تتوهم أن هذه المنصات ما زالت أماكن للتعبير أو الحوار. لقد أصبحت منصات تشهير. ساحات تصفية لا ساحات فكر. مزابل رقمية، يقف على رؤوسها من يصرخ أكثر، لا من يفهم أو يفكر بشكل أعمق. صار «المثقف» هو من لديه أكبر عدد من المتابعين، لا أكبر عدد من الكتب والمقالات والأفكار والبحوث والدراسات. وصار الصوت الأعلى والأكثر جهلاً وانحطاطاً هو الذي يُصدق، لا الصوت الأصدق. وصار الحق يُحسب بعدد الإعجابات الصادرة من الجهلة، لا بقوة الحجة والمنطق والفهم.

لقد صار الغوغاء جيلاً كاملاً من ماسحي الأحذية… على الإنترنت. وكي لا نظلم ماسح الأحذية أو نحط من قدره، فهو يبقى إنساناً يحصل على رزقه بعرق جبينه، وربما لم تساعده الظروف أن يجد عملاً أكثر ربحاً وقيمة،فالفرق كبير بينه وبين عجيان وصبيان ورداحات المواقع. ماسح الأحذية في زمن كينيدي، كان طفلاً بسيطاً، يكرر ما يسمعه. أما الغوغاء اليوم، فهم جهلة مغرورون، لا يكتفون بتكرار السخافة والبذاءة، بل يصنعونها، ويهاجمون كل من لا يتبناها.

في زمن كينيدي، كانت النصيحة من ماسح أحذية مجرد إنذار.

أما اليوم، فالنصائح تأتيك من آلاف «المؤثرين» بين قوسين طبعاً، ومعها شتائم، وتخوين، وتكفير، وتهديد، وابتزاز رخيص ومفضوح لا يسعك إلا أن تضحك عليه وتحزن في وقت واحد. تضحك لأن هذه الشريحة المبتذلة صارت تتصدر المنصات وتقدم نفسها على أنها تقود الرأي العام، وتحزن لأن هناك الملايين من أمثالهم ينساقون وراءه ويصفقون لهم، ويتصرفون كالكلاب المسعورة والثيران الهائجة التي ستصطدم عاجلاً أو آجلاً بالحائط القاتل. صدق الفيلسوف الكندي آلان دونو حين أسماه «نظام التفاهة» الذي جعل حثالات العالم يتصدرون المشهد بأرخص أنواع الأفكار والابتذال والسفاهة والانحطاط، ويأخذون العالم معهم إلى الحضيض.

ولا نبالغ إذا قلنا إن فقاعة الوعي أخطر من فقاعة المال. في البورصة، كان دخول الغوغاء يعني انهيار المال. أما في الإعلام الرقمي، فدخول الغوغاء يعني انهيار المعنى، وتشوّه الحقيقة وانتشار السفاهة والتفاهة وموت العقل. نعم، البعض ما زال يحاول «الإصلاح من الداخل». يكتب، ويشرح، ويناقش، ويستميت. لكن لنكن واقعيين: هل تنظّف المجاري وأنت واقف وسطها؟ هل تنقذ الكرامة وأنت تتوسلها في مساحة يقودها الأراذل والتافهون المأفونون؟

لا أحد يعالج الطاعون بالتعايش معه. ولا أحد يُقنع قطيعاً هائجاً بأن يتريث ويقرأ. والسؤال المحيّر اليوم: هل تفعل ما فعله كنيدي يا ترى؟ أم إن الأثير الإلكتروني فيه أيضاً أعداد لا يُستهان بها من العقول والمتابعين المحترمين؟ هل الخروج من هذا الفضاء العظيم هو الحل؟ لا شك أن من يقود النقاش في أحيان كثيرة هم الجهلة والرعاع، وصحيح أيضاً أن الحشود لا تريد فهماً بل إعداماً، لكن أليس من الخطأ أن تترك البضاعة الفاسدة تطرد البضاعة الجيدة؟ البعض يدعوك إلى إطفاء الموبايل والخروج فوراً من هذا المستنقع الآسن، ليس جبناً، بل حكمة، ليس هروباً، بل إنقاذ للعقل والضمير، ففي الأسواق، حسب رأيهم، الغوغاء يُسقطون المال. وفي الإعلام الغوغاء يُسقطون المعنى. وفي كلتا الحالتين، من بقي في الزحام خاسر. لهذا يطالبونكم بالخروج قبل أن تفقدوا نفوسكم، لا فقط فلوسكم.

أنتم ما رأيكم يا رعاكم الله؟

كاتب واعلامي سوري

القدس العربي

—————————–

سوريا وإسرائيل تنفيان “الاتفاق الأمني

دمشق تقول إن لا نية لديها للتوقيع وتل أبيب: “نحن بعيدون كل البعد”

الجمعة 22 أغسطس 2025 23:26

الغموض الذي يلف المفاوضات الجارية بين سوريا وإسرائيل بعيداً من عدسات الصحافة تفسره أوساط مراقبة بغية عدم التشويش على أي اتفاق يحصل قبل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن المبكر استباق أي تفسير أو إعطاء أي مؤشرات لعدم نضوج المشاورات التي قد تتبدل في أي وقت قبل لقاء نيويورك الشهر المقبل.

ما كان مخبأ بأروقة الدبلوماسية وخلف الأبواب المؤصدة كشفته الوكالة الرسمية السورية (سانا)، عندما أفادت بانعقاد اجتماع ضم وزير الخارجية أسعد الشيباني مع وفد إسرائيلي لبحث ملفات متعلقة بخفض التصعيد وتعزيز الاستقرار في المنطقة، والتركيز على وقف التدخل بالشأن السوري الداخلي وتعزيز الاستقرار جنوب البلاد.

وإن كان هذا اللقاء سبقه اجتماع استضافته باريس أواخر يوليو (تموز) الماضي بين الوزير الشيباني ونظيره الإسرائيلي وزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمير ولقاءات تمهيدية في العاصمة الأذربيجانية باكو، فإن الشارع السوري يترقب مجريات سبتمبر (أيلول) المقبل، حيث الحديث الدائر عن اتفاق أمني يطبخ على نار هادئة في البيت الأبيض لم تتضح بعد تفاصيله.

وعلى رغم ذلك، تناقلت وسائل إعلام تصريحات لمصدر في وزارة الخارجية السورية نفى فيها الأنباء المتداولة عن توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل في سبتمبر المقبل، كما أشار مسؤول الشؤون الأميركية في الخارجية السورية قتيبة إدلبي إلى عدم نية حكومة بلاده التوجه لتوقيع اتفاق أمني مع إسرائيل برعاية أميركية.

بدورها، أعلنت تل أبيب سريعاً عدم وجود أية صيغة مشتركة للاتفاق، ونقلت صحيفة “يسرائيل هيوم” عن مصادر إسرائيلية مطلعة، رداً على تقارير في شأن اتفاق وشيك مع سوريا ولقاء مرتقب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس السوري أحمد الشرع، أن الأمر لا يزال بعيداً، وبحسب المصدر “نحن بعيدون كل البعد، هناك أكثر من شهر حتى انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحتى الآن الأمور ليست ناضجة”.

ومع كل هذا تبدو السرية تكتنف المفاوضات الحاصلة، حيث يراد أن تسير بسلاسة بعيداً من التسريبات الصحافية، ومنها ما تسرب من مصادر مطلعة لـ”اندبندنت عربية” تشي بحصول موافقة مبدئية على اتفاق أمني ولقاء يجمع الرئيس السوري ورئيس الوزراء الإسرائيلي في سبتمبر المقبل.

الغموض الذي يلف المفاوضات الجارية بعيداً من عدسات الصحافة تفسره أوساط مراقبة بغية عدم التشويش على أي اتفاق يحصل قبل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن المبكر استباق أي تفسير أو إعطاء أي مؤشرات لعدم نضوج المشاورات التي قد تتبدل في أي وقت قبل لقاء نيويورك سبتمبر المقبل.

وتصمم واشنطن بدعم عربي على استقرار سوريا أمنياً وسياسياً، وهذا ما بادلته دمشق عبر رسائل متكررة عن حسن الجوار مع دول المنطقة لا سيما تل أبيب التي توغلت جنوباً في محافظات القنيطرة ودرعا وصولاً إلى جبل الشيخ في اختراق واضح لاتفاق عام 1974 لوقف الاشتباك، وأغارت على مواقع عسكرية وإستراتيجية منذ سقوط النظام السابق في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، وهرب بشار الأسد إلى موسكو العاصمة الروسية.

في المقابل أعلنت الولايات المتحدة الأميركية في الـ19 من يوليو الماضي عن اتفاق وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل بعد تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية غارات سلاح الجو الإسرائيلي المتكررة، وكان القصف استهدف مقر هيئة الأركان وسط دمشق ومحيط القصر الجمهوري أثناء اندلاع أحداث السويداء، جنوب سوريا بين البدو والقوات الحكومية من جهة، وفصائل محلية سورية من أبناء الطائفة الدرزية.

اندبندنت عربية

———————————

 السويداء.. ساحة الكرامة أمام امتحان “تقرير المصير”/ سمير صالحة

2025.08.23

يردد الإعلام الإسرائيلي أن المحادثات السورية–الإسرائيلية، التي تجري برعاية أميركية في باريس، تركزت على بحث الوضع في الجنوب السوري، وعلى تمسك تل أبيب بإنشاء “ممر إنساني” لتسهيل وصول المساعدات الإسرائيلية إلى مدينة السويداء. تُعلن دمشق، من جهتها، على لسان الوزير أسعد الشيباني، أنه لن يكون هناك ممر إنساني عبر الحدود السورية–الإسرائيلية باتجاه مدينة السويداء. “تقديم المساعدات الإنسانية يتم حصراً بالتنسيق المباشر مع مؤسسات الدولة في العاصمة دمشق”.

هدف إسرائيل من التمسك بورقة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، هو البناء الاستراتيجي على ما أعلنه وزير خارجيتها، جدعون ساعر، الذي يتحدث عن أهمية تحالف ثلاثي إسرائيلي–كردي–درزي، يعطي إسرائيل ما تريده في سوريا، في إطار مشروع الربط الجغرافي–الديمغرافي بين المكونين الدرزي والكردي، وتحويله إلى تكتل سياسي–عسكري في مواجهة السلطة السورية الجديدة.

فمن أين جاءت شعارات “حق تقرير المصير حق مقدس للسويداء” خلال تظاهرات منتصف آب الحالي؟ وما هي قيمتها السياسية والقانونية؟

يتمسك بعضهم بتحويل تعقيدات المشهد في مدينة السويداء إلى ساحة مواجهة داخلية وخارجية ضد السلطة السياسية الجديدة في سوريا، التي تتحمّل جزءاً من مسؤولية إيصال الأمور إلى ما هي عليه، بحسب كثيرين، بعدما سهّلت خطة “النقل والإسكان المؤقت” بهدف التهدئة الأمنية في المدينة.

مجموعات الهجري استقوَت برفض إسرائيل دخول القوات النظامية السورية إلى السويداء، فلماذا يدفع بعضهم الثمن ويغادر المدينة؟

ما يجري في السويداء يخدم اللاعب الإسرائيلي وأهدافه ومصالحه بالدرجة الأولى. والترجمة العملية لذلك كانت في التعدي على رموز وشعارات الدولة الجديدة، لصالح رفع العلم الإسرائيلي خلال تظاهرات واحتجاجات قادها أنصار الشيخ الهجري في “ميدان الكرامة ” .

يُميز القانون الدولي بين مطلب الالتحاق والإلحاق . التحاق البعض بإسرائيل والاستنجاد بها لا يعني بالضرورة إلحاق مدينة السويداء بالدولة العبرية. رأي المؤسسات والأجهزة العدلية والأمنية مهم هنا، لمقاضاة المتلطّين وراء فكرة الالتحاق بنتنياهو ورغبتهم بالذهاب إليه .

لكن المساءلة القانونية والسياسية، بشقها الحقيقي، هي في مطاردة من يروج لطرح دعوة الإسرائيلي إلى السويداء، وإلحاق المدينة بالكيان، معولاً على مبدأ “حق تقرير المصير”، ومستغلاً أجواء المرحلة الانتقالية في البلاد.

تردد القيادات الإسرائيلية، السياسية والعسكرية، أنها لن تتخلى عن الدروز في سوريا.

نتنياهو سبق له أن قال الشيء نفسه بشأن أكراد سوريا. من الواضح أن بعضهم يريد تحويل مشكلة السويداء إلى فرصة لتفعيل مشروع “قسد” في شرق الفرات وقد يكون العكس صحيحاً أيضاً.

لماذا تدعم إسرائيل حق دروز السويداء أو الأكراد في القامشلي بتقرير مصيرهم، وتطلق يد آلتها الحربية لتدمير قطاع غزة وتهجير سكانه، وتلوّح يومياً بفرض سيادتها على الضفة الغربية؟

للراغبين في التبحر حول الموضوع:

    القانون الدولي لا يُمكِّن جماعة أو أقلية داخل دولة قائمة وذات سيادة من فرض الحكم الذاتي أو اللامركزية أو التمثيل السياسي كحق مُلزِم على الدولة.

    لا توجد مادة في ميثاق الأمم المتحدة تُجبر دولة ذات سيادة على منح مجموعة داخلها وضعًا سياسيًا خاصًا، من دون إرادة الدولة أو توافق دستوري.

    الدولة ليست ملزمة قانونًا بقبول نماذج محددة مثل الفدرالية أو الكونفدرالية أو الحكم الذاتي، بل تملك حرية اختيار الشكل السياسي الذي يضمن وحدة أراضيها، عبر مؤسساتها وأجهزتها الدستورية.

    “الأقليات” لا تملك حقًا قانونيًا دوليًا مباشرًا يُجبر الدولة على تغيير بنيتها الداخلية لا يعطي ميثاق الأمم المتحدة مكونات الدولة الحق التلقائي في الانفصال أو المطالبة بالالتحاق بدولة أخرى.

رفع شعار سياسي شيء، والحق المُلزِم على الدولة شيء آخر.

التحركات المرتبطة بمطالب “حق تقرير المصير” في السويداء تخدم مشروع تفكيك الدولة السورية على أسس عرقية أو مذهبية.

لا يهم إسرائيل أن يفشل مشروع التحاق دروز السويداء بها، بقدر ما يهمها توظيف ذلك في مخطط تفتيت سوريا وشرذمتها .

حديث بعض الفقهاء في القانون الدولي عن الظروف القصوى أو الاستثنائية في مسائل حق تقرير المصير، هو استنتاج فقهي وسياسي، ولم يُقَرّه أي نص قانوني دولي مُلزِم .

كثير من الحركات الانفصالية المعاصرة تحاول استخدام هذا الحق خارج سياقه القانوني الأصلي، وتقفز من هناك للمطالبة بالاستقلال، وهو ما يُعد تحريفًا قانونيًا، سياسيًا، ووطنيًا لهذا المبدأ.

نُقل عن النتائج الأولية للقاءات السورية–الإسرائيلية التي جرت في باريس، أن الجانبين أكدا  “التمسك بوحدة الأراضي السورية، ورفض أي مشاريع تستهدف تقسيمها، وأن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، وأن المواطنين الدروز جزء أصيل من النسيج الوطني” . لكن الممارسات الإسرائيلية على الأرض تسير في اتجاه آخر. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد، تحاول إسرائيل تدمير ما بقي من الإمكانات العسكرية للقوات السورية، واجتياح المنطقة الحدودية العازلة، مع إعلان انتهاء العمل باتفاق وقف الاشتباك لعام 1974.

مطالبة البعض في السويداء بـ”حق تقرير المصير” محاولة لإثارة حساسيات مذهبية وعرقية وسياسية، وإشعال فتن أو تأجيج أخرى. حقوق الأقليات شيء، وهو مصطلح غير معتمد بين السوريين، ومطلب “حق تقرير المصير” شيء آخر، يطرحه القانون الدولي بكل قواعده وأسسه ومؤسساته.

نقطة الانطلاق في معالجة مشكلة السويداء هي الداخل السوري، لا البناء على التوازنات الإقليمية أو الدولية. فـ”حق تقرير المصير” قد يتحوّل في بعض الأيدي إلى قناعٍ جميل لنيةٍ قبيحة، حين يُطرح خارج سياقه القانوني، ويُروّج له خارج إرادة الدولة، ويُستثمر خارج حدود المصلحة الوطنية.

من يوفر لي  هذا الدعم اليوم، إنما يريدني أن أقاتل بدلاً عنه غدًا.

تلفزيون سوريا

————–

 دور المثقف.. هل يخلص السويداء من جنينها المشوه؟/ أحمد الشمام

2025.08.23

إبان الاشتغال على بحث مقارن بين القبيلة والطائفة؛ أجريت مقابلات مع مثقفين منحدرين من بنى طائفية، رفض معظمهم تعريف نفسه نسبة للطائفة، ولكثرة ما جلدها بعضهم؛ وَقَرَت لدي فكرة تجاوز تصريحاتهم؛ خشية الوقوع في خَطَلِ التركيز على أنماط سلوكية محددة بغية تنميطها وتأطيرها؛ ما يشوه موضوعية البحث، ولم ترتسم الصورة الحقيقية إلا عبر علاقات موثوقة مع مجموعة ناشطين رجالا ونساء في الداخل؛ تمتعوا بحس وطني عال، وتجاوزٍ لعقدة الاختلاف المذهبي والإسلام السياسي؛ التي يحملها بعض ممن تأطروا أيديولوجيا في المهجر حديثا.

لا شك أن صدمة كبيرة أدهشتنا في النزوع الأخير في السويداء؛ التي أنصفها ابن بيئتها الباحث مضر الدبس بتسميتها “الهجرية السياسية”؛ وقد كانت الصدمة أكبر إبان الموقف المعلن من مثقفين كثر تأييدا أو سكوتا، وللوقوف على مسافة أمس رحما بموقف المثقفين؛ لابد من مناقشة كثير من الدوافع والأسباب التي جعلت دورهم مشتتا وخجولا أو ضعيفا، بعيدا عن أولئك الذين شاركوا في الهجرية السياسية كحَمَلةٍ للوائها تحت مسميات عدة. يطرح د. محمد نور النمر في كتابه “التكايا والسرايا” دور الطرق الصوفية في الدولة السلجوقية، والعثمانية، وتركيا؛ مقولتَي “الشيخ السياسي” و”السياسي المريد”، فهل يمكننا من هذا المقولات المفتاحية فهم طبيعة انحسار الدور السياسي للمثقف قبالة دور الشيخ لدى الجماعات الاجتماعية ماقبل الدولة – الدروز مثالا؟

إن الاستقلالية المنتظرة لدى مثقف ابن أقلية؛ تخضع لمؤثرات تختلف عن تلك التي لدى مثقف الأكثرية، غير أن هناك سمة بنيوية تتشارك بها كل الطوائف والقبائل تاريخيا؛ تتلخص بتقاسم الثقل الرمزي بين مقدم سياسي /قائد رجحت له الكفة دوما، ومرجعية مشيخية -دينية- في الطائفة، وبالنظر إلى الطائفة الدرزية؛ فإنها حُكِمَت تاريخيا بمقدم مدني يستخدم شيخ الطائفة تحت جناحه ويغيره؛ باعتبار المشيخات الدينية متعددة ولا تنحصر في بيت واحد. كما لم يشهد تاريخ الدروز منذ مئتي عام؛ اشتراك المشيخة الدينية بالفعل السياسي على حساب دور المقدم إلا الآن، إذ بقي الصنوان متخادمان مع فائض قوة لدى المقدم. قبل قرنين لم يكن فرق الثقافة بين الأمير والفلاح والمرابعي كبيرا، أما الآن وبعد اتساع الهوة بين ثقافة شيخ الدين، وبين القائد السياسي أو جملة الفاعلين السياسيين؛ ترجح الكفة لصالح المثقفين والناشطين على كفة العوام وأتباع مشيخة العقل، التي تسمي من لم يتعلم الدين من مثقفين وفاعلين اجتماعيين “جُهّالا” في العرف الدرزي، وانتقلت حديثا من احتكار المعرفة الدينية إلى ضم الفعل السياسي إلى الإقطاع الديني. هذا الفرق في الثقافة والرأي والفعل الاجتماعي والسياسي هو الذي يشعل جمرة السؤال لماذا عجزت النخبة المثقفة عن دورها كمقدم، لِلَجمِ تَغوُّل المشيخة الدينية على مجتمع خرج من عباءتها منذ قرنين فما الجديد؟

إنصافا لمثقف الطائفة ثمة نقطة مؤسِّسة وهي أن حراك السويداء كان من مثقفين وطنيين، وتمت مواجهته عبر مشيخات دينية ارتبطت ارتباطا وظيفيا بالنظام؛ الذي حجّمَ المثقفين عبر تقوية المرجعيات الدينية ضد من يمثل رصيدا حقيقا للتغيير ولعبِ دور المقدم -المثقفين والوجاهات الاجتماعية-؛ بالتوازي مع أسلمة الثورة وتأجيج عقدة الخوف من الآخر؛ عبر حامل تاريخي لهوية التفارق الديني والتحشيد -المشيخة الدينية، مثلما لعب في الجزيرة السورية على مشيخات القبائل للتحشيد ضد ثوارها، بدأت الخطوة الأولى في افتراق المثقف عن دوره الأولي أنه تحت ذريعة الخوف اتبع موقف المشيخة والعامة؛ ولكن بدافع أيديولوجي من الإسلام بعيدا عن الخوف المزعوم.

الخطوة الثانية في حيدان المثقف عن دوره، تجلت برؤيته لتنامي دور المشيخة واستفرادها بالمجتمع رمزيا وعسكريا لدرجة تحجِّمُ دوره كحامل للتغيير؛ وتحرف الطائفة عما شهدناه في تاريخها، من دون أن يشتغل في حراك مواز لمنع انزياحها، إذ تشكلت المرجعية الروحية للطائفة في عهد الأسد بثلاث مشيخات متوازنة: الجربوع والهجري والحناوي، وكان أي قرار يتطلب اجتماع أختامها، غير أن الهجري رفض الشراكة باستثناء مرة واحدة حين تبرأت المشيخات من وحيد البلعوس، ثم انفرد لاحقًا باحتكار التمثيل الروحي، ومع انطلاق “حراك ساحة الكرامة” برزت تداخلات كثيرة حجبتها موجة الاحتفاء الوطني، وانقسم مثقفو الطائفة بين ناشطي الداخل المؤسسين للحراك اصطدموا بفاعلين جدد متسلقين، وناشطين في الخارج امتنعوا عن نقده وعدّوه معصومًا، متغاضين عن مصادر تمويله التي صبت في تشكيل حشود مرتبطة بجهات كموفق طريف أو مالك أبو الخير.

تقول ناشطة من الحراك قبل سقوط النظام بشهرين “صرنا نشبه المرأة التي وجدت حَملها مشوها وتريد التخلص منه؛ لأن الساحة احتشدت بمن يأتون للتظاهر برواتب شهرية تدفع لهم”، فانكفأ أبناء الحراك المستقل انتظارا لتأسيس حراك في مكان آخر لإنقاذ الثورة؛

ولبيتُ طلبها في ربطها بمجموعة من المثقفين الدروز الثقات في الخارج للتشارك في ذلك، ومازالت الرسائل موثقة بين المجموعة، ولم يكتمل المشروع بسبب تحرر دمشق ودخول مفاعيل جديدة وانشغال الجميع بفرحة النصر.

الثورة نهج جذري وشمولي لايمكن تجزئته؛ تنحو لمواجهة النمط العام للدولة ـــ الاستبداد مثلاــ كما تنطلق بمفاصلة ثورية تجاه أنصار الاستبداد من أضدادها في بيئتها وجماعتها الخاصة، والانضمام للثورة في بيئة واسعة تستوعب حَمَلتَها وتنغمر شخوصهم في الجموع الهادرة؛ يختلف كثيرا عن إشعالها أو انتقالها للمجتمع المحلي أو الجماعة؛ ما يقتضي انكشاف حَمَلَتِها وصدامهم مع أضدادها. وقد حدث لدى البعض تمييز وفصل بين المجالين، وهنا تظهر خطوة المثقف الثالثة في التخاذل عن دوره، تمثلت بظهور أسباب حدية ومفصلية لثورةٍ ضرورة يقوم بها المثقف ضمن بيئته لإنقاذها من الخطف الذي يشوهها. خلال ثمانية أشهر من التحرير واستعصاء السويداء على الاندماج؛ عجز المثقف الوطني الرافض للهجرية السياسية ونهجها؛ عن طرح مشروع يناقضها ولو بحراك مدني بسيط بدمشق، ولم يستطع بناء شبكة صغيرة تؤسس له. واتضح أن سلوك سلطة دمشق بدعم الوجاهات الاجتماعية كالشيخ ليث البلعوس وسليمان عبد الباقي كان صحيحا.

لعل ما يميز المثقف هو استشراف المستقبل والقدرة على تمييز أي حراك ومآلاته، وهو الأعرف بالفصائل الجديدة التي تشكلت وهددت مخالفيها وتبرأت منهم، تلتها حالة الإنكار التي عاشها المثقف واشترك فيها مع كثير من مثقفي اليسار السوري؛ تجلت باعتبار سلطة دمشق المختلفة أيديولوجيا ليست سوى فصيل سيطر على دمشق، وأصبح قوة أمر واقع مثله مثل قسد أو ميليشيات الهجري؛ من دون اهتمام بما قامت دمشق الحرة بالتنظير له؛ ما شكل دافعا للعامة لاتباع موقف التمايز عن السلطة تَشارَك فيه الشيخ والمثقف، للطعن في شرعيتها الثورية بمرحلة انتقالية، ودحض ضرورة انخراط الجميع.

هل نشهد عودة الشيخ للسياسة لم تكن إلا إبان بدايات الطوائف وعملها السري منذ العهد العباسي؟،أم هي ورطة المثقف في أنه لم ينظر لنفسه كسوري يبني للدولة، بل كرمز أو مُريد للطائفة؟ أم اتضح أن ظهره الاجتماعي ورصيده السياسي ليس لسورية، بل لجماعة جرفته في حمى التحشيد؛ بدليل انعدام دوره في الثورة بوجه خاطفي بيئته، أو كعلماني ضد مشيخة لا يؤمن بها، كما ثار أميون وفلاحون ضد قبائلهم، فهل نتبع مقولة من لم يكن ثائرا ضد بؤر الاستبداد في جماعته؛ لا يحق له العمل ضد استبداد السلطة سواء كان متخيلا أو واقعا؟، أم ننتظر نجاة المدينة وأهلها الأنقياء على يد فعاليات اجتماعية كالشيخ ليث البلعوس وسليمان عبد الباقي مثلت دور البطل الشعبي للجماعة، وتحتاج دعم الأنقياء ومد يد العون لأبنائها- أبنائنا؟

تلفزيون سوريا

—————————–

—————————–

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى