إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الجسدُ رهينةً/ سمر يزبك

26 اغسطس 2025

أكثر من مائة امرأة اختُطفن من السويداء، أفرج قبل يومين عن عددٍ منهن، والباقي ما زلن في قبضة المجهول. 33 امرأة أخرى من قرى الساحل السوري اختفين في غياهب لا تُسمع منها سوى صرخات متخيَّلة. هذه الأرقام ليست بيانات صحافية، إنها ثقوب سوداء محفورة في جسد الوطن السوري الهشّ، والممدّد على طاولةٍ في غرفة الإنعاش الباردة، مناطق صمت سوف تتّسع كلّما طال الغياب. لم تعد الحكاية الآن عن خطفٍ عابر، بقدر ما أصبحت تعبّر عن بنيةٍ كاملةٍ تتغذّى على الخوف، تُحوِّل المرأة إلى علامة في صراع يتجاوزها. المشهد المستجدّ الذي يُظهر النساء المُحرَّرات مع ممثّل السلطة وهنّ مُغطَّيات الرأس لا يعبّر عن ورع ديني للسلطة المستجدّة وممثليها، ولا عن خصوصية اجتماعية مفترضة، بقدر ما يعبّر عن رمز سلطوي يُراد فرضه على الجميع. حين يُفرض الحجاب على المرأة الدرزية في لحظة تحريرها يصبح الموضوع مصادرةً للحقّ في الاختيار ورفض التعدّد الثقافي، أكثر من أنه مجرّد غطاء رأس عادي استوجبته لحظة لقاء مع ممثّل السلطة.

الجسد هنا يُعامل نصّاً مكتوباً بخطّ غير صاحبه، لوحة بيضاء يُعاد رسم حدود الجماعة فوقها. المشهد لا يختلف عن لقطات فيلم “The Handmaid’s Tale”، نساء بوجوه مطموسة يتحوّلن رموزاً في مسرح قاسٍ. لكننا لسنا في عمل ديستوبي متخيَّل؛ نحن في سورية، حيث الدراما تُكتب بالدم. وكما جرى في البلقان حين صارت أجساد النساء خرائط للصراع، يتكرّر الأمر هنا: كل امرأة مختطفة تتحول حدوداً جديدة تُرسم فوق لحمها، إلى بيان صامت بأن السلطة قادرة على إعادة هندسة المجتمع عبر أكثر نقاطه هشاشةً. وهذا ما يجعل الخطف أخطر من أن يكون جريمةً جنائية، إنه سياسة تُدار عبر التمثيل. الأجهزة الأمنية والفصائل والبدو يشكّلون شبكة واحدة.

في البداية، أُنكرتْ الظاهرة، ثم جاء الاعتراف الملتوي عبر إعلان تحرير نساء درزيات، وكأنهم يقرّون بجزء ليشرعنوا استمرار الجزء الآخر. إنها لعبة خطابية مألوفة: ما يُقال يصبح حقيقة، وما لا يُقال يُمحى من الوجود. لكن الأكثر فجاجة هو الصمت. المنظّمات النسوية التي رفعت شعارات الثورة والحرية في بدايات الثورة، تصمت اليوم عن أبشع الانتهاكات. وصمتها ليس حياداً، إنما مشاركة في إنتاج اللامرئي. لأن ما لا يُسمّى، لا وجود له. وهكذا يصبح الصمت شريكاً في الجريمة، يتيح للسلطة والفصائل أن يمدّدوا سيطرتهم من دون مساءلة.

ليس الخطفُ فراغاً في سلطة الدولة، إنه السلطة ذاتها وقد خلعت قناعها. حين تُختطف النساء ولا يُسأل أحد، فذلك يعني أن الدولة لم تعد تحتكر العنف، وإنما توزّعه حصصاً على أجهزتها ومليشياتها وشركائها في السوق السوداء. ما يُسمّى “الدولة” هنا شبح يشرعن الفوضى ويحوّلها نظامَ حكمٍ، كياناً يقوم على الغياب بدلاً من الحضور، وعلى الرهائن عوضاً عن المواطنين. كل امرأة مفقودة ليست مجرّد ضحية، إنها وثيقة تثبت أن العقد الاجتماعي قد احترق، وأن ما يقوم مكانه ليس دولة، والخطر الأكبر أن يتحوّل هذا النمط قاعدةً دائمة، إلى دستور غير مكتوب يربط بقاء السلطة باستمرار الجريمة. وحين تُبنى الدولة على الخطف، تصبح سجناً كبيراً تُدار مفاتيحه بالتهديد والإذلال. في هذه البنية، الجسد ليس جسداً فردياً فقط، إنما جسد جماعة. كل امرأة مفقودة هي اقتطاع من الذاكرة الجمعية، وكل غياب معلّق تثبيت لسلطة جديدة فوق فراغ مفتوح. استمرار الظاهرة لا يهدّد طائفة بعينها، وإنما ينذر بتحوّل الخطف إلى بنية دائمة لإدارة المجتمع.

الخطر الحقيقي ليس في بقاء 50 امرأة غائبة، ولا في اختفاء 33 علوية من دون أثر، الخطر الحقيقي أن المجتمع صار يتعامل مع هذه الأرقام كأنها تفاصيل عابرة. حين يُطبع العنف، يصبح جزءاً من نسيج الحياة اليومية. وحين يصبح الخطف مألوفاً، يتحوّل أداة حكم تضاهي الدستور. لهذا فإن الصمت اليوم ليس خياراً، إنما خيانة. خيانة لمستقبل النساء جميعاً، وخيانة لمجتمع كامل يُعاد تشكيله بالعنف. ما بدأ باستهداف العلويات والدرزيات يمكن أن يمتدّ إلى كل امرأة سورية. وعندما تصبح أجساد النساء مجرّد ساحة لاختبار حدود قدرة السلطات الجديدة، فإن السؤال لم يعد عن مصير المخطوفات وحدهن، لقد امتدّ السؤال ليصبح عن مصير سورية نفسها.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى