أبحاثالعلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

الجنسية: معناها الاجتماعي والقانوني والسياق السوري/ سوسن جميل حسن

23 أغسطس 2025

من المنطقي اليوم، في ظل المجتمع البشري “المعولم”، إعادة التفكير في بعض المفاهيم، بل في كثير منها، واستنباط مفاهيم جديدة تفرضها التغيرات الحاصلة. من هذه المفاهيم مفهومَا المواطنة والجنسية، خاصة وأن الحروب التي تشتعل باستمرار في أركان الكوكب تفرض موجات نزوح ولجوء متتابعة، إضافة إلى التغيرات المناخية والكوارث البيئية التي تصيب الكوكب فتصيب المنظومة الحيوية بكل عناصرها ما يؤثر بشكل كارثي على المجتمع البشري. فهل المواطنة والجنسية نوعان مختلفان من الانتماء، ما دام أن الجنسية والمواطنة تحدّدان الانتماء إلى دولة ما وتمنحان حقوقًا وواجبات معيّنة؟

الجنسية هي الرابط القانوني الذي يربط شخصًا ما بدولة معينة، ما يمكن إضفاء الصفة الموضوعية عليها. يمكن اكتسابها من خلال مكان الولادة أو بواسطة الدم، وهو ما يطلق عليه مصطلح “حق الدم”، وهو القانون الذي يمنح الأطفال حق الانتساب لجنسية والديهم، بغض النظر عن مكان الولادة، وهو يطبّق في معظم بلدان العالم. كان هذا الحق أيضًا ضمن القانون الروماني الأصلي، ويمكن أن تُمنح بالتجنيس. أما المواطنة، فهي “الحالة القانونية” التي تمنح حقوقًا سياسية ومدنية لشخص ما في بلد معين.

تاريخيًا

يمكن القول إن الجنسية ظهرت كمفهوم قانوني وسياسي في نهاية القرن الثامن عشر مع ظهور مفهوم الدولة الحديثة، ثم راح يتطور خلال القرن التالي، ليُعتمد رابطةً قانونية وسياسية تربط الفرد بالدولة. أما في العصور القديمة فقد ارتبط مفهوم الانتماء إلى الجماعة بالأسرة أو القبيلة، ثم لاحقًا بالسيد الإقطاعي، ثم بالأمّة.

إن الحضور الطاغي لمفهوم الجنسية في عصرنا الراهن، لا يتعلق بالحالة السورية فحسب، بما أن قضية منح الجنسية السورية لعدد من المقاتلين والعناصر الأجانب تثير لغطًا وسجالًا حاميًا منذ وصول “هيئة تحرير الشام” إلى السلطة، وسقوط نظام الطاغية بشار الأسد، بل هناك أسئلة وحالات كثيرة في العالم أدت إلى هذا الحضور كالرغبة في استقلال كاتالونيا، عواقب البريكسيت، الأزمة بين أوكرانيا وروسيا، والمناقشات المستمرة في كثير من الدول حول سحب الجنسية ممّا يطلقون عليهم تسمية “الإرهابيين”.

التجنيس في السياق السوري

التجنس هو العملية التي يكتسب من خلالها الشخص جنسية دولة ما بعد استيفاء شروط معينة. تختلف شروط التجنيس من دولة لأخرى، لكن يمكن فهم هذا الأمر على أنه “الرابط القانوني والسياسي، الذي تحدده قوانين دولة ما، ويدمج فردًا بهذه الدولة”، أو” الانتماء القانوني والسياسي لشخص ما إلى الشعب المكون لدولة ما”.

لقد شكل المقاتلون الأجانب الذين تم تعيين بعضهم في مناصب داخل الحكومة الجديدة، أحد أبرز العقبات في طريق رفع العقوبات عن سورية، إذ طالبت بعض الدول الغربية بإبعادهم كشرط للحصول على تخفيف إضافي للعقوبات، ما يشكل معضلة كبيرة أمام الحكومة السورية، إذ من المرجح أن تزداد العمليات الانتقامية داخل البلاد، ما يزيد الفوضى وينسف ما بقي من السلم الأهلي.

يمكن أن يعدّ وجود هؤلاء المقاتلين معضلة كبيرة، ليس بالنسبة للحكومة السورية أو المجتمع السوري فحسب، بل بالنسبة إلى المقاتلين أنفسهم، فمعظمهم لديهم مشكلات قانونية، إن كان بالنسبة لدولهم الأصلية أم بالنسبة لكثير من دول العالم، أم بالنسبة لوجودهم فوق الأراضي السورية، خاصة وأن سورية اليوم في حالة ضعف كبيرة، معرّضة سيادتها للانتهاك باستمرار.

في هذا الخصوص صدر أخيرًا عن وكالة “رويترز” تقرير، تناقلته صحف ومواقع عديدة، يقول: “إسلاميون أجانب يطالبون الدولة السورية بمنحهم الجنسية”، ما جعل السجال حول هذا الأمر يشتعل مرة أخرى بين شرائح الشعب السوري، تؤججه حالة الاستعصاء في حلّ معظم المشكلات الحياتية وازدياد معاناة الشعب السوري الذي لم يعد يحتمل هذا التراجع في كل أركان حياته، عدا الأحداث المشتعلة التي تضرمها الفتنة الطائفية في أكثر من بقعة في سورية. هذا الأمر يعود ثانية ليثير القلق الجماعي لدى شرائح الشعب التي ترفض هذا التجنيس، فالجنسية ليست الانتماء القانوني للدولة الجديدة فحسب، بل والانتماء الثقافي إلى مجتمع يقيم على إقليم تحدده الدولة التي تمارس فيه سلطتها. وهذا يضع حدودًا للمشاركة بالنسبة لبعض الغرباء في بعض التفاعلات الاجتماعية، حدودًا يرسمها المجتمع المضيف، والوافدون إليه بالاشتراك معًا، لذلك فإن مصير هؤلاء الأجانب يعدّ قضية شائكة، خاصة المقاتلين منهم، فهناك عدد من الأجانب الذين يعملون في الصحافة أو الإغاثة وغير ذلك من الأعمال المدنية، إنما يمكن أن يحملوا ثقافة وفكرًا من مجتمعاتهم الأصلية التي كبروا فيها، عدا الأطفال الذين ولدوا في سورية، إن كان لأمهات سوريات وآباء أجانب، أو لآباء وأمهات أجانب، ولا يمتلكون وثائق قانونية يحتاجون إليها في تكوينهم العلمي والثقافي.

يقول المقاتلون الأجانب في الرسالة التي تقدم بها باسمهم إلى وزارة الداخلية السورية مراسل عسكري يقيم في سورية منذ عام 2012، يدعى بلال عبد الكريم، كما جاء في تقرير “رويترز”، إنهم “تقاسموا الخبز والحزن والأمل في مستقبل حر وعادل لسورية”، مشيرًا إلى أسفهم لأن وضعهم لا يزال غامضًا.

لقد أقرّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 حق الجنسية كحق أساسي، لكن وبسبب تدفق الهجرة، خاصة باتجاه أوروبا والغرب عمومًا، حيث توجد دول راسخة في دساتيرها وديمقراطيتها، وتمتلك اقتصادًا قويًا إلى الآن، فإن قضية الجنسية صارت تشكل معضلة بالنسبة لمعظم هذه الدول، وتعدّ الهجرة وما يترتب عليها لاحقًا من إقامات طويلة وطلبات على الجنسية، سببًا في الحراك الحكومي الدائم تحت ضغط سؤال ملحّ: كيف يمكن دمج المهاجرين المقيمين مع الحفاظ على التماسك الوطني؟ كيف يمكن إدارة الجنسية المزدوجة في عالم منفتح ومتغيّر؟ وبناء عليه قام عديد من الدول بإجراء إصلاحات دستورية تتعلق بحق الجنسية، خاصة بالنسبة إلى الدول التي تحتاج إلى عمالة في كل المجالات، فألمانيا، على سبيل المثال، قدمت في عام 2000 عناصر من قانون الأرض في تشريعاتها، التي كانت تعتمد تقليديًا على قانون الدم، وحكوماتها منشغلة في تحديث قوانين الهجرة والتجنيس باستمرار.

غالبًا ما تثير الإصلاحات الدستورية المتعلقة بالجنسية نقاشات حادة في المجتمع، كما يحدث اليوم في سورية التي أصدرت الحكومة الحالية فيها إعلانًا دستوريًا فحسب، لم يتم التطرق إلى موضوع الجنسية، خاصة في ظل الأحداث الكبيرة التي يشهدها المجتمع والتوترات المتنامية بين مكونات الشعب السوري، لكن قضية الجنسية بحد ذاتها تجسّد التوترات بين رؤى مختلفة حول الهوية الوطنية والاندماج، ما يخلق التوجس من قبل شريحة من السوريين، بحجة الحفاظ على الهوية الثقافية والأمن الوطني، في الوقت نفسه هناك من يدعم هذا التوجه، ويدعو إلى مفهوم أكثر شمولية للجنسية. ما يدعو إلى السؤال عن قدرة المجتمع السوري على إعادة تعريف هويته الجماعية في سياق حدّدته سنوات الحرب التي استمرت نحو عقد ونصف العقد، وما نجم عنها من انزياح في منظومة القيم المجتمعية ومن ضبابية في أفق المستقبل.

إن اكتساب الجنسية أو سحبها تحدده قوانين الدولة، القوانين المنبثقة من الدستور، وهذا يعني أنه لا يمكن منح الجنسية بشكل أساسي إلا من قبل دولة ذات سيادة بمعنى القانون الدولي. وسورية دولة معترف بها دوليًا وهي عضو دائم، بل مؤسس، في الأمم المتحدة، لكنها في حالة حرجة اليوم بسبب كثرة المتدخلين الخارجيين في شؤونها الداخلية، وفرض حلّ حول قضية حساسة كهذه، منح الجنسية لعناصر أجنبية معظمها يحمل فكرًا متطرفًا، جاء من أجل رسالة دينية وليس مشروعًا وطنيًا، من المرجح أن تكون له تبعات تزيد حجم الأخطار التي تهدد مستقبل السوريين، وتفتح أبوابًا على معضلات جديدة، فعندما تمنح الجنسية لشخص ما، فإنه يكتسب حقوقًا كالمواطن الأصلي، يقرها دستور البلاد، ومنها على سبيل المثال، بالنسبة إلى سورية، عدم تسليم المواطنين لجهة أجنبية “لا يجوز تسليم المواطن إلى أي جهة أجنبية”، في الوقت الذي يتواجد فوق الأراضي السورية عدد من الأفراد المطلوبين، إن كان من بلدانهم أو من دول أخرى، ما يزيد أسباب القلق لدى الشريحة الرافضة.

ومثلما للمجنّس حقوق فإن لديه واجبات، ومنها المشاركة السياسية، كالتصويت في الانتخابات، والانخراط في الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية، ما يمكن أن يؤثر في صياغة الوعي العام، وتشكيل الرأي العام، ولهذا تبعات مستقبلية في ما يخص الأنظمة المسيطرة على المجال العام، من سياسية واجتماعية وحقوقية وغيرها، ما يؤدي في النهاية إلى التضييق على بعض الحقوق التي يقرها الدستور منذ عقود، كالحريات على سبيل المثال، أو إعادة صوغ بعض القوانين التي تتعلق بالأحوال الشخصية، بحسب المنطلقات التي تتأسّس عليها الأحزاب الموجودة أو الناشئة. كذلك فإن من الواجبات التي يُطالب بها المجنّس الحفاظ على الميراث الثقافي والتاريخي لسورية، بينما في الواقع فإن عددًا من الاعتداءات على هذه الهوية قد تم من قبل متطرفين، سواء كانوا سوريين أو أجانب، إذ لم يتم التحقيق في حادثة من الحوادث التي وقعت كي يعرف الناس، إنما ظهرت وجوههم التي تحمل ملامح تخصّ شعوبًا معينة من خلال الفيديوهات التي اعتاد المنفذون تصويرها والتباهي بها على مبدأ أن هذا ينتمي إلى الأفعال الجهادية التي تخدم رسالتهم، وهذه الأفعال ترفع من حدة التوجس والقلق والرفض. علاوة على ذلك، فإن من واجبات المجنس الحفاظ على الأمن والاستقرار والابتعاد عن أعمال العنف والتطرف، لكن ما ظهر من سلوك بعض هؤلاء المقاتلين لا ينم عن احترام للقوانين المحلية، ولا للثقافة المجتمعية، بل مارسوا أعمال عنف واعتداء على المجتمع من دون اكتراث للعواقب، فكيف يمكن للمجتمع السوري في جزء كبير منه أن يأمن المستقبل، في دولة كل شيء فيها منتهك، حتى القوانين؟

يمكن فهم موقف هذه الشريحة الرافضة منح الجنسية السورية لهؤلاء الأجانب، مقاتلين وغيرهم، لكن الإقامة فوق الأرض السورية وحدها، في هذه الظروف الاستثنائية، تشبه الجالس على فوهة بركان أو على شفير هاوية سحيقة، فالمجتمع السوري لم يعد مقسمًا فحسب، بل إنه مشرذم، ونسيجه متهتك بدرجة كبيرة، وبالتالي فإن أي مشكلة حياتية أو قانونية سوف تؤدي إلى تأزم الأفراد حتى يصيروا خطرًا على السلم الأهلي، فعلى مرّ سنوات الحرب ونزوح السوريين القسري ودمار المدن والبنى التحتية، وظروف العيش في المخيمات، وغيرها ظروف أخرى مساعدة أدت إلى حالات زواج هشّة اجتماعيًا أو قانونيًا، خاصة الزواج من المقاتلين الأجانب، بالإضافة إلى ولادة أطفال غير مسجلين أو لا تحق لهم الجنسية السورية، هذا ما يعقد موضوع الجنسية كمادة دستورية من المفروض على الحكومة الانتقالية البت بها بشكل يدعم السلم المجتمعي في سورية.

علّ هذا السجال الحامي يؤدي إلى التأملات التي تمهّد الطريق أمام نُهج قانونية وسياسية جديدة تتعلق بالجنسية، قد تعيد رسم معالم الهوية الوطنية والمواطنة، وتنصف المرأة السورية وأطفالها، في المناسبة، لناحية منح جنسيتها لأولادها، بدلًا من فرض القرار بتجنيس المقاتلين والأجانب، مهما كان فكرهم المتطرف، من دون طرح القضية على الشعب ليقول رأيه، فالشعب هو في النهاية من يشكل هويته ويبني حياته المشتركة وفق ما يراه مناسبًا، والشعب السوري أكثر ما يحتاج إليه الآن هو جبر الخواطر وسد الذرائع التي تزيد في الشقاق والفتنة، والحفاظ على التماسك الوطني الذي يتهاوى بسرعة مخيفة.

الخلاصة

إذا ما انطلقنا من الرأي القائل بأن للجنسية معنيين، حسب ما إذا اعتبرناها بالنسبة للدولة أو بالنسبة للأمة، فإن الجنسية تحمل معنى اجتماعيًا ومعنى قانونيًا. في المعنى الاجتماعي، تشير الجنسية إلى الرابط الذي يربط الفرد بأمة، وعليه فإن العناصر الأجنبية التي تطالب بالجنسية السورية استنادًا إلى أنهم “تقاسموا الخبز والحزن والأمل في مستقبل حر وعادل لسورية”، وهم في الأساس قاتلوا تحت راية دينية، نصرة للأمة الإسلامية وتحريرًا للشعب السوري من حكم كافر كما فهموا الثورة السورية، وهذا يتعارض إلى حد كبير مع الرابط القانوني بالدولة، علاوة على أن القوانين في سورية بحاجة إلى ترميم أيضًا، وتحديث وحماية من الانتهاك والاختراق. سورية الحالية تتوه عن طريق بناء الدولة الحديثة، لذلك فإن قضية تجنيس الأجانب قضية فائقة الإشكالية والخطورة والحساسية.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى