العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 26 آب 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية في سوريا

———————————-

مسار العدالة الانتقالية في سورية اليوم: تحديات الإرث الثقيل/  رضوان زيادة

نشر في 26 آب/أغسطس ,2025

يُعنى رضوان زيادة في بحثه “مسار العدالة الانتقالية في سورية اليوم: تحديات الإرث الثقيل“، بأهمية تجربة العدالة الانتقالية في سورية من أجل التعامل مع إرث الماضي الثقيل الذي خلفه نظام الأسد على مدى ستة عقود من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وانهيار كامل للمؤسسات العمومية التي من شأنها أن تضمن الحقوق العامة والخاصة، ولا سيما مؤسستي النيابة العامة والقضاء، وتجلى ذلك في عدد كبير من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة على الأرض السورية، والتي لم يحاسَب مرتكبوها، فضلا عن فتح تحقيق بها. ويحاول هذا البحث رصد المفهوم المعقد للعدالة الانتقالية في ضوء هذا الإرث الثقيل، وإمكانات تطبيق هذا المفهوم على الأرض السورية بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024.

 يذكر أن زيادة أكاديمي متخصص في قضايا المفاوضات وحل النزاعات، وهو باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في واشنطن، له أكثر من 30 كتابًا باللغتين العربية والإنكليزية في موضوعات العدالة الانتقالية والتاريخ السياسي الحديث لسورية، وقد عمل باحثًا زائرًا في عدد من الجامعات الأميركية مثل هارفارد وكولومبيا وجورجتاون وليهاي وجامعة نيويورك، وغيرها.

يمكن الاطلاع على دراسة رضوان زيادة كاملة من الرابط الآتي:

وللاطلاع على ملف العدد الثاني والثلاثين من مجلة قلمون، يرجى زيارة الرابط الآتي:

—————————-

 من المقابر الجماعية إلى “غرف العظام”… 25 شخصاً فقط قادرون على أن يعيدوا لسوريا أسماءها المنسية/ غوى خيرالله

وسط هذه الفوضى بعد سقوط النظام، يقود 25 طبيب أسنان فقط مهمة إنسانية مروّعة: التعرّف إلى ضحايا المقابر الجماعية

26 آب 2025

بعد سنوات من الصمت والخوف، بدأت الحقيقة تتسلل. منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر، بدأت المقابر الجماعية والجماجم ذات الثقوب تحكي قصص الذين اختفوا. عائلات هرعت تحفر بأيديها، تبحث عن أثر. وفي قلب هذه الفوضى، بدأ السوريون يواجهون وجهاً لوجه رعباً دُفن لسنوات ووجعاً لم ينتهِ بعد. في بلد مثقل بالحزن، تبحث آلاف العائلات عن أثر، عن اسم…

ووسط هذه الفوضى عقب سقوط النظام، تقول صحيفة “التايمز” البريطانية في تحقيق لها من دمشق إن 25 طبيب أسنان يقودون مهمة إنسانية شاقة تتمثل في التعرّف إلى ضحايا المقابر الجماعية. وبين العظام والجماجم، يحاولون إعادة الأسماء والكرامة لمجهولين ااختفوا في عهد الرعب.

في أحد الأقبية بدمشق، يعمل 3 أطبّاء أسنان، الدكتور أنس الحوراني والدكتور أحمد نعيم والدكتور عامر السراجيبي، بصمت وألم، في ما يُسمّى “غرف العظام”، محاولين إعادة الأسماء والقصص لمن اختفوا في الظلام. بين الجماجم والعظام، يسعون إلى منح العائلات إجابة، وكرامة أخيرة لضحايا لم يُودَّعوا يوماً.

هؤلاء الأطبّاء، الذين يكسبون 30 دولاراً في الشهر من عملهم في مركز تحديد الهوية التابع لوزارة الصحة السورية، ويعملون أيضاً في عيادات أسنان خاصة بهم، مكلفون بتحديد هوية واحدة من أكبر مجموعات المفقودين في العصر الحديث.

على طاولتين طويلتين في غرفة من هذه الغرف، توجد صفوف من عظام الساق والفخذ، كل منها مرقمة بعناية. في الغرفة المجاورة توجد سلسلة من الخزائن. يفتح الدكتور أنس الحوراني إحداها ليكشف عن أرفف مليئة بالجماجم، معظمها بها ثقوب في مؤخر الرأس من الرصاص، التي قال عنها إنها “إعدامات من مسافة قريبة”.

ويقول زميله الدكتور أحمد نعيم، وهو يحمل إحدى عظام الساق ويفحص أطرافها للتأكد من التحامها ومعرفة ما إن كانت تعود لطفل: “العظام تحكي لنا قصة شخص”. يقيسها ويستعين بكتاب في علم الطب الشرعي لتحديد العمر والطول والجنس.

وبغضّ النظر عن التشريح، فإن القصص مروّعة. هذه العظام تعود إلى بعض من عشرات الآلاف من المتظاهرين والنشطاء الذين اعتقلهم جهاز الأمن التابع لبشار الأسد وعذبهم وألقى بهم في مقابر جماعية منذ بداية الثورة في آذار/مارس 2011 حتى الإطاحة به في كانون الأول الماضي.

في غرفة أخرى، توجد كومة من الملابس المحترقة وهيكل عظمي أعيد تجميعه من 50 كيساً بلاستيكياً مليئاً بالعظام المختلطة التي جلبتها أخيراً منظمة الخوذ البيضاء السورية. عُثر على الرفات في قبو مبنى مهجور بالقرب من حاجز سبينة، جنوب دمشق، حيث كانت قوات النظام تعتقل الناس بشكل روتيني وتقتلهم وتحرق جثثهم.

وقال نعيم: “كأننا نعيش الرعب من جديد كل يوم. بينما يحتفل بقية السوريين بالتحرير، ما زلنا في خضم الحرب، ونعيش يومياً ذكريات تلك السنوات الـ14 الشريرة”.

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أكثر من 155 ألف مفقود، لكن وفقاً لما أفاد مدير مكتب سوريا في اللجنة الدولية لشؤون المفقودين مازن البلخي لـ”التايمز”، قد يصل العدد الإجمالي إلى 700 ألف. وأشار البلخي إلى أن التعامل مع هذا الأمر قد يستغرق عقوداً لأن سوريا لا تملك القدرة أو الخبراء الجنائيين.

وفي ضوء ما كُشف أخيراً عن المقابر الجماعية وضحايا النظام السابق وعمليات التعذيب والقتل، يُطرح السؤال التالي: هل هناك محاولات قانونية لمحاسبة الأسد أمام محاكم دولية؟

يقول الباحث في المركز العربي للأبحاث في واشنطن الدكتور رضوان زيادة، لـ”النهار”، إن هذا خيار قائم ولكن سوريا ليست طرفاً في محكمة الجنايات الدولية.

ويضيف زيادة: “ربما تنضم لكن هذا يحتاج إلى دعم سياسي قويّ… وبالتالي يمكن محكمة الجنايات أن تفتح تحقيقاً في الجرائم المرتكبة في سوريا”.

ويتابع: “برأيي يبدو خياراً ضعيفاً الآن لأنه ليس هناك دعم سياسي لهذه الخطوة من الحكومة الحالية… لكن لا يزال ممكناً”.

ومع عدم توفر تحليل الحمض النووي في سوريا (لا يوجد سوى مختبر صغير واحد والمواد الكيميائية اللازمة غير مسموح بدخولها بسبب العقوبات)، فإن سجلات الأسنان هي الطريقة الرئيسية للتعرّف إلى الأشخاص.

في سوريا بأكملها، لا يوجد سوى 25 طبيب أسنان شرعياً، بمن فيهم هؤلاء الثلاثة. يعملون عن طريق أخذ القياسات ثم الرجوع إلى الكتب والموارد على الإنترنت، وهي عملية بطيئة ومضنية.

مصير المفقودين هو إحدى أولويات الإدارة الجديدة للرئيس السوري أحمد الشرع، الذي أنشأ في أيار/مايو لجنة وطنية للمفقودين وأخرى للعدالة الانتقالية. حتى الآن، تم تحديد 78 مقبرة جماعية، بعضها يحتوي على خنادق يصل طولها إلى 300 قدم وعمقها 13 قدماً، مملوءة بالجثث. حتى إن هناك مقابر جماعية في دمشق.

وقال الدكتور عامر السراجيبي: “المشكلة هي أنه بعد سنوات من الصمت، لم يبلّغ العديد من الأقارب عن المفقودين خوفاً من اعتقالهم أيضاً، والناس لا يريدون الانتظار، عندما تحررت سوريا، اعتقد الجميع أنهم سيستعيدون أفراد أسرهم”.

في غضون ساعات من سقوط الأسد، فُتحت السجون، بما في ذلك سجن صيدنايا، الأكثر شهرة، الذي وصفته منظمة العفو الدولية بأنه “مسلخ للبشر”. وكان في ثلاجته 36 جثة حديثة. وبعدما بثت قناة “الجزيرة” بثاً مباشراً من مقبرة جماعية، هرعت مئات العائلات إلى هناك وبدأت بحفر الأرض بأظافرها.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر أرسلت خبراء من بيرو والأرجنتين والبوسنة، التي عانت أيضاً من اختفاء أعداد كبيرة من الأشخاص، للمساعدة في تقديم المشورة بشأن الأساليب وكيفية التعامل مع الأسر المصابة بصدمة نفسية، لكن الأطباء قالوا إن لا أحد يفكر في صدمتهم النفسية التي يواجهونها بسبب ذلك. وشرح نعيم: “نحن تحت ضغط نفسي هائل. الأسر بحاجة إلى معرفة ما حدث، ونحن نعمل ليل نهار، لكن الأمر سيستغرق عقوداً، ومن الصعب تحمّل رؤية مثل هذه الفظائع عن قرب”.

بدوره، أكد السراجيبي أن “مواجهة واقع آلة الموت التي أنشأها الأسد عن قرب كل يوم أمر مدمّر”.

في سوريا ما بعد الأسد، لا تزال الحقيقة تُنتشل من تحت التراب. طريق العدالة طويل، لكن كل عظمة تُحدَّد هويتها تُعيد إنساناً من طيّ النسيان. يسابق الأطباء الزمن لكشف مصير المفقودين. في وطن مُثخن بالمقابر، تبقى الحقيقة والكرامة آخر ما يمكن إنقاذه من ركام الموت.

————————-

 الجلاد أمام الضحية.. هل تنتهي القصة أم تبدأ؟/ علي سفر

2025.08.26

لقاء السجين بالسجان، بعد انتهاء محنته، وبعد تغير الأحوال، واحدة من أكثر اللحظات إثارة في السياق الإبداعي، حيث استُدعيت كثيرًا في الأعمال الروائية والقصصية وكذلك في السينما والمسرح، ورغم أن هذا التفصيل يحتاج إلى عرض للنماذج التي صنعت شيئًا كهذا، إلا أن معظم ما اشتهر كان ينتهي بانفضاض اللحظة، وترك السجان السابق يلقى مصيره في الحياة مع ورم أخلاقي قد يسرطن روحه!

لكن هل يمكن للحياة أن تفرز واقعًا كهذا حقًا؟ حدثت في الواقع السوري، وبحسب اطلاعي، لحظتان سابقتان لسقوط النظام: الأولى حين التقى المحامي أنور البني في ألمانيا صدفة بضابط المخابرات العقيد أنور رسلان وقرر أن يقاضيه بسبب تاريخه وأفعاله قبل الانشقاق عن النظام، وانتهى به الحال لأن يتلقى حكمًا بالسجن المؤبد.

وقبل هذا تحدث الكاتب محمد برو، صاحب كتاب “ناج من المقصلة”، عن لقائه مع سجانه في تدمر بشكل عابر، ولم يحدث شيء مهم في هذه اللحظة سوى الأثر الذي انطبع في عقله عن قدرة الاستبداد على سلب الجلادين إنسانيتهم، ثم معاودتهم للحياة الرثة بشكل طبيعي خارج حيز المعتقل الرهيب.

غير أنه منذ سقوط النظام الإجرامي الدموي، صار لكل سوري لحظته الخاصة، فبعد تفكك السور الحديدي للتسلط والقمع والإرهاب، صار المجموع الخائف في العقود السابقة أكثر شجاعة في مطاردة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق السوريين كلهم، ودون التفريق بين السوري المقيد في المعتقلات الكبرى وفي مهاجع وزنازين الأفرع الأمنية، وبين السوري الآخر الذي لم تستهدفه الأجهزة وتركته يتهتك إنسانيًا في السجن الكبير!

الحرية لدى السوريين لم تكن مرتبطة بكون الواحد منهم قابعًا في السجن أو متروكًا خارجه، بل كانت ربما هي ذلك الأمل بأن يخرج خارج الحدود أو أن يسترد المولى جل وعلا أمانته! هذا الاستسلام للقدر صار اليوم جزءًا من الماضي، وبات على الضحايا أن يصنعوا مشهدًا مختلفًا، قوامه أن يطاردوا أدوات القمع والترويع من ضباط وعناصر وشبيحة وغير ذلك ليضعوا القيود في أيديهم وأن ينتظروا مسار المحاسبة! البعض، وقد اتسع جرحه ونزف طويلًا، لا يقبل بأن ينتظر، ولهذا يلجأ للاقتصاص من ظالميه، وقد حدث هذا كثيرًا طوال الشهور الماضية، لكن أثره لم يكن في الواقع، ومن يقتل جلاده يرضي نزعة الانتقام لكنه يترك القصة التي تحتوي العبرة من دون نهاية ذات أثر، ومثلما بدأت حكايته في العتمة، سيجري فعل القتل في العتمة وربما تحت الضوء!

لكن كيف يمكن لفكرة القصاص أن تؤدي مفعولها من دون أن تكون واضحة ومفهومة لدى الآخرين؟! وبحسب قراءة حيثيات كل واقعة من هذا النوع سيصبح الحدث أشبه بمطاردة بوليسية قد يهرب المجرم فيها من ضحاياه، في حال فشل المطاردون في مهمتهم، وطالما أن ثمة احتمالًا للجلاد أن ينجو، فهذا يعني أن احتمالات معاودته لأفعاله تبقى كبيرة!

ينطوي مفهوم العدالة الانتقالية على بُعد نفسي مهم جدًا لإرضاء الذوات المتأذية، فهي تهدف في جوهرها إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتحقيق نوع من الإنصاف والمصالحة المجتمعية، لكن الإرضاء ليس عملية سهلة أو موحدة، لأن تطلعاتهم متنوعة وتتراوح بين العقاب الصارم، والاعتراف بالمعاناة، وضمان عدم تكرار الجريمة، وصولًا إلى التعويض أو رد الاعتبار. لتحقيق ذلك، يمكن للعدالة الانتقالية أن ترضي الضحايا عبر مسارات متكاملة، مثل المساءلة والمحاسبة، والاعتراف بالحقيقة، والتعويض وجبر الضرر، وضمان الذاكرة وعدم التكرار!

ضمن مفاعيل المفهوم في الواقع، يجد الضحايا وبشكل نظري الاهتمام الكبير بما عانوه ووقع عليهم، ولكن هذا لا يحدث دون أن تمتد يد مؤسسات إنفاذ القانون نحو المجرمين، فتسجنهم ولا تتركهم يسرحون ويمرحون أمام العيون! وإذا لم تكن آليات تقديم الشكاوى وإثبات الجرائم بأدلة قاطعة واضحة ومفهومة للجمهور والمتضررين على وجه الدقة، فإن العمل كله سيكون ضبابيًا وغير مفهوم!

ما فعلته وزارة العدل قبل أيام حين عرضت للحظات من التحقيق مع أربعة من المتهمين الكبار في دعم وتنفيذ سياسات النظام، وكذلك ما صرحت به وزارة الداخلية عن اعتقالها لعدد من سجاني سجن صيدنايا، وإتاحتها للقاء عدد من الضحايا بسجانيهم، يقودنا دائمًا للتفكير بالمصائر الشخصية لهؤلاء الذين جعلوا حيوات الآخرين جحيمًا، فالموقف هنا ليس مادة للتأمل في اللحظة الدرامية فحسب، بل هو أيضًا تأمل في المعنى الإنساني لمفهوم العقاب، والتركيز على عدم الإفلات منه! وإذا قُيض لهذا المسار أن يكتمل، فإن البلاغة المنتظرة منه تتأتى من خلال محاسبة كل إجرام حدث في مفاصل الحياة السورية، أي أن على كل من شارك في تيسير عمل الأجهزة القمعية التي سفكت الدماء والأرواح أن يُحاسب، حتى وإن احتاج الأمر لعقود من الزمن، فمثلما جرى على السوريين وقع على آخرين، والقصص التي نُقلت من تجارب الشعوب كثيرة، وتمنح الأمل بأن العدالة ستطال الآثمين.

ليست مواجهة الضحية مع جلاده نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية؛ فإما أن تصير جسرًا نحو عدالة تعيد للروح كرامتها، أو تظل ندبة مفتوحة في ذاكرة وطن يبحث عن شفاء. وحين تُرفع القيود عن الأيدي، يجب أن تُرفع أولًا عن القلوب، لتكتمل القصة بمعنى الحرية لا بثقل الانتقام.

تلفزيون سوريا

————————–

محاكمة المجرمين في سوريا أمام أعين الجميع/ فضل عبد الغني

23/8/2025

يمثل التمييز بين التحقيق الجنائي والمحاكمة أحد أهم التقسيمات البنيوية في أنظمة العدالة الجنائية المعاصرة؛ فهو حد فاصل ذو تبعات قانونية وإجرائية وحقوقية عميقة تتجاوز بكثير مقتضيات الملاءمة الإدارية.

هذا التقابل بين مرحلة تحقيق سرية تكرس لجمع الأدلة، ومحاكمة علنية قائمة على الخصومة، يشكل الأساس الذي تنهض عليه ضمانات المحاكمة العادلة.

غير أن هذا الحد يتعرض لتآكل متزايد بفعل ممارسة بث إجراءات التحقيق، وهي ظاهرة تحول ما ينبغي أن يبقى عملا قضائيا سريا إلى استعراض علني، بما يخلف ضررا لا رجعة فيه بجملة الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة المعترف بها في مختلف الأطر القانونية الدولية.

سرية التحقيقات الجنائية كضرورة قانونية

تهدف التحقيقات الجنائية ابتداء إلى التحقق مما إذا كانت الأدلة كافية للادعاء، وهي وظيفة تقتضي ضمانات إجرائية مغايرة لتلك اللازمة في مرحلة المحاكمة، وتشمل هذه المرحلة جمع إفادات الشهود، وتأمين الأدلة المادية، والاستعانة بالخبرة الفنية، واتخاذ قرارات بشأن التدابير القسرية كالتوقيف أو التفتيش والمصادرة.

وتقر المادة 14 (1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بهذا التمييز، إذ تجيز استبعاد الجمهور بالقدر الضروري حيثما تخلّ العلنية بمصلحة العدالة، معترفة بأن مرحلة التحقيق تستلزم ضمانات مختلفة، وأن السرية فيها شرط أصيل لصون نزاهة الإجراءات.

وتؤسس المبادئ التوجيهية الدولية لثلاثة مبررات رئيسة لسرية التحقيقات، يعكس كل منها بعدا حاسما في فاعلية منظومة العدالة:

    أولا، حماية سلامة الأدلة، بما يحول دون تكييف الشهادات بعد الاطلاع الانتقائي على المعلومات، ويمنع تنسيق روايات المشتبه بهم أو العبث بالأدلة، ويحافظ على مصداقية عملية الاستقصاء.

    ثانيا، حماية المشاركين، عبر وقاية الشهود والضحايا وأعضاء فرق التحقيق من التدخل والانتقام والترهيب، بما يضمن سلامتهم واستمرار قابليتهم للتعاون مع السلطات القضائية.

    ثالثا، وهو الأهم، صون قرينة البراءة، من خلال الحيلولة دون كشف مبكر قد يؤثر في القضاة أو المحلفين المحتملين قبل أي حكم قضائي بالإدانة.

وتشدد إرشادات التحقيق في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على أن السرية “ضرورية لفاعلية عملية التحقيق في حالات سوء السلوك المزعوم”، وتوسع نطاق هذا الالتزام ليشمل جميع فئات العاملين والمتعاونين، بمن في ذلك المحققون والإدارة والموظفون وغير الموظفين.

ويعكس هذا التصور الشامل إدراكا أن نزاهة التحقيق رهينة بالحفاظ على حدود تدفق المعلومات عبر البنية المؤسسية برمتها، لا على مستوى الفاعلين الأفراد فحسب.

علنية المحاكمة كضمانة ديمقراطية

على النقيض من طور التحقيق السري، تعنى المحاكمات بالحسم في الإدانة أو البراءة على أساس لوائح الاتهام المرفوعة بعد اكتمال التحقيق وبصورة منفصلة عنه، وفق مبادئ العلنية وتكافؤ الخصوم.

ويعد الطابع العلني ركنا أصيلا في الحق في محاكمة عادلة؛ إذ تنص المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 6 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على أن تكون الجلسات علنية ما لم تطبق استثناءات محددة بدقة.

وتنهض العلنية بوظائف ديمقراطية أساسية تضمن مشروعية الحوكمة: إخضاع الإجراءات القضائية للتدقيق العام، ورفع جودة القرارات بفعل الرقابة المجتمعية على عملية صنعها، وتعزيز ثقة الجمهور في النتائج عبر جلسات مفتوحة.

وترتكز مرحلة المحاكمة على مبدأ المساواة بين الخصوم، فيخضع الدليل فيها للجدل والاختبار من جانب الادعاء والدفاع، ويحافظ القضاة على الحياد بين الأطراف، وتصدر الأحكام معللة في جلسات علنية.

وهذا يختلف جوهريا عن طور التحقيق الذي تتدفق فيه المعلومات من الخاضعين له إلى السلطات في إطار من السرية، دون الضمانات الكاملة للخصومة التي تميز إجراءات المحاكمة.

حين تتحول التحقيقات إلى مشهد استعراضي

يشكل تصوير أو بث جلسات التحقيق انتهاكا لضمانات المحاكمة العادلة المعترف بها دوليا، ويخلف ضررا لا يمكن تداركه، وقد يفضي إلى إبطال الإجراءات برمتها، وقد قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مرارا بأن التصوير العلني المبكر للمشتبه بهم بما يوحي بالذنب يخالف قرينة البراءة المكرسة في المادة 6 (2) من الاتفاقية الأوروبية.

وفي قضية تورييف ضد روسيا، رأت المحكمة انتهاكا حين وصف نائب المدعي العام مشتبها به علنا بأنه “قاتل” قبل إدانته، مؤكدة أن مثل هذه التصريحات “تشجع الجمهور على الاعتقاد بالذنب وتصدر حكما مسبقا على التقييم القضائي للوقائع”.

ويفاقم بث أعمال التحقيق هذه المخاطر عبر إظهار المشتبه بهم وهم يجيبون عن أسئلة مدانة ظاهريا، بما يهيئ الرأي العام وصانعي القرار المحتملين لافتراض الذنب قبل أي حكم قضائي.

ويمثل حكم المحكمة العليا الأميركية في قضية ريدو ضد لويزيانا سابقة دامغة على الضرر غير القابل للإصلاح الناجم عن بث الاعترافات أو إجراءات التحقيق؛ إذ قررت المحكمة أن بث اعتراف مصور يشكل “محاكمة” للمتهم، وأن ما تلا ذلك من إجراءات قضائية لم يكن سوى “شكليات خاوية”.

وقد أذيع الاعتراف ثلاث مرات وشاهده 106 آلاف شخص في أبرشية يبلغ سكانها 150 ألف نسمة، ما حمل المحكمة على نقض الإدانة دون الحاجة إلى مراجعة محاضر الجلسات التمهيدية، مؤكدة أن “ذلك المشهد كان، لعشرات الآلاف ممن شاهدوه وسمعوه، محاكمة فعلية لريدو”، وأن أي إجراءات لاحقة تختزل إلى شكل بلا مضمون قضائي ذي معنى.

كما يحظر توجيه الاتحاد الأوروبي رقم 2016/343 بشأن قرينة البراءة صراحة تقديم المشتبه بهم “على أنهم مذنبون من خلال استخدام تدابير التقييد الجسدي”، ويلزم الدول “بالامتناع عن الإدلاء بتصريحات علنية تشير إلى المشتبه به أو المتهم على أنه مذنب”.

ويصطدم بث إجراءات التحقيق بكلا المعيارين معا، منتجا انتهاكات مركبة تتجاوز الوقائع الفردية لتقوض البنية الضامنة للمحاكمة العادلة.

ولا تجدي التدابير التصحيحية الإجرائية اللاحقة في جبر هذا الضرر؛ إذ إن علانية محتوى التحقيق، متى وقعت، تلحق بقرينة البراءة مساسا لا يمكن محوه بالكامل مهما تكرست التعليمات القضائية.

العواقب النظامية والإخفاقات المؤسسية

يقوض بث أعمال التحقيق نزاهة منظومة العدالة الجنائية عبر سلسلة من الإخفاقات المتتابعة، ويحدث “تلويث الشهود” حين يطلع شهود محتملون على أدلة مجتزأة فيعدلون رواياتهم، فتضعف مصداقية الشهادات، وقد تستبعد أدلة حاسمة من المحاكمة.

كما يتيح البث للمشتبه بهم والمتواطئين تنسيق الردود أو إتلاف الأدلة، بما ينال من فاعلية التحقيق ويفتح منافذ للإفلات من المساءلة. ويغدو من حق الدفاع، بصورة مشروعة، الطعن في الأدلة المشوهة، أو طلب إعادة التحقيق برمته، فتنشأ تعقيدات إجرائية قد تعصف بإمكان المقاضاة أصلا، بصرف النظر عن الإدانة أو البراءة.

إن إرشادات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومكتب خدمات الرقابة الداخلية تلزم المحققين صراحة بالحفاظ على سرية جميع المعلومات غير العلنية، ويعد تسريبها أو بثها سوء سلوك قائما بذاته.

وترتب مدونات الإجراءات الوطنية التزامات مماثلة على القضاة وأعضاء النيابة العامة، بما ينشئ مسؤولية تأديبية محتملة لأي مسؤول يسهل إتاحة هذه المعلومات.

كما تؤكد إرشادات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن حماية الشهود تقتضي “الحفاظ على سرية التحقيقات وتقنين التواصل المؤسسي”، وهي معايير تناقض مباشرة تحويل مرحلة بالغة الحساسية إلى عرض علني.

ويتجاوز الضرر المؤسسي نطاق القضايا الفردية لينال من ثقة الجمهور بمنظومات العدالة ذاتها. فعندما تختزل إجراءات التحقيق إلى فرجة عامة، يتلاشى الفارق بين العملية القضائية المشروعة والاستعراض الإعلامي، فتتقهقر الهيبة والسلطة اللازمتان لإنفاذ القانون بفاعلية.

ومع تصاعد الانطباع بأن الدعاية مقدمة على نزاهة الإجراء، تتآكل ثقة المواطنين، ويتردد الشهود المحتملون في التعاون خشية نشر إفاداتهم قبل المحاكمة.

وتنتج هذه المفاعيل حلقات تغذية راجعة تضعف تدريجيا كفاءة النظام، وتقوض في المحصلة سيادة القانون نفسها.

بدائل مشروعة لإثبات الاحتجاز

تملك السلطات الساعية إلى تأكيد احتجاز المتهمين، وفي نفس الوقت الالتزام بالإجراءات، بدائل عديدة توازن بين الشفافية وصون ضمانات المحاكمة العادلة دون كشف مضامين التحقيق.

ويمكن تحقيق الشفافية الإجرائية عبر صيغ علنية محكمة: بيانات صحفية تؤكد وقوع التوقيف دون الخوض في الأدلة أو توصيف الذنب، وعرض عام لموضوع الاتهام دون تفاصيل من ملف التحقيق، وتأكيد مراعاة الضمانات الإجرائية دون كشف محتوى الاستقصاء، وتحديثات زمنية بشأن سير الإجراءات دون إفصاحات تفصيلية.

تلبي هذه الأدوات المصلحة العامة المشروعة في الاطمئنان إلى التصرف وفق القانون، مع الإبقاء على السرية اللازمة لصون التحقيق وفاعليته.

كما تستطيع هيئات الرصد المستقلة التحقق من قانونية الاحتجاز وسلامة الإجراءات دون نشر عام لمحتوى التحقيق. ويمكن لمنظمات حقوق الإنسان، ولجان الرقابة القضائية، والمراقبين الدوليين الاطلاع على المعلومات الضرورية بموجب ترتيبات للسرية، بما يوفر آليات مساءلة تحمي المصلحة العامة وحقوق الدفاع معا.

وقد أثبت هذا النهج فاعليته في ولايات قضائية متعددة، ما يظهر أن الشفافية والسرية لا تتعارضان بالضرورة متى أُحسن تصميم التوازن المؤسسي بينهما.

الخاتمة

تتجاوز ضرورة صون الحد الفاصل بين التحقيق والمحاكمة مجرد المتطلبات الفنية لتلامس صميم الحوكمة الديمقراطية. ويقتضي الأمر موازنة دقيقة بين المطالب المشروعة بالشفافية والاحتياجات المماثلة في مشروعيتها؛ لصيانة نزاهة الإجراءات، مع التسليم بأن تأخر العدالة بسبب مراعاة الأصول الإجرائية أولى بكثير من حرمانها بسبب انتهاكها.

وفي ظل التحديات المتنامية التي تعترض سلامة منظومات العدالة، يزداد التشبث بهذا الفصل أهمية، ويجب مقاومة إغراء التضحية بالضمانات الإجرائية إرضاء للنزعة الشعبوية أو لمصالح سياسية آنية؛ فمتى تآكلت هذه الحدود صار ترميمها أقرب إلى المستحيل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، حاصل على الماجستير في القانون الدولي، ومتوّج بالجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام  2023

الجزيرة

—————————–

العدالة الانتقالية في سوريا: بين الذاكرة والإنصاف/ ميسون محمد

19 أغسطس 2025

في سياق التحولات العميقة التي تعصف بالمجتمعات الخارجة من أتون الصراعات المسلحة، تبرز العدالة الانتقالية كضرورة تاريخية، وليست مجرد خيار سياسي أو قانوني. فالدول التي عانت من حروب ونزاعات، كالحالة السورية، تجد نفسها أمام مفترق طرق، إما الانزلاق مجددًا إلى دوامة العنف، أو السعي الجاد نحو ترسيخ أسس الاستقرار والمصالحة الوطنية. العدالة ليست عبئًا على حاضر الشعوب، بل هي الجسر الأكثر صلابة لعبور الماضي نحو مستقبل أكثر إنصافًا وأمنًا.

ومن هنا، تصبح العدالة الانتقالية فعل تأسيسي لإعادة بناء العقد الاجتماعي، حيث تتلاقى الإرادة الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان في نقطة مركزية واحدة وهي ألا تُترك الجراح مفتوحة، وألا يُسمح للذاكرة الجمعية أن تتحول إلى خزان للكراهية والثأر.

عدالة تضمن الاستقرار

في مرحلة ما بعد الصراع، لا يكفي تغيّر ملامح السلطة السياسية كي يُقال إن المجتمع قد دخل طور التعافي. فالحقيقة الأشد تعقيدًا تكمن في أن مفاعيل النظام السابق لا تزول بزواله الرسمي، بل تبقى حاضرة في البُنى العميقة للدولة والمجتمع، من مؤسسات مشبعة بثقافة الإفلات من العقاب، إلى منظومات قانونية وإدارية ما زالت تحمل بصمات الحقبة الماضية.

في الحالة السورية، حيث انفتحت الذاكرة الجمعية على جراح لم تُعالج، فإن العدالة الانتقالية تمثّل الإطار الأنجع لإعادة هندسة العلاقة بين المواطن والدولة، ليس على قاعدة استبدال وجوه سياسية بأخرى، بل عبر مراجعة شاملة للمنظومة التي سمحت بتكريس العنف وانتهاك الكرامة.

إن المصالحة الوطنية الحقيقية لا تُبنى على التجاهل أو الإنكار، بل على إقرار مسؤول، ومحاسبة عادلة، ومصارحة تفتح المجال أمام بناء ثقة جديدة. ومن دون هذا المسار، فإن الاستقرار سيظل هشًا، وعرضة للانهيار كلما اصطدم الماضي غير المحسوم بالحاضر المرتبك.

محاسبة تنصف الذاكرة

في كل تجربة انتقالية، يبرز سؤال العدالة الجنائية بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، لكنه أيضًا الأكثر تعبيرًا عن صدقية التحول وشرعيته الأخلاقية. ففي سوريا، حيث تم ارتكاب انتهاكات ممنهجة طالت بنية الإنسان قبل عمران المكان، لا يمكن لأي مسار عدالة انتقالية أن يكتسب مشروعيته الأخلاقية دون أن يضع مطالب أهالي الضحايا في صُلب أولوياته. هؤلاء لا يبحثون عن تعويض رمزي، ولا عن اعتذارات سياسية متأخرة، بل عن حقيقة يُعترف بها، وعدالة تُمارس في قاعات المحاكم.

إن المحاكمات العادلة، التي تجري ضمن أصول قانونية واضحة وتحت رقابة مستقلة، تشكّل لحظة مفصلية في الانتقال من مرحلة الإنكار إلى عهد جديد تُعاد فيه الكرامة. وهي، في جوهرها، ليست مجرد فعل قضائي، بل خطوة سياسية وثقافية، تهدف إلى تفكيك بنية الإفلات من العقاب، وإعادة صياغة مفهوم السلطة على أسس جديدة، حيث يُنظر إلى الضحية لا كرقم في السجلات، بل كإنسان له صوت وحق وذاكرة. من دون هذا الاعتراف، فإن أي حديث عن مصالحة أو استقرار سيبقى محكومًا بالبتر ويستحيل على ذاكرة الوطن أن تتعافى.

الحق لا يسقط

في مسارات العدالة الانتقالية، غالبًا ما تميل الأنظمة السياسية الجديدة إلى استخدام أدوات العفو العام كوسيلة لطي صفحة الماضي، مدفوعة بهاجس الاستقرار السياسي أو تحت ضغط التسويات الهشة. لكن هذا الميل، وإن بدى في ظاهره منطقيًا، لا يجوز أن يمتد إلى المس بالحق الشخصي الذي يُعدّ أحد أركان العدالة الأصيلة، لا المجازية.

فالحق العام قد يكون عرضة للتقدير السياسي، وقد تتدخل فيه اعتبارات مصلحية أو مرحلية، لكن الحق الشخصي – وهو المتصل بالأذى المباشر الذي لحق بأفراد بعينهم – لا يملكه أحد لكي يتنازل عنه نيابة عن صاحبه، ولا يسقط بالتقادم ولا بالمساومة.

في السياق السوري، حيث ارتكبت انتهاكات ممنهجة ضد الشعب السوري، فإن الحفاظ على الحق الشخصي يمثل معيارًا أخلاقيًا وقانونيًا لتماسك أي عدالة انتقالية مزعومة. تجاهل هذا الحق – تحت عنوان المصلحة الوطنية أو التسامح التاريخي – لا يُنتج عدالة، بل يكرّس غيابها، ويحوّل الذاكرة الفردية إلى قنابل صامتة قابلة للانفجار.

إن محكمة لا تسمع لصوت الضحية، ولو كان وحيدًا، ليست محكمة بل واجهة شكلية لصفقات النسيان. لذلك، يجب أن يكون الاعتراف بحقوق الضحايا ومقاضاة من انتهكها التزامًا غير قابل للتفاوض، يُرسّخ الإيمان بأن الدولة القادمة لن تتأسس على العفو، بل على التوازن بين الحقوق والمساءلة.

هيئة بصلاحيات سيادية

ليست العدالة الانتقالية سلسلة شعارات تطلقها السلطات الجديدة، بل عملية معقدة تتطلب أدوات تنفيذية واضحة، على رأسها هيئة وطنية مستقلة وذات صلاحيات سيادية، لا تخضع للإملاءات السياسية ولا تُدار بمنطق الترضيات. إن أحد أبرز مؤشرات جدّية الدولة في التعامل مع تركة الانتهاكات هو وجود كيان مؤسسي يُعنى بإدارة ملف العدالة الانتقالية بمنهجية علمية ومسؤولية تاريخية.

وفي السياق السوري، تم بالفعل تشكيل هيئة وطنية تُعنى بالعدالة الانتقالية، وهو تطوّر يُعد خطوة أساسية نحو مقاربة واعية لمقتضيات المرحلة. غير أن مجرد التشكيل لا يكفي ما لم يُقرَن بتمكين حقيقي. فهذه الهيئة مطالَبة بأن تمثل مختلف المكونات المجتمعية، وأن تستند إلى خبرات قانونية وحقوقية وطنية، وتُشرك الضحايا لا باعتبارهم شهودًا على الألم فحسب، بل شركاء في رسم مسار العدالة. كما ينبغي أن تنسجم في تكوينها وآلياتها مع القيم الأممية، دون أن تنفصل عن السياق الوطني ومتطلباته.

وعليه، فإن التحدي القائم اليوم لا يتعلق بوجود الهيئة، بل بمدى ما تُمنح من استقلالية قانونية، وصلاحيات فعلية في التوثيق والمساءلة، وصياغة آليات جبر الضرر وضمانات عدم التكرار. فنجاح الهيئة في أداء دورها هو ما سيحول العدالة الانتقالية من إطار نظري إلى مسار فعلي، ومن ورقة تفاوضية إلى مشروع أخلاقي جامع.

إن مستقبل العدالة في سوريا مرهون بقدرة هذا الجسم المؤسسي على فرض معايير الشفافية، وكسب ثقة المواطنين، والتعامل مع ذاكرة الألم بحياد وشجاعة ومسؤولية وطنية.

في سوريا، كما في أي بلد جُرِح في كرامته الجماعية، لا يمكن أن تنهض دولة من تحت أنقاض الألم من دون عدالة. والعدالة الانتقالية ليست خيارًا تكتيكيًا، بل قرارًا استراتيجيًا بامتياز، يحدد طبيعة الدولة القادمة، هل ستكون دولة ذاكرة واعية أم دولة نسيان قسري؟ هل ستكون دولة مواطنة ومساءلة؟

إن مستقبل سوريا يتوقف على إجابة دقيقة لهذا السؤال. وإذا كنا نريد وطنًا يتسع لأبنائه، فعلينا أن نبدأ من حيث توقف النزف، وأن نبني ذاكرة لا تُقصي أحدًا، وعدالة لا تُجامل أحدًا، ومصالحة لا تُشبه الغفران المجاني، بل تُشبه العدل حين يُمارس بكرامة وصدق.

الترا سوريا

———————————

سجّانون في صيدنايا يعترفون بجرائم.. ضرب حتى الموت وإعدامات

24 اغسطس 2025

بثت وزارة الداخلية السورية، ليل أمس السبت، مقطع فيديو تضمن اعترافات أدلى بها عدد من السجّانين في سجن صيدنايا خلال حكم نظام الأسد المخلوع في مواجهة سجينَين اثنين ناجيين تحدثا عن تعرضهما لعمليات تعذيب وحشية. وأكدت الوزارة أنها تواصل العمل لملاحقة المجرمين، وطالبت بأن يتعاون المواطنون معها في هذا الملف، وعدم التستر على المجرمين.

وظهر في الفيديو ثلاثة سجّانين يتحدرون من بلدة خربة التين التابعة لمنطقة تلكلخ في ريف حمص الغربي، شاركوا في عمليات تعذيب وقتل واغتصاب داخل سجن صيدنايا. وقال أحدهم، ويُدعى ماهر درويش، الذي خدم في سجن صيدنايا الأحمر: “كنا نعلق المعتقلين بالسلاسل ونتناوب على ضربهم حتى الموت، وكان يشارك بين خمسة وستة سجانين في عملية الضرب، ويتعمدون تجويع السجناء وعدم منحهم الطعام مدة خمسة أيام كي لا تصدر عنهم رائحة عند إعدامهم”. أضاف: “عام 2023 نقلنا 130 شخصاً إلى الإعدام، وأجبرنا السجناء على نقلهم إلى السيارة، وأخذناهم إلى مشفى تشرين العسكري. وكنت أقدم طلباً لمدير السجن كي يحضر لنا النساء، ونفذت عمليات اغتصاب وقتلت النساء”.

أما السجّان حيان داوود الذي أدى ستة أشهر من خدمته الإلزامية في سجن صيدنايا، فأوضح أن السجّانين كانوا يشغلون وحدات التهوية للتغطية على صوت عمليات التعذيب والإعدام، لأن المعتقلين كانوا يصرخون بشدة خلال عمليات التعذيب قبل قتلهم. وقال: “رأيت 200 شخص مكبلين بسلاسل. كنا ننفذ حكم الإعدام ونضعهم في السيارات ليُنقَلوا إلى مشفى حرستا، وهناك يُرقمون”.

بدوره قال السجّان رمضان علي عيسى إن أحد الضباط كان يحقن السجناء بمادة تتسبب بموتهم على الفور، وقال: “في الطابق السفلي كنا نسمع صوت الموقوفين عند أخذهم للإعدام”.

ووجهاً لوجه تحدث السجين أحمد خالد محيميد عن عمليات التعذيب والإهانة التي مارسها السجّان ماهر درويش، وقال: “في إبريل/ نيسان 2018 كان درويش ضمن المشرفين على عمليات التعذيب. نُقلنا إلى بناء التفتيش ببراد السجناء، وهناك ضربونا بشدة حتى التسبب بالموت. كان شقيقي عبد الله يعاني من مرض الربو، وحين احتاج إلى بخاخ كان السجّانون يردون: يجب أن تموت، ويهينونه. أخي استشهد داخل المعتقل، وسبب موته ماهر درويش”. وتحدث عن واحدة من الممارسات التي نفذها درويش، قال: “كانوا يحضرون لنا الشاي يوم الخميس، فتبوّل درويش داخله، وقال إنه يجب أن نشرب الشاي أو نتعرض لـ400 جلدة. أجبرنا على شرب بوله”.

وتحدث معتقل آخر عن تعرضه لضرب وحشي من قبل السجّانين، وقال: “ضربوني بالهراوة وخرطوم أخضر وأنبوب معدني مزود بأشواك يتسبب بضرر في العظم، وكان بين السجّانين حيان داوود”.

وأوضح محمد عبد القادر، مسؤول الأمن الداخلي في وزارة الداخلية، أن القبض على السجّانين الثلاثة الذين ارتكبوا مجازر بحق السجناء في صيدنايا حصل في منطقتي الحولة وتلكلخ، وهم كانوا يحاولون الفرار خارج البلاد، واعتقلوا كي ينالوا جزاءهم العادل، وقوات الأمن الداخلي لن تدخر أي جهد لحماية كل فرد، ونحتاج إلى مواطنين لا يتسترون على المجرمين”.

وكانت منظمة العفو الدولية قد أوردت في تقرير أصدرته أخيراً بعنوان “مسلخ بشري: شنق جماعي وإبادة في سجن صيدنايا” أنه خلال 5 سنوات فقط أُعدم 13 ألف شخص شنقاً في سجن صيدنايا.

العربي الجديد

————————————

 معتقلو صيدنايا بمواجهة سجّانيهم: أجبرنا على شرب البول

الأحد 2025/08/24

أعلنت وزارة الداخلية السورية القبض على عدد من سجاني سجن صيدنايا، بعد عملية أمنية نفّذتها الوحدات الأمنية في منطقتي الحولة وتلكلخ في ريف حمص.

عمل استخباراتي

وقالت الداخلية السورية إن القبض عليهم أتى بعد وضع خطة متكاملة وعمل استخباراتي ورصد مسبق، مشيرةً إلى أن هؤلاء السجانين ارتبكوا المجازر بحق السوريين داخل سجن صيدنايا.

وأوضحت أنهم كانوا يحاولون الفرار خارج البلاد، وجرى القبض عليهم وتقديمهم للقضاء العادل، مؤكدةً استمرار ملاحقة المجرمين الذي ارتكبوا انتهاكات ومجازر بحق السوريين.

وجهاً لوجه

وعرضت الداخلية السورية لقطات من مواجهة مباشرة بين معتقلين سابقين في سجن صيدنايا، مع هؤلاء السجانين، وجهاً لوجه.

وواجه أحد المعتقلين سجّانه، وذكّره كيف أجبرهم ذات مرة مع معتقلين آخرين داخل السجن، على شرب بوله، بعد أن بال داخل إناء من الشاي، مهدداً إياهم بالتعذيب في حال رفضوا شربه، مما دفعهم لشربه خوفاً من ذلك.

معتقل آخر، واجه سجّانه، وذّكره كيف كان يعذبه بأدوات معدنية وبلاستيكية، كما أظهر له علامات التعذيب التي مازالت محفورة على جسده.

واعترف السجانون بما قاله المعتقلون، كما روى أحدهم كيف كان يطلب من أحد المسؤولين عن سجن صيدنايا، جلب نساء إلى داخل السجن كي يقوم باغتصابهن، مؤكداً أنه كان يقوم بقتلهن بعد ذلك.

سجان آخر، تحدث عن مشاركته بإعدام معتقلين داخل سجن صيدنايا، مؤكداً أنه في إحدى عمليات الإعدام الجماعي، تم إعدام 200 معتقل دفعة واحدة. كما تحدث عن عمليات حقن المعتقلين بمواد لم يوضح ما هي، لكنه أكد أنها كان

——————————–

وجها لوجه ضحايا صيدنايا يواجهون جلاديهم/ عمر زقزوق

24/8/2025

“تذكرتني ولا ما تذكرتني؟” “تتذكر بشو كنتوا تضربوني؟”.. بهذه العبارات بدأ جمهور منصات التواصل الاجتماعي تداول مقطع فيديو نشرته وزارة الداخلية السورية، يتضمن اعترافات لسجانين كانوا يعملون في سجن صيدنايا، المعروف بمصطلح “المسلخ البشري” وأحد أكثر معتقلات الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد وأبيه حافظ إجراما في سوريا.

وقد عنونت الوزارة الفيديو الذي بثت فيه هذه الاعترافات: “وجها لوجه، يلتقي الضحية بجلاده في سجن صيدنايا، بعدما ظن أن الهروب سينهي الحكاية… لكن للعدالة باب لا يغلق”.

وأظهر المقطع شهادات ومواجهة بين بعض المساجين الذين كانوا في سجن صيدنايا وسجانيهم، حيث بدأت المواجهة بسرد طرق وأساليب التعذيب التي كانوا يتعرضون لها.

ومع نشر وزارة الداخلية المقطع، سعى رواد العالم الافتراضي إلى متابعة الاعترافات واستخلاص أهم ما جاء فيها.

فأشار مدونون إلى أبرز ما اعترف به سجانو صيدنايا: أنهم كانوا يأخذون المعتقلين إلى الغرفة، يعلقونهم بالسلاسل ويتناوبون على ضربهم حتى يموتوا!

وأضافوا بالقول: كانوا يضعونهم في الزنازين الانفرادية ويتركونهم أربعة إلى 5 أيام بلا طعام أو شراب، حتى إذا أعدموهم لا تظهر رائحة جثثهم.

وأشار أحد السجانين إلى أنه عند تنفيذ حكم الإعدام، كانوا يشغّلون أجهزة التدفئة لأن صوتها المرتفع يغطي على صراخ الضحايا.

وذكر سجان آخر في سجن صيدنايا أن أكبر عدد شاهدهم معلقين بالسلاسل كان 200 شخص، كانوا ينقلونهم إلى الإعدام ثم إلى مستشفى حرستا، حيث توضع عليهم أرقام ولا يُعرف بعدها ما يحدث لهم.

وأضاف السجان أن أحد الضباط كان يأتي ويحقن الموقوف المريض بإبرة، وبعد ربع ساعة يموت!

وأكثر ما صدم جمهور منصات التواصل حين ذكر سجان أنه كان يقدم طلبا “لصف ضابط” ليجلب لهم فتيات لاغتصابهن وقتلهن؛ واعترف هذا السجان أنه اغتصب 9 فتيات! وأنهم كانوا يطلبون الفتيات من مساعد مدير السجن بشكل دوري.

وعلق وزير الداخلية السوري أنس خطاب على المقطع قائلا “تكفي هذه الصورة لإيصال رسالة لكل حر مظلوم، مفادها أنه مهما طال ليل الظلم والإجرام، فلا بد لشمس الحرية والكرامة أن تشرق من جديد مهما طال انتظارها.”

وبعد سماع رواد العالم الافتراضي لهذه الاعترافات علقوا بالقول “لو لم نحرر في سوريا سوى سجن صيدنايا لكفى!! ولن تجد تغريدة أو كلمة تصف حقيقة هذا السجن، حتى كلمة “سجن” تبدو رحيمة بالمقارنة مع ما يحدث هناك”.

وأشار آخرون إلى أن أجمل اللحظات هي رؤية الظالم يقف ذليلا أمام من ظلمه ويعترف بما اقترفت يداه بحقه.

واعتبر بعضهم الخطوة إيجابية، قائلين “كي لا ينسى البعض أو يتناسى إجرام نظام الأسد ويتسامح مع الجلادين. العدالة هي حجر الأساس لمستقبل سوريا، ولا أمل في هدوء النفوس دون محاسبة مجرمي الحرب”.

وأضاف ناشطون أن نشر اعترافات سجاني صيدنايا خطوة مهمة جدا، وقد كتب بعضهم مرارا عن ضرورة نشر تقارير أسبوعية أو شهرية حول “المسلخ البشري” #سجن_صيدنايا على قناة الإخبارية وباقي المواقع، ليعرف العالم كله حجم المعاناة التي عشناها في ظل حكم عصابة الأسد ومن معهم.

ولفت مدونون الانتباه إلى أن سجن صيدنايا يعد مقرا لمحاكمات المجرمين والإرهابيين، وأنه يجب نقل المحاكمات علنا عبر شاشات التلفزيون ليشاهدها العالم أجمع، وتُشفى قلوب الثكالى ولو قليلا.

وأن سجن صيدنايا يجب أن يتحول إلى رمز عالمي للحرية.

المصدر: الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

———————————

 وجهاً لوجه.. معتقلون سابقون يواجهون سجّاني صيدنايا بعد سنوات من الرعب

2025.08.24

أعلنت وزارة الداخلية السورية إلقاء القبض على عدد من السجّانين السابقين في سجن صيدنايا، المتورطين في ارتكاب جرائم وانتهاكات جسيمة بحق المعتقلين.

وأوضحت الوزارة أن العملية تمت ضمن خطة أمنية محكمة، تضمنت عملاً استخبارياً ورصداً مسبقاً، بالتنسيق بين وحدات الأمن في منطقتي الحولة وتلكلخ بريف حمص.

وأكدت أن الموقوفين كانوا يحاولون الفرار خارج البلاد قبل أن يتم اعتقالهم وتقديمهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، مشددة على أن “لا تسامح مع من يعبث بأمن الوطن والمواطن”.

وأشارت إلى أن قوى الأمن الداخلي ماضية في ملاحقة المتورطين بجرائم بحق الشعب السوري، مؤكدة أنها “لن تدخر جهداً في حماية كل فرد على هذه الأرض الطيبة”، مع التشديد على أهمية وعي المجتمع في مكافحة الجريمة وعدم التستر على المجرمين.

مواجهة وجهاً لوجه

أدلى بعض الموقوفين باعترافات تفصيلية عن أساليب التعذيب والإعدامات الميدانية داخل السجن. تحدث أحدهم عن تنفيذ أحكام إعدام جماعية بحق مئات المعتقلين، بينما كشف آخر عن طلبه “بنات لاغتصابهن” بتسهيل من مسؤولين داخل السجن، مؤكداً وقوع اعتداءات متكررة على النساء.

وواجه معتقلون سابقون سجّانيهم وجهاً لوجه، وفي هذا السياق، قال وزير الداخلية السوري أنس خطاب في تغريدة على منصة “إكس” إن “هذه الصورة تكفي لإيصال رسالةٍ لكل حرّ مظلوم، مفادها أنه مهما طال ليل الظلم والإجرام، فلا بد لشمس الحرية والكرامة أن تشرق من جديد مهما طال انتظارها”.

وأضاف الوزير أن “يد العدالة ستطال كل ظالمٍ وقاتل مهما حاول الهروب، وأن الحق لا يموت بالتقادم”، مشيراً إلى أن ما جرى يُلخّص حكاية الألم والأمل بين الماضي والمستقبل، مؤكداً أن “لكل ظالم نهاية، طال الزمان أم قصر”.

————————————

ملف أبناء المعتقلين والمغيبين.. نقص التمويل يهدد عمل لجنة التحقيق

22 أغسطس 2025

بعد سقوط النظام السوري السابق في أواخر العام الفائت 2024، برزت إلى الواجهة قضية إخفاء أطفال المعتقلين والمغيبين قسريًا التي بدأت تتكشف بعض تفاصيلها ما دفع الجهات المعنية للتحرك عبر النيابة العامة التي أصدرت مذكرات توقيف بحق عدد من المتورطين ومنهم وزراء سابقين للشؤون الاجتماعية والعمل.

تشير المعلومات بحسب تقارير حقوقية منها تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان في حزيران/ يونيو الفائت إلى وجود نحو 3700 طفل ضمن دور الرعاية تم تغييبهم قسريًا وبصورة غير شرعية.

والأطفال المفقودون، هم أطفال جرى اعتقالهم مع ذويهم خلال السنوات السابقة، ومن ثم تم فصلهم وإرسالهم إلى دور أيتام منها، جمعية المبرة، وقرى الأطفال SOS ودار الرحمة للأيتام، ولحن الحياة. إلى جانب قيام أجهزة النظام السابق بتغيير أسماء بعض الأطفال وتغيير نسبهم من خلال التلاعب بالسجلات الرسمية.

لجنة تحقيق

شكّلت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لجنة تحمل الرقم (1816) في شهر أيار/ مايو الفائت سميت بـ “لجنة التحقيق في مصير بنات وأبناء المعتقلات والمعتقلين والمغيبات والمغيبين قسريًا”، ومن مهامها البحث والتقصي حول الأطفال الذين فقدوا في دور الرعاية الواقعة ضمن مناطق سيطرة النظام المخلوع.

وبعد أشهر من تشكيل تلك اللجنة، قالت مصادر مطلعة على عملها لموقع “ألترا سوريا” إن واقع العمل على ملف هؤلاء الأطفال يسير ببطء وسط بحث اللجنة عن تمويل لها للقيام بعملها وعجز الحكومة الانتقالية أو عدم رغبتها في تمويل تلك اللجنة من ميزانية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. ما يشير وفق المصادر، إلى أن ملف الأطفال المفقودين ليس في سلم أولويات الحكومة الانتقالية وعلى رأسها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

وتضم اللجنة ممثلين عن جهات حكومية (وزارة الداخلية، ووزارة العدل) ومنظمات مجتمع مدني برئاسة رغداء زيدان مستشارة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل. وبحسب مصادر “ألترا سوريا” فإن عمل اللجنة منفصل عن “القضاء غير المتعاون معها”.

تمويل دولي

حصل موقع “ألترا سوريا” على معلومات تبين أن اللجنة تسعى للحصول على تمويل دولي من منظمات دولية بعد أشهر من عملها بشكل طوعي وبلا تمويل. وقالت مصادر مطلعة على عمل اللجنة “إنّ اللجنة تعمل بلا تمويل حتى اليوم، ما يعيق تنفيذ عملها بالشكل المطلوب”.

لذلك، اتجهت اللجنة للبحث عن تمويل دولي من خلال التواصل مع جهات ومنظمات دولية منها، المؤسسة المستقلة للمفقودين ومقرها جنيف، والمركز الدولي للعدالة الانتقالية الذي تديره نهى قبوات ابنة الوزيرة هند قبوات، وبحسب المعلومات لم يجر التوصل إلى صيغة تمويل تسرّع عمل اللجنة حتى اليوم.

وبررت اللجنة حاجتها للتمويل، وفق المعلومات التي حصلت عليها “ألترا سوريا”، للإسراع في العمل والتقصي عن الأطفال المفقودين، إذ لا يمكن لفريق اللجنة البحث والتنقل على حسابهم الخاص خصوصًا أن عمل اللجنة يتطلب البحث والتقصي في العاصمة وغيرها من المدن السورية.

413 طفلًا

كانت اللجنة قد حصلت على وثائق من دور الرعاية تضم 413 اسمًا لأطفال، لكنها لا تحتوي على بيانات كافية تساعد على تحديد هوياتهم أو الوصول إلى ذويهم، وفق ما قال المتحدث باسم لجنة متابعة مصير أطفال المعتقلين والمغيبين، سامر قربي في تصريحات صحفية.

وأضاف القربي أنّ مرحلة العمل الحالية تتركز على البحث وتقصي الحقائق والمعلومات حول مصير الأطفال، وأن اللجنة فتحت العديد من السجلات خلال الأشهر الماضية لكنها لم تحصل على “معلومات مهمة”، بسبب ما وصفه بـ”تخلف إداري مرعب تركه النظام البائد”.

تحقق من البيانات

بينت المصادر المطلعة أن اللجنة تسعى للتحقق من بيانات الـ 413 طفلًا وإن كانوا فعلًا قد سلموا إلى ذويهم وفقًا للبيانات التي تملكها اللجنة والتي حصلت عليها من دور الرعاية.

كما أوضحت المصادر بأنّ اللجنة تسعى لفتح مسارات مع منظمات دولية لتغطية قضية الـ DNA خصوصًا للأطفال الذين تحوم شكوك بأنهم أبناء معتقلين أو أخوة، وذلك لنفي مسألة مجهولي النسب أو اللقطاء عن الأطفال الذين من الممكن أن يكون قد تم تغير نسبهم في دور الرعاية.

إلى ذلك، تعاني اللجنة من غياب الأرشيف الدقيق وتلف الكثير من الملفات وسط بحثها عن أربعة فئات من الأطفال الذين تم اعتقالهم، وفق ما ذكرت اللجنة في مؤتمر صحفي سابق عقد في وزارة الشؤون في شهر تموز/ يوليو الفائت، وهم أطفال اعتُقلوا برفقة ذويهم وأطفال وُلدوا نتيجة اغتصاب داخل المعتقلات، وأطفال نُقلوا بعد الولادة إلى خارج السجون، بعد أن اعتُقلت أمهاتهم وكنّ حوامل.

وكانت اللجنة قد أطلقت خطين ساخنين ليتمكن أي مواطن ومواطنة أو جهة ما من تقديم معلومات تفيد في عملية الكشف عن مصير الأطفال، إذ يقوم على متابعة هذين الخطين مختصون ومختصات بالموضوع، وفق ما قالت رئيسة اللجنة رغداء زيدان لـ “الإخبارية السورية”.

وأضافت، أن اللجنة خصصت مكتبًا في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لتجميع الملفات ودراستها وتجهيزه باللازم إضافة لمتابعة عملية مراجعة ودراسة الملفات المتعلقة بالأطفال المودعين في دور الرعاية التابعة للوزارة.

———————————

 من ركام حرستا إلى أوشفيتز.. سياحة الذاكرة في سوريا كضرورة اقتصادية وأخلاقية/ مختار الإبراهيم

2025.08.24

لم تكن عودة مروة، يارا، وأحمد إلى سوريا مجرد زيارات عائلية عابرة، بل كانت رحلة في قلب الذاكرة، واصطداماً مباشراً مع أطلال المدن التي حملت طفولتهم وأحلامهم. كل منهم عاد وهو يظن أنه قادر على مواجهة المشهد، لكن الحقيقة كانت أكبر من قدرتهم على الاحتمال، مدن تحولت إلى ركام، بيوت فقدت ملامحها، وشوارع باتت صامتة بعد أن كانت تضج بطفولتهم.

مروة.. طفلة حرستا التي عادت يافعة

غادرت مروة مدينة حرستا في ريف دمشق وهي ابنة التاسعة، بعد هجوم قوات الأسد الكيماوي على الغوطة في 21 آب 2013  واستقرت مع عائلتها في الأردن لنحو ثلاث سنوات، ومن ثم انتقلوا للعيش في ألمانيا عبر برنامج الأمم المتحدة، حيث كبرت بعيدًا عن شوارع مدينتها، حين عادت مؤخرا، بعد نحو 12 عاما، لم تجد إلا أطلالا. أمام منزلها المدمّر بكت طويلا، وقالت لموقع تلفزيون سوريا: “شعرت أنني فقدت طفولتي مرتين: مرة حين هُجّرت، ومرة حين عدت ورأيت أن مدينتي نفسها هجرتني.”

يارا: دهشة الدمار في حلب

في ريف حلب، زارت يارا مدينة مسكنة، ومنها انتقلت إلى قلب حلب القديمة، لطالما سمعت عن الدمار، لكنها حين وقفت وسط الأسواق المنهارة والمقاهي التي لم يبقَ منها سوى الحجارة، أدركت أن الصور لا تروي الحقيقة. “لم يكن المشهد مجرد أنقاض، بل انهيار لذاكرة وطن بأكمله،” تقول يارا، وهي لا تزال غير قادرة على استيعاب كيف تحولت مدينة حضارية كحلب إلى هذا الخراب.

غادرت يارا بلدة مسكنة -حوالي 100 كم شرقي مدينة حلب- عندما كانت في الصف الثاني الإعدادي عام 2017، واليوم تتحضر لدراسة الهندسة المدينة في جامعة آخن التقنية (RWTH Aachen) تقول لموقع تلفزيون سوريا: “متحمسة جدا للتخرج من جامعتي والعودة إلى سوريا للمساهمة في إعادة بناء وطننا بأي طريقة، لدي العديد من الزميلات اللاتي يتحضرن للسفر العام القادم للتعرف عن قرب على حجم الدمار الذي ألحقة نظام الأسد بالبلاد، لعل الخلفية التي شكلنها في أذهانهن عن سوريا من خلال أحاديث الطلبة والتلاميذ السوريين حفزت لديهن الفضول أكثر لزيارة مدن وأماكن علقت أسماؤها في ذاكرتهن”.

“فيلم القصيّر” والدموع في هامبورغ

أما أحمد فاختار الكاميرا لتكون وسيلته في مواجهة الألم، جال في مدينته القصير بحمص، صوّر المنازل المهدّمة والطرقات المهجورة، وأعد فيلمًا قصيرًا عرضه لاحقًا على زملائه في مدرسته في هامبورغ. كانت ردة الفعل صادمة: الدموع غلبت كثيرًا من الطلاب، بعضهم شبّه التجربة بزياراتهم المدرسية إلى معسكر أوشفيتز ومتاحف النازية، وأكدوا أنهم يرغبون يومًا ما بزيارة سوريا لفهم حجم الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت هناك.

من الذكرى الشخصية إلى السياحة المظلمة

هذه الزيارات الفردية ليست سوى أمثلة على ما يُعرف عالميًا بـ “السياحة المظلمة”؛ أي زيارة الأماكن التي ارتبطت بالحروب أو الكوارث أو المآسي الإنسانية. هي سياحة لا تقوم على الترفيه، بل على مواجهة التاريخ وتثبيت الذاكرة.

ويرى الخبير الاقتصادي السوري حسن العيلي أن لهذه المواقع بعدين أساسيين  الأول اقتصادي حيث لا يقتصر مفهوم السياحة المظلمة على الجانب الرمزي أو التذكاري، بل تحوّل في كثير من الدول إلى رافعة اقتصادية حقيقية، على سبيل المثال معسكر أوشفيتز في بولندا يستقطب سنويًا أكثر من 2 مليون زائر، وهو ما ينعكس على قطاع النقل والفنادق والمطاعم في المنطقة، ويُقدّر دخله المباشر وغير المباشر بعشرات ملايين اليوروهات سنويًا.

وأيضا متحف هيروشيما للسلام في اليابان يستقبل حوالي 1.5 مليون زائر سنويًا، أكثر من 300 ألف منهم من السياح الأجانب، مما يسهم في تنشيط اقتصاد المدينة ويجعلها محطة رئيسية في برامج السياحة الداخلية والخارجية.

ووفقا للعيلي فإنه هنا في أوروبا يوجد منطقة تشرنوبل في أوكرانيا تحولت بعد رفع القيود إلى وجهة سياحية فريدة، حيث كان يزورها قبل الحرب الأخيرة نحو 70 ألف سائح سنويًا، ويدرّ ذلك ملايين الدولارات عبر شركات السياحة المحلية والفنادق والبنية التحتية المحيطة، أما مدينة بومبي في إيطاليا، التي ابتلعها بركان فيزوف، تستقطب أكثر من 4 ملايين زائر سنويًا، وتعدّ اليوم من أهم مصادر الدخل السياحي لإيطاليا.

ويلفت العيلي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن هذه التجارب تؤكد أن المواقع المرتبطة بالمآسي لا تتحول فقط إلى ذاكرة جماعية، بل إلى قطاع اقتصادي متكامل يدعم النمو المحلي ويخلق فرص عمل جديدة في مجالات الخدمات، النقل، الإرشاد السياحي، والإعلام.

وإذا ما تم استثمارها بشكل مدروس، يمكن أن تتحول المدن السورية المدمّرة مثل حلب، القصير، حرستا والتضامن إلى مواقع سياحة ذاكرية ترفد الاقتصاد الوطني بمئات ملايين الدولارات سنويًا، كما فعلت الدول التي سبقتها في هذا المجال.

ويُقدَّر حجم السوق العالمي “للسياحة المظلمة” بنحو 31.89 مليار دولار في عام 2023، ومن المتوقع أن ينمو إلى 38.64 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب (CAGR) يبلغ حوالي 2.9٪ في الفترة من 2024 إلى 2030، وتشير تقارير أخرى إلى أن السوق قد يرتفع إلى 40.2 مليار دولار بنهاية عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركب حوالي 3.1٪، وفي تقديرات أبعد مدى، يتوقع أن يصل حجم السوق إلى 40.82 مليار دولار بحلول عام 2034، مع استمرار نمو سوق المناطق المرتبطة بالمآسي بما نسبته 2.5٪ سنويًا، هذا النمو المستمر يعكس أن المواقع المرتبطة بالحروب، الكوارث، والفظائع البشرية أصبحت جزءًا مؤثرًا من قطاع السياحة، ليس فقط ثقافيًا أو تعليمياً، بل اقتصاديًا أيضًا.

البعد السياسي والأخلاقي.. الذاكرة كحصن ضد عودة الاستبداد

يرى العيلي أن إبقاء مواقع الدمار والمجازر في سوريا حاضرة ليس مجرد خيار معماري أو عمراني، بل هو فعل سياسي وأخلاقي بامتياز، فالذاكرة الجمعية للشعوب تُبنى من خلال الشواهد الملموسة التي تروي للأجيال اللاحقة قصص القمع والاستبداد، وتذكّرهم بفظاعات الماضي كي لا تتكرر. في أوروبا، شكّلت مواقع مثل معسكر أوشفيتز في بولندا أو معتقل زاكسنهاوزن قرب برلين فضاءات تعليمية يُنظم إليها آلاف الزيارات المدرسية سنويًا، حيث يتعرف الطلاب على تاريخ النازية وممارساتها الإجرامية، ليس فقط كحقائق تاريخية بل كتحذير دائم من مخاطر عودة الفكر الشمولي.

ووفقا للعيلي فإن هذه السياسة التعليمية لم تقتصر على الكتب وحدها، بل أصبحت جزءًا من التربية المدنية، إذ يُشجع الطلاب على مواجهة الماضي بجرأة والانخراط في نقاشات حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، والنتيجة كانت تكوين وعي جمعي رافض للاستبداد، وضمانة ثقافية تمنع تكرار التجارب الدموية.

وبالمثل، فإن تحويل مواقع مثل حي التضامن في دمشق، أو مسكنة في حلب، أو القصير في حمص إلى وجهات تعليمية وذاكرية، يمكن أن يمنح الأجيال السورية الجديدة فرصة للاطلاع على الجرائم التي ارتكبها النظام الأسدي، وفهم حجم المعاناة التي عاشها السوريون، هذا الحضور المادي للذاكرة، إلى جانب المناهج التعليمية والأنشطة الثقافية، يُمكن أن يشكّل آلية ردع حضارية ضد أي محاولة لإعادة إنتاج الاستبداد، ويغرس ثقافة ديمقراطية تجعل من عبارة “لن يتكرر ذلك أبدًا” التزامًا وطنيًا لا مجرد شعار.

“السياحة المظلمة ليست تجارة بالألم، بل هي استثمار في الذاكرة، وضمان ألا يُمحى الماضي من الوعي الجمعي،” يقول العيلي.

سوريا الجديدة.. الذاكرة القادمة

قد يأتي يوم يقف فيه زوّار العالم بين ركام حرستا وحلب والقصير والقابون، تمامًا كما يقفون اليوم أمام أطلال بومبي أو بوابات أوشفيتز. عندها لن تكون السياحة المظلمة مجرد اقتصاد، بل جسرًا بين الألم السوري ورسالة إنسانية عالمية، تقول: إن جراح الشعوب لا تُمحى، وإن الذاكرة هي الضمانة الوحيدة لئلا تتكرر المأساة.

تلفزيون سوريا

————————-

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى