أبحاثتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

الفاشية السنية – والفاشية الأقلوية/ أحمد نظير أتاسي


(منشور غاضب نتيجة القرف)
أولاً – حال سوريا اليوم هو التغير الدائم والسريع
ظهرت مقالة حديثاً للكاتب موريس العايق بعنوان “الحرب الأهلية السورية في طورها الثاني” (رابط في التعليقات) أثارت جدلاً باستخدامها لتعبير “الفاشية السنية”. وهي المرة الثانية التي يتحدث فيها الكاتب نفسه عن هذا التيار الذي يعتبره مسيطراً على الدولة السورية وعلى المزاج العام السني (رغم كون نخبته حسب قول الكاتب أقلية بين أقلية). فقد تحدث عن فاشية سنية في مقال سابق بعنوان “سوريا السُنيّة… تزاوج بين ِسرديّةٍ سلفية جهادية وسرديّة شديدة الطائفية” (رابط في التعليقات). لكنني اخترت أن أربط هذا المنشور بمقالة قديمة جداً للكاتب من كانون الأول 2011 بعنوان “آفاق الإنتفاضة السورية”. وذلك حتى يتمكن القارئ من مقارنة أفكار الكاتب بين مرحلتين مفصليتين: مرحلة انتفاضة/ثورة 2011 ومرحلة الجولاني/تبخر نظام الأسد. والفرق هائل ففي المقالة القديمة يبدي الكاتب تعاطفاً مع انتفاضة لا يريد أن يدعوها بثورة لأنها فشلت في أن تكون طبقية وأن تعبر عن التهميش الإقتصادي لشرائح واسعة من المجتمع السوري (وهذا كان دائماً تحليل اليساريين، وكأن الثورة حكر على الوعي الطبقي، اللعنة عليك يا ماركس). وفي المقالة الجديدة لا يعير الكاتب نفسه أي اهتمام للجوانب الإقتصادية وغيرها، وذلك لصالح رؤية تقسم المجتمع إلى طوائف متناحرة (حرب أهلية) إنتصرت فيها إحدى هذه الطوائف مما جلب الخراب على الطوائف الأخرى، وهو ما يمثله الكاتب. يبدو أن الكاتب تطور مع تطور الأحداث وانتقل من انتفاضة إلى حرب أهلية إلى الطور الثاني من الحرب الأهلية التي آذنت، كما يقول الكاتب، بانهيار الدولة السورية وما يرافقها من انهيار الوطنية السورية.
يمكن الدخول في حوار مع الكاتب حول التعريفات والتحليلات والتوقعات. لكني لن أفعل لأني أعتبر المقالة تكريساً لنسق سائد حالياً هدفه التقسيم. الكاتب نفسه اعتبر خيار التقسيم الأفضل في الوقت الحاضر. ولا أقول بان الكاتب هو مؤسس هذا الخيار، لكنه، كما في حالة كثير من الأنساق، يمهد له ويجعله ممكناً فقط من خلال الكتابة عنه واعتباره واقعياً، أو القراءة الواقعية الوحيدة (أقبل التقسيم، لكني لا أحترم من يدعو إليه). ونقيضه بالطبع هو الحلم الضائع الذي لا يريد الكاتب حتى الحديث عنه لعدم واقعيته، وهو حلم سوريا الديمقراطية العلمانية. وكأننا إذا لم نحصل على الأخير فالأفضل أن نتحول ونطالب بالأول. وضعت في التعليقات رابطاً لمقالة حسام الدين درويش التي يحاور فيها الكاتب (آذار، 2025) ولكن من منطلق التفاؤل والتشاؤم (كمثال عن حوار مع الكاتب ورد عليه). وهو منطق لا أحبذه رغم أنه في حالة الكاتب لا بأس به، وليس ذلك من باب تشاؤم الكاتب وإنما من باب “بكير نحكي عن فاشية الجولاني السنية” لأنها لم تتبلور بعد.
ثانياً – حرب التسميات
تدخل العلوم الإجتماعية كثيراً في حرب لا طائل من ورائها وأسميها حرب التسميات. مثالها ما يفعله الكاتب ومنتقدوه: هل هناك فاشية سنية؟ هل يمكن تطبيق تعريف الفاشية على الأيديولوجية الجهادية السلفية؟ أي تعريف سنختار؟ لماذا فاشية، أليست هناك تسميات أخرى؟ لا، إنها ليست فاشية لان الفاشية الإيطالية والإسبانية كانت كذا وكذا. في كل العلوم نلجأ إلى تعريفات من أجل إنتاج بنيات نراكمها ونبني عليها. ومن المفروض أن هذه التعريفات تقابل شيئاً في الواقع، شيئاً محدداً له حدود وسمات ومسيرة تطور، أي منظومة أو أحد منتجات منظومة أو إحدى آلياتها أو متغيراتها. في النهاية إننا نسعى إلى توصيف منظومة ديناميكية. الفاشية تيار ظهر في أوروبا بين الحربين العالميتين (وكانت له تمظهرات قبل ذلك). البعض يعتقد أن هناك بنية نسميها فاشية بحيث نقول نعم هذه فاشية (كتشخيص) وهذه نازية وهذه شيوعية (حتى ولو بعد مائة عام). لكن وعندما تنهار وتختفي هذه البنية نقف حائرين أمام التعريف، هل نحافظ عليه في العلوم الإجتماعية أم ندمجه مع تعريفات أخرى أوسع وأكثر ديمومة؟ مثلاً تعريف السلطوية مناسب للمنظومة السياسية الإقطاعية حتى وإن زالت الإقطاعية. لقد زالت الفاشية الإيطالية، فهل يمكن استخدام تعريفها كبنية لوصف بنيات تفصلها عن تلك الفاشية حوالي قرن من الزمان؟ نعم ممكن، لكن يجب أن يكون هناك تطابق كامل من كل النواحي، وإلا فمن الافضل تفتيت تعريف الفاشية إلى عوامل ومن ثم استخدام هذه العوامل في وصف الظاهرة الجديدة. تحدث كثيرون عن تأثير الفاشية الأوروبية في ظهور جماعة الإخوان المسلمين (فقد ظهرتا في نفس الوقت)، وفي بعض أفكار وممارسات جماعة الإخوان. لكن لا أحد يصف الإخوان بأنها فاشية سنية (مع انها المرشح الافضل).
فلماذا إذن يصر الكاتب على هذا التعبير لوصف السلفية الجهادية السورية؟ عندما يحاول الباحثون إيجاد مقابل لها في الطرف الأوروبي فإنهم يتحدثون عن الأصولية وعن الأناركية وكثيراً عن النزعة الأصلية (nativism).
ان مقالة الكاتب ليست تحليلاً بقدر ما هي استعجال لطرح
المصطلح ونشره، أي الفاشية السنية. وهي مقابة تندرج في اعتقادي ضمن حرب المصطلحات وليس ضمن الحوارات والنقاشات التحليلية. حرب المصطلحات فعالة جداً، كما تثبت مقالة الكاتب، فمتى ما أصبح المصطلح رائجاً، فمن المتعذر التحليل، المصطلح نفسه يصبح التحليل. ولهذا مثلاً نجد في المجتمعات القديمة أهمية التسمية (وعلم الله آدم الأسماء كلها). فالتسمية تصبح التحليل ويتم حصر التحليل والنقاش ضمن الإطار الذي تفرضه التسمية. الكاتب في اعتقادي مستعجل لفرض التسمية. وأعتقد أنه نجح لأن الظروف مواتية (وخاصة لمشاريع التقسيم) وستبقى التسمية معنا لأمد.
هل من المفيد الدخول في نقاش وجدال حول صحة التسمية؟ باعتقادي لا، فكلما ناقشناها كلما كرسناها. التعريف الذي أعطاه الكاتب للفاشية وعلى أساسه نقلها إلى الجهادية السلفية السورية، تعريف قاصر جداً باعتقادي. لكن كما قلت، الفاشية ليست بنية متكررة في العلوم الإجتماعية، وبالتالي فنحن أمام حرب أيديولوجية بحتة. سيحاول المناهضون للتسمية دفع التهمة عن أنفسهم وسيحاول الداعون لها إلصاقها بهم. وفي النهاية الطرفان سيكرسان التسمية كتعريف لجماعة معينة أصبحت تدافع عن نفسها ضمن الإطار الذي تفرضه التسمية. والسؤال يصبح: هل ستصبح الفاشية السنية وصفاً للسلفية كما يزعم الكاتب، أم ستصبح وصفاً للسنة والأفكار السياسية السنية (وأنا أرجح هذا الإحتمال الأخير).
لم أقرأ عينة تمثيلية عن مقالات الكاتب. لكني دخلت معه في نقاش قصير قبل عدة سنوات حول إحدى مقالاته. ولم يخف الكاتب تعصبه لمسيحيته آنذاك. ولا بد أن نأخذ هذا التعصب بعين الإعتبار. فهو نفس التعصب الذي يتهم به شرائح واسعة من المجتمع السوري تحت غطاء التحليل الأكاديمي (يقول المزاج السائد). أعتقد أن الكاتب، ككثير من المسيحيين والأقليات في سوريا، يعتقد في قرارة نفسه ومنذ زمن بعيد أن التدين السني بشكل عام هو تدين فاشي (ولا أقول الإسلام السياسي، أقول التدين السني بشكل عام). لكن لم تكن هناك فرصة لإطلاق هذه التسمية باعتبار أن الحكم في سوريا لستة عقود كان تحت شعار العلوية السياسية والأقلوية السياسية (بالمعنى النخبوي وبالمعنى الدعائي). حتى لا نظلم كل الأقليات دعونا نفعل ما يفعله الناس في هذه الأيام، أقصد البعض وليس الكل (تبرير تافه دائما)، ولنطلق عليهم تسمية الأقلويين (لاحقاً، الأقلوية الفاشية). هذه الأقلوية كانت ولا تزال ترى في المجتمع السني بشكل عام وفي التيارات الدينية وثم السياسية السنية توحشاً وتخلفاً وهمجية (هناك عنصرية طبقية إلى جانب عنصرية طائفية). لكن اليوم وبعد ظهور الجولاني الذي يتحدث “بالمشرمحي” عن حكم سني، فقد أصبح من الممكن الكلام عن فاشية سنية (دون أن يتعرض المتحدث لتهمة الطائفية، فهو أقلية حقيقية اليوم لا تحكم). أخيراً يستطيع التيار الأقلوي السياسي الإفصاح عن نفسه في العلن وتحت غطاء المعارضة السياسية المحقة لأقلية مضطهَدة تجاه أكثرية مضطهِدة ومستولية على الدولة. هذه الأقلوية كانت دائماً ترى نفسها كأقلية حتى عندما كانت حاكمة (نوع من تبرير العنف ضد الهمج).
ثالثاً – الأقلوية السياسية (الفاشية الاقلوية)
كما وصف الكاتب التيار المسمى بالفاشية السنية (وهو اسم جديد للسلفية الجهادية)، فيمكننا وصف التيار الأقلوي السياسي (الفاشية الأقلوية). وإليكم التبرير الموازي لتبرير الكاتب (فقط للجكارة):
1- الطائفية – ترك الكاتب أساس الفاشية وهي القومية ورحل باتجاه أقل تعميماً وهو الطائفية (أي قومية مصغرة، وهو محق), فقال لا فاشية دون طائفية. وهنا نقول أنه لا أقلوية سياسية دون طائفية. لا بل يمكنني أن أستخدم الفكرة الشائعة (وغير المثبتة)، باعتبار أنها حرب مصطلحات، بأن السنة ليسوا طائفة باعتبار أنه الأغلبية الساحقة، بينما الأقليات هم الذين ينتهجون ويطورون ويمارسون الفكر الطائفي. وهل تحاول سلفية الجولاني الإبادة (نقطة تحول القومية إلى فاشية)؟ ما نراه من مجازر الجولاني (وليست إبادة) لا يرقى إلى إبادات الأسد (عفوا العلوية والأقليات). للأسف فحسب حجة الكاتب يجب أن نعد الضحايا من الطرفين. فيمكن أن نقول بالحجة الشائعة: عدة آلاف مقابل مليون (يعني لسا ما شفتوا شي، حسب المقولة الشائعة). وكما قال الشيباني (ليس لدينا نية بإبادة الدروز). فهل كانت عند الأسد نية بإبادة السنة وهو الذي استخدم الأسلحة الكيماوية؟ ربما،ى البعض يقول نعم. ولا نتطرق هنا إلى حجة التجانس والتطهير، الأساسية في الفاشية، لأنها، عكس ما يعتقد الكاتب غير الأساسية في السلفية، السلفية تفصل الذمية، أي المفهوم القروسطي، وليس مفهوم الإبادة الحديث المنشأ.
2- العنف المحض – اعتبر الكاتب العنف المحض (حل كل المشاكل بالعنف) من أساسيات الفاشية. وباعتبار أن السلفية عنف محض (مقولة مقبولة رغ أنهن يقتلةن بالسكاكين والبنادق وليس بالطيارات)، فهي مؤهلة لأن تكون فاشية. وماذا عن عنف نظام الأسد الممنهج؟ لا تفصلنا عن حكم الأسد إلا أشهر معدودات فكيف نسينا. نعم هناك مجازر ضد العلويين ومجازر ضد الدروز. لكن كانت هناك مجازر أكبر بكثير ضد الشعب السوري. وبما أننا ضمن حرب المصطلحات، فلماذا لا أقول، كما يقول الكاتب، كانت هناك مجازر ضد المكون السني (هذه هي خطورة مقالة الكاتب، أنها تكرس وجود طائفة سنية ومظلوميتها). المجاز ضد العلويين والدروز لا ترقى في تنظيمها إلى تنظيم المجازر الأسدية (لنقل العلوية فنحن في حرب) التي استمرت لعقود في المعتقلات ثم في القرى والمدن.
3- الجماهيرية – يعتبر الكاتب البعد الجماهيري هو الأهم في تعريف الفاشية. وبما أن الفزعات ضد العلويين والدروز كانت جماهيرية فهنا تصبح المطابقة مع الفاشية ممكنة. لكن ألم يكن للاسد (عفواً حكم الأقليات والعلويين) مليشيات مدعومة جماهيريا. ألم تكن هناك حملات ومسيرات تأييد. ألم تكن هناك فزعات شملت أحياءاً وقرى بأكملها. يا إلهي هل سننتهي بأن نعد الحيوانات المتوحشة من الطرفين لإثبات وجهة نظرنا، كم واحد سني خرج ليقتل الأقليات وكم واحد علوي ومسيحي ودرزي خرج ليقتل السنة. التجييش الجماهير الأسدي كان مؤسساتياً، لكن التجييش الجماهيري للسلطة الحالية يعتمد على مشايخ الجوامع.
4- الشمولية. بالطبع السلفية تشمل كل تفاصيل حياة الإنسان كما يعتقد الكاتب من دخول الحمام إلى نوع نظام الحكم (لكنها ليست الشمولية المطلوبة). نعود إلى المؤسساتية، يعتقد الكاتب بأن الفاشية تبغض المؤسسات وتستبدلها بعبادة القائد وإطاعة أوامره. صحيح أن الفاشية تطيع الزعيم لكنها مؤسساتية. كل الحركات الشمولية الغربية (الشيوعية والنازية والفاشية) هي محاولات لترويض الدولة الحديثة وبالتالي فهي مؤسساتية إلى العظم. أما السلفية فتبغض القانون والمؤسسة (أمير وشرعي وأمني). نعم تعبد القائد لكنها ليست مؤسساتية. وبالتالي فشموليتها (دخول الحمام إلى نظام الحكم) ليس الشمولية الحديثة (الصحة والتعليم والإقتصاد والسياسة) بل هي أبوية أهلية. المرشح الافضل للشمولية حسب تعريف الكاتب هي جماعة الإخوان المسلمين. وهو يخلط كثيراً بين السلفية والإخوان (الإخوان سلفية من نوع آخر). أما سلطة الأسد (عفواً العلوية والأقليات) فقد كانت شمولية مؤسساتية مبنية على نمط الشمولية الشيوعية.
5- الثورية. يعتقد الكاتب محقاً بأن أهم صفات الفاشية هي الثورية. لكن ما أدهشني هو عرضه لما يسميه ثورية السلفيين (باختصار، عرض غير موجود). السلفية ليست حركة ثورية إلا من ناحية “الخروج على الحاكم”. الفاشية، باعتبارها ترويضاً للدولة والحداثة الغربية، تسعى إلى بناء إنسان جديد (ذكر وقوي البنية ورياضي وأبوي ومسيطر ومتعلم ومطيع وتابع لمؤسسات الدولة). هذه السمة تنطبق أيضاً على فكر الإخوان المسلمين (معسكرات التدريب، الكشافة، التعليم الجامعي، تطوير الشريعة، الإنسان الإسلامي، الذكر الغيور لكن الرياضي والمسيطر، الأخ الكبير، التابع لمؤسسات الجماعة). بينما السلفية مجرد عشائرية تحب التدريب على السلاح أكثر من التدريب الرياضي، ولا تربط بين الرياضة والإنسان الجديد، السلفية عشائرية وتقليدية ولا تريد بناء مجتمع جديد وحداثي وإنما العودة إلى الوراء. السلفية ليست ثورية لا إجتماعياً ولا سياسيا (مجرد أمير وشرعي وأمني). ماذا عن الأسد وثورية الكادحين وطلائع البعث والشبيبة والتدريب الجامعي والتعليم الحزبي. ماذا عن الإنسان الكنعاني/الفينيقي المتطور عند القوميين السوريين. وماذا عن الرئيس الشاب والمتعلم، بينما الجولاني يا دوب معه بكالوريا. وماذا عن التفوق الحضاري العلوي والمسيحي والدرزي الذي يعود إلى الظهور من خلال التأكيد على داعشية وبدوية وهمجية “شركاء الوطن”.
حسب تعريف الكاتب للفاشية فإن السلفية ليست فاشية. والمرشح الأفضل للفاشية السنية (إذا وجب استخدام المصطلح) هو جماعة الإخوان المسلمين. أما نظام الاسد (عفواً تحالف الأقليات) فهو الذي ينطبق عليه تعريف الفاشية تماماً (التعريف الأعم). فلماذا لا يتحدث الكاتب عن فاشية أقلوية (حتى لا نعدد علوية أو مسيحية أو درزية). لأن الكاتب يريد بناء بناء مظلومية أقلوية تبرر ما يطرحه من انفصال عن الكتلة العربية السنية كما يسميها.
رابعاً – القلق الوجودي الأقلوي وتبرير الأقلوية
أنا لست ضد الإنفصال، فلا يمكن أن تجبر أحداً على التعايش. ما يزعجني فعلاً هو التبرير، تبرير الإنفصال. هناك ملاحظة لا أحد يحللها: لماذا لم يتحدث الأقلويون عن الإنفصال في عهد البعث، عهد الإبادة الممنهجة والحكم الطائفي. أما تحت حكم الجولاني فدعوات الإنفصال تعالت منذ أول ثلاثة أشهر. يا ربي، هل أدافع عن الجولاني وأقول، انتظروا حتى تتأكدوا؟ لا، لا تنتظروا، ما يعجبني هذه الأيام هو الصراحة التي يتحدث بها الجميع. الصراحة التي يعتقد الكاتب أنها نتيجة انهيار مشروع الوطنية السورية (وعرض عرضاً تاريخياً يحتاح إلى تفكيك حقيقي). أنا أعتقد أنها صراحة كانت دائماً موجودة لكن في الأوساط المناسبة (مع الأهل والعشيرة والطائفة)، والحمد لله أنها ظهرت إلى العلن. تعبير الفاشية السنية (ويقول الكاتب أنها أقلية لكنها تعبر عن المزاج السائد) هو وليد انهيار الأسد، أي انهيار ذلك الأمان العميق للأقلويين الذي لم يشعروا به إلا عند فقده (الكاتب لا ينتقد الجولاني بل ينتقد السنية والإسلام بشكل عام). الفاشية السنية تعبير يعبر عن الأقلوية الفاشية أكثر مما يعبر عن حالة سنية موجودة ومتأصلة.
هناك ما يسمونه بالقلق الوجودي للأقليات. أولاً القلق من الإبادة، وثانياً القلق من الذمية، وثالثاً القلق من التهجير، ورابعاً القلق من التهميش السياسي. لا توجد أمثلة عن الإبادة إلا أحداث 1860. ورغم أن هذه الأحداث كانت حرباً إقطاعية بين الدروز (لم يعودوا مسلمين اليوم) وبين الموارنة (لم يكونوا المسيحيين الوحيدين)، إلا أن الدعاية الفرنسية والكنسية أنتجت أسطورة الإبادة المحدقة والدائمة. وكما قال الشيباني (مرة أخرى للسخرية) “ليس لدينا أية نية في إبادة الدروز”. ولم تكن هذه النية موجودة. لو تحدثنا عن الدولة العثمانية في أواخر عهدها (أي تحت حكم الإتحاد والترقي العلماني) فتهمة الإبادة محقة. لكن هل يمكن نقل التهمة من الدولة التركية إلى المجتمع السوري فقط لأن الإثنين سنة. لكن تلك التهمة كانت أساس تشكيل كيانات مثل لبنان وحتى إسرائيل، واليوم السويداء الدرزية والجزيرة الكردية. يبدو لي أن الأقليات مستفيدة من التهمة أكثر من السنة. الذمية (كوضع قانوني) لم تكن موجودة في أي مرحلة من مراحل الدولة السورية الحديثة (إلا شغلة أن رئيس الدولة مسلم، هذا ما فرضه الاسد للأسف). ولا التهجير موجود (هاجر المسيحيون والدروز مثلما هاجر غيرهم لأسباب إقتصادية يتم دائماً استغلالها سياسياً). التهميش السياسي كان مطبقاً على كل فئات الشعب السوري في عهد الأسد. إذن القلق الأقلوي لديه نفس المعطيات الواقعية للقلق السوري من ممارسات حكم الأسد. لكن، ورغم الصبغة الأقلوية لحكم الأسد، فقد بقي ذلك القلق الوجودي (“بدهم يبيدونا”، “إجوا السنة”) نابضاً ويعود اليوم إلى الظهور (وهذا ما يجعل الأسد فعلاً حامياً للأقليات، وهي فكرة مطبوعة في صميم الفكر الاقلوي).
دعوني أتقمص شخصية مؤيد للجولاني، وأتحدث عن القلق الوجودي السني. هناك من المعطيات الواقعية ما يفرض قلقاً سنياً وينفي أي داع لقلق أقلوي (إبادة، وضع قانوني مذري، تهميش سياسي واقتصادي، تهجير، تدمير). في هذه الحالة وبسبب الإستخدام السياسي المستمر للقلق الوجودي الأقلوي، وبسبب استخدام الغرب المستمر لهذا القلق، فإنه من الممكن القول بأن القلق الأقلوي مجرد أسطورة لجعل مشكلة الأقليات في سوريا ولبنان مشكلة دائمة، رغم عدم واقعيتها، كمدخل للتدخل الغربي المستمر (واليوم الإسرائيلي). أليس من المفيد للمشروع السني المزعوم اليوم اتهام الأقليات بالخيانة. طبعاً التهمة موجودة والبعض يستخدمها، لكنها لم تصبح خطاباً سائداً (بدأت معالمه). ومقالة مثل مقالة الكاتب دعوة صريحة لاستخدام هذا التفكير، فنتيجة الكاتب واضحة: لا حل إلا بالتقسيم والإنفصال عن السنة. ما أغضبني فعلاً تسمية الكاتب لحلب وحمص وجسر الشغور بالحواضر السنية.
ورغم أني لا أستبعد نشوء فاشية سنية على غرار الفاشية الشيعية الإيرانية (المثال الأفضل والأوضح على الفاشية الدينية)، إلا أنها لم تظهر بعد. لكن الكاتب مستعجل على نشر المصطلح فقد كان يؤمن به منذ البداية.

مقال موريس عايق: سوريا السُنيّة… تزاوج بين ِسرديّةٍ سلفية جهادية وسرديّة شديدة الطائفية

مقال موريس عايق في الحمهورية: الحرب الأهلية السوريّة في طورها الثاني

مقال حسام الدين درويش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى