سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

اللاجئ السوري.. كائن “سياسي” أم “لا سياسي”؟/ عبد الناصر القادري

 

2025.08.26

لم يتمكن السوريون في تركيا (مجنسين وغير مجنسين) من الانخراط الجاد في العمل السياسي على مدى 13 سنة مضت، وذلك ربما بسبب طبيعة البلد التي هم فيها، رغم أن تركيا ضمّت نخباً جيدة نجحت فردياً وفشلت جماعياً، خصوصاً في العمل السياسي السوري على مستوى تأسيس جاليات أو انتخاب ممثلين عن أنفسهم ضمن المدن التي هم فيها، أو حتى ضمن الأحزاب التركية على تنوعها وكثرتها.

ربما نجح البعض في العمل ضمن حزب العدالة والتنمية وفي صفوفه الدنيا إعلامياً وتقنياً ضمن ظروف استقطاب الناخبين بفترات محددة، ولكن بقي الأمر خارج العمل السياسي، ومجرد نوع من التنسيق والعمل الفني المحدود، مع غياب تام للترشح على مستوى البلديات الصغيرة والكبيرة وحتى مجالس البلديات، وبالطبع ليس وصولاً إلى البرلمان التركي.

وبالطبع لم يكن الائتلاف الوطني لقوى المعارضة، ذلك الجسم الشعبي، والذي اقتصر دوره ونشاطه على عدد محدود، إذ لم يحقق المرجو منه بمختلف أدواره لأسباب لست بوارد ذكرها، جزء كبير منها على صلة بواقع إقليمي ودولي تضمن تدخلات مستمرة بدأت مع تأسيسه عام 2013 حتى إنهاء دوره وحلّه النهائي بعد أشهر من إسقاط النظام.

حتى إن الأحزاب السورية التي كانت في تركيا، مثل: الإخوان المسلمون أو الأحزاب القريبة منهم أو المنبثقة عنهم أو حزب الجمهورية أو الحزب الليبرالي السوري أو حزب الأحرار السوريين والتيارات الأخرى، لم تتمكن من تحقيق نشاط سياسي يحقق أي حضور بمعنى الممارسة الفعلية التي يمكن القول إنها تجارب سياسية ناجحة في ميدان العمل السياسي والتجربة.

ربما كان تصويت السوريين (الأتراك) في جملة من الانتخابات التي شملت تعديل الدستور ودورات الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية، قد أعطاهم فرصة للمشاركة السياسية بالمعنى العام، آلية الانتخاب وصناديق الاقتراع والترشح وقوانين الانتخاب، ومع ذلك، كان هناك إحجام كبير، خصوصاً في الانتخابات البلدية الأخيرة  عام 2024.

في تركيا أيضاً، لم يكن الانضمام لاتحاد الصحفيين الأتراك سهلاً، فقد تقدمتُ بطلب الانضمام عدة مرات ولم يُقبل، ثم أسسوا “بيت الإعلاميين العرب في تركيا”، والذي مع أهميته لا يتجاوز كونه جمعية أو تجمع وليس نقابة حقيقية يمكن الارتكاز عليها كمدخل سياسي أو نقابي.

على العكس في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وحتى بعض دول أميركا اللاتينية، وبسبب طبيعة الأنظمة السياسية والمجتمعات المتنوعة، خصوصاً التي تضم خليطاً من المهاجرين، تمكن عدد من السوريين من اختراق العمل السياسي عبر الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني المحلية، ومارسوا العمل السياسي واكتسبوا خبرات جيدة يمكن الاستفادة منها في البلديات والبرلمان مستقبلاً،(وإن تصاعدت وتيرة العنصرية وصعدت فيها أحزاب اليمين المتطرف بنسب متفاوتة مع ذلك تمكن السوريون من الترشح والفوز أيضاً).

حتى إن بعض الدول الأوروبية تتيح أنظمتها للسكان المواطنين والأجانب حق التصويت في الانتخابات البلدية لأنهم سكان يستفيدون من الخدمات المباشرة، على عكس الانتخابات البرلمانية التي تسن القوانين وتتحكم بمسار السياسة والاقتصاد والمجتمع، ما أعطى اللاجئين السوريين فكرة عن ثقافة الانتخاب والاختيار، وهو نوع من ممارسة السياسة في حدودها الدنيا.

وبالطبع كان لجماعات الضغط أو المنظمات السورية في الولايات المتحدة دوراً مهماً في التأثير بسياسة واشنطن تجاه سوريا، سواء من خلال فرض عقوبات قيصر أو من خلال رفع العقوبات عن سوريا بعد إسقاط النظام المخلوع، والانفتاح الأميركي السريع على الحكومة السورية الجديدة، وهو ما يؤكد أهمية العمل السياسي المباشر للسوريين خارج البلاد.

هل كان السوري “حيوان سياسي”؟

عندما قال أرسطو جملته الشهيرة إن “الإنسان حيوان سياسي”، كانت أثينا قد أسست لدولة (مدينة/ بوليس) التي يؤرخ على أنها المركز الحضري لأولى التجارب الكلاسيكية في التاريخ السياسي العالمي.

بالطبع كان أرسطو يقول إن الإنسان هو كائن يختلف عن الحيوانات لأنه يعيش في مجتمعات منظمة سياسياً، ويشارك في شؤونها العامة بدرجات مُختلفة، بهدف تحقيق الصالح العام، وهو بمثابة المدخل الرئيس لفكر أرسطو السياسي، والذي ينظر للإنسان على دوره في المجتمع والدولة بتعريفه ككائن سياسي بالدرجة الأولى.

ومن المهم الإشارة إلى أن معظم السوريين تاريخياً، لم يعتادوا الدخول بالمعترك السياسي، فهو جديد عليهم بعد الثورة السورية عام 2011، بعد عقود من إعدام الحياة السياسية السورية عبر إغلاق الأحزاب أو احتوائها والتدمير الممنهج لفاعلية النقابات والمجتمع المدني في عهد كل من حافظ الأسد وبشار الأسد.

فالسوري بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1946 وحتى قبل ذلك بثلاثة عقود حاول أن يكون “حيواناً سياسياً” على منهج الأستاذ أرسطو، ونجح في بناء القاعدة الأولى من تسييس المجتمع وتدريبه إلا أن حكم العسكر ومن ثم سيطرة البعث وتطييف السوريين أنهى دوره السياسي حتى تفجرت الثورة وأعادت له طبيعته.

ولأن النشاط السياسي هو سلوك نخبوي بطبعه وأصوله، وليس شأناً عاماً كممارسة ونمط حياة. وإن حمل اسم الشأن العام، فإن الناس تتابعه باهتمام واسع، لكن الانخراط فيه يحتاج نفساً طويلاً وخسائر مادية ومعنوية مقارنة مع التجارة أو مجال مستقبله واضح.

وحين نقول إن اللاجئين السوريين في تركيا لم يحققوا إنجازاً سياسياً ملموساً، فهذا لا يعني أن كل السوريين حاولوا وفشلوا، إنما بالعادة أن نسبة قليلة جداً جداً جداً هي التي تحاول ولوج هذا المسلك الوعر، وإما تنجح أو تفشل بحسب الظروف والمعطيات.

ولعل التجربة البلدية في تركيا مهمة وملهمة على مستوى الخدمات والنقل والبنى التحتية والحوكمة، التي يمكن الاستفادة منها ونقلها إلى سوريا على الأقل من خلال المشاهدة وطرح الأفكار في بلديات المدن السورية وعلى مستوى المحافظات عبر عشرات آلاف السوريين الذين عاينوا وشاهدوا واستفادوا منها من خلال التعاطي المباشر.

وعسى أن تكون سوريا الجديدة مكاناً يستوعب أبناءها وبناتها في بحثهم عن المعنى والمغزى في ممارسة الدور السياسي والمجتمعي والثقافي، أن يعود السوري “حيواناً سياسياً” بطرح “أرسطو” سواء عبر الأحزاب أو النقابات أو الاتحادات أو المهن، ويكون المستقبل مشرقاً على قدر وحجم التضحيات التي بذلها الشهداء والمعتقلون والمغيبون والمهجرون والنازحون. وهو ما يجب أن يكون مهما كان الطريق شاقاً وطويلاً ووعراً.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى