رفع العقوبات الأميركية: تغليب المصلحة السورية على فخ التبعية/ سميرة المسالمة

الثلاثاء 2025/08/26
يناقش الكونغرس الأميركي الشهر المقبل مشروعين متعارضين حول سوريا: إلغاء العقوبات، التي كانت موجهة أساسا ضد سلطة نظام الأسد، من دون أي مقابل، أو من دون أي شرط.. أو تمديدها لعامين إضافيين، كوسيلة لفرض شروط معينة على الدولة السورية ممثلة بسلطتها الجديدة، تتعلق بطريقة إدارتها للوضع الداخلي (خصوصاً ملف الأقليات، والمنظمات الإرهابية).
وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقّع أمراً تنفيذياً يقضي برفع العقوبات على سوريا، ما عزز من شرعية القيادة الانتقالية الجديدة، عربياً ودولياً، وعزز الآمال بشأن النهوض بأوضاعها الاقتصادية الصعبة، إلا أن ثمة عقوبات تحتاج لإنهائها تماماً، إلى قرار من الكونغرس الأميركي.
وعلى أية حال، فإن النقاش الأميركي الحالي يأتي في سياق مختلف جداً عن السابق، بالنظر للتطورات الصعبة والمأساوية في الداخل السوري، بعد أحداث الساحل والسويداء، والاستعصاء في التوافق مع “قسد” في شمالي شرق سوريا. لذا، فهو لا يقتصر على مداولات داخلية بين أعضاء الكونغرس، بل يشمل زيارات ميدانية، ولقاءات على أعلى المستويات مع السلطة الانتقالية، برئاسة أحمد الشرع، التي نجحت في بناء علاقات مستقرة مع دول الجوار مثل تركيا والأردن، وأعادت وصل ما انقطع مع محيطها العربي والإقليمي، وهي مؤهلة لتوسيع هذا الدور مع لبنان عند تجاوز الأطراف اللبنانية فكرة استخدام سوريا لتصفية الحسابات الداخلية.
في ظل هذا المشهد، يبدو أن الخيار الأكثر فاعلية، في تعزيز الاستقرار والسلم الأهلي في سوريا، هو إلغاء العقوبات، بما يمنح الحكومة الجديدة القدرة على النهوض بمهامها الأساسية وتحقيق المصالحات المحلية، شرط التزام القوى الإقليمية بالحياد تجاه الشؤون الداخلية السورية.
في هذا الإطار من البديهي إن الصراعات أو التصدعات الهوياتية، الداخلية، تؤثر على صورة سوريا في الخارج، وعلى علاقاتها الخارجية، وضمن ذلك على مناقشات وقرار الكونغرس. ما يعني أن تحقيق المصالحات والسلم الأهلي، واستقرار الدولة، كدولة مؤسسات وقانون ومواطنين، سيكون له الأثر المباشر في حسم الخيارات. فكل تقدم نحو التوافق الوطني وتقليص النزاعات الداخلية، سيزيد من فرص الموافقة على إلغاء العقوبات، ويعزز الثقة الأميركية والدولية بقدرة الحكومة الجديدة على إدارة شؤون البلاد بفعالية، ومن منطلق تفهم احتياجات المناطق وخصوصياتها الثقافية، في الإطار الوطني.
واضح مما يجري أن حال استقرار الدولة والسلم الأهلي، أو المجتمعي، هو المعيار المرجح لإلغاء العقوبات، كما إن حال السلم الدولي المعنية به سوريا مع دول الجوار، يتيح للحكومة الجديدة إدارة شؤون الدولة بفعالية، ويعزز جهود المصالحات بين المكونات السورية المختلفة، ضمن مناخ محايد. ما يقلص احتمال تصعيد النزاعات الداخلية، ويهيئ الأرضية للسلام المستدام، ويخلق إطاراً يتأسس على الأمن الإقليمي لجميع الدول في الإقليم، بحيث ينأى بسوريا عن الاستدراج للأفخاخ التي تنصبها إسرائيل، لاستنزاف البلد، وإضعافه، وتمزيقه جغرافياً ومجتمعياً. وفي الوقت نفسه، فإن هذا الوضع يفتح المجال لإعادة بناء العلاقات الإقليمية على أسس من الثقة والحياد، بما يدعم جهود التنمية الداخلية ويعزز التعاون عبر الحدود.
في المقابل فإن تمديد العقوبات، مع شروط إضافية، من شأنه أن يفرض ضغوطاً على الحكومة، بدعوى إلزامها بنوع من إصلاحات ومعايير، قد تكون محقة، لكنها لا تدخل ضمن الأولويات والحاجات الملحة للسوريين، حين يتم وضع الإصلاحات والمعايير مقابل الأولويات والحاجات الأساسية للمواطنين، ما يؤثر سلباً على الاستقرار، والسلم الأهلي، وربما بما يعيق استعادة الثقة مع دول الجوار. ومن شأن هذا وذاك مفاقمة هشاشة الوضع الداخلي والحد من قدرة الحكومة على إدارة شؤونها بفعالية، ويزيد من شراهة إسرائيل في التدخل في الشأن السوري، وتالياً زيادة التوتر في غزة ولبنان.
على ذلك، فإن الخيار الأكثر توافقاً مع مصالح أغلبية الشعب السوري، ودول المنطقة، هو إلغاء العقوبات الأميركية نهائياً، وتمكين الحكومة من ممارسة سيادتها بشكل كامل، مع ضمان حياد القوى الإقليمية، والتزامها بالدعم الإيجابي للحريات الفردية والعامة للسوريين، ليصبح قرار الكونغرس أداة فاعلة لتحقيق الاستقرار والسلام الداخلي، وتهيئة البيئة الملائمة لتنمية أساسية ومستدامة في سوريا والمنطقة بأكملها، بما يكفل مشاركة جميع السوريين في العملية السياسية المحلية.
وهذا الوضع من شأنه أيضاً، تعزيز فرص نجاح أي قرار أميركي تجاه سوريا، مع مراعاة المصلحة الإسرائيلية في إطار من الاستقرار الإقليمي العام، الذي يتلاءم وينسجم مع أولويات سوريا في شأن الاستقرار والسلم الداخلي واستعادة البلد لعافيته والنهوض بأوضاعه الاقتصادية والمعيشية، وبناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنين
المدن



