رقمان سحريان لقدر بلاد/ يعرب العيسى

26 اغسطس 2025
كبُرنا أو صغُرنا، صعدنا أو هبطنا، انقسمنا جيوشاً ومليشيات أو شكّلنا وفوداً للحوار، استعجلنا أو تريّثنا. النتيجة واحدة، وسنصل إليها بالطريقة الصعبة، أو بالطريقة العاقلة اللّينة.
في النهاية، سنصل إلى النتيجة ذاتها، بعد شهر أو بعد عشرين سنة: سنعيش معاً في بلد غير قابلٍ للتجزئة أكثر مما جرى، سنتقبّل اختلافاتنا كما كل شعوب الأرض، ولن يستطيع أحد، كائناً من كان، أن يصبغ الجميع بلونه. والطريق إلى ذلك محدّد ومحفوظ في رقمَين.
هما مثلَ كل الأرقام السحرية التي ظنّ الناس، منذ سُحِر البابليون برمزية الأرقام، أنها تخبّئ الأقدار في دلالاتها.
ومسار قدرنا محفوظ في هذين الرقمين: سنصل لتطبيق الـ 107 بقوة الـ 2254. سنحاول كثيراً أن نلتفّ عليهما، كل منّا بطريقته ورؤيته ومصالحه وأهدافه. سيحاول بعضهم أن يقول إنّ 2254 انتهى بنهاية نظام الأسد، وسيحاول آخرون أن يقولوا إنّ الـ 107 لم يعد كافياً بعد مجازر الساحل والسويداء.
لا بأس، لطالما عاند الناس أقدارهم، وظنّوا أن في إمكانهم تغييرها بالقتال أو بالدعاء. ولكنّهم، في نهاية المطاف، سيجلسون القرفصاء مستندين بظهورهم إلى جدار، وينظرون إلى البعيد، ويتنهّدون ثم يقولون: كيف لم ننتبه منذ البداية؟ هذا ما كُتب لنا، ولا أحد يستطيع معاندة قدره.
ستَجري تعديلاتٌ كثيرة على ما يعنيه كلا الرقمين، هذا وارد، بل وربما يكون ضرورياً. لأن القتال قد يفرض انحرافاتٍ طفيفةً في الصورة النهائية، ولكنه لا يغيّر مركزها. والدعاء يجعل القدر لطيفاً ولا يرده. فهذا حرفياً ما يقوله المؤمنون بقدرة الدعاء: اللهم لا نسألك ردّ القضاء وإنما نسألك اللطف فيه.
بتحقق هذا الدعاء، ستتوسّع قليلاً صلاحية الأطراف، سيتغيّر اسم المحافظة ليصبح إقليماً، سترتفع حصّة الأطراف من الموارد الطبيعية، وحصّة المركز من الضرائب، ستصبح الشرطة المحلية مسؤولة عن جرائم السرقة وحوادث الدرّاجات النارية، والشرطة المركزية مسؤولة عن انقلاب شاحنات العبور على الأتوسترادات. أو أشياء من هذا القبيل. لكن اللامركزية الإدارية هي النتيجة الحتمية التي تنتظرنا. لن تعود تلك المركزية الصارمة التي حكم بها حزب البعث 68 عاماً، والتي تريدها السلطة الانتقالية الحالية. وفي الوقت نفسه، لن يستطيع أي إقليم أن يملك جيشاً وسيطرة كاملة على الموارد كما تطمح بعض القوى والمناطق، كما الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي، أو كما طموح مناطق أخرى، مثل الساحل والسويداء.
والقانون 107 الذي بدأ التفكير به مشروعاً تنموياً في زمن الاسترخاء عام 2009 أو 2010، صار اليوم (مع تعديلات ضرورية وغير أساسية) واحداً من أرقام قدرنا التي ستحكم مستقبلنا الوطني.
الرقم الثاني قرار مجلس الأمن الذي خَفَت تردّده في الإعلام وعلى ألسنة السياسيين ووسائل الإعلام خلال الأشهر الماضية، سيعود إلى الواجهة عند أصغر حدث مهم، وسيلجأ إليه العالم في النهاية، كلّما عنَّ له أن يُعيننا على أنفسنا.
ولن تستطيع أي من القوى الدولية الكبرى أن تفرض قراراً جديداً يناقضه بأي اتجاه. فالـ 2254 هو نقطة الالتقاء التي حدثت في لحظة معينة بين القوى الكبرى، وهو القاسم المشترك الأعظم للإرادات الدولية، وبالتالي، هو بالنسبة لبلد صغير وضعيف ومأزوم مثل بلدنا، علامة من علامات القدر.
وكما في كل كتاب سحري يكشف الرموز، سيلتقي هذان الرقمان في لحظة مناسبة، وسنكون محظوظين لو حدث ذلك قريباً.
العربي الجديد



