سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمنوعات

سَلمية ومشهدها الثقافي ماضياً وحاضراً/ فاتح كلثوم

26 اغسطس 2025

قبل سنوات قليلة من هجرتي القسرية إلى مدينتي الأم، كنتُ مِن بين المدعوين إلى مدينة القامشلي، شاعراً جاء مِن “مدينة الشعر” من “سلميّة الماغوط” ليُقدم تجربته الإبداعية على منبر مهرجانها الشعري الثالث.

 يثير تأطير المشهد الثقافي لمدينة سلميّة بثنائية قوامها الشعر وشخصية واحدة مَن مبدعيها، الشكَّ والكثير من التساؤلات والأجوبة المنبثقة عن ( المؤتمرات!) المنعقدة تحت قبة بهو الاستراحة في إحدى جمعيات المجتمع المدني، وفي أمسيات السمر داخل المنازل، وأمام أبوابها الشعبية المشرعة دائماً لاستقبال صديق، أو عابر مساء محمّل برغبة الحوار في موضوع ثقافي محدّد، أو مفتوح على احتمالات آراء يراد منها النميمة على إنتاج إبداعي بعينه، أو على تجربةٍ شخصيةٍ أدبيةٍ بحدّ ذاتها، ولن تنجو من هذا المشهد اليومي المساحة الضيقة لمحالّ المدينة التجارية، وفسح أرصفتها الضيّقة، لتنال تلك التجمّعات مجتمعة ثناء التفوّق على المنابر الرسمية في طروحاتها، ورؤيتها ومعلوماتها الباذخة في قضايا ثقافية، ما زالت عالقةً بعيداً عن مشهد البوح.

يأخذ بعضهم مِن تكريس تلك الثنائية على صفحات “السوشال ميديا”، أنه قارب نجاة لا بدَّ منه في زمن تفشي ثقافة الاستهلاك، والموت المجاني، ومدعاة فخر واعتزاز، لسلميّة، ووثيقة رسمية ممهورة بخاتم السلام، والتفوّق عند مقارنة مبدعيها مع آخرين من سورية أو من محيطها العربي، على حدٍّ سواء. يأخذ آخرون أنه مجرد غرور ساهم بظهور أسماء من الشعراء غير الموهوبين، المحتمين تحت مظلة هذه الثنائية!، ورأي ثالث يرى أنها مؤامرة مدروسة لتقطيع أوصال المشهد الثقافي بسلميّة، ورمي كلّ نسق منه بعيداً عن صنوه ممن ساهموا مع الشعر بإعطاء المدينة هذا التميز، كالمنجزات السردية التي بدأت بالظهور مع جيل الرواد أمثال: محمد صخر حيدر، لتستمر بوتيرة أعلى من خلال التجارب التي ظهرت إلى النور إبّان فترة الحرب بأقلام كلّ مِن فائق موسى، حسن بو إسماعيل، مراد داود، كنانة ونوس، محمد مهتدي غالب، وآخرين ما زالوا يبحثون عن فرصة نشر لمنجزاتهم الروائية والقصصية، تجنباً لدفنها في تربة النسيان.

من جهة أخرى، يسجل الفن المسرحي حضوراً أصيلاً من خلال تقديمه 12 عرضاً في العام 1969 شارك معظمها في مهرجات كلّ مِن حماه وحمص وحلب واللاذقية، ليتابع عمله بخطوات متعثّرة إلى مطلع القرن الحالي، ليعود إلى تألّقه بدماء جديدة أمثال: فرقة مسرح “جسور” العريقة التي ساهمت بنهضة الدراما التلفزيونية، من خلال تقديمها أسماءً سجّلت حضوراً  لافتاً في المشهد السوري، منهم هزار الحرك، هبة زهرة، ريم زينو، إيناس رزق… وما زالت في أوج زهوها بإشراف الكاتب والمخرج مهتدي غالب، الذي يبذل الساعات الطويلة للمتابعة في تدريب هواة جدد، وتقديم ثلاثة عروض مسرحية سنوياً، تتوزّع بالتساوي ما بين فرقة الأطفال واليافعين والكبار. والجدير ذكره أن مسرح “جسور” تجاوز، أخيراً، رسميّات الخشبة التقليدية، ليجعل مِن الشارع والحدائق وساحات المدارس مكاناً لعروضه في سلميّة وريفها. وفي السياق، يشارك أيضاً مسرح “أدونيا” بإغناء المشهد من خلال استمرار عروضه منذ أيام الحرب، بإدارة المخرج رائد الجندلي، بمعدل إنجاز عرض واحد في العام. إضافة إلى رعاية ثلاث دورات لمهرجان الماغوط المسرحي. ومِن حيث إعطاء وجهة جديدة للمسرح فإنّ فرقة “أوركيدا” التي تأسّست إبّان الحرب بإدارة الفنان سليمان غيبور ما زال تميّزها يتألق في المدينة وخارجها، من خلال عروض إيحائية راقصة، تحاكي التراث الشعبي السلموني بالخاص، والسوري عامّة.

فريق آخر من الأعضاء (المؤتمرين!)  في الفسح المسائية، آنفة الذكر، يرى أن تكريس هذه الثنائية، خصوصاً في أثناء فترة الحرب، قد لعب دوراً في الأخذ بيد الجهل، مِن أَنّ شاعر سلميّة الكبير، محمد الماغوط، ما هو إلّا حلقة من سلسلة متكاملة،  تعود بدايتها الأولى إلى “البيت- المسجد” الذي ضمّ من بين أسراره: هواجس المتنبي، وغربة ديك الجن الحمصي، وحوارات وأقلام “أخوان الصفا” لتخصب مع منتصف الثلث الأول من القرن العشرين، بروافد مختصّة بالبحث العلمي في مجال الفلسفة والتراث أمثال: إبراهيم فاضل، وعارف تامر، وأحمد علي زهرة، ومصطفي غالب الذي أخذ على عاتقة إصدار وتحرير مجلة الغدير في 1955، ليكون شريكاً مع أقلام صفحاتها المتنوعة، في جعلها منارة للإعلاء من حقّ الاختلاف مع الآخر، في مجمل القضايا الإبداعية والفكرية السائدة في حينها، ليسجل لها، بلا منازع، دور البدايات المؤسّسة لنهضة سلميّة الثقافية، لتعبر (تلك النهضة) حدود سورية تحت مظلة الشعر، بأقلام ورؤى إبداعية سوف تضع الشعر العربي على مفارق متعدّدة مِن الخطاب، إلّا أنها تلتقي على هدف واحد، قوامه التجديد. وكانت الريادة من نصيب الشاعر سليمان عواد الذي ساهم في مشروع قصيدة النثر العربية، بترجماته قصائد لشعراء فرنسيين، أمثال رامبو و بودلير، وتقديمها إلى معاصريه في سلميّة، طالباً منهم محاكاتها في كتاباتهم.

ويتفق الشاعران، محمد الماغوط وإسماعيل عامود على تأثرهما بتجربته، التي سجلت السبق على تجاربهم بإصدار مجموعته الشعرية الأولى في 1957 تحت عنوان” سمرنار” المفعمة بالنزعات الوجودية، والاغتراب، والحرية المطلقة بروافدها البوهيمية والرومانسية والوطنية، على حد سواء، لتنتقل هذه الرؤى الفلسفية، بالعدوى، إلى معاصريه من شعراء المدينة، ممن اختلفوا معه بشأن فنية القصيدة، ومنهم علي الجندي وفايز خضور ومن تلاهم من الشعراء في المراحل اللاحقة، ليحكم عليهم القابعون تحت سقف القصيدة التقليدية في تلك المرحلة بالنفي خارج خيمة الشعر العربي. وسيأخذ هذا النفي من ردود فعل “الضحية” دروب الرفض للثابت، ليرسم مشهداً ثقافياً أدبياً بانورامياً بصبغة مميّزة من التمرّد والرفض، والذي سوف تستغله السلطات السياسية المتعاقبة، شبهةً مؤجّلة يدور محورها حول انحياز النخب السلمونيّة الدائم للحرية، وشغفهم المزمن بمحاربة الاستبداد. وسوف تُستعمل هذه الشبهة عند الضرورة تهمة مالكةً تتجاوز عقوبتها، إبّان تملك حزب البعث السلطة في سورية، السجنَ الذي لن يرحم أحداً من مثقفي سلميّة، حتى لو كان من داخل الانتماء للحزب، وخير مثال نجده مع تجربة مدير المركز الثقافي في سلميّة، عبد الكريم الضحاك، الذي اعتقل في 1980 ليقضي ما يقارب 12 سنة تحت رحمة  الجلاد. أما الذين بقوا قيد التأجيل من معاصري تلك المرحلة السوداء الممتدّة إلى ما قبل إسقاط نظام الأسد بساعات معدودة، فكانوا أمام خيارات التهميش الذاتي والقسري، أو المواربة والخضوع، أو الصمت، أمام الماكينة الأمنية وأدواتها الإعلامية، التي استفادت من شهرة “البدوي الأحمر” ومسرحه (البعيد عن نقد السلطة الأسدية بالذات!) لتقطيع أوصال الحركة الثقافية في سلميّة، وحصرها ضمن تلك الثنائية بالذات، تماماً كما فعلت عندما اختصرت التاريخ السوري بحزب البعث، وعائلة الأسد (مع مراعاة الفارق بين الشعر و”البعث”، وبين الماغوط والأسد)… فهل كانت لهذا المشروع الشيطاني أبوابٌ مفتوحة تؤهله للاستمرار والنجاح الدائم؟.

قبل ارتفاع وتيرة المحرقة بدمشق، الجواب بالتأكيد سيكون طافحاً باليأس، فأنا من الجيل الثاني، الذي آمن مع آخرين، بخيار الإقامة في العاصمة، لتبدأ مفرداتي بالتكاثر من رحم أحيائها القديمة و شوارعها المزدحمة بالتناقضات والعشق والقمع والقهر والقصائد، بعيداً عن هواجس” سلميّة” والتُهم (الجاهزة- المؤجّلة) لمن يعمل في حقل الإبداع من أبنائها. أو هذا ما كنت أظنّه. بانتظار أن تختتم سيرتي الذاتية بنعش يعيدني إلى تراب نشأتي الأولى، ومجموعة من القصائد والمؤلفات، المتناثرة على أرصفة الشام، التي لا تبحث عن وارثين جددٍ لتجاربها الإبداعية من الأجيال اللاحقة، للقناعة التي بتنا نحملها بسب انقطاع حبل السرّة بيننا وبين المدينة عقوداً، تماماً كما حدث لأبائنا من الروّاد الذين أعطوا لمدينة الفقر والغبار تميّزها الثقافي العابر لحدودها الضيقة. سيخونني هذا السيناريو، بعد أن مَنَّ عليّ الخوف وأعادني إلى سلمية في صيف 2014، لأطلع على المشهد الثقافي كاملاً للمدينة، بتداخلاته وتجاذباته الابداعية والمرحلية. ولا بدّ هنا من الاعتراف بأنني، قبل عودتي إلى سلمية، كنت أجهل تاريخ وحاضر فنون أخرى كانت وما زالت مالكة في صلب المشهد الثقافي للمدينة، مثلما كان غائباً عن متابعتي الجزء الأكبر من طموحات هموم الجيل الشاب من الشعراء، ممّن تفتحت مواهبهم من عمق المأساة السورية، أمثال: نصيرة عيسى، هانيبال عزوز، عبد الله كلثوم، إباء الخطيب، فراس الضمان، نعمان رزوق، وغيرهم، ممن جعلوني، لاحقاً، على يقين بأنهم استطاعوا، تجاوز عقدة محمد الماغوط (وجميع العقد الأخرى) صعوداً للارتقاء بالخط الفني لقصيدة النثر التقليدية، ومفرداتها العامة، إلّا أنهم لم يستطيعوا الخروج، عن نزعة الأجيال السابقة، الطافحة بالوجودية، والتمرّد، وعشق الحرية، واللاجدوى، إلّا بما تمليه عليهم خصوصيّة المرحلة، هؤلاء الشعراء سيطاولهم التهميش، لترفّعهم عن الصعود إلى المنابر الرسمية في المدينة، بعد أن اغتالت تلك المنابر أجهزة “البعث” الأمنية، لصالح إحياء أصوات فئةٍ من المتسلقين على سلم الشعر، مُطعّم بفئة أخرى من الذين هزمتهم قسوة السنين، وما زالوا يبحثون عن أمجاد كاذبة، بتكلفةٍ مجانية، على أمل النجاة من سنوات الفقر والقهر والتهميش التي لازمت أيامهم وأحلامهم عقوداً طويلة، إلى أن وصلت بهم تلك الأيام إلى سن التقاعد من دون شفيع، ومن دون مقوّمات تؤهلهم للالتحاق بركاب قصيدة الحداثة بمعناها العميق، فما كان منهم سوى طلب اللجوء من أوزان الفراهيدي لتمنحهم قصيدة تقليدية قوامها تمجيد الانتصارات الكاذبة، والغزل الذي يندرج تحت يافطة عودة الشيخ إلى صباه. سيتابع هذا السرطان الانتشار بعد العام 2016 برعاية المركز الثقافي، ومنتديات المجتمع المدني الخاصة، المحروسة بموافقات أمنية لمتابعة الركض في دروب الخراب.

تلك الأسباب، بجانبها السلبي، أخرجت سلميّة عن تفوقها في مجال الشعر، وأبقت لها تلك الثنائية الإعلامية المفرغة من المضمون، كما كنت أظن وأنا أتابع الأمسيات الهزيلة والكثيرة، إلّا أن القسم الأكبر من هذا الظن سوف يتلاشى، بعد سقوط نظام الأسد في نهاية مايو/ أيار الماضي (2025) بإشهار مجموعة من الشباب “تجمّع كلمة الثقافي” من صالة الزيتون في جمعية أصدقاء سلميّة، باحتفالية تفتتحها فرقة اليوبيل الموسيقية، بحضور نخبة من الشعراء القادمين للمشاركة من مدن بعيدة، وجمهور كبير، على مدى يومين، من المهتمين بالشأن الثقافي في المدينة.

من جهة أخرى، نرى أن الفنون الأخرى، كالتشكيل والموسيقى والغناء، وضعوا ماضيهم المربك خلف ظهورهم، وخرجوا بجدارة من محاولات التهميش الإعلامي لمسيرتهم الفنية بسبب الإعلاء من شأن تلك الثنائية، ليأخذوا دورهم الجدير بالمتابعة، في العقد الأخير، وهم يتصدّرون المشهد الثقافي للمدينة، فالفن التشكيلي، الذي يعدّ العاملون فيه في الوقت الحاضر بالمئات (هواة ومحترفين) ومن مختلف الأجيال، نراه وقد تجاوز مرحلة التسوّل مِن المهرجانات الشعرية الرسمية لعرض منجزاته، ليؤسّس بجهود أبنائه، عدة محترفات خاصة، وجمعية “بصمة الفن” التي سيتجاوز معرضها الدائم أعمال أعضائها في مقرّها الرئيسي، لتقيم بعد شهر من سقوط النظام، احتفالاتها ومعارضها الخاصة.

في السياق نفسه، نرى أن الغناء والموسيقى، اللذين ارتديا ثوب التفوّق، بعشق منقطع النظير يتقاسمه المبدعون والجمهور، بمرجعية تاريخية تعود إلى ذاك الفلاح الذي كان يحرُث أرضه بالمحراث الخشبي، وبأبيات مبتكرةٍ مِن “العتابا والميجنا” لينقلها في المساء، بالتشارك مع آلة الربابة، إلى جيرانه في ليالي السمر، وفي الأعراس. المرجعية الثانية تتلخص في المعاصرة، بشغف الجمهور السلموني بالتراث الغنائي العربي، العراقي والرحباني منه خاصّة، والمحاولات الدائمة لمحاكاته من عشاق هذا الفن. أما السبب الذي لعب دواراً محورياً في جعل الموسيقى والغناء يحققان هذا التفوق على الفنون الإبداعية الأخرى، في المشهد الثقافي والشعبي في سلميّة، فنابع من عشق الحياة والحرية والإبداع والتجديد، ومحاولة الاحتماء بالحناجر والأوتار للتخلص من حالة التهميش والبؤس والقمع الملازمة لأيام مدينتهم، على مدى أكثر من نصف قرن، تلك المحفزات ستأخذ في السنوات العشر الأخيرة دور المرشد لافتتاح معاهد موسيقية في المدينة يفوق عددها أصابع اليد بأضعاف المرّات، توازيها الدورات المكثفة من الجمعيات الأهلية، التي تتفوّق بالعدد على تلك المعاهد، والهادفة إلى جعل نغمات الأوتار وشجن الحناجر في مقدّمة برامجها متعدّدة المشارب، ما ساعد على ظهور فرقة “تكات” العابرة بنشاطاتها محيط سلميّة، أمّا فرقة “اليبويل” الموسيقية الغنائية، المؤمنة بالتشاركية مع الفنون، فلن تستثني الفرق الرياضية الناشطة في المدينة، وستعبر الحدود السورية برفقتهم جمعياً إلى العاصمة البرتغالية في العام 2018، ثم إلى دبي في منتصف الشهر الماضي (يوليو/ تموز) للمشاركة باحتفالات “اليبويل العالمية” لتحظى فعالياتها بتميّز على فعاليات دول مشاركة من القارات الخمس، أكثر من أسبوع، تحت رفرفة علم سورية الجمال، ولا بدّ أخيراً من الإشارة إلى أنّ في المدينة أيضاً فرقاً مسرحية وموسيقية وغنائية خاصة بكل جمعية من مؤسّسات المجتمع المدني المتجاوزة في اهتماماتها وعددها عشرين جمعية. في السياق، لا بدّ من أن يخصّص أحد أيام الأسبوع في كل جمعية لنشاط ثقافي رئيس بالتشارك مع نشاط رديف موسيقيّ وحنجرة صادحة. بعد انتصار الثورة، ستضيف مؤسّسات المجتمع المدني آنفة الذكر، إلى برامجها أيضاً: محاضرات ونشاطات، تعنى بالحوار مع الآخر المختلف، والسلم الأهلي، ونبذ خطاب الكراهية، لتغدوا سلميّة، بشهادة زوارها ومشهدها الثقافي الباذخ، مدينة إبداع، والحب، والجمال، والسلام.

العربي الجديد

——————————

سلمية النموذج… الثقافة أداة السلم الأهلي/ حاتم خربيط

26 اغسطس 2025

عندما دخلت قوات الثورة دمشق وأطاحت نظام الحكم الديكتاتوري الاستبدادي والطغياني السفاح لآل الأسد. كانت سلمية، المدينة السورية المعروفة بأنها مدينة المحبة والسلام والعلم والثقافة والشعر والتحرّر، تستقبل المهجّرين من مختلف المناطق السورية، ومن جميع الأطياف والديانات والطوائف والقوميات والإثنيات التي يتشكّل منها المجتمع السوري، فاتحة ذراعيها وصدرها للترحيب بهم واستقبالهم من دون أن تسألهم عمّا قد يُحرجهم أو يزعجهم، وما زال فيها شركس وأرمن وغيرهم من أبناء وأحفاد من لجأوا إليها في النصف الأول من القرن الماضي، هرباً من الإبادة العثمانية التي ذهب ضحيتها ملايين من الأبرياء، كما استقبلت طلائع قوات ردع العدوان للثورة التي حرّرت مقام زين العابدين والجبل الذي يقع أعلاه استقبال الأبطال بالورود والأهازيج الشعبية والوطنية.

كانت سلمية الوادعة النقية تحلم بمثل هذا اللقاء الحميم، وهي التي عانت في العهد البائد للابن والأب من كل أشكال الإهمال والعقوبات والضغوط على مختلف المستويات، لأنها رفضت أن تكون المدينة التي تطبّل وتزمر وتهلل للقائد كل الوقت، وهي المدينة السورية الوحيدة التي رفضت أن تضع تمثالاً لحافظ الأسد في مدخلها أو ساحتها العامة، ما سبّب غضبه الشديد عليها، وإيقاف كل المشاريع الحيوية المقرّرة، وأهمها مشروع إيصال مياه نهر الفرات إليها الذي كان سيحلّ معاناة سكّانها الطويلة والعميقة من عدم توفر مياه الشرب النقية، وهي المدينة المعروفة منذ القديم بكثرة القنوات والينابيع، ومنها قنوات تعبر شوارعها وأزقتها بمائها البارد الصافي الرقراق، وتذكر المصادر أن عدد قنواتها بلغ 360 قناة مختلفة الغزارة والطول، لكن سنوات جفاف قاسية، وحفْر سكّانها آباراً كثيرة لسقاية مزارعهم وحقولهم بأسلوب عشوائي وغير منظّم؛ استنزف خزّان المياه الجوفية في أرضها، والوصول إلى حالة المعاناة المستمرّة.

حين استقبلت سلمية المهجرين وقوات ردع العدوان بحفاوة ومودة صادقة بكل أطياف أبنائها وسكانها بمستوياتهم الاجتماعية والعلمية والثقافية والاقتصادية، وبمشاركة فاعلة من الجمعيات الناشطة في المجالات الإنسانية والخيرية والثقافية، والهيئات التعاونية والمؤسّسات الدينية والرسمية وغيرها، كانت تضع اللبنة الأهم لبنيان السلم الأهلي في إطاره الجديد مع انتصار الثورة السورية وإطاحة نظام عائلة آل الأسد الذي رزح على صدور السوريين بكل أساليب القمع والتعذيب الوحشي والقتل والاغتصاب في السجون والمعتقلات وأقبية الفروع الأمنية، المنتشرة في كل المدن والأحياء التي لم يعرف العالم لها مثيلاً. السلم الأهلي الذي لم يكن بالنسبة لأبناء سلمية قراراَ حكومياً ينفذه الشعب، بل ممارسة وطنية طوعية تنبع من ذات المواطن المؤمن بأن علاقته مع المواطن الذي يعيش معه في المدينة نفسها والحي نفسه علاقة تآخٍ وتعاضد وتعاون عميق وحميم، أشبه بالعلاقة بين أفراد العائلة الواحدة. ولذلك كانت تسمية السلم الأهلي هي المعبّرة تماماً عنه. وهكذا كانت سلمية النموذج الذي تمسّك بالسلم الأهلي أسلوب حياة، ومنهاج عمل وبناء وتطوير، ما ساهم في عدم حدوث ما يعكّر صفو الأمان والطمأنينة بين سكان المدينة وما حولها، وكان انتشار قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية فيها وحولها سلساً ومرافقاً بالترحيب الحار من أبنائها والمقيمين فيها، وهذا يفسّر ندرة الحوادث الأمنية والإخلال بالنظام في الفترة الماضية، عدا بعض الأعمال العدائية المسلحة التي يرتكبها بعض أبناء العشائر التي تقيم حولها، وكانت الجهات الأمنية المختصّة تعالجها فوراً.

بعد اتخاذ إجراءات عقابية بحقّ المدينة وسكّانها، لجأ إلى أسلوب الترغيب والترهيب معها، حتى لا يفقد الدعم الذي كان يقدّمه الآغاخان، زعيم الطائفة الإسماعيلية التي تشكّل غالبية سكان سلمية، للدولة السورية، وهو دعم متعدّد الأشكال والمستويات، ويستفيد منه شخصياً هو وحاشيته وأتباعه، كان الترغيب إجراءاتٍ شكلية فارغة، كتعيين وزير من سلمية في كل وزارة تشكل في عهده، وأهمها تعيين وهيب فاضل الضابط السلموني وزيراً لشؤون رئاسة الجمهورية، ولم تستفد منه المدينة أو سكانها، كما جرى تعيين الشاعر محمد الماغوط رئيساً لتحرير مجلة الشرطة، لمنعه من الاستمرار في كتابة مقالاته المزعجة للنظام، لكنه استفاد من موقعه، فجاء بصديقه القاص زكريا تامر وصار يتبادل معه كتابة مقالات مربكة للسلطة في الصفحة الأخيرة فأقيل.

أما الترهيب، فكان يقوم على اغتيال أو سجن شخصيات هامة وفاعلة من سلمية من دون تقديم الأسباب، ففي عام 1969 اغتيل العقيد عبد الكريم الجندي لرفضه أمر حافظ الأسد بنقله بلا مبرّر وأُعلن أنه انتحر، وعام 1970 أُدخل عضو القيادة القومية لحزب البعث، مصطفى رستم، سجن المزّة لرفضه التعاون مع الحركة التصحيحية واستمرّ فيه 24 عاماً، كما سُجن مدير المركز الثقافي في سلمية، عبد الكريم الضحاك، سنوات طويلة، لأنه لم يلتزم بالتوجيهات الوزارية، والقائمة تطول والأسماء كثيرة.

لم تركع سلمية، وظلت تحافظ على السلم الأهلي في تلك المرحلة العصيبة من تاريخ سورية، وتحميه بقوة، لأنه عنوان الحياة والكرامة لأبنائها وضيوفها. ومع انتصار الثورة السورية، كان لا بد لسلمية أن تؤكّد أن تمسّكها بالسلم الأهلي لم يكن حالة عارضة في العهد البائد، بل هو نظام تعايش دائم بين سكّانها تحرص على أن يزداد قوة وتعمّقاً، والمثال حينما أُعلن عن تشكيل الهيئة الإسلامية في سلمية كانت محلّ ترحيب واسع من جميع الأطياف، خصوصاً من المجلس الإسلامي الإسماعيلي المحلي الذي يدير شؤون الإسماعيليين في المدينة، ويهتم أيضاً برعاية الأطياف المجتمعية الأخرى، وتقديم الدعم والعون لهم في كل المجالات والأوقات، وهكذا هي سَلمية المحبة والسلام والتعاضد والإخاء.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى