تشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالات تناولت أعادة إعمار سوريا

أيّ إعادة إعمار لسوريا في ظل التدهور البيئي؟/ سلطان جلبي

هي معضلة «الآن وهنا» وليست سؤال مستقبل

26-08-2025

        يفلت مجيد (ح) حفنة تراب من يده فيتحول معظمها إلى غبار ناعم تحمله الرياح بينما تتساقط حبات أكبر على أرض جافة، كان مجيد قد بذرها قمحاً فلم تُنبت زرعاً. مجيد مزارع من ريف الحسكة (57 عاماً) خاب موسمه للعام الثالث على التوالي. لكن هذا العام كان الأسوأ، يقول الرجل: «في السنوات الماضية حتى لو لم نحصل على إنتاج لنحصدَه، كنّا نستطيع تأجير الأرض بما نبت عليها إلى الرعاة ليطلقوا فيها أغنامهم ونستعيد بذلك شيئاً من خسائر الموسم، لكن هذا العام ماتت بذورنا في بطن الأرض».

        مشهد السهول الجرداء يمتد على كامل المناطق التي تعتمد على الزراعة البعليّة في سوريا، وخاصة في شمال شرقها. تقول بعض الدراسات إن موجة الجفاف التي شهدتها سوريا هذا العام هي الأسوأ منذ أكثر من ستة عقود، وتؤكد أخرى أن على السوريين توقع  موجات جفاف أكثر حدةً وأطول مدة خلال السنوات والعقود القادمة، والتهيؤ لما يرافقها من موجات الحر الشديد، والعواصف الغبارية، وفشل المحاصيل وغيرها من آثار تغيّر المناخ.

        عاصفة غبارية في ريف دير الزور آذار 2025 (حساب محافظة دير الزور على انستغرام)

        تخرج سوريا من نزاع داخلي مدمر لتواجه أزمة مناخية تثاقلت آثارها طوال عقود دون استجابة. وفيما ينتظر السوريون انطلاق عملية إعادة الإعمار كضوء في آخر النفق، يُسيطر الغموض على نموذج إعادة الإعمار الذي تسير سوريا باتجاهه. يحاول هذا المقال تقديم تصور أولي، مستند إلى تجارب دولية، حول ما هو نموذج إعادة الإعمار الذي تحتاجه سوريا؟ كما يستقرئ الخطوات الحكومية في هذا الاتجاه في محاولة لرسم ملامح رؤية الحكومة الانتقالية لإعادة الإعمار.

        الأمر لم يعد حديثاً عن المستقبل!

        تشير توقعات النماذج المناخية إلى أن متوسط درجات الحرارة السنوية في سوريا قد ارتفع بمعدل نصف درجة كل عشر سنوات خلال العقود الأربعة الماضية، وهو من أعلى المعدلات بين البلدان العربية. التوقعات ترجح أيضاً أن يرتفع المتوسط السنوي لدرجات الحرارة في سوريا بمقدار 1.6 درجة مئوية بحلول عام 2050، وإلى 4 درجات مئوية بحلول نهاية القرن. هذه الأرقام تعني وقوع تغيرات جوهرية في توازن النظم البيئية في سوريا وتشمل ليس فقط النظم البرية، بل أيضاً النظم الزراعية والحضرية. المؤكد هو أن معظم المناطق في سوريا تتجه نحو زيادة الجفاف حيث تتحول أراضٍ في غرب البلاد من رطبة إلى شبه رطبة أو شبه قاحلة، كما تحولت مناطق شبه قاحلة في شمالي شرق البلاد إلى أراضٍ قاحلة. الأمر لم يعد حديثاً عن المستقبل، بل واقعاً ملموساً تؤكده حواسنا المباشرة وليس الدراسات العلمية فحسب.

        متوسط ارتفاع معدلات درجة حرارة الهواء في الدول العربية خلال العقود الأربعة الماضية 1980–2018 (جابر وآخرون، 2023).

        ليس في مقدور مجيد فعل أي شيء لصد الجفاف عن أرضه، فتغير المناخ يتسارع ولا نعرف طريقة لوقفه، كل ما في المستطاع هو التكيف مع المناخ المتغير والمعطيات البيئية الجديدة. والتكيف في هذا السياق يعني إدخال تغييرات جذرية على نمط حياتنا بما يشمل كيفية الإنتاج والاستهلاك، وأساليب البناء والتنقل، وكيفية المقاومة والتعافي، عقب الكوارث البيئية.

        على الأرض، تغرق البلاد في تحديات أمنية وسياسية واقتصادية هائلة، ما يجعل مسألة التكيّف مع التغيّر المناخي في ذيل قائمة أولويات صنّاع القرار الجدد في البلاد، غير أن ثمة ضرورة لإعادة ترتيب هذه الأولويات رأساً على عقب من خلال الربط النظري والسياساتي بين إعادة الإعمار والتكيف مع تغيّر المناخ. فمن دون استجابة مركزيّة للتكيّف مع تغير المناخ يصعب تخيل أي استقرار أو انتعاش اقتصادي مستدام في سوريا.

        نموذجان لإعادة الإعمار عرفتهما المجتمعات المعاصرة

        يُشير الفهم التقليدي لإعادة الإعمار إلى عملية شاملة وطويلة تهدف إلى استعادة البنى التحتية، الاقتصادية والاجتماعية التي تضررت نتيجة للحرب. لكن في حالة سوريا، لم تكن معظم نظم الطاقة، والزراعة، والصناعة وغيرها، التي سادت قبل النزاع مستدامة بالمعنى البيئي ولا شاملة بالمعنى الاجتماعي. في زمن التغير المناخي وسباق التحول نحو النظم المستدامة تبدو «استعادة» البنى السابقة للنزاع سيراً بعكس اتجاه التاريخ وقد تؤدي إلى إعادة إنتاج النزاع. لذلك يذهب الباحث الأميركي جون ليديراخ إلى أن كل عملية إعادة إعمار ما بعد النزاع يجب أن تكون عملية تحويلية، لا تكتفي باستعادة النُظم بل تحولها إلى نظم أكثر استدامة وشمولية، وبذلك تعالج الجذور العميقة للنزاع ولا تكتفي بتسويته. وعند الحديث عن الجذور العميقة يُجادل العديد من الباحثين بأن الثورة السورية نفسها كانت نتيجة مباشرة لتغيرات المناخ أو بمعنى أدق، لفشل جهود التكيف معها.

        يقارن الباحثان الفلسطيني جهاد العيسى والتشيكي يوراي نيمتس بين نموذجي إعادة الإعمار اللذين عرفتهما مجتمعات ما بعد النزاع المعاصرة وهما أولاً النموذج الرأسمالي القائم على الأمن والنمو الاقتصادي، ويعتمد هذا النموذج على السوق الدولية والتدفقات المالية الخارجية لتحريك عجلة الاقتصاد المحلي. لقد نجح هذا النموذج في ألمانيا واليابان عقب الحرب العالمية الثانية، لكن تطبيقه في دول مثل العراق (2003)، أفغانستان (2001) وغزة (2009) فشل في جلب الاستقرار والتعافي الاقتصادي إلى تلك البلدان وانتهى بتعميق الفجوات الاقتصادية بين السكان، والإضرار بالبيئة والموارد الطبيعية، وانتشار الفساد.

        النموذج البديل يُعرف بنموذج التنمية المستدامة ويُركز على التوازن بين النمو الاقتصادي، وحماية البيئة، والعدالة الاجتماعية. طُبِق نموذج التنمية المستدامة في رواندا بعد حرب الإبادة الجماعية عام 1994. استندت الدولة إلى «رؤية رواندا 2020» التي بُنيت على عدة حوامل أهمها: الحوكمة الرشيدة، وتنمية الموارد البشرية، وتطوير البنى التحتية، وريادة القطاع الخاص المحلي والدولي. إلى جانب ذلك ثبتت الرؤية مبادئ أساسية كالعدالة الجندرية، وحماية البيئة وإدارة الموارد الطبيعية، ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي. ورغم الجدل حول مركزية الحكم في رواندا ومحدودية الحريات السياسية وحرية التعبير، إلا أن النموذج حقق معدلات نمو اقتصادي وصلت إلى 7 بالمئة سنوياً خلال العقدين الأخيرين لراوندا، ورسّخ درجة عالية من الأمن والاستقرار والمشاركة في إعادة الإعمار.

        بعيداً عن أوهام نقل النماذج من دولة لأخرى، تحتاج سوريا لبناء نموذجها الخاص في إعادة الإعمار بشكل يستجيب لحاجات السكان وأولويات البلاد الاقتصادية والبيئية. حتى الآن لم تقدم الحكومة الانتقالية أي توضيح حول رؤيتها لإعادة الإعمار في سوريا، ولم ينعكس هذا الملف ضمن سلسلة التغييرات الهيكلية التي تُجريها الإدارة في مؤسسات الدولة من دمج الوزارات وإنشاء الهيئات المختصة. ولم يحظَ ملف إعادة الإعمار حتى الآن بنص تشريعي أو جسم مؤسساتي أو حتى برؤية نظرية للنقاش في المجال العام.

        في المقابل يشي اهتمام الحكومة الكبير بجذب الاستثمارات الخارجية وتوقيع مذكرات التفاهم المليارية بنزوعٍ نحو نموذج إعادة إعمار رأسمالي، التجارب السابقة تقول أن ترك إعادة الإعمار لديناميات السوق يجلب مخاطر تعزيز اللامساواة المكانية والطبقية، وعلى المدى المتوسط يُفاقم حالة الهشاشة السياسية والاقتصادية والبيئية في البلاد.

        إعادة الإعمار كمدخل للتكيّف مع تغيّر المناخ وتعزيز التماسك الاجتماعي

        بالنسبة لبلد خرج من حرب مدمرة ليجد نفسه في حالة طوارئ بيئية غير معلنة، يلعب نهج إعادة الإعمار دوراً حاسماً في تحديد مستقبله. وبالتالي فإن رسم ملامح هذا النهج في سوريا ما بعد الحرب يجب أن يكون عملية داخلية، شفافة وتشاركية، لا شأناً خاصاً وغامضاً بين السلطة ومستثمريها. ويجب أن يتسع هذا النهج ليشمل المجتمع الأهلي والمدني، والفعاليات الاقتصادية المحلية وسائر الأطراف المعنية . أما أسوأ ما قد يحدث فهو أن تمضي البلاد دون رؤية واضحة تحدد الأولويات وتربط جهود إعادة الإعمار في مختلف القطاعات والمناطق الجغرافية في سوريا ضمن إطار متسق ومتكامل. إن بناء مثل هذه الرؤية يتطلب أيضاً جهوداً بحثية وحوارات محلية، بعضها سياسي، ولا يبدو أن هذا النوع من الحوارات قد وجدت مكانها في المجال العام بعد.

        أيّاً كانت الرؤية المنتظرة، فلا بد أن تستجيب لواقعتين سوريَّتين: أولاً، حالة الطوارئ المناخية التي تعيشها البلاد والتي تفرض أن يكون نهج إعادة الإعمار تحويلياً مستداماً، ويعني ذلك إعادة النظر في الاعتماد المفرط على الإسمنت مثلاً، لصالح مواد وتقنيات بديلة ومستدامة بيئياً لإعادة بناء مئات آلاف المساكن المدمرة، كما يعني إعادة التفكير في بناء وتوسعة محطات الطاقة المركزية المعتمدة على الوقود الأحفوري لصالح مصادر الطاقة النظيفة ونظم الكهرباء غير المركزية، كذلك الأمر بالنسبة لنظم الزراعة والنقل والتصنيع وغيرها.

        ثانياً، حالة النزاع الداخلي المستمر وما يفرضه من اختلالات في العلاقة بين المجتمع والسلطة من جهة، وبين المجتمعات المحلية المختلفة نفسها. وهو ما يفرض أن تكون إعادة الإعمار عملية تشاركية تحقق الحد الأدنى من القبول المجتمعي والشعور بالملكية اللازمة لنجاحها.

        بذلك، تمثل عملية إعادة إعمار سوريا، بما تنطوي عليه من مصلحة مشتركة لكل السوريين، فرصة نادرة لإعادة نسج العلاقات بين الفاعلين المحليين في المشهد السوري وتعزيز التماسك الاجتماعي. فلا أجدر من حالة الطوارئ المناخية ومخاطرها المتصاعدة على كل من يعيش في سوريا من أن تكون أرضية تجمعهم لمواجهة كل عوامل التفرقة السياسية.

موقع الجمهورية

—————————-

مليارات الاستثمارات العربية والدولية في سورية بين الورق والتنفيذ/ فؤاد عبد العزيز

26 اغسطس 2025

وقعت وزارة النفط السورية في عام 2009 مذكرة تفاهم مع شركة نورالكويتية لإنشاء مصفاة نفط في دير الزور بقيمة 1,2 مليار دولار. يومها، ثارت تساؤلاتنا، بأنه كيف لشركة كويتية أن تمتلك خبرة تؤهلها لتبني مصفاة نفط؟ اتضح، فيما بعد، أن الشركة الكويتية سوف تتعاقد مع أخرى فرنسية لبناء المصفاة، بينما ستكون الشركة الكويتية المسؤولة أمام الحكومة السورية. لم ير المشروع النور بسبب رفض بشّار الأسد، بحسب ما أخبرني وزير النفط، شخصياً، حين التقيتُه بعد عام من توقيع مذكّرة التفاهم، وسألته عن مصير مشروع مصفاة نفط دير الزور، فأشار بيده إلى الأعلى، بأن “المعلم” لم يوافق، مع أن المشروع كان سيساهم في تنمية المنطقة الشرقية ويشغل آلاف العمال. ويوفر على الدولة ملايين الدولارات سنوياً، بدلا من نقل النفط إلى مصفاتي بانياس وحمص من أجل تكريره.

ما مناسبة الحديث عن مشروع مصفاة نفط دير الزور الذي لم ير النور؟ وما علاقته بالمشاريع الاستثمارية التي بدأت السلطات الجديدة في دمشق بتوقيعها منذ مطلع شهر مايو/أيار الماضي، وبلغت قيمتها أكثر من 30 مليار دولار؟

لو أردنا أن نكون محايدين وموضوعيين، فهناك أكثر من رابط. أولاً، للردّ على من أثاروا قضايا وضع بعض الشركات التي جرى توقيع مذكّرات تفاهم معها، أنه لم يسبق لها القيام بأعمال مشابهة لما سوف تقوم به في سورية، وهو أمر يمكن الإجابة عنه، بأن “شركة نور” التي كانت على وشك تنفيذ مصفاة نفط في دير الزور لم يسبق لها القيام بمثل هذا العمل، لكن الكل كان على يقين بأن الشركة الكويتية كانت ستنفذ المشروع لو أن الحكومة السورية وقعت العقد النهائي معها.

ثانياً، أغلب المشاريع التي جرى طرحها للاستثمار قديمة من أيام بشار الأسد وقبل انطلاق أحداث الثورة السورية في 2011 بسنوات، مثل مشاريع مترو دمشق وأبراج دمشق وبوابة دمشق للإنتاج الإعلامي والبوابة الثامنة، واستثمار مرفأي اللاذقية وطرطوس، بالإضافة إلى مشاريع سياحية ومشاريع بنى تحتية ومشاريع للطاقة الشمسية، لكن رئيس النظام السوري السابق كان يعطل قيام مثل هذه المشاريع، لأسباب لا يمكن تفسيرها إلا بالفساد. وهو ما حصل مع مشروع مصفاة نفط دير الزور التي كان مخطّطاً أن تساهم في تكرير جزء من النفط العراقي والحصول على عوائد مالية كبيرة. ولذلك يُؤمل من السلطة السورية أن تعيد فتح ملف المصفاة، لأنه مشروع حيوي وعوائده الاقتصادية كبيرة على خزينة الدولة.

ثالثاً، حاول بعضهم تتبع حقيقة بعض شركات جرى توقيع مذكرات تفاهم معها، ومنها “أوباكو” الإيطالية و”يوباكو” السورية التي ستتولى بناء مشروع أبراج دمشق بقيمة 2,5 مليار يورو، ويضم 20 ألف شقة سكنية، موزعة على أكثر من 60 برجاً، يبلغ ارتفاع كل منها 25 طابقاً باستثناء أربعة أبراج بارتفاع 45 طابقاً. وجد هؤلاء المتتبعون أن الشركة تم تأسيسها في  يونيو/ حزيران 2022، برأسمال 16 ألف يورو، بينما بلغت إيراداتها السنوية في  2023 نحو 209 آلاف يورو، في حين لم يتجاوز عدد موظفيها الرسميين في 2025 موظفاً واحداً فقط. ولا بد أن تستوقف هذه المعلومات من يقرأها وتجعله ينظر بعين الريبة إلى إمكانية قيام مثل هذا المشروع. وفي المقابل، من تابع لقاء مدير الشركة، بسام السبع، على قناة الإخبارية السورية، يجد أن الرجل أبدى استعداده للبدء بالمشروع مباشرة وحال توقيع العقد النهائي مع شركته. ومن جهة ثانية، من يتتبع رأسمال شركات الاستثمار محدودة المسؤولية عند التأسيس، يجد أنها لا تتعدى بضعة آلاف من الدولارات، وبعضها أقل من ألف دولار، لأسباب لها علاقة بالضرائب ولسهولة الترخيص والعمل، وبالتالي، لا يعتبر ذلك طعناً في قدرة هذه الشركات على تنفيذ مشاريعها مهما علت قيمتها المادية، ويبقى الفيصل في ذلك نظرية “الجندي والحيط”. فإذا كانت الحكومة جادّة في تنفيذ مشروع أبراج دمشق فعليها وكما طالب السبع، أن يتم توقيع العقد النهائي معه وإعطاؤه أمر مباشرة بالعمل، عندها ستحدّد شروط العقد إمكانية تنفيذ هذه الشركة المشروع من عدمه.

الشركة الأخرى التي ثارت الشكوك حولها تركية تدعى Polidef، وقيل إنها ستتولى إدارة مطار دمشق الدولي، حيث تبيّن، وبحسب كشف وسائل إعلام، أن الشركة شبه مجهولة الهوية، إذ لم يتوفر كامل المعلومات عنها وعن مشاريعها السابقة. وذكرت تلك الوسائل أن الموقع الإلكتروني للشركة (polidef.com) تم تسجيله حديثا في 9 الشهر الماضي (يوليو/ تموز 2024)، ولا يشتمل سوى على معلومات عامة ومبهمة، ولا وجود لها على منصّات مهنية مثل LinkedIn، ولا يوجد ما يشير إلى أي مشاريع سابقة نفذتها، أو حتى طاقم عمل يمكن البحث عنهم والتعرّف إلى أعمالهم أو خبراتهم. كما أن عنوانها المدرج على الموقع في إسطنبول لا يطابق سجلات الشركات العاملة في المبنى نفسه. كما أن رقم الهاتف االمدرج على موقع الشركة التركية مستخدم أيضا في موقع إلكتروني آخر يعود لشركة تدعى FALK Mühendislik İnşaat Sanayi ve Ticaret LTD، وتم تسجيله في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، ويستخدم القالب نفسه للموقع الأول.

والموقع الثاني يقدم نفسه واجهةً لشركة إعمار، لكنه يخلو من أي معلومات حقيقية أو أعمال سابقة، ما يعزز، بحسب تلك الوسائل، فرضية أن الشركة قد تكون مجرد “شركة واجهة” (Shell Company) أنشئت خصيصا لتوقيع هذا العقد أو لإخفاء هوية الأطراف الحقيقية وراءها، وسط غياب كامل للشفافية من الجانب السوري الرسمي.

القول إن الشركة تم تأسيسها لتوقيع هذا العقد تحديداً ينفيه تاريخ تأسيسها، منتصف العام 2024، وكان النظام السابق موجوداً، ولم تكن مطروحة في ذلك الوقت مسألة سقوطه، بل كانت المعطيات تشير إلى إعادة تأهيله. ومن جهة أخرى، الشركة التي وقعت على عقد تطوير مطار دمشق الدولي، هي “يو سي سي” القطرية، وتعاقدت مع شركة تركية لتنفيذ المشروع، ما يعني أن المسؤولية الأولى والأخيرة أمام الحكومة السورية هي للشركة القطرية، مثلما كان الأمر مع “شركة نور” الكويتية التي كانت ستنفذ مشروع مصفاة نفط دير الزور، والتي كانت ستستعين بشركة فرنسية لتنفيذ المصفاة.

وتحظى “يو سي سي” القطرية، وبإجماع الكل، بسمعة جيدة وثقة كبيرة بقدرتها على تنفيذ المشاريع التي حصلت عليها، سواء في مجال تنفيذ محطات توليد الكهرباء بقيمة سبعة مليارات دولار، أو تطوير مطار دمشق الدولي بقيمة أربعة مليارات دولار. وبالتالي، لا نرى في الذين يبحثون هنا وهناك عن أي تفصيلة صغيرة إلا محاولة للتصيد والتشكيك بكل ما تقوم به السلطة الجديدة في دمشق، بينما المطلوب منهم الانتظار، فالزمن والاستقرار السياسي في البلد هما الحدّ الفاصل في تبيان حقيقة هذه المشاريع، صحيحة أو وهمية.

بالنسبة للذين لم يتوقّفوا عند فكرة الشك بأهلية بعض الشركات لتنفيذ المشاريع التي جرى توقيع مذكّرات تفاهم معها، واستوقفتهم طبيعة المشاريع من كون معظمها موجها لذوي الدخل المرتفع، وغير معني بإعادة إعمار المناطق المدمّرة. وهم يرون أن الهدف الأسمى الذي يجب أن تعمل عليه الحكومة قبل أي شيء آخر، هو هذه المشاريع من أجل إعادة اللاجئين.

انتقادات … وخريطة استثمارية مطلوبة

وأيضا هناك انتقادات جرى توجيهها بسبب تركز أغلب المشاريع في العاصمة دمشق وريفها، بينما خلت باقي المحافظات من أية مشاريع استثمار حقيقية، ما يعني أن التعويل على تشغيل اليد العاملة وإيجاد فرص عمل جديدة سوف ينحصر بدمشق، ويعني، من جهة ثانية، نزوح العمالة من باقي المحافظات إلى العاصمة، الأمر الذي سيُحدِث مشكلة كبيرة وعلى كل الصعد.

ويمكن وصف هذا الأمر بالعيب الواضح، وكان على الحكومة السورية أن تنجز خريطة استثمارية تشمل جميع المحافظات، وكل حسب خصائصها، زراعية كانت أم سياحية أم صناعية. وبالنسبة إلى مشاريع إعادة إعمار المناطق المدمّرة، فهي مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى وليس المستثمر العربي أو الأجنبي أو حتى المحلي، الذي يبحث عن الربح قبل أي شيء آخر.  وبالتالي، يجب أن يكون لدى الحكومة خطة واضحة لمشاريع إعادة الإعمار وإسكان اللاجئين، من خلال إنشاء صندوق استثماري لهذا الغرض، أو عبر طلب الدعم من المنظمات الدولية والدول المانحة.أو دراسة الفرص الاستثمارية الحقيقية لكل منطقة وأقليم ومحافظة، ووضع الحوافز الاستثمارية الكافية لتشجيع المستثمرين على إقامة مشاريعهم في هذه المناطق.

يرى محلّلون ومتابعون كثيرون إن المشاريع الاستثمارية بمليارات الدولارات التي جرى التوقيع عليها بين الحكومة السورية والشركات العربية والدولية سياسية أكثر منها اقتصادية، تهدف منها السلطة الجديدة إلى زيادة شرعيتها، عبر تقديم إغراءات للمواطن السوري لكي يتمسّك بها ويدافع عنها، على اعتبار أن القادم أفضل. ويشكك هؤلاء بحقيقة هذه الاستثمارات، مستشهدين بهشاشة الوضع السياسي في البلد وعدم سيطرة الدولة على أجزاء مهمة من سورية، بينما تتصاعد احتمالات المواجهة العسكرية في أي لحظة، فكيف لرأس المال أن يدخل بمليارات الدولارات إلى مثل هذا البلد، وهو الذي يوصف بأنه “رأس المال” جبان؟ ولا يدخل في اي مكان لا يؤمن له الديمومة والاستقرار طويل الأمد.

يزيد من هذه الشكوك أن منتدى الاستثمار السعودي – السوري، الذي نتجت منه اتفاقيات بـسبعة مليارات دولار، عقد بعد أيام قليلة من أحداث السويداء، متهمين السعودية بأنها عبر هذا المنتدى إنما حاولت أن تقدّم رسائل سياسية أكثر منها اقتصادية، بأنها تدعم هذه السلطة وتقف إلى جانبها. إذاً، لا تطاول “الاتهامات” السلطة السورية وحدها بأنها تخدع شعبها وتخدّره، وإنما تطاول أيضا الدول الداعمة التي أرسلت مستثمريها نوعاً من الدعم السياسي فقط لا غير، حسب قولهم . … ردّ على هذا الأمر المستثمرون السعوديون، وبالذات مدير شركة “أكوا بور” ورئيس مجلس الأعمال السعودي السوري، محمد أبو نيان، الذي قال أمام المنتدى إنهم لا يخشون المخاطر الاستثمارية في سورية، وإن لدى سورية فرصاً استثمارية وأيدي عاملة كبيرة ومدرّبة، وهي عوامل مشجعة لأي مستثمر. وأفاد المحلل الاقتصادي السعودي، علي الحازمي، في لقاء على قناة DW في 1  أغسطس/ آب الجاري، بأن الشركات السعودية التي جاءت إلى سورية كبرى ومعروفة في المملكة، ولديها مجالس إدارات ومساهمون كثر، وبالتالي لا يمكن لمجلس إدارة أي شركة أن يخاطر بحقوق المستثمرين لأهداف سياسية! فلولا أن هناك فرصاً استثمارية حقيقية وأرباحاً كبيرة في سورية، لما جاءت هذه الشركات إلى سورية، فهي في النهاية ليست جمعيات خيرية. وعدا عن ذلك، ما يشير إلى جدّية السعودية في استثماراتها في سورية توقيعها اتفاقية مع الحكومة السورية خاصة بحماية الاستثمارات والمستثمرين السعوديين، لتُشكِّل الأرضية الأساسية لكل الاستثمارات المتدفقة إلى البلاد.

متى يرى المواطن السوري النتائج؟

تفيد الأرقام بأن المشاريع الاستثمارية التي تم التوقيع عليها قادرة على إيجاد أكثر من نصف مليون فرصة عمل بشكل مباشر، ونحو مليون فرصة عمل بشكل غير مباشر، على مدى ثلاث سنوات على الأقل. و يبلغ معدل البطالة في سورية أكثر من 60% من حجم القوى العاملة، وفقا لقول وزير الاقتصاد نضال الشعار في زيارته أخيراً تركيا، بينما يتوقع محللون أن تنخفض النسبة إلى 15% في حالة دوران عجلة الاقتصاد وبدء العمل في الاستثمارات السابقة. وبالنسبة إلى دورة المشاريع الاقتصادية، فهي تحتاج من عام ونصف إلى ثلاثة أعوام على الأقل،  لكي تدخل حيز التشغيل والعمل، وتوفر الاستقرار الاقتصادي للعاملين فيها. وهي مرحلة تختلف عن مرحلة الإنشاء، التي تستوعب يدا عاملة أكبر، لكنها غير مستقرّة، وهي من جهة ثانية تخضع لشروط الاستثمار ومدى توفره.

وفي العموم، سورية بلد منهك، وتحتاج إعادة بناء في كل القطاعات، بدءاً من التعليم إلى الصحّة إلى الكهرباء والمياه والإسكان، وكل شيء تقريباً بما في ذلك الإنسان، وهو أمر لا يمكن تحقيقه بلمسة سحرية، وواهم كل من يعتقد أن الانتعاش الاقتصادي قادم في غضون بضعة أشهر، أو حتى بضع سنوات، فأكثر التقديرات تفاؤلاً تفيد بأن سورية بحاجة إلى 20 عاماً على الأقل لكي تعود إلى مستويات العام 2010 من حيث الناتج المحلي الإجمالي، في حال تحقيق نسبة نمو سنوية تزيد عن 7%، حتى العام 2045.

لا يعني ذلك أن الواقع مظلم والمستقبل صعب إلى هذا الحد… المهم أن عجلة الحياة في سورية بدأت تسير إلى الأمام بعد أن ظلت 14 عاما تمشي إلى الخلف.

العربي الجديد

—————————–

إعادة إعمار سوريا.. باسم الشعب والسياحة/ حنان الأحمد

19 أغسطس 2025

“المدن المدمَّرة ليست مجرّد فراغات عمرانية؛ إنها أرشيف مفتوح لذاكرة جماعية، وأي خطة لإعادة الإعمار هي أيضًا خطة لإعادة كتابة التاريخ”.

(الذاكرة في العمارة – سابينا تانوفيتش)

نافذة تطلّ على دمشق من الأعلى. العام 2017. هكذا أذكر المدينة، كما لو أنّ سجنًا شاسعًا يلفّها مثلما يلفّ البلاد بأكملها. وهذه الصورة، كانت تحيل بطريقةٍ أو بأخرى إلى الإطلالة المغتصبة من قاسيون على مدينة تُقصف كلّ يوم، تحديدًا من الثكنة العسكرية المسيطرة على معظم الجبل نفسه، بحيث لن يرى الناظر الأفق من دون دخان الإنفجارات والحرائق. وقتها كان هذا الجزء الصغير من قاسيون آخر ما تبقّى من ارتفاعٍ داخلي ومن مسافة تأمّل..

بعد سنواتٍ من الإغلاق العسكري لجبل قاسيون في دمشق، تهافت السوريون إلى المتنفّس الممنوع ما إن سمعوا بسقوط النظام السابق، كأنهم يستعيدون جبلًا منفيًا من ذاكرتهم، ومعه يستعيدون إطلالتهم على المدينة. والآن يبدو أنّ بضعة أشهر فقط من الفتح الرمزي كانت كافية. أرأيتم الجبل والتقطتم الصور؟ شكرًا للمشاركة، والآن: اتركوا “المستثمرين” يباشرون مهامهم.

المقاولون ينفّذون، والمحافظة تنفي

في نيسان (أبريل) 2025، أعلنت محافظة دمشق وبحسب “الوكالة السورية للأنباء” عن مشروع “إعادة تأهيل جبل قاسيون، ضمن خطّتها لإعادة الرونق والألق للمنطقة”، وبيّنت المحافظة من خلال قناتها على التلغرام أنّ الأعمال ستشمل أماكن ترفيهية “شعبية”، ومرآب سيارات، وتأهيل الموقع العام من إنارة وصرف صحي ومسطحات خضراء.. كلّ ذلك، من دون أن تنشر أي تصوّرات دقيقة أو وافية، بل إنّ ما انتشر مجرّد تصوّرات ابتكرها المواطنون باستخدام الذكاء الصناعي لما قد يكون عليه شكل قاسيون بعد التأهيل!

ثمّ في بداية حزيران (يونيو)، خرج صحفيّ لا يحمل أي صفة رسمية ليعلن أن القيادة قرّرت توسيع جبل قاسيون وتطويره بمواصفات عالمية: فندق خمس نجوم، مسجد “أيقوني”، مول تجاري، وأكشاك. ثمّ ختم خطابه بتوجيه الشكر للمقاولين الذين أتمّوا أعمال ثمانية أشهر خلال شهرين. ومن هم هؤلاء” المقاولون”؟ لا أحد يعلم بالطبع.

في 20 حزيران (يونيو)، نفت المحافظة – باللغة نفسها تقريبًا – توسيع المشروع، معلنةً أن سيشمل تأهيل العشوائيات القديمة ومبنى “لا مونتانا”، وهكذا بين فيديوهات تظهر الخرسانة الأولى وتصريحات تنفي، تحوّل الموقف إلى مسرحٍ عبثيّ لإدارة مدينة كاملة بلا شفافية.

 التدخّل المرتجل في مكان يحمل هذه الرمزية أثار جدالًا بين المختصين. في الواقع ليس جدالًا حقيقيًا، بل محاولات يائسة للشرح والتذكير بالبديهيات: يسأل الباحث السوري إياس شاهين “من نحن لنمارس شيئًا عمرانيًا على سفح له هذه الرمزية والأهمية؟”، ويتساءل المهندس المعماري إدوار حنا: “لمن نُعيد بناء البلد؟”. وفي ظل غياب أي معطى رسمي، وجد المهندس ماهر حميّد نفسه يحلّل مواصفات واشتراطات المشروع من لقطات الفيديو!

مدن تُنتزَع مرّة أُخرى؟

بعد أكثر من 14 عامًا من الصراع في بلدٍ يعاني ما يعانيه من أزماتٍ عمرانية وعشوائيات وضعف بنية تحتية، أصبحت سوريا واحدة من أهمّ الأزمات الديموغرافية والإنسانية في العالم. تشير البيانات إلى تدمير أكثر من 220000 – 325000 وحدة سكنية بشكل كامل فيما تعرّضت حوالي 65000 وحدة أخرى للضرر الجزئي، ما يعني أنّ ما يُقارب ربع الأسر السورية فقدت مأمنها بالكامل بالإضافة إلى 6.1 مليون لاجئ سوري، و4.7 مليون نازح داخليًا. ليست هذه الأرقام مجرّد بيانات عن الخراب المادّي، بل مقياس صلب لحجم الفقد والخسارة، ودليل على أزمة حضرية عميقة: عشرات المدن والأحياء تفكّكت عمرانيًّا وبشريًّا، وتحوّلت أحياء كاملة إلى أطلال وخرائط ممزّقة. أمام كلّ هذا الخراب يقف سؤال واحد وأساسيّ “كيف نعيد بناء بلد فقد كل هذا؟”. 

في هذا السياق، تأتي مراحل التعافي وإعادة الإعمار لا كوعودٍ بأملٍ جديد فحسب، بل كأسئلةٍ مصيرية على غرار: من سيخطّط ويدير مرحلة إعادة الإعمار؟ وهل سنكون أمام “تأهيل” فعلي؟ أم أمام شكل جديد من أشكال الاستحواذ والخصخصة للفضاء العام؟ وما معنى “إعادة التأهيل” في التخطيط العمراني أساسًا؟ وما نوع المدينة التي نسعى لإنجازها؟

 حسنًا، ذلك السؤال الأوّل الذي واجهنا به الخراب، تفرّع إلى أسئلة عديدة على الجهات الحكومية أوّلًا أن تجيب عنها وتطرحها بتصوّرٍ كاملٍ يتضمّن رؤيتها لمراحل إعادة الاعمار وضمان حقوق المواطنين. فالحق في المدينة ليس فرديًّا، بل يعتمد على ممارسة قوة جماعية من خلال عمليات التطوير العمراني “الحضرنة”. فقد اختبر السوريون في السنوات الماضية، كلّ أنواع الشتات والنزوح في المخيّمات ورحلات اللجوء المميتة، بالطبع ليس من أجل أن يروا مدنهم تُنتزع منهم مرة أخرى مع اختلاف الأساليب والسياسات العمرانية.

مرايا الإعمار

لن نسائل مشروع تأهيل قاسيون بحدّ ذاته، لأنّنا لا نملك تصوّرًا واضحًا عمّا يُخطّط له على الجبل. لا أحد يعرف أكثر ممّا تمّ تداوله. وفكرة أنّنا لا نعرف، كمواطنين أوّلًا وكمعماريين متخصّصين، حتى الآن هي بحد ذاتها مادّة سؤال كبرى. السؤال لا يتمحور حول ما يُبنى فقط، بل بأي حق تُدار مساحة بهذا الحجم بقرارات مغلقة؟ وبأي حق تفرغ المساحات العامة من الشعب؟

انطلقنا من مشروع قاسيون كونه مساحة عامة، ونموذجًا لشكل مرحلة إعادة الإعمال المقبلة، والتي بدأ يُعلن عن مشاريعها مثل تأهيل ساحة سعد الله الجابري في حلب التي اتُّخذَ قرارًا بتأهيلها رغم أنّها غير متضرّرة. فقد أعلنت شركة تُسمّى “المجموعة السورية التركية القابضة” عن مشروع لتجميل الساحة لـ “ترجع حلب أحلى”!

هناك أيضًا مشروع “بوليفارد النصر” في حمص، الذي أُعلن عنه أخيرًا لإعادة تخطيط وإعمار منطقة بساتين القرابيص وبعض الأحياء الأخرى، وهو نفس المشروع الذي طرح في زمن النظام السابق باسم “حلم حمص”، مع العلم أنّ المنطقة ليست مدمّرة بالكامل بينما أكثر من نصف مدينة حمص مدمّر بالكامل. ففي بداية آب (أغسطس)، أعلن عن مشروع تتولاه “شركة العمران للتطوير والاستثمار العقاري”، للبدء بتحويل المدينة إلى “بيئة حضرية منظّمة، تحاكي المستقبل وتستجيب لتحديات الحاضر”، وفق ما نشر الموقع الرسمي لمحافظة حمص، لكنّ أبناء حي القرابيص تظاهروا في الأيّام الفائتة ضدّ المشروع الذي لن يكتمل من دون هدم بعض بيوت السكّان.

ما يثير القلق في هذه النماذج ليس فقط أولوية المناطق المختارة، بل طبيعة الجهات المنفّذة. فقد بات من الشائع توقيع مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات مع شركات غير معروفة، بعضها لا يملك سجلًّا تجاريًا واضحًا، ولا مشاريع سابقة، وبعضها الآخر يبدو أقرب إلى واجهات (shell companies) بلا معلومات موثقة، مثل شركة POLIDEF التركية التي قيل إنها ستتسلّم مطار دمشق، أو شركة UBAKO الإيطالية التي قيل إنها ستتولى مشروع أبراج في دمشق، دون أي سجل مشاريع سابق أو شفافية مالية حقيقية، ما يصعّب من أمر التحقّق من أنواع المشاريع التي نفّذتها سابقًا، وما ستنفّذه مستقبلًا. كما أنّ بعض الشركات المحلية، مثل “المجموعة السورية التركية القابضة”، تعمل بوصفها مظلّة عامة لتشكيلات فضفاضة لا نعرف من يملكها فعلًا، ولا كيف أُسندت لها هذه العقود.

مشاريع كهذه لا بدّ أن تشكّك أوّلًا برسالة السلطة من خطابها الحالي، اتجاه مواضيع إعادة الإعمار، والسياسات التي تنتهجها في هذا السياق. لأن السياسات المكانية ليست خيارات حيادية، إنّها تكتنز وتعكس خيارات السلطة وتصوّرها عمّن يملك الفضاء وعمّن يُقصى منه. وكلّ تعديل في البنية التحتية أو استخدام الأرض هو تعبير عن توزيع عادل أو غير عادل للموارد والسلطة، وقد يكون مجرّد تكريس لسياسات الإقصاء، واعادة إنتاج للفوارق الطبقية. والمشكلة أنه حين يُدار التخطيط العمراني بوصفه نشاطًا تقنيًا فقط، كما يحدث اليوم، نفقد حتى القدرة على مساءلة من يخطّط، ولمن، ولأيّ هدف. يصبح الرأي متأخّرًا والنقاش عقيمًا, لأن المشاريع بدأ تنفيذها سلفًا أصلًا.

ماروتا.. إعادة تدوير الخراب؟

حين نسترجع ما حدث سابقًا في بساتين الرازي في المزة من خلال مشروع “ماروتا سيتي” الذي شُرّع له عبر القرار 66 لعام 2012، نُدرك كيف يُسوَّق الإقصاء الطبقي بوصفه “تطويرًا حضريًا”. صدر القرار لتحديث منطقتين تنظيميتين في دمشق، لكنه جاء على أنقاض حيّ فقير ومكتظّ. قُيّمت المساكن في البداية، وهدمت غالبيتها وهجّر سكانها دون بدائل عادلة، ليتحوّل المكان إلى مشروع أبراج فاخرة لا يمتّ إلى سكانه الأصليين بصلة. أمّا الأسهم التي قدّمت لهم بدل بيوتهم لا تكفي لشراء أصغر شقة في المشروع، في ظلّ أزمة النزوح الداخلية والاكتظاظ السكّاني في العاصمة.

هكذا تحت مُسمّى “التنظيم” و”الأسهم العقارية”، أعيد رسم الخريطة الاجتماعية لدمشق، لا على أسس تخطيطية، بل على أسس طبقيّة ظالمة. لم يقتصر الأمر على دمشق، فقد فتح المرسوم 10 لعام 2018 الباب أمام تعميم هذه الممارسات على كامل الأراضي السورية، بإعطاء الدولة الحقّ في إعلان مناطق تنظيمية جديدة في أيّ مكان، مع اشتراط تقديم إثبات الملكية خلال 30 يومًا فقط، تحت طائلة المصادرة التلقائية. وفي بلد لديه ملايين المهجّرين واللاجئين، غالبيتهم لا يملكون أوراقًا رسمية أصلًا، كان هذا المرسوم أداة “حديثة” لإنتاج إقصاء قانوني، جائر إنسانيًا وعمرانيًا.

عندما تُكرَّر الممارسات مشابهة باسم التطوير، وحين يُعاد إنتاج منطق الهيمنة والاستباحة ولكن بأدوات رأسمالية ناعمة، هل نصدّق فعلًا أن المشروع لأجل المدينة؟ أم أن المدينة تُعاد هندستها لتُقصي من لا يستطيع الدفع؟

ذاكرة المكان.. حين تتكلّم الأنقاض

لا تتعلّق إعادة الإعمار العمراني بعد الحرب باسترجاع ما فُقد، بل بصياغة روايات جديدة عن السلطة والانتماء والشرعية. وبهذا تصبح المعركة على المدينة اليوم معركة قرارات تقسيم وتنظيم وبُنى معمارية. تمتلئ سوريا بالمواقع الشاهدة على ذاكرة الحرب، في كلّ مكان تقريبًا، من ضمنها ساحات انطلاق المظاهرات الأولى في حمص ودرعا مثلًا إلى مواقع مجازر الكيماوي في الغوطة الشرقية وخان شيخون، أو مجزرة كرم الزيتونة أو مجزرة التضامن أو مواقع مجازر داعش في دير الزور والرقة، أو السجون مثل صيدنايا و حمص المركزي إلخ، وصولًا إلى مناطق المعارك المهمة ونقاط سقوط الشهداء والمقابر الجماعية و التراب المشبع بدماء أهلنا.

مناطق كهذه تقبع ضمن مسؤولية السلطة والمخطّطين الحاليين، لكنّها تتعلّق بالمواطنين وبذاكرتهم داخل الفضاءات المدينيّة التي باتت تشهد معارك رمزيّة حول ما يجب تذكّره، وما يجب نسيانه، والأهمّ حول كيفيّة تجسيد هذه التوجّهات عمرانيًّا، وضمن أي استراتيجيّات يمكن تحقيق نوعًا من العدالة المكانية الرمزية التي تتجاوز الإنصاف المادي لتشمل حقّ الجماعات في التعبير عن ذاكرتها وروايتها ضمن المكان. يحدث ذلك من خلال إعادة تأهيل تستوعب الذاكرة الحربية، فيُسمح للمكان بأن “يتكلّم”، ويُعاد توظيفه لصالح الناس لا لصالح السوق العقاري أو الصورة السياحية فقط. 

في بحثه “السكن في مدينة ما بعد الحرب: إعادة الإعمار الحضري وبناء المساكن في سراييفو” (2016)، يُوضح الباحث غرويا باديسكو، المتخصّص في دراسات ما بعد النزاعات والعمارة والسياسة في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، أنّ التعايش مع ماضي الحرب لا يتحقّق عبر التصالح الرمزي أو السياسي فحسب، بل أيضًا من خلال عمليات إعادة الإعمار العمرانيّة التي تُسهم في بناء الشعور بالانتماء — سواء للسكان القدامى أو للنازحين الجدد.

لذلك، هل ستصبّ مشاريع كالتي أعلن عنها حتّى الآن لصالح الشعب؟ يُستبعد بالطبع أن يستفيد المواطنون، بعد سنوات الحرب الطويلة، من الإقامات الفاخرة والمطاعم ذات النجوم الخمسة أو “إطلالات الغروب”. ما سينالونه هو ازدحام إضافي، وضغط على البنية التحتية، وتضييق على ما تبقّى من المساحات العامّة التي يكفي لشعار دعم السياحة أن يطيح بها وبمفهومها تمامًا. في عالم السياحة المعاصرة، تعتمد المدن على قوّة رأس المال الجمعي وعلامات التميّز الخاصة المرتبطة بكل مكان، والقادرة بدرجة كبيرة على رسم تدفقات رأس المال بشكل عام، الذي سيعطي بدوره قيمة إقتصادية عظيمة. مراكمة علامات التميّز والتنوّع مثل التاريخ العريق والأصالة والعادات المحلية المتميّزة وتسويقها بشكل جيّد يرفع من ترتيب المدن في ميزان السياحة وجذب الاستثمارات، ويعطيها طابعها المتفرّد عن أي مكان آخر.

هذا التنوّع ليس تاريخيًّا، أو تراثيًّا فقط، بل بشريًّا بشكل خاص واستثنائي في سوريا، وهو الذي يجدر الاستثمار فيه، إلى جانب علامات التميّز الثقافية والتاريخية، وثراء الطبيعة من السواحل الممتدّة إلى الجبال وغاباتها والبادية والبحيرات و أحواض الأنهار والمرتفعات الجبلية ومواقع الاصطياف. لا نحتاج إلى الكثير من التفكير والبحث لإدراك ما هو رأس المال الجمعي الحقيقي للبلاد، وهذا الرأسمال بالطبع لن يستثمر جيدًا من دون تمكين المجتمع المحلي وتشجيع رأس المال على التوجه لدعم صناعة المعرفة و دعم التراث، بالتأكيد ليس عن طريق إعادة تدوير واستهلاك التجارب المنتهية الصلاحية، لأنّ العالم مليء بالأبراج والمسابح والمجسمات المضيئة، فيما هناك سوريا واحدة !

الكابوتشينو وغرفة الضيوف

إذا تأمّلنا مشاريع مثل إعادة تأهيل قاسيون وساحة سعدالله الجابري وبوليفار حمص وبرج الجوهرة (الذي وضعت الحكومة السعودية حجره الأساس في دمشق) والمدينة الإعلامية وأماكن الترفيه، يصعب ألّا نسأل: أهي فعلًا أولوية في بلد لا تزال فيه ألاف العائلات بلا مأوى ثابت، وما تزال الأحياء المدمّرة دون كهرباء أو صرف صحي أو أفق لإعادة الحياة؟

ما نراه من نوعيّة مشاريع وترتيب أولويات أقرب ما يكون إلى “ثقافة التهدئة بالكابوتشينو”. هذا التعبير الساخر  استخدمته عالمة الاجتماع الحضري الأميركيّة شارون زوكين في كتابها “ثقافات المدن” (1996) لوصف كيف تُستخدم عمليات التحسين الحضري (gentrification) والتسليع الثقافي لتجميل النزاعات الاجتماعية أو طمسها، من خلال واجهات أنيقة من المقاهي والمعارض والبوتيكات، وخاصة في المناطق ذات التاريخ الطبقي أو العرقي الصاخب. في هذا السياق، نتحدّث عن “ثقافة الكابوتشينو” كرمزٍ لاستبدال الصراعات الطبقية والسياسية بمظاهر “تحضر” استهلاكي ناعم، واستبعاد السكّان الأصليين والفقراء بأسعارٍ لا يمكنهم تحمّلها، وبتطبيق قوانين على استخدام للفضاء العام لخدمة فئة معينة فقط، وإضفاء طابع زائف من الأمان والتسامح يُخفي علاقات القوة والاستبعاد خلف صور الديكور والنظافة والأناقة.

إنّ السعي إلى المزيد من مشاريع “الترفيه” يُستخدم في السياسات الحضرية كوسيلة للضبط الاجتماعي، عبر رسم فضاءات “مُنظّمة وآمنة وجذّابة” لكنّها في الحقيقة تُقصي الفئات الهشّة والفقيرة، كما تُنذر المشاريع المقبلة في سوريا.

يبتعد الترفيه المُقنّن في السياقات الحضرية النيوليبرالية أو السلطوية عن حاجات الناس ويُقصي أشكال الترفيه التقليدية والشعبية، حتى أنه يصبح أداة يُعاد من خلالها تنظيم الفضاء العام، وضبط حركة الناس، وتحديد من يملك الحق في الوجود والمتعة ضمن المدينة. كما أنّه يرتبط غالبًا بمشاريع “التنمية” و”التحديث” التي تُشبه الترف الاستهلاكي أكثر من كونها ممارسات اجتماعية مشتركة.

وكمثال واضح في هذا السياق، يُمكن إدراج “مشروع العدوي السياحي”، وهو متنزّه وطني بـ “مواصفات عالمية” في منطقة العدوي بدمشق، أعلنت عنه محافظة دمشق خلال “المنتدى الاستثماري السعودي السوري” الذي أقيم في العاصمة السورية أخيرًا وطُرح خلاله عددًا من المشاريع الاستثمارية في سوريا بين البلدين. علمًا أنّ مشروع العدوي مماثل لمشروع “البارك الشرقي” الذي طرح في زمن النظام السابق، وأقيم الجزء الأكبر منه على أراضٍ مستملكة أصلًا منذ زمن حافظ الأسد، والشركة التي قدّمته سابقًا هي “دمشق الشام القابضة”، أي الشركة نفسها المسؤولة عن مشروع “ماروتا سيتي” الذي تحدّثنا عنه سابقًا، والذي طُرِح للاستثمار أيضًا في هذا المنتدى!

ومن منظور أقرب إلى الثقافة السورية، يُمكن تشبيه هذه المشاريع بمنطق “غرفة الضيوف” — الغرفة المرتّبة دائمًا لاستقبال الزوّار، تُستثمر فيها الموارد والمساحات على حساب راحة السكان الفعليين، حتى لو كان باقي البيت متداعيًا.

مدن عربيّة مثل دبي

تتصاعد وتيرة أزمة السياسات الاستهلاكية والحق في المدن عالميًّا، بشكل مستمر، خصوصًا في ظلّ النيوليبرالية، التي يُعامل فيها المكان كسلعة. غير أنّها تظهر وتتكثّف في مناطق النزاع وما بعد الحروب، بحيث يرتكز النظام الرأسمالي على البحث المستمر عن فائض القيمة (الربح) الذي يتطلب تحقيق فائض إنتاج وهذا يعني ان الرأسمالية تنتج دوما فائض الإنتاج الذي يتطلبه التطوير العمراني والعكس صحيح، فالرأسمالية تحتاج ل”الحضرنة” لأن عملية الحضرنة — أي تحويل المناطق إلى فضاءات حضرية عبر سياسات تنظيم وتخطيط عمراني — تعد القناة الرئيسة لامتصاص فوائض الإنتاج التي تحقّقها على الدوام.

هكذا ظهرت مشاريع عمرانية باذخة في مدن عربية مثل دبي وأبو ظبي، كوسيلةٍ للتخلص من الفوائض الرأسمالية الناجمة عن الثروات النفطية بأشكال مغالية في الإسراف والظلم الاجتماعي والهدر البيئي، مثل بناء ساحة للتزلج على الجليد في بيئة صحراوية أو بناء نسخة من مدينة ميلانو في دبي!

إن كنّا نسلّط الضوء على هذه القضية فليس لأنّنا نرفض الإعمار أو الرفاهية، بل لأنّ مشاريع كهذه تحتاج إلى أرضية ضابطة وتخطيط إقليمي وحضري مناسب، وإلى ضوابط وقوانين وبيئة استثمارية برؤية وطنية شاملة. تُضاف إليها خطط للتنمية المكانية المستدامة، ترفض الهوس بالمركز على حساب الأطراف وتتّجه للتوسع في الضواحي وإعادة دمج المناطق المهمّشة، والأهم أن يُتاح المجال للشركات العالمية والعربية والمحلية لتقديم خدماتها ضمن آليّات منافسة شفافة وعلنية، على أن تتحرّك ضمن الهيكليات والمخططات الحضرية و”ليس فوقها”.

خط 30

—————————–

سوريا… إعادة الاعمار من فوق ومقاومتها/ حايد حايد

آخر تحديث 25 أغسطس 2025

في سوريا ما بعد حكم عائلة الأسد، أصبح الإعلان عن المشاريع الاستثمارية جزءا ثابتا من المشهد الإعلامي الرسمي. ولا تزال الحكومة تروّج لهذه المبادرات، من العقارات الفاخرة إلى صفقات الطاقة والنقل، عبر مؤتمرات صحافية رفيعة المستوى واحتفالات تنقل على الهواء مباشرة.

وتعكس هذه الطفرة في الإعلانات حرص السلطات الانتقالية على إظهار وتيرة تقدم سريعة، مقدمة هذه المشاريع كدليل على أن البلاد بدأت تنهض من تحت أنقاض الحرب. غير أن هذه الاستثمارات الموعودة لم تُستقبَل بالترحاب من المجتمعات المحلية، على الرغم من الحاجة الماسة إلى إعادة الإعمار، بل تلقتها بالرفض الصريح.

ففي الأسابيع الأخيرة، تصدى سكان في حمص ودمشق لمشروعين استثماريين، بعد أن أبلغوا بهما عقب توقيع الاتفاقيات، ما لم يترك أمامهم سوى خيار وحيد: الاعتراض دفاعا عن مصالحهم. وكانت النتيجة سريعة؛ ألغي المشروع الأول بالكامل، فيما تقلص نطاق الثاني استجابة للاحتجاجات الشعبية.

ولا يمكن النظر إلى هذه الوقائع بوصفها نزاعات محلية متفرقة وحسب، بل ينبغي التعامل معها كإشارات تحذيرية تكشف عن خلل أعمق في نموذج إعادة الإعمار السوري، يتمثل في غياب التفاعل الحقيقي مع المجتمعات المعنية. ولضمان استدامة الإعمار، بات لزاما على المسؤولين والمستثمرين تبني نهج جديد يضع السوريين في صميم عملية إعادة البناء.

فقد قُدِّم مشروع “تطوير بوليفارد النصر”، الذي وُقِّع خلال مؤتمر استثماري رفيع المستوى في القصر الجمهوري في 8 أغسطس/آب، كأحد المشاريع البارزة في حمص بعد الحرب.

وكان المشروع الذي وُقّع مع شركة كويتية يملكها رجل أعمال سوري قد وعد بتحويل أجزاء من المدينة التي دمرتها الحرب إلى مركز حضري عصري. وعرضت المواد الترويجية تصورات لمشروع يعتمد على الطاقة المتجددة، ويتميز بتصميم صديق للبيئة، وهندسة معمارية عصرية.

لكن، وبدلا من الاحتفاء به، أثار المشروع استياء سكان حي القرابيص، أحد الأحياء المتأثرة بشكل مباشر. فقد تداخلت الأرض المخصصة لبوليفارد النصر مع أراضٍ سبق أن استولى عليها النظام لمبادرة أخرى مثيرة للجدل عُرفت باسم “حلم حمص”.

وأثارت ذكرى التهجير السابق مخاوف عميقة من تكرار التجربة، مما أشعل احتجاجات اندلعت بعد وقت قصير من إعلان المشروع. ورغم ما قدمته الشركة المطورة والسلطات المحلية من تطمينات بشأن صون حقوق الملكية وتعويض السكان بشكل عادل، شعر كثير من الأهالي بأن المشروع لا يخدم تطلعاتهم. وفي 17 أغسطس/آب، وتحت ضغط شعبي متزايد، قررت الشركة المطورة استبعاد حي القرابيص من المشروع بالكامل.

وكان ذلك أول مشروع استثماري كبير يُجهَض بفعل المقاومة المدنية في مرحلة ما بعد الانتقال، لكنه لم يكن الأخير.

وفي التوقيت ذاته، فجّر مشروع استثماري في قلب العاصمة دمشق موجة غضب شعبي مشابهة. ففي حي أبو رمانة الراقي في العاصمة دمشق، تفاجأ السكان بأن جزءا من حديقة الجاحظ، إحدى آخر المساحات الخضراء المتبقية في العاصمة، على وشك أن يُسلَّم لمستثمر خاص.

وقد عُرضت تفاصيل الخطة على لوحات إعلانية نُصبت عند مدخل الحديقة، تضمّنت رسومات لمقترح تطويري جديد. وشملت التصورات إقامة مقاهٍ، ومواقف سيارات مدفوعة الأجر، ومساحات مغلقة. وفيما قدّمت المحافظة المشروع باعتباره خطة تأهيل للمكان، رأى السكان فيه شكلا من أشكال الخصخصة المقنّعة.

وانتشر خبر المشروع كالنار في الهشيم، فما أسرع ما تداول السكان مستندات وصورا توضح التعديلات المقترحة، ما فجّر موجة غضب عارمة. وفي غضون ساعات، نظم الأهالي اعتصاما داخل الحديقة، ورفعت العائلات لافتات تطالب بالحفاظ على هذه المساحة العامة. وانتشرت مقاطع الفيديو للاحتجاجات بسرعة، فيما وقّع المئات على عريضة خلال أيام قليلة.

ولم يطل الأمر، فبعد 48 ساعة فقط، تراجعت السلطات. وعقدت المحافظة اجتماعا مع لجنة محلية، أعلنت فيه إلغاء خطة الاستثمار، متعهدة بإطلاق مشروع تأهيل تشاركي بالتنسيق مع ممثلي الحي. وقد حمل هذا الانتصار في حديقة الجاحظ رسالة واضحة: حتى في قلب دمشق، لا يزال بوسع المواطنين الدفاع عن حقهم في رسم ملامح الفضاء العام.

رغم تباين نطاق المشروعين في حمص ودمشق، إلا أنهما يكشفان عن الخلل نفسه: إذ تصاغ جهود إعادة الإعمار خلف أبواب مغلقة، وتعلن بأسلوب احتفالي، ثم تفرض على المجتمعات من دون أي تشاور يذكر.

صحيح أن استجابة السلطات في الحالتين كانت إيجابية في نهاية المطاف، ولبت مطالب السكان، في خطوة تعد تحولا ملموسا عن النهج السلطوي الذي ميز النظام السابق، غير أن هذه الوقائع في جوهرها تسلط الضوء على الحاجة الماسة إلى إعادة التفكير في أساليب التخطيط والتواصل التي تدار بها مشاريع إعادة الإعمار. إن غياب إشراك المجتمع المحلي ليس مجرد زلة عابرة، بل يكشف عن خلل ممنهج في طريقة إدارة الشأن العام. فقد افترض المسؤولون أن القبول الشعبي مضمون سلفا، وأقصوا السكان عن قرارات تمس حياتهم بشكل مباشر.

وبصرف النظر عن النوايا، فإن هذا النموذج المفروض من الأعلى لا يبني الثقة، بل يهدمها.

وفي بلد يعاني فيه التماسك الاجتماعي من الهشاشة، فإن المضي قدما في تنفيذ مشاريع يقودها المستثمرون من دون موافقة المجتمعات المحلية لا يُعد مجرد قصر نظر، بل شكل من التهور. فبدلا من أن توحّد هذه المشاريع الناس حول جهود التعافي، فإنها تدفعهم بعيدا عن مبادرات يُفترض أن تعيد إليهم حياتهم.

ويسلط الرفض الشعبي في حمص ودمشق الضوء على ما هو أعمق من مجرد فجوة بين التخطيط الرسمي واحتياجات السكان المحليين، إذ يكشف عن صعود قوة مدنية شعبية آخذة في التبلور. والأهم من ذلك، أنه يؤكد أن الناس يملكون حسا عميقا بالانتماء إلى أحيائهم، وأن العمل المدني قادر بالفعل على إحداث فرق في النتائج.

ولا ينبغي النظر إلى أشكال المقاومة هذه كعقبات تعرقل التقدم، بل كدلائل حيّة على أن المجتمعات السورية ليست مجرد متلقٍ سلبي لرؤى تُفرض عليها. فهي مستعدة للمشاركة، ويجب أن تُمنح دورا فعليا في صنع القرار. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى ثابتة في دفاعها عن أحيائها، وحدائقها، ومستقبلها.

وتحتاج سوريا اليوم إلى استثمارات بشكل ملحّ، فبنيتها التحتية مدمّرة، واقتصادها يرزح تحت وطأة أزمة خانقة. لكن إعادة البناء لا ينبغي أن تقتصر على صبّ الإسمنت، بل يجب أن تتجاوز ذلك نحو ترميم الثقة بين المواطنين والمؤسسات التي يفترض أن تخدمهم. فالإعمار المادي من دون شرعية اجتماعية ليس سوى جهد فارغ المضمون.

أما بالنسبة للمستثمرين الأجانب والمؤسسات الدولية التي تراقب مسار تعافي سوريا، فعليهم أن يدركوا أمرا واضحا: المشاريع التي تفتقر إلى موافقة المجتمع محكوم عليها بالفشل. فالمساءلة ليست ترفا، بل الضمانة الوحيدة لتجنّب الإخفاق.

فعندما تُفهم مشاريع التطوير على أنها انتهاك للحقوق، وعندما يُنظر إلى تجديد حديقة كأنه عملية خصخصة، أو يُهدد مشروع سكني بتهجير العائلات، تكون النتيجة واضحة: الناس سيقاومون.

والعبرة واضحة: لا يمكن لإعادة الإعمار في سوريا أن تنجح دون التشاور المسبق مع المجتمعات المحلية، فالمشاريع لا تُفرض بعد توقيع العقود، بل تُبنى بالشراكة منذ البداية. فالإعمار الأخلاقي لا يكتفي بالتعويض، بل يقوم على الشفافية، والمساءلة، والمشاركة الفعلية.

من المهم أن لا يُنظر إلى المقاومة في حمص ودمشق كتهديد، بل كفرصة حقيقية، فرصة لإعادة بناء سوريا لا من أجل أبنائها فحسب، بل بمشاركتهم أيضا. فمن دون مشاركة السوريين الفعلية، لن تكون إعادة الإعمار مستدامة، بل مجرد تكرار لأخطاء الماضي التي دفعت البلاد إلى حافة الهاوية.

المجلة

—————————

====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى