أبحاثإشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععن أشتباكات صحنايا وجرمانا

بِنية الإقصاء وصناعة الآخر في سوريا: الهوية القلِقة والوطن المجزّأ/ دلال إسحق

سوريا في مواجهة موروث الإقصاء وتجزئة الهوية

24 أغسطس 2025

منذ أن بدأ الإنسان يُعرّف نفسه ضمن جماعة، وُلدت الحاجة إلى رسم حدودٍ للانتماء، لا تُحدِّد فقط مَن “نحن”، إنما تُقرّر أيضًا مَن “الآخر”. وفي المجتمعات التي تتأرجح بين التعدد والقمع، يصبح هذا التحديد فعلًا سياسيًا بامتياز، يُمارَس عبر اللغة، والمؤسسات، والذاكرة. وسوريا، بوصفها فضاءً تاريخيًا وثقافيًا متشابكًا، لم تكن استثناءً من هذه الدينامية، بل كانت مسرحًا لتجارب إقصائية عميقة، تُعيد تشكيل الذات والآخر على نحوٍ لا يُعترَف فيه بالاختلاف إلا بوصفه تهديدًا.

بالإضافة إلى ذلك، يُعيد الإقصاء تشكيل الذات نفسها، في عملية معقَّدة من النفي والتماهي، حيث يُصبح الانتماء مرهونًا بالقدرة على تكرار النموذج الرسمي، لا على التفاعل مع التعدد، فيغدو السؤال عن “الآخر” سؤالًا عن بنية الوطن، وعن إمكانية تخيّله خارج ثنائيات الخوف والاصطفاف.

لذلك، فإن تناول الإقصاء وصناعة الآخر في السياق السوري يُقارب ظاهرة اجتماعية وسياسية، ويُلامس كذلك بنية إدراكية تُعيد تشكيل معنى الانتماء ذاته؛ فالمسألة لا تتعلق بمن استُبعِد فحسب، بل بكيفية بناء التصوّر الجمعي حول الذات، عبر آليات التصفية الرمزية وإعادة إنتاج الشرعية. إن فهم هذه البنية يفتح المجال لتفكيك الأسس التي تُبنى عليها سرديات الهوية، ويُمهِّد لتأمل أوسع في شروط إعادة تعريف الوطن خارج منطق الإلغاء.

الإقصاء البنيوي: آلية تعريف الذات في سوريا

“إقصاء الآخر” هو عملية إدراكية واجتماعية تُصوَّر من خلالها فئة أو مجموعة بشرية بوصفها “أخرى” تختلف جوهريًا عن الجماعة المُهيمِنة أو “الذات الجماعية”. ويتجسّد هذا المفهوم في التمييز أو التهميش أو النفي الرمزي والفعلي لإنسانية “الآخر”، بحيث يُنظَر إليه كغريب أو أدنى منزلة أو خارج حدود الانتماء المشترك.

تتجلّى آليات الإقصاء في إبراز الفوارق الثقافية أو الدينية أو العرقية أو الطبقية، وتغذّي ثنائية “نحن” مقابل “هم”، مما يُفضي إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية وتكريس الأحكام المسبَقة والتمييز. كما يمتد الإقصاء إلى المؤسسات والسياسات والممارسات اليومية أيضًا.

يُعَدّ الإقصاء أداة مركزية في تكوين الهويات الجمعية، حيث تُعرَّف الذات غالبًا من خلال نفي الآخر، كما أنه يؤدي دورًا محوريًا في إنتاج علاقات الهيمنة، لا سيما في سياقات الاستعمار، والعنصرية، والتمييز الجندري، والديني، والطبقي.

في الحالة السورية، نرى الإقصاء وقد تجلّى بأبشع صوره في العقود الأخيرة، حين صُنِعت هويات مختَزلة ومشوّهة لمكونات المجتمع السوري: الكردي يُقدَّم كتهديد للوحدة الوطنية، والعلوي يُربَط بالسلطة، أما السني فيُشيطَن بالتحريض الطائفي، بينما يُستدرَج المسيحي بقلق الأقليات، في حين يُعزَل الدرزي في “خصوصيته”. هذه ليست أوصافًا عفوية، بل نتاج منظومة إقصائية بنيوية.

الفن والأدب السوري: بين إقصاء الآخر وإعادة الاعتبار له

لم يكن الفن والأدب في سوريا مجرد فضاءين للتعبير الجمالي، فقد تحوّلا في ظل النظام السلطوي إلى أدوات رمزية تُعيد إنتاج الذات الرسمية وتُقصي الآخر عبر تمثيلات انتقائية وموجَّهة. ففي المسرح، والسينما، والرواية، وحتى الشعر، جرى تطويع الخيال ليخدم سردية أحادية تُعلي من شأن النموذج الرسمي، وتُهمِّش كل ما لا يتماهى معه، فغُيّبت الشخصيات التي تمثّل الهويات المغايرة، أو قُدِّمت بصورة نمطية تُرسّخ دونيتها، وتُضعِف حضورها الرمزي داخل السرد.

في الفن والأدب السوريين اللذين يُنتَجان داخل المؤسسة الرسمية، يُحتفى بالذات السلطوية بوصفها حامية للوطن ومركزًا للحكاية، بينما يُقصى الآخر إلى الهامش، ويُختزَل في أدوار وظيفية تخدم تطوّر البطل الرسمي، فلا يُمنَح الآخر صوتًا سرديًا مستقلًا، ولا يُسمَح له بسرد تجربته الذاتية، بل يُقدَّم بوصفه كائنًا ناقصًا، فاقدًا للفاعلية السردية. وهكذا، يُعيد النص إنتاج منطق الهيمنة داخل البنية الحكائية، ويُكرِّس مركزية الذات السلطوية بوصفها النموذج الوحيد للبطولة والانتماء.

في المقابل، ظهرت أعمال أدبية وفنية سورية خارج المؤسسة الرسمية، أو في فضاءات الشتات، تُعيد الاعتبار للآخر بوصفه ذاتًا كاملة، لها تاريخ وتجربة وصوت. في هذه الأعمال، يُروى الألم من وجهة نظر المهمَّش، وبالتالي، ينقُضُ هذا المجال الفني-الأدبي تمثيلات السلطة، راسمًا المخيال الوطني على أسس الاعتراف والمشاركة، حيث يصبح الفن فعلًا مقاوِمًا، والكتابة مساحةً للوجود الحر.

الآخر في الإعلام السوري: بناء خطاب الهيمنة عبر تمثيلات الخوف والتجييش

اقتصر دور الإعلام السوري على إنتاج الواقع وإعادة ترتيب عناصره بما يخدم سرديات الهيمنة والانقسام، حيث شُكّل الآخر من خلاله لا بوصفه طرفًا مغايرًا وحسب، بل كتهديدٍ دائمٍ يُستدعى متى ما دعت الحاجة إلى تأكيد التماسك الداخلي. الآخر في هذا المقام هو مجرد كيان رمزي تُصَبّ فيه دلالات سلبية تمهّد لنفيه عن المشهد الوطني.

تعمل اللغة الإعلامية ضمن هذا الإطار على إعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر تقنيات دقيقة تتراوح بين التكرار والإقصاء، حيث تُنتَج مفردات محمَّلة بالحكم المسبق، وتُعاد صياغة الأحداث على نحوٍ يُظهر الآخر كسببٍ للفوضى، أو كعنصرٍ لا يمكن اندماجه ضمن التصور الرسمي للوطن. ومن خلال سردية أحادية الجانب، يُقصى التعدد، ويُحتكَر الحق في رواية الذات، بينما يُدفَع الآخر إلى هامشٍ رمزي يُحاكي المنفى الداخلي.

في الوقت نفسه، يتخذ التجييش الإعلامي طابعًا وجدانيًا، فيحرّك الانفعالات الجماهيرية عبر التخويف، والغضب، والانتماء المُهدَّد لتكريس الاصطفاف الجماهيري ضد الآخر، والذي يُربَط بصورٍ مجتزأة ومقاطع مُنتقاة تُرسِّخ حضوره ككائنٍ شاذ، وليس كبنية إنسانية لها تاريخ وتجربة، مع إعادة تدوير مقولات محدَّدة باستمرار لتثبيت مفاهيم معينة في المخيال الجماعي، مثل “الآخر لا ينتمي”، أو “الآخر يُدمّر الوطن”، في حين يُستثمَر خطاب الطوارئ لإضفاء مشروعية على الإقصاء، بحيث يتحوّل الآخر إلى حالة استثنائية تُبرّر خروقات الحق والعدالة.

في هذا الصدد، يغدو الإعلام جهازًا لإنتاج الذات الجمعية عبر نفي الآخر، ويُستخدَم كأداة لتعزيز الخطاب الرسمي. إن غياب الآخر عن الصورة في الإعلام السوري هو غيابٌ مُخطَّط له، مفعَمٌ بالدلالة، ومحمَّلٌ بمفعول رمزي يُعيد ترتيب الانتماء على أسس الانغلاق والخوف.

الهوية ملاذًا: انعزال الجماعات في مواجهة الإقصاء البنيوي

قبل أن تبدأ الثورة السورية في عام 2011، كانت مظاهر الإقصاء حاضرة، وإنْ بشكل مموَّه ومغلَّف بشعارات الوحدة الوطنية؛ فالدولة التي ادّعت تمثيل جميع السوريين، مارست سياسات تمييز ممنهجة، لا سيما ضد الكرد، بحرمانهم من الجنسية، ومنعهم من التعليم بلغتهم، وتهميش سردياتهم التاريخية والثقافية. لم يكن الإقصاء مجرد خلل إداري أو استثناء قانوني، بل كان جزءًا من بنية الدولة التي احتكرت تعريف “الوطن” واحتكرت سرديته، بحيث أصبح الانتماء يُقاس بمدى الانصهار في النموذج الرسمي المفروض.

ومع اندلاع الثورة، لم تُنتج اللحظة الثورية خطابًا جامعًا بقدر ما كشفت عن عمق الانقسامات البنيوية. فُجِّر مخزون الإقصاء المكبوت، وبدأت الهويات التي كانت مُهمَّشة أو مقموعة تطفو على السطح، كآلياتٍ دفاعيةٍ في وجه التهديد، فتحوّل خطاب “الآخر” إلى أداة للتخويف والتجييش والاصطفاف: النظام اتّهم المعارضين بأنهم “إرهابيون سلفيون”، والمعارضة اتّهمت الأقليات بأنها “أذرع النظام”، وبدأت كل جماعة تُعيد تعريف “سوريا” وفقًا لموقعها السياسي أو الطائفي.

وبالتالي، تحوّلت سوريا من حاضنة لجميع أطياف الشعب إلى فسيفساء من الهويات المعزولة، كل منها تحتمي بسرديتها الخاصة، وتُقصي الأخرى. أصبح الانتماء مسألة تُفصَّل على مقاس الولاء، لا على أساس المواطنة أو المشاركة في المجال العام.

العدو الوجودي: حين يتحوّل الآخر إلى تهديد للذات

ما يجعل الإقصاء خطيرًا ليس فقط في كونه يُنتج “آخر” خارج الهوية الجمعية، ولكن في كونه يُعيد تشكيل هذا الآخر بوصفه تهديدًا وجوديًا، عدوًا مشروعًا استبعاده، وربما إبادته. حين يتحوّل الاختلاف إلى خطر، يصبح العنف أداة دفاع، ويُعاد تعريف القتل والتهجير والاعتقال بوصفهم “ضرورات وجودية”. هذا ما تجلّى في الخطاب الطائفي، وفي المجازر التي ارتُكبت ضد المدنيين باسم “الدفاع عن الهوية”، وفي تبرير التهجير القسري، وفي الصمت الجماعي عن الاعتقال والقتل، لمجرد أن الضحية تنتمي إلى “الجهة الأخرى”.

في سوريا، لم يكن القتال مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، لقد كان حرب سرديات متناحرة، كل منها تُعيد تعريف الذات والآخر وفقًا لمعادلة صفرية: إما أنا أو هو. لم يَعُدِ الصراع على السلطة أو الموارد، إنما على الحق في الوجود نفسه. كل طرف يقاتل دفاعًا عن “هويته الوجودية”، ويعتبر الطرف الآخر تهديدًا لذاته، لا لمصالحه فحسب. وهكذا، يتحوّل الإقصاء من ممارسة سياسية إلى بنية نفسية تُعيد إنتاج العنف بوصفه فعلًا مبرَّرًا، بل وضروريًا أيضًا.

من خطاب الانقسام إلى تجربة التعدد: السوري والآخر في فضاء اللجوء

في فضاءات اللجوء، لا يُعاد تشكيل الذات فحسب، وإنما يُعاد أيضًا بناء الآخر. فالسوري الذي غادر وطنًا ممزقًا، محمّلًا بخطابات الإقصاء والانقسام، يجد نفسه في مجتمعات مضيفة تفرض عليه إعادة تعريف موقعه من العالم، ومن الآخرين، ومن نفسه. فلا يعود الآخر هو ذاك الذي صاغته السلطة أو الحرب، بل يصبح الآخر هو المجتمع المضيف، أو السوري المختلف، أو حتى الذات القديمة التي لم تعد تنتمي إلى أي وطن كان.

تُنتج مجتمعاتُ الشتاتِ السوريِّ تصورات جديدة عن الآخر من خلال الاحتكاك اليومي، والتجربة المشتركة، والانكشاف على سرديات متعددة؛ ففي المنفى، تتفكك الثنائية التقليدية “نحن/هم”، ويُعاد تركيبها ضمن علاقات أكثر تعقيدًا: “نحن السوريون هنا”، “نحن اللاجئون”، “نحن المختلفون”، مقابل “الآخر الأوروبي”، أو “الآخر السوري الذي لا يشبهنا”. هذه التصورات لا تُبنى على خطاب رسمي، ولكن على تجربة معيشة، وعلى تفاوض مستمر بين الهوية والانتماء.

في هذا التفاوض، تلعب اللغة، والذاكرة، والمجتمع دورًا مركزيًا، حيث تُصبح اللغة أداةً إما للتقارب أو للعزل، والذاكرة تُستدعى لتبرير القُرب أو لتغذية الحَذَر، والمجتمع المضيف يُعاد تأويله وفقًا لموقع السوري فيه: هل هو ضيف؟ أم شريك؟ أم غريب؟ أم مواطن محتمَل؟ هذه الأسئلة لا تُطرح نظريًا، بل تُعاش يوميًا في المدرسة، والعمل، والشارع، وفي نظرات الآخرين.

لكن الأهم من ذلك، أن الشتات السوري لا يعيد فقط تصور الآخر، إنما يُنتج نماذج جديدة من الذات؛ فالسوري في المنفى يُعيد بناء هويته من خلال الآخر، لا ضده، كما يكتشف أن الانتماء لا يُصاغ فقط من خلال الجغرافيا، بل من خلال القدرة على الاعتراف، والتعدد، والتفاعل. في وضع كهذا، يغدو الآخر مرآةً للذات الجديدة، لا تهديدًا لها.

إن مجتمعات اللجوء، بما تحمله من تحديات وفرص، تتيح للسوريين أن يختبروا إمكانية العيش خارج ثنائيات الإقصاء، وأن يُعيدوا بناء تصورهم عن الآخر بوصفه شريكًا في التجربة الإنسانية، وإذا ما أُتيح لهذا التصور أن ينمو، فقد يكون الشتات فضاءً لإعادة تخيّل سوريا نفسها، بوصفها نسيجًا متعدّدًا لا يُقصي ولا يُختزَل.

تحرير المعنى الوطني: نحو ذات سوريّة لا تقصي الآخر، وتحتفي بتعدده

في الداخل السوري، حيث تتراكم آثار الحرب والانقسام، تصبح إعادة بناء الذات الوطنية ضرورة وجودية لا ترفًا فكريًا، إذ لم تَعُدِ المسألة مرتبطة باستعادة ما فُقِدَ، بل بصياغة وطنية جديدة قادرة على التكيّف مع التشتت، ومواجهة خطاب الهيمنة، وإنتاج تصور جامع لا يختزل الوطن في جهة أو رواية واحدة.

إن تصور وطن لا يُعرِّف نفسه بنفي الآخر يفترض القبول بأن التعدد ليس عيبًا يجب تطهيره، إنما بنية أساسية للهوية السورية، مما يستدعي قطيعة معرفية مع خطابات الإقصاء التي تمأسست عبر عقود، وتغلغلت في المناهج، والإعلام، والممارسة السياسية. إن إعادة البناء تبدأ من الاعتراف بشرعية الاختلاف، ومن تحويل هذا الاختلاف إلى أساس تعايش، لا ذريعة للنزاع.

في هذا الإطار، تُمثّل المواطنة التشاركية بديلًا جذريًا للهوية المهيمنة، فهي تَمنح كل فرد حق الفعل والتعبير والمشاركة، استنادًا إلى دوره في صياغة الحاضر والمستقبل، وليس بناءً على انتمائه القومي أو الطائفي. هذه المواطنة لا تُدار من فوق، بل تُبنى من القاعدة، عبر المجالس المحلية، والمبادرات المدنية، ومن خلال تمكين الأفراد في رسم ملامح حياتهم السياسية والاجتماعية.

ولعل سوريا، بما تملكه من إرث ثقافي متنوع، وما تمرّ به من تحوّلات عميقة، تتيح فرصة تاريخية لإعادة تعريف الذات الوطنية بوصفها كيانًا متجدّدًا. في سوريا اليوم، ينبغي الحديث عن مشروع وطني يتشكَّل من الأسئلة المفتوحة، ومن قدرة السوريين على الإنصات لبعضهم البعض من دون شروط مسبقة؛ فإعادة بناء الذات الوطنية تعني تفكيك المركزية، وتحرير المواطن من سلطة التعريف الأحادي، وإعادة توزيع المعنى على الجميع. وفي هذا التوزيع، يكمن أملٌ في وطنٍ يُزهر بالاختلاف.

المثقف في زمن الإقصاء: مساءلة اللغة ومقاومة الصمت

في زمنٍ تتكاثر فيه سرديات الإقصاء، ويُعاد تعريف الانتماء تحت وطأة الولاء والخضوع، لا يملك المثقف ترف الحياد. فعندما تُختزَل سوريا في خطاب يُقصي، ويُجرّم، ويُعيد إنتاج الخوف، يصبح من الضروري استعادة دور المثقف بوصفه مقاوِمًا للتبسيط، ومدافِعًا عن التعدد، وباحثًا في اللغة عن الكلمات التي قُمِعت قبل أن تُنطَق، والمعاني التي عجزت عن إيجاد سياقٍ ينصفها، ومنصتًا للأصوات التي حُرِمت من شرعية الظهور.

لا يجب الاكتفاء بإعلان موقفٍ جاهز، حيث تقع على عاتق المثقف مسؤولية مساءلة البُنى التي تُنتِج المواقف ذاتها، وتفكيك الخطابات التي تُعيد إنتاج الإقصاء تحت غطاء الوطنية أو الهوية؛ فالمعرفة التي لا تُجابِه الإقصاء، تساهم في ترسيخه بصمتها، وتُحوّل المثقف إلى شاهدٍ غير نزيه على انهيار المعنى.

وبالتالي، تكتسب الكتابة طابعًا أخلاقيًا قبل أن تكون فعلًا جماليًا؛ فتغدو مساحةً للنجاة من الاصطفاف، ومحاولة لاستعادة اللغة من قبضة السلطة، وإعادة تشكيلها بما يُعيد الاعتبار لما سُحق في الهوامش. فالمثقف، حين يصغي لمن أُقصي، يُنقذ الآخر، ويُعرِّف الذات من جديد خارج منطق الخوف.

كاتبة ومترجمة وصحافية من سوريا

ميغازين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى