متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟ -مقالات مختارة-

لمراجعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
———————————-
متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟/ أحمد موفق زيدان
22/8/2025
تربيت منذ يفاعتي على أفكار الإخوان المسلمين، وما زلت أتذكر تلك الأيام الجميلة التي أمضيتها معهم مناضلا ومكافحا ومهاجرا ضد حكم حافظ الأسد، لُوحقت وهجرت، وناضلت حتى أكرمني الله وإخواني بسحق عصابة الأسدين يوم الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي، مما خلص العالم كله من شرورهم وآثامهم.
فكم من آثام وجرائم ارتكبوها بحق هذا الشعب من خلال تحويل البلد إلى جمهوريات صيدنايا وتدمر، بالإضافة إلى قتله وتهجيره، وذلك منذ الستينيات، والتي تصاعدت سطوتها بثورة الحرية والكرامة 2011، أما على المستوى الخارجي فقد سعى النظام البائد إلى إغراق دول العالم بموجات المهاجرين، وبسموم الكبتاغون التي صدرها للعالم، ومعه استقبال هذا النظام مليشيات طائفية بهدف ذبح السوريين، وتهديد الجوار الأقرب والأبعد.
لا أكتب اليوم لأنني غدوت مستشارا للرئيس السوري، وإنما أكتب لقناعتي التي ترسخت بعد دراسات ونقاشات ومقاربات لأشباه ونظائر في عالم التجربة والممارسة السياسية. فباعتقادي كما أن اللغة كائن حي، فمن باب أولى الأفكار والأطر والتنظيمات كائن حي أيضا؛ نظرا لعلاقتها بما يخدم الإنسان ويؤثر في أفكاره ونظرياته.
ولذا فإن مواكبة العصر، وتطوراته وتحديثاته أمر في غاية الأهمية للسياسي العامل في الحيز الاجتماعي، وإلا فإنه بغير ذلك يغمس خارج الصحن، ويغرد خارج السرب.
منذ بداية الانتصار الذي ربما لم يمر على السوريين نصر وفتح مثله في تاريخهم، سارعت كل الأجسام السورية من الائتلاف الوطني السوري لقوى المعارضة، والمجلس الإسلامي السوري، إلى الفصائل العسكرية والسياسية والمجالس المحلية، وغيرها إلى حل أنفسها، ووضع مقدراتها، تحت تصرف القيادة السورية الجديدة.
فكان الكل يهتف لحنا واحدا ونغما موحدا وهو دعم هذه الدولة الوليدة للعبور بسوريا إلى مرحلة استقرار حقيقي وواقع وناجز، لا سيما مع كثرة المتصدين والمتربصين داخليا وخارجيا.
كنتُ قد انتميت في فترة من حياتي إلى جماعة الإخوان المسلمين، غير أنني بقيت دائمًا وفيًّا لتاريخي وللأمانة الفكرية، منتميًا إلى جماعة الأستاذ عصام العطار – رحمه الله. ولا تزال جماعة الإخوان متمسكة بتنظيمها وحزبها وتسعى إلى الاستمرار فيهما.
وباعتقادي المتواضع، ومع احترامي إخواني وأصدقائي في التنظيم، فإن حل التنظيم اليوم، كما فعلت المكونات الأخرى سيخدم البلد، والذي هو رأسمالنا جميعا، ومقصدنا كلنا.
يعلم الجميع أن أصغر واحد من الإخوان المسلمين، ربما يكون عمره في بداية الستينيات، باستثناء أبنائهم ربما. فالفجوة العُمرية التي يعانونها اليوم تعود بالتأكيد، إلى حرمانهم من العمل السياسي في سوريا، طوال تلك الفترة؛ نتيجة الغياب القسري الذي مُورس بحقهم.
وقد تسبب إصرارهم بالتمسك بقرار عدم حل الجماعة في حرمان شبابهم من المشاركة في بناء الدولة، ما دام المحيط الأقرب والأبعد على خلاف معهم، ومتحفظا أو متوجسا منهم، فضلا عن الاقتراب منهم، وهو ما يُفقد الدولة السورية الجديدة خبرات ومهارات.
غياب الإخوان المسلمين عن سوريا لفترة طويلة ممتدة لحوالي نصف قرن، أضر كثيرا بالتنظيم، ليس من حيث تعظيم العمل التنظيمي، وتوسعته، وإنما غيابٌ جعله يتآكل في ظل فيروس البعث المنتشر وسط الشرائح السورية، مشيطنةً الإخوان، فكان ترويجها لمصطلح النظام المعتاد “الإخوانجي” لإشاعة كل ما هو سلبي عن الإخوان ومؤيديهم، كل هذا نتيجة غياب سرديتهم، وحضور سردية النظام.
لعل إصرار الإخوان على البقاء مغردين خارج السرب، مع تصريحات هنا وهناك تُلمح إلى عدم رضاهم عما يجري، يزيد من الشُقة والفجوة مع الشارع الداعم للحكومة، هذه الحكومة التي قامت بعمل تاريخي تمثل في اقتلاع عصابة عمرها ستون عاما، مدعومة من قوى إقليمية ودولية.
لقد سبق أن حل تنظيم الإخوان المسلمين في سوريا نفسه حين وضع الرئيس المصري جمال عبدالناصر جملة شروط لوحدته مع سوريا، فكان من ضمنها حل الأحزاب السياسية، فرضخ الإخوان السوريون لهذا الشرط استجابة ومحبة للوحدة وأشواقها، في حين كان عبدالناصر يسحق إخوان مصر، ويعلق على أعواد مشانقه مؤسسي التنظيم الدولي الذي كان يقود فرع إخوان سوريا.
وحين سألت المراقب العام السابق للإخوان الأستاذ عصام العطار- رحمه الله- عن تلك الفترة، قال لي: (لقد استجبنا لنداء الوحدة، والتي هي أمل الإخوان والشعوب، متعالين على جراح إعدامات إخواننا في مصر من أجل الوحدة).
والسؤال الآن: هل تلك المرحلة التاريخية أوجب من هذه المرحلة التي تمر بها سوريا اليوم، وهل دعوة عبدالناصر هي أولى بالإجابة والسمع والطاعة من حاجة الرئيس السوري أحمد الشرع، لتثبيت حكم ثمنه مليون شهيد و14 مليون مشرد، وهو يعيش ظروفا داخلية وإقليمية ودولية استثنائية، ومن الذي أولى بتثبيت الحكم، أبناء سوريا وتنظيماتها، أم دول إقليمية ودولية هبت لدعم الدولة الوليدة؟!
كان أول المنشقين عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، الدكتور حسن الترابي- رحمه الله- أواخر الستينيات فأسس الجبهة الإسلامية القومية، مما جعله يحلق في عالم السياسة مع إخوانه الذين التحقوا معه، ليتبعه المعجب به وهو الشيخ راشد الغنوشي – فرج الله كربته- حين أسس جبهة النهضة، وتخلى عن الإخوان المسلمين تنظيما، ونفس الأمر حدث مع تنظيم الإخوان المسلمين في الأردن حين لجؤوا إلى أسلوب جديد ابتدعوه، فأسسوا جبهة العمل الإسلامي الخاصة بالعمل السياسي والمشاركة في الانتخابات والسلطة.
وعلى الضفة الغربية، كانت حماس تتخلى عن الإخوان المسلمين لتشق طريقها بنفسها، حتى إن الإخوان المسلمين في سوريا، سعوا قبل سنوات لتأسيس حزب “وعد”، لكن ولد ميتا؛ لأنهم ظلوا مشدودين للتاريخ والماضي، أكثر مما هم مشدودون للحاضر والمستقبل.
كل هذا يؤكد على أن تنظيما بأدوات تفكير قديمة لا يمكن أن يشق طريقه في عالم السياسة والدعوة، خصوصا أنه غدا يسبح في مواجهة بيئة إقليمية ودولية متخمة بالعواصف والقواصف التي تريد اقتلاعه.
لقد سبق أن حل الإخوان المسلمون في العراق أنفسهم أيضا، أيام الشيخ الفاضل محمد محمود الصواف- رحمه الله-، فهاجر إلى السعودية، ولا زلت أتذكر وهو يروي لنا تلك المرحلة، ونفس الأمر تحت ظروف مختلفة حصل أن حل الإخوان المسلمون أنفسهم في قطر، وفي المغرب العربي وجدنا كيف تغير اسم الإخوان المسلمين عدة مرات حتى وصل حزبهم الجديد إلى منصب رئيس الوزراء.
أما في تركيا فلم تنطلق الحركة الإسلامية بزعامة الراحل نجم الدين أربكان لفضاء سياسي كبير وواسع وثابت، إلا بعد أن خرج عبدالله غول ورجب طيب أردوغان وإخوانهما ليؤسسوا حزب العدالة والتنمية، ويصلوا بذلك إلى السلطة في غضون سنوات، وظلوا فيها عبر صناديق اقتراع شعبي منذ 2002 وحتى الآن.
لقد بدا لنا بشكل واضح ومن خلال التجربة الإخوانية التي حلت نفسها في هذه الدول، أن معظم من حل نفسه، ومارس العمل السياسي والدعوي بتسميات جديدة كان أفضل حالا ممن أصر على التمسك بسياسة ديناصورية، محكوم عليها بنظر بعض الجيولوجيين بالاندثار، ما دام الديناصور قد عجز عن التأقلم مع الظروف الطبيعية الجديدة، وهو حال تنظيم يرفض أن يتأقلم مع ظروف داخلية وإقليمية ودولية تجاوزته.
ما أبوح به اليوم يهمس به الكثير من شباب الإخوان المسلمين في الجلسات الخاصة، كل ما في الأمر أن لدي الشجاعة في أن أطرح هذا كما طرحت عام 2015 مطالبا بفك الارتباط بين جبهة النصرة، وتنظيم القاعدة العالمي، ونشرت في ذلك مقالا بصحيفة عربية، لأنني كنت أدرك حجم الدية والكلفة التي سيدفعها إن لم تتحول إلى تنظيم محلي سوري، همه وشغله وهدفه مواجهة عاديات نظام مجرم مدعوم من قوى إقليمية ودولية، ثم الارتقاء بشعبنا الذي عانى ما عاناه لعقود.
أما رفع الشعارات الكبيرة، لتدفع ثمنها وديتها بشكل يفوق القدرات والإمكانات وحتى المستطاعات، فهذا ليس من المنطق في شيء، وهو تماما ما يفعله الإخوان، إذ يعاملهم العالم كله وكأنهم أخطبوط وإمبراطورية عالمية، وخلافة إسلامية على امتداد القارات الست، بينما حقيقتهم وواقعهم يُرثى له، فالمساكين متمسكون بقصور خيالية وهمية سرابية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية
الجزيرة
—————————–
الإخوان المسلمون أمام السؤال الوجودي/ محمد أبو رمان
26 اغسطس 2025
يحمل مقال أحمد موفق زيدان “متى ستحلّ جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟” (“الجزيرة نت”، 22/8/2025)، رسائل ودلالات سياسية داخلية (سورية) وخارجية، ليس لمضمون المقال نفسه فقط، بل أيضاً لكاتبه، بصفته مستشاراً إعلامياً لدى الرئيس السوري أحمد الشرع، أي أنّه يعكس مزاج السلطة السياسية الجديدة ونياتها تجاه الجماعة، ولا يصدر مقاله من فراغ أو دافعٍ شخصي أو فكري بصورة عفوية، فالموقع نفسه يشي بالدلالات، ثم إنّ زيدان أيضاً من أبناء الجماعة المحسوبين تاريخياً عليها، ومن أوساطها الاجتماعية والسياسية. … علّل الكاتب، وهو إعلامي معروف، دعوته الجماعة لحلّ نفسها بأسباب عدة، منها ما يتعلّق بالفجوة الجيلية والابتعاد الزمني الكبير بينها وبين المجتمع السوري، منذ الثمانينيّات، ومنها ما يتعلّق بطبيعة المرحلة أو اللحظة الانتقالية الحالية، التي تتطلّب وقوف الجميع مع الحكم الجديد، الذي حقّق “الانتصار” على حكم الأسد الدموي، بخاصة أنّ قوى سياسية وإسلامية أخرى حلّت نفسها والتزمت الوقوف مع “الدولة” في إعادة البناء والإعمار.
المسكوت عنه في مقالة زيدان، وربّما هو ما يُحدث فجوات واسعة في فهم النصّ، لأنّه لم يتطرق إليه سابقاً، أنّ هنالك أسباباً داخلية وخارجية أكثر قوة وراء دعوته الجماعة إلى حلّ نفسها، وتتمثّل في أنّ أحد الشروط الرئيسة غير المُعلَنة في تطبيع علاقة النظام الجديد بالدول العربية منع نشاط الجماعة وعدم السماح لها بالانطلاق من جديد من الأراضي السورية، حتى لا تكون سورية بمثابة “قبلة الحياة” للإسلام السياسي، كما قال لكاتب هذه السطور دبلوماسي عربي. وما لم يقله النصّ، إذاً، أنّ مصلحة سورية الجديدة وبناء الدولة والخروج من الوضع الخطير الحالي، الذي يهدّد وحدتها وقدرة النظام الجديد على مواجهة التحديات والأخطار الكبيرة، كل ذلك يتمثّل بعدم السماح بنشاط الإخوان المسلمين، وهو الأمر الذي يدفع الجماعة (وفقاً لهذه النظرية) لتقديم المصلحة الوطنية على المصالح التنظيمية والجزئية. يعزّز هذه الفكرة أنّ جماعة الإخوان المسلمين في سورية نفسها حلّت نفسها طواعيةً في مرحلة الوحدة السورية المصرية، عندما اشترط جمال عبد الناصر للوحدة أن تحلّ الأحزاب السياسية السورية، بمعنى أنّ الوحدة والمصلحة الوطنية هما ما تغلّبتا في حسابات قادة التنظيم حينها على الاعتبارات التنظيمية والسياسية الحزبية.
المسكوت عنه في النصّ أيضاً أنّ الرئيس السوري نفسه لا يحمل تصوّرات جيّدة عن جماعة الإخوان المسلمين، وقد أسرّ بذلك لسياسيين ودبلوماسيين عرب التقاهم، وربّما يكون ذلك من إرث المرحلة السابقة في حياته، إذ لا تتسم العلاقة بين السلفية الجهادية و”الإخوان” بالنيات الطيبة ولا بالثقة، فهنالك شكوك كبيرة وتنافس، وربّما صراع في أحيانٍ كثيرة، لذلك التقى النزوع الشخصي لديه بالسياسات الإقليمية في الموقف السلبي من “الإخوان”، ومنع عودة نشاطهم إلى الساحة السورية بعد سقوط نظام الأسد. وقد تطرّق مقال سابق لصاحب هذه السطور “الإخوان والشرع… هدوء تكتيكي أم صدام مؤجّل” (“العربي الجديد”، 25/5/2025) إلى السياقات والخلافات غير المُعلَنة بين الحكم الجديد وجماعة الإخوان، ويأتي مقال زيدان ليؤكّد ما جاء في ذلك المقال، ويعيد طرح مجموعة من الأسئلة والتساؤلات، بخاصّة بشأن مستقبل الجماعة ومصيرها في المرحلة المقبلة، بعدما أصبحت في أغلب الدول العربية (إلا باستثناءات محدودة جدّاً) محظورةً، وممنوعة من ممارسة العمل والنشاطيَن السياسي والحزبي، سواء كان قادتها في السجون والمعتقلات والنفي، أم كانت الجماعة محظورةً قانوناً ولا تستطيع ممارسة النشاط.
أشاد زيدان بتجارب تاريخية حلّت فيها الجماعة نفسها، أو تخلّت عن اسمها واتخذت عناوينَ جديدة، كما حدث مع راشد الغنّوشي وحسن الترابي، وفي قطر، وجبهة العمل الإسلامي في الأردن، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، ويؤشّر (ضمنياً) إلى أنّ هذا يريح الجماعة من عبء ما يسمّى التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، الذي تتحدّث عنه الأجهزة الأمنية العربية والحكومات بوصفه بعبعاً ومنظّمةً عالميةً خطيرةً تدير جماعات الإخوان المسلمين في العالم، ما يُنتج أوهاماً كبيرة عن الجماعة وقدراتها، “بينما حقيقتهم وواقعهم يُرثى له، فالمساكين متمسّكون بقصور خيالية وهمية سرابية”، وفقاً لما يقوله زيدان في خاتمة مقاله.
إذا تجاوزنا مقالة زيدان إلى الحالة العامّة لجماعة الإخوان المسلمين في العالم اليوم، نجد أنّها تمرّ في مرحلة ولحظة تاريخية غير مسبوقتَين، تشكّلان تحدّياً كبيراً ووجودياً لها بمعنى الكلمة، فبالرغم من أنّ الجماعة تعرّضت تاريخياً للمحنة القاسية وجلب أبناؤها إلى أعواد المشانق والقتل والذبح والسجن عقوداً طويلة، في مصر وسورية نفسها والعراق ودول عديدة أخرى، إلاّ أنّ السياسات الإقليمية والدولية أيضاً منحت أبناء الجماعة القدرة على إيجاد أماكن آمنة والاستفادة من توازنات القوى، والتمسّك بالأيديولوجيا الإسلامية وبمخالب التنظيم، أمّا اليوم فالدول الأخرى التي دعمت الجماعة تاريخياً انقلبت عليها، وأصبحت البيئة الإقليمية، إلا استثناءات محدودة، تعمل ضدّ الجماعة، وأصبحت عملية “إعدامها” تتجاوز حدود هذه الدولة أو تلك، لتبدو كأنّها سياسة دولية وإقليمية في الوقت نفسه.
لم تبقَ إلا مساحات محدودة لعمل الجماعة، وهي مهدّدة بالإغلاق أو الاضمحلال، ومن الواضح أنّ الحال بعد “الربيع العربي” يتدحرج نحو الأسوأ، حتى النظام الجديد في سورية، ذو الخلفية الإسلامية، الذي كان يُعوّل عليه (شيوخ الجماعة وقادتها) أن يشكّل بدايةً جديدةً لنشاط الجماعة، التي دفعت ثمناً باهظاً في الصراع مع نظام الأسد، يسير، كما يبدو، في ركاب الحكومات العربية، ويرسل الرسائل تلو الأخرى إلى الجماعة بعدم الرغبة بأن تكون موجودةً رسمياً في المشهد السياسي في الدولة. حتى حزب الوعد، الذي يمثّل جناحاً سياسياً أو قريباً من الجماعة، ترفض السلطات الجديدة السماح له بالعمل، وهو أمر يُبرَّر بأن قانون الأحزاب لم يقرّ بعد، لكنه يخفي موقفاً سلبياً من الجماعة. يمكن أن يُضاف إلى ذلك كلّه حظر جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، التي طالما كانت حاضنةً للجماعة، بل والأزمة غير المسبوقة بين الدولة والجماعة، وقد احتضن الأردن تاريخياً الهاربين من قادة الجماعة وأبنائها من أعواد المشانق والسجون في سورية، ما يؤشّر بوضوح إلى أن هنالك تحوّلاً كبيراً في البيئات السياسية الداخلية والخارجية المحيطة بالجماعة.
يوازي هذا وذاك أنّ هنالك أيضاً انشقاقات غير مسبوقة في الأوساط القيادية في الجماعة الأمّ في مصر، بين التيارات السياسية التي تشكّل قيادة الجماعة، وتمثّل مراكز القوى في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وهي، بالضرورة، مرحلة حادّة ودقيقة لم يسبق للجماعة أنّ مرّت بها منذ تأسيسها، ما يطرح سؤالاً جدّياً على قادتها في مختلف المجتمعات والدول حول التعامل مع المرحلة الجديدة، الواضح أنّها ليست غمامة صيف عابرة، وليست منعرجاً أمنياً أو مؤقّتاً تتعرّض له الجماعة كما تعرّضت له في مراحل سابقة. بل يمكن أن يضاف إلى هذا وذاك متغيّر آخر مهم، أن الحركة في المغرب العربي (المغرب وتونس والجزائر) تحديداً، لم تخسر أمنياً ولا عسكرياً، بل خسرت سياسياً وعبر صناديق الاقتراع بعد أداء سياسي ضعيف.
ليس الحديث هنا عن الحقّ والباطل، ولا عن المظلومية والضغوط والهجوم على الجماعة، ولا عن استدعاء الخزّان الفكري والعاطفي لدى أبنائها عن الحرب والمؤامرة على الإسلام وعلى الحركات الإسلامية وعن ثبات الحقّ وصموده في مواجهة الآخر، ليس الهدف مناقشة أفكار “الإخوان”، إنما السياقات السياسية والتاريخية الراهنة والمصالح الاستراتيجية وموازين القوى ومصلحة الدول والمجتمعات، وأخيراً فيما إذا كانت هنالك حركة نقد فكري وسياسي حقيقية لدى أبناء الحركة وقادتها تقرأ هذه المتغيّرات وتنظر في الجماعة ووجودها ودورها، لا من منظور التقديس والتعظيم والإرث التاريخي فقط، بل من منظور السياقات والمراحل التاريخية أيضاً؟
ثمّة متغيّرات تنظيمية وفكرية واجتماعية وسياسية وثقافية تستدعي اليوم من المفكّرين والمثقّفين والقيادات في جماعة الإخوان المسلمين التفكير فيها مليّاً في تأطير استراتيجية هذا الاتجاه السياسي المهم في العالم العربي، والخيارات المتاحة أمامه والتفريق بين مصلحة التنظيم من حيث هو تنظيم عابر للدول والمجتمعات، ويتجاوز المعنى التقليدي للحزب السياسي من جهة، والمصالح الوطنية والسياسية من جهةٍ أخرى، وفي أبناء التنظيم أيضاً الذين يدفعون أثماناً باهظة في دولٍ كثيرة لانتمائهم إلى الجماعة، ليس من باب التخلّي عن المبادئ والفِكَر والأهداف، لكن من باب المصالح والمفاسد المرتبطة ببقاء التنظيم أم لا؛ وهي ليست دعوة مبطّنة إلى حلّ الجماعة؛ وإنما للتفكير النقدي والواقعي والسياسي، بخاصّة أن هنالك مفكّرين ومثقّفين وسياسيين، من المؤيدين تاريخياً أو المتعاطفين أو المستقلين سابقاً، أطلقوا مثل هذه الدعوات، مثل محمد سليم العوا. وفي الأردن، لم يُكتب لوثيقة تاريخية مهمّة الاهتمام اللازم، كتبها قبل وفاتهما عبد اللطيف عربيات وعبد الحميد القضاة، وهما من قيادات الجماعة المعروفين، وجّهاها إلى مكتب الإرشاد العالمي يدعوان فيها إلى مراجعة مدى جدوى بقاء الجماعة بصيغتها التنظيمية والهيراركية (الهرمية) القائمة.
ألا يمكن أن تقوم الجماعة من جديد؟… نعم، ممكن جداً، فالظروف السياسية عربياً متغيّرة، وربّما ما تمتلكه الجماعة اليوم من أفراد وقدرات وطاقات على مستوى العالم كبير جداً، ولديهم مصادر قوة غير تقليدية، وهذا صحيح. لكن السؤال هو في جدوى بقاء الجماعة جماعةً، ومدى صلاحية الأيديولوجيا التي قامت عليها، وفيما إذا كانت أنجزت المهمّة التاريخية التي قامت من أجلها، وانتهت المهمّة، وسؤال الكلفة والمصلحة من منظور فقهي وسياسي… وأكثر أهميةً من هذا وذاك إمكانية التخلّي عن رداءٍ ليس مقدّساً، والعمل بصيغة وخطاب وفِكَر جديدة، أكثر قدرة على مواجهة الواقع الحالي والتحوّلات الجوهرية في الظروف… هي مجرّد تساؤلات وأسئلة وفِكَر للنقاش والتداول.
العربي الجديد
———————–
دفاعاً عن “الإخوان” وحقّهم في مزاولة السياسة/ عمار ديوب
26 اغسطس 2025
أعلن الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، حلَّ هيئة تحرير الشام التي كان يرأسها، وحلَّ الأحزاب ومختلف القوى السياسية في 30 ديسمبر/ كانون الثاني 2024، وكذلك المجلس الإسلامي السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وذلك كلّه بحجّة الانتقال من الثورة إلى الدولة، قاصداً أن الثورة تفترض التعدّدية السياسية، وأمّا بناء الدولة فيقتضي الوحدة وإلغاءها. فكرة إلغاء الأحزاب من أجل بناء الدولة استبدادية، تعني أن تتحكّم السلطة الوليدة، وغير المُنتخَبة، ببناء الدولة، فتختار الكوادرَ التي ستعتمد عليها، وهناك، شخصيات أساسية لم تتغيّر في الحكومتين بعد “8 ديسمبر”، قادت عملية الحوار الوطني المبتسر، واللجنة العليا لـ”انتخابات” مجلس الشعب، وسواها من هيئات. الشخصيات التي تُصدِّرها السلطة تدافع عنها وعن مشروعها في “بناء” الدولة في الإطلالات الإعلامية في هذه القناة أو تلك. وبالتالي، يصبح من المرفوض لدى السلطة استمرار جماعة الإخوان المسلمين في العمل السياسي، وهناك تسريبات صحافية تؤكّد منع السلطة الجماعة من العمل داخل سورية، ومن هنا طالبها أحمد موفق زيدان (المستشار الإعلامي للرئيس الشرع) بحلّ نفسها. استند زيدان في مقالته، “متى ستحلّ جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟” (“الجزيرة نت”، 22/8/2025)، إلى محطّات تاريخية حلّ فيها “الإخوان” تنظيماتهم في أكثر من دولة عربية. وفيما يخصّ سورية، اختار زيدان فترة الوحدة واشتراط جمال عبد الناصر حلّ الأحزاب السياسية (ومنها “الإخوان”)، متجاهلاً أن هناك استنتاجات من اتجاهات فكرية وسياسية متعدّدة تذهب إلى أن الموافقة على شروط عبد الناصر كانت أمراً خاطئاً، أدّى إلى تعزيز مناخات الاستبداد والقمع في سورية، والنهاية السريعة للوحدة، ووصول العسكر إلى الحكم في 1963.
قبل مقالة زيدان، أصدرت الجماعة بياناً تأخّر أشهراً، باركت فيه لأحمد الشرع، وللسوريين، الخلاص من بشّار الأسد، وأرسلت بطاقات شكر إلى تركيا والسعودية وقطر بشكل خاص. جاء البيان في ظلّ تعقيداتٍ المشهد السوري بعد مجازر الساحل والسويداء، وبروز مطالبات بالانفصال وطلب الحماية الصهيونية. رفض البيان التدخّلات الخارجية بشكل حاسمٍ، ولكنّه طالب بـ”وحدة سورية أرضاً وشعباً”، وبـ”حقوق المواطنة”، وأكّد “الحرص على إنجاح عملية بناء الدولة المدنية الحديثة، بمرجعية إسلامية، وأن الاستقرار يتحقّق باشراك جميع المكوّنات السورية”. يبدو أن هذا البيان أثار قلق السلطة، فاندفع زيدان إلى كتابة مقالته التي انسجم محتواها في رفض السلطة الحياة السياسية، ورغبتها في الاستئثار بها، وبقيادة المرحلة الانتقالية منفردة. بدا في بيان “الإخوان” كثيرٌ من التعقّل، وتضمّن رسائل كثيرة إلى الخارج، فقد حدّد دولاً وشكرها، وأن الجماعة تتبنّى المواطنة والدولة المدنية. وإلى الداخل، أن الجماعة مع إشراك المكوّنات كافّة، وتؤمن بالتعدّدية. بدت الجماعة مع هذه الرسائل، من وجهة نظر السلطة (ومع تعقيدات مشروعها في التحكّم بالمرحلة الانتقالية)، تقدّم نفسها مع شكرها دولاً في المنطقة بديلاً سياسياً ممكناً. ولكن هل يتضمّن بيان الجماعة هذه الفكرة؟… إنها واحدة من قراءات ممكنة للبيان.
هل فشل مشروع السلطة في قيادة المرحلة الانتقالية وإمكانية الوصول إلى انتخابات برلمانية ورئاسية في نهاية السنوات الخمس التي حدّدها الإعلان الدستوري الذي أشهره أحمد الشرع؟… قاد الشرع الأشهر الثمانية المنصرمة، من دون إحراز تقدّم حقيقي في بناء الدولة، وهناك فشل في بناء السلطة ذاتها. وباعتبار الأخيرة تعتمد، بشكل رئيس، على أجهزة الجيش والأمن والاستخبارات، لا تزال هذه الأجهزة تفتقد الرؤية الاستراتيجية. واستعانت السلطة بفصائل من خارج أجهزتها في أثناء أحداث الساحل، وفي أحداث السويداء أخيراً، وتعلن كثرة من قادتها أنها غير قادرة على ضبط فصائل العشائر مثلاً، والغريب أن يشكر الرئيس أحمد الشرع تلك العشائر بعد أحداث السويداء. وتؤكد تحليلات أن العشائر إن هي إلا جيش رديف للجيش الأساس. وبخصوص مؤسّسات الدولة، القضائية والاقتصادية والصحّية والتعليمية والبنى التحتية والمدن المدمّرة (وهناك نسبة البطالة المرتفعة)… هذه المؤسّسات كلّها شبه معطّلة، وهناك جمود هائل في قطاع الأعمال، ولم تستطع السلطة الاستفادة من مذكّرات التفاهم أو بعض الاتفاقات الاقتصادية لتغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي. سوى ذلك، هناك فشل كبير في تقريب السوريين الأكراد، وقطيعة مع السوريين الدروز، وعدم رضىً شديد لدى السوريين العلويين، وتذمّر لم يُفصِح عن نفسه بشكل منظّم بعد لدى سنّة المدن السورية كذلك.
ليس كاتب هذه السطور من المغرمين في تجربة “الإخوان المسلمين”، ولا في دورهم في الثورة، الذي مارسوا معه تطييفاً، وتوجّه لهم انتقادات شديدة لتسببهم في تأخّر انتصار الثورة لدورهم القيادي في المجلس الوطني و”الائتلاف”، وفي الدعم المالي والعسكري والعلاقات الخارجية والإغاثة. مع ذلك، من الخطأ التموضع مع حملة دولية أو عربية لشيطنتهم، بل ينبغي تأكيد حقّهم في العمل السياسي، شريطة ألا تكون المرجعية الإسلامية التي يستندون إليها متعارضةً مع مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان والقوانين الدولية، وأن تكون الأخيرة مرجعيةً في الدستور، وفي أيّ قانون سوري مستقبلاً، والكفّ عن ادّعاء أنهم يمثّلون السنّة، فهم مجرّد حزب سياسي ككل الأحزاب السياسية.
لم تكن السلطة الجديدة على صواب حين حلّت الأحزاب السياسية، إذ حاصرت نفسها برؤىً خاصّة بشخصياتها الأساسية في إدارة شؤون السلطة والدولة. كان عليها توظيف الإعلام وفتحه كاملاً للقوى السياسية، وللشخصيات الفاعلة فيه، وللمثقّفين، وتمكين الأحزاب السياسية، لا ابتسار هذا الملفّ بخفّة هائلة في بعض البرامج. تجاهلَت السلطة ذلك كلّه، وأصرّت على أن “لا تاريخ” قبل 8 ديسمبر، وأكّدت أن بناء الدولة يجبّ ما قبله كلّه. قضية “أين كنتم منذ 14 عاماً؟”، التي يتلفّظ بها إعلاميو السلطة ومؤيّدوها، تعطي فكرةً مركزيةً عن عقل السلطة، الذي يستهين بتاريخ سورية كلّه، وبخبراتها، وبـ14 عاماً سابقة، ويركّز التفكير في منطقة واحدة، وأن لهيئة تحرير الشام، والمتحالفين معها، والمُقرّين بسياساتها، وحدهم كلّ الحقّ في حكم سورية. هناك شعارات سياسية خاطئة، تعبّر عنها عبارات عديدة، ينبغي نبذها والتخلّص منها، نحو “من يُحرّر يقرّر”، و”المخطوف لا يسأل خاطفه إلى أين”، و”لنكمل ما بدأناه”، وسواها.
أن تتفجّر الأحداث في الساحل والسويداء، وأن تتقدّم الدولة الصهيونية في أرياف واسعة في القنيطرة ودرعا وريف دمشق منذ 8 ديسمبر، وأن يصبح لها دور في حماية السويداء، وهناك تسريبات تؤكّد فتح ممرّ إنساني من داخل الدولة الصهيونية إلى السويداء (تنفيها السلطة)، وعدم حدوث تقدّم أولي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية… ذلك كلّه يستدعي من السلطة إعادة النظر في مسارها السياسي، وبكيفية إدارة الدولة، وفي مواضيع الحريات السياسية والتعدّدية السياسية والقومية والدينية، ونبذ سياسة الاستئثار والاحتكار للسلطة وللدولة، وإشراك الشعب. من هنا، هناك حقّ لـ”الإخوان”، في سورية (وغيرها) ولسواهم من القوى والفعّاليات السياسية والثقافية والإعلامية، في ممارسة العمل السياسي وأشكال التعبير كافّة، وعلى السلطة تنظيم الحياة السياسية والحريات العامّة بقوانين، وضبط الأمن، والمسارعة إلى اعتماد أسس وطنية لمؤسّسات تمارس القمع، الجيش والأمن والاستخبارات، وفتح المشاركة فيها أمام السوريين كافّة، والتخلّي عن المرجعية الدينية في التأسيس للدولة، وفصل المجال الديني عن السياسي.
العربي الجديد
——————————-
حلّ «إخوان» الشام/ مشاري الذايدي
24 أغسطس 2025 م
الدعوةُ التي أطلقَها الإعلاميّ والسياسي السوري أحمد موفّق زيدان صاحب الخلفية الإخوانية – كما يقول هو – لحلّ جماعة الإخوان في سوريا، ليست دعوةً جديدة وابتكارية.
خلاصةُ دعوةِ الرَّجل هي التضحية بالكيان التنظيمي لـ«الإخوان» في سوريا، والتخلّي عن الاسم المثير للمشكلات، اسم «الإخوان» والنسبة له إخواني أو «إخوانجي»، من أجل حماية المشروع والسياسة.
لأن «إصرار الإخوان على البقاء مغردين خارج السرب، مع تصريحات هنا وهناك تُلمح إلى عدم رضاهم عما يجري، يزيد من الشُقة والفجوة مع الشارع الداعم للحكومة».
الواقع أنَّ هذه الدعوة قديمة، ولعل من أشهر أمثلتها دعوة المهندس القطري جاسم سلطان لهذا الأمر في حالة قطر، قبل نحو ربع قرن، والتحّول إلى «تيّار فكري إسلامي عام يخدم القضايا التربوية والفكرية في عموم المجتمع».
وقبل نحو عقدين طرح الناشط والمثقف الكويتي، صاحب الخلفية الإخوانية أيضاً عبد الله النفيسي هذه الدعوة، مُشيداً بتلك الدراسة، وهاتيك الفكرة.
دعوة النفيسي حينها، أثارت جدلاً واسعاً داخل وخارج الحركة الإسلامية، وقتها كتبتُ مقالة طويلة حول الأمر بعنوان «هل الحلُّ هو الحلّ؟» بهذه الجريدة.
نقلتُ عن النفيسي قوله: «سألتُ أحد القائمين المهمين بهذه الدراسة بجزأيها: الآن وبعد هذه السنين ما رأيك بالإخوان في مصر؟ قال: لقد تحوّلوا إلى إسفنجة تمتصُّ كل الطاقات وتجمّدها».
أمّا أنا فقلتُ حينها: «الإخوان، خصوصاً في مصر، يجب أن يعرفوا أنهم لم يعودوا (فاتيكان) الإسلام السياسي، وأن طيوراً كثيرة من الجماعة قد طارت خارج العش، وأن منها من طار كثيراً وحلق في سماء بعيدة عن التنظيم أو التيار، وفوق هذا كله، ما قيل ويقال يجعلنا ندرك، المرة تلو المرة، أن كل تجارب الحركات الإسلامية ليست إلا تجارب سياسية بحتة قابلة للأخذ والرد… وليست عملاً محمياً ببريق التكليف السماوي».
السياسة عملٌ دنيوي بحت، أيّاً كان شعار وهيئة وكلام العامل فيها، وممّا جاء في التعريف المصطلحي اللغوي للسياسة: «سياسة مشتقة في اللغة العربية من فعل ساس – يسوس، ومعناه عالج الأمر أو صرَّفه ودَبَّره».
حاصل القول أن مثل هذه الدعوة ليست وليدة اليوم، والأمر كما قال كعب بن زهير منذ الأزل:
ما أَرانا نَقولُ إِلّا رَجيعاً
ومُعاداً مِن قَولِنا مَكرورَا
هل يستجيب إخوان سوريا لدعوة أحد أبنائهم القُدامى اليوم؟!
الشرق الأوسط
————————–
سوريا و حل جماعة «الإخوان»…/ عبدالله بن بجاد العتيبي
24 أغسطس 2025 م
جماعة الإخوان المسلمين هي أكبر جماعات الإسلام السياسي وأكثرها تنظيماً وتمويلاً واستثمارات، ووجودها ممتدٌ عبر القارات الخمس، كما كان يصرّح بعض المنتسبين إليها، ومن هنا فدراستها والمعرفة الدقيقة بها تساعدان الكاتب على فهم المشهدَيْن السياسي والاجتماعي، وتساعدان صانع القرار على تصوّر أكثر دقةً وشموليةً.
منذ تأسيسها سعى «حسن البنا» إلى تنظيمها، لتكبر وتتوسع ولتسيطر على عقول الشباب في العملية التربوية، ثم لتكتسب «طبع الجندية» عبر نظام «الكشافة» و«الجوالة» في المدارس، ومن ثم «النظام الخاص» أو «التنظيم السري» المسؤول عن الاغتيالات والتصفيات لبعض السياسيين المعادين للجماعة، أو لبعض أعضاء التنظيم الذين يثيرون الجدل حوله.
هذا في التأسيس للعنف الديني/السياسي، أما في الانتشار خارج مصر فقد أسّس مكتب الاتصال بالعالم الإسلامي الذي أراد من خلاله فتح فروعٍ للجماعة في كل البلدان العربية والإسلامية وفي أوروبا وأميركا، وهو ما تحوّل لاحقاً إلى واحدٍ من أعتى التنظيمات التابعة للجماعة، وهو «التنظيم الدولي لجماعة الإخوان»، الذي تتبعه فروع الجماعة كافّة، عبر «المراقب العام» للجماعة في كل دولةٍ، الذين يعودون بدورهم لـ«المرشد العام» في مصر عبر «بيعةٍ» دينية ملزمةٍ.
على طول تاريخ الجماعة كانت تحدث فيها انشقاقاتٌ وانقساماتٌ، بحيث تستقل بعض الرموز عن الجماعة بشكل جماعيٍ، وتختط لها طريقاً موازياً، مثل ما جرى في مصر وسوريا وغيرهما، أو أن يعلن بعض الرموز انسحابهم من الجماعة بشكلٍ فرديٍ ومعلنٍ، ويقدّم نقداً حقيقياً نابعاً من تجربة شخصيةٍ، غالباً ما تكون مريرةً.
سبق لجماعة الإخوان المسلمين حلّ نفسها في سوريا في زمن الوحدة مع مصر، ولكنها عادت إلى الوجود مجدداً، وتورّطت في أحداث عنفٍ ضد النظام في سوريا، وتحديداً في مدينة «حماة»، ومجموعة «الطليعة المقاتلة»، وهي الجناح العسكري للجماعة في سوريا التي كان يقودها مروان حديد، والغريب حقاً أن بعض عناصر الجماعة من سوريا، ولمعرفتهم الدقيقة بخطر الجماعة على الدول عبر خطابها وتنظيرات رموزها، وعبر تنظيماتها المحكمة والمتعددة؛ لا تعيش إلا عبر السعي لإسقاط الدول، ولهذا بدأت مطالبة الجماعة في سوريا بأن تحلّ نفسها.
كان أسامة بن لادن عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، ولكنَّه انشق عنها وأسّس تنظيم «القاعدة» مع المصري أيمن الظواهري، ويذكر الظواهري في تسجيل له أن القيادي في جماعة الإخوان المسلمين مصطفى مشهور الذي أصبح مرشداً عاماً للجماعة لاحقاً، وهو عضو في «النظام الخاص»، قد حاول في الثمانينات عند اجتماعه مع أسامة بن لادن بعد توسّع تنظيم «القاعدة» وكثرة أتباعه أن يستميله مرة أخرى لجماعة الإخوان، وفي هذا يقول الظواهري: «بعد معارك جاجي، وبعد أن ارتفع اسم أسامة، جاء مصطفى مشهور مرشد جماعة الإخوان المسلمين إلى بيشاور في زيارة وقابل أسامة بن لادن، وقال له: يا أسامة أنت تركت إخوانك وتعود إلى إخوانك وهم أولى بك، فأسامة اعتذر له بلطف».
نموذجٌ آخر في الأردن، وهو الدكتور ليث شبيلات الذي انشق عن الجماعة، وقدّم على مدى سنواتٍ نقداً حاداً لها ولرموزها. كما انشق آخرون في الأردن مثل الدكتور بسام العموش الذي أصبح وزيراً وسفيراً، ونماذج هذا كثيرةٌ في كثيرٍ من فروع الجماعة في دول العالم.
تأسّس فرع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا على يد الشيخ مصطفى السباعي، وهو المراقب العام الأول للجماعة في سوريا، وجاء بعده عصام العطّار، وعبد الفتاح أبو غدة، وعدنان سعد الدين الذي روى تاريخ الجماعة في سوريا في مجلداتٍ عدة، ومن ثم منير الغضبان، وعلي صدر الدين البيانوني، وغيرهم، ومن هذا الفرع للجماعة انشق أحد أهم رموز الإسلام السياسي، وهو محمد سرور بن نايف زين العابدين، الذي أسّس بعد انشقاقه جماعة «السرورية» التي تُنسب إليه، وانتشرت في السعودية ودول الخليج.
سبق لبعض فروع الجماعة أن حلّت نفسها لعدم وجود مبرر لها، أو لأن دورها أصبحت تقوم به أيادٍ أخرى معروفة، أو لغيرها من الأسباب، ولكن تجربة الجماعة وفروعها تثبت أنهم وإن بقوا طويلاً في الظل إلا أنهم قادرون على العودة بقوةٍ وشد عصب التنظيم وإعادة إحيائه، وستكون العلاقة بين «الجماعة» والدولة الجديدة في سوريا محط نظرٍ ومجال مراقبةٍ وتحليلٍ.
أخيراً، فالرجاء معقودٌ على أن يكون الشعب السوري هو صمام الأمان الأقوى في مستقبل سوريا داخلياً وخارجياً.
الشرق الأوسط
——————————-
الرئاسة السورية تهدد “الإخوان المسلمين”/ بهاء العوام
مستشار الشرع يخير الجماعة بين حل نفسها أو البقاء خارج المشهد السياسي للدولة الجديدة
السبت 23 أغسطس 2025
مستشار الرئيس السوري أحمد الشرع، موفق زيدان، يكتب مقالة في أحد المواقع العربية يهدد فيها جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بالإقصاء إذا لم تحل نفسها، ليس هذا فقط وإنما أعلن أيضاً فشل مشروع الجماعة كتنظيم عابر للحدود وللقارات، وأثار أسئلة كثيرة في شأن رؤية الشرع مستقبل سوريا السياسي.
كاشف مستشار الرئيس أحمد الشرع، موفق زيدان، “الإخوان المسلمين” بحقيقة فشلها كتنظيم دولي عابر للحدود والقارات، كذلك خاطب فرع الجماعة في سوريا بالقول إن أفكارها تجاوزها الزمن بعدما بلغ السن مبتغاه في أعضائها، فباتت طروحاتهم بعيدة من الواقع ولا تخدم المرحلة التي تعيشها الدولة بعد سقوط نظام الأسد.
زيدان يفاخر بأصوله الفكرية الممتدة إلى “الإخوان المسلمين” المصنفة على قوائم الإرهاب في دول عربية عدة وتعمل دول أخرى في بلاد الغرب على سلوك ذات الخطوة قريباً، لكنه يرى أن الجماعة في سوريا بات عليها حل نفسها مثلما فعلت الفصائل التي حاربت في معركة إسقاط النظام السوري السابق قبل أشهر.
بين سطور زيدان ما يبدو تهديداً مبطناً للإخوان المسلمين في سوريا، فلفت إلى أن ثمن رفض الجماعة حل نفسها هو الإقصاء من المشهد، إذ إن “مواكبة العصر وتطوراته وتحديثاته أمر في غاية الأهمية للسياسي العامل في الحيز الاجتماعي، وإلا فإنه يغمس خارج الصحن ويغرد خارج السرب” على حد تعبيره.
في مقالته يعترف زيدان بأنه كان عضواً في “الإخوان المسلمين” بعدما أنكر ذلك مرة خشية من قوائم “الأشخاص الذين يشتبه في قيامهم بنشاطات إرهابية”، حينما ورد اسمه عام 2015 بين سطور وثائق وكالة الأمن القومي الأميركية، واتهم بالانتماء إلى الجماعة وتنظيم “القاعدة” الذي نفذ هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) عام 2001.
وانتماء زيدان للتنظيمين فكراً وقناعة تدلل عليه أيضاً مؤلفاته ومنشوراته الكثيرة في وسائل التواصل، وعندما عين في منصبه الجديد تعالت الأصوات المتسائلة عن غرض الشرع من هذا الاختيار، في وقت تنتقد فيه تقارير حقوقية ودولية مختلفة ما حدث في مدن الساحل والسويداء من جرائم ارتكبها متطرفون.
ظن كثر أن زيدان هو ممثل “الإخوان المسلمين” في السلطة السورية الجديدة، لكن مقالته تبوح بخلافه معها بل بازدرائه لها “إذ يعامل العالم كله الجماعة وكأنها أخطبوط وإمبراطورية عالمية وخلافة إسلامية على امتداد القارات الست، بينما حقيقتها وواقعها يرثى له، فالمساكين متمسكون بقصور خيالية وهمية سرابية”.
إذاً السبيل الوحيد أمام فرع الجماعة في سوريا كي يلتحقوا بالدولة الجديدة، برأي زيدان، هو أن تحل نفسها على غرار ما فعلت أفرع “الإخوان المسلمين” في دول عدة بالمنطقة وتحولت بذلك إلى أحزاب سياسية “ناجحة”، متجاهلاً ما تعانيه اليوم كل الأمثلة التي استدعاها لدعم حجته من إشكالات أمنية واقتصادية وتدني شعبيتها.
يطالب زيدان “الإخوان المسلمين” بالتعامل مع الشرع كما فعلوا مع جمال عبدالناصر إبان الوحدة بين سوريا ومصر، حين حلت الجماعة نفسها تلبية لشرط عبدالناصر بخلو الساحة من الأحزاب السياسية في “الإقليم الشمالي”، على رغم أن عبدالناصر كان شديداً مع فرع الجماعة وقادتها في مصر حينها، كما تقول المقالة.
المقاربة التي استدعاها زيدان تكشف بوضوح أنه يؤيد حكماً شمولياً في سوريا لا يخالف فيه أحد الشرع وحكومته، ويدعي بأن السلطة الجديدة في دمشق تحتكر “الصواب” فلا يجب المزاودة عليها لا سياسياً ولا دينياً، تماماً كما كان الجميع يسلم أمره للرئيس المصري بوصفه القائد صاحب الرؤية الاستراتيجية.
تشبيه الشرع بعبدالناصر بحد ذاته يحمل بعداً ربما لمح إليه زيدان عمداً، ألا وهو الدور الذي يحلم المستشار بأن يؤديه الرئيس السوري في المنطقة، متجاهلاً ما بذلته وتبذله دول عربية عدة في مساعدة الشرع على الاحتفاظ بسلطته والمحافظة على وحدة بلاده منذ وصوله إلى السلطة قبل نحو تسعة أشهر.
أسئلة أخرى أثارها زيدان في مقالته من قبيل، هل هناك خلافات علنية أو مبطنة بين التيارات الإسلاموية التي تبحث عن مكان لها في الدولة الجديدة؟ هل تخطط السلطة الجديدة في دمشق إلى إقصاء من يخالفها في السياسة كما تنصح اليوم “جماعة الإخوان”؟ وقبل هذا وذك هل سيقبل الشرع بالتعددية السياسية أصلاً؟
تشكيل الأحزاب على أساس ديني في سوريا هو بحد ذاته محط قلق وخلاف في سوريا اليوم، وبخاصة بعد الطريقة التي أقر الشرع فيها تشكيل مجلس الشعب الذي يفترض أن يكون بين أعضائه من يمثل أحزاباً وتيارات سياسية في البلاد، بينما قرر الرئيس أن يختار ثلثهم وتنتقي لجنة شكلها هو بنفسه بقية نواب المناطق.
برأي الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية ماهر فرغلي، فإن مستشار الشرع في مقالته يبعث برسائل إلى الدول العربية التي تحظر “الإخوان المسلمين” ولا تفضل أن يكون لها دور في سوريا الجديدة، ومن ثم هو يؤكد التزام دمشق في هذا الأمر، ويغلق الأبواب أمام محاولات التنظيم للعودة بعد سقوط الأسد.
من ناحية أخرى يلفت فرغلي إلى أن مطالبة زيدان جماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا بحل نفسها يؤكد صواب مواقف الحكومات العربية من التنظيم، كذلك فإن مستشار الشرع مقتنع بتوجه تبنته الجماعة في مناطق عدة حول العالم، تخلت فيه عن اسمها وعملت تحت واجهات دعوية واقتصادية وإعلامية وسياسية مجتمعة.
يقبل المستشار الأكاديمي لمعهد السياسة والمجتمع في الأردن، محمد أبو رمان، برأي فرغلي حول الرسائل الخارجية بين سطور مقالة زيدان، ويضيف إليها بعداً سورياً يرتبط أولاً بالعداء التاريخي بين التيار السلفي الذي تمثله “هيئة تحرير الشام” و”الإخوان”، وثانياً بموقف الشرع نفسه من الجماعة كما ذكر في مناسبات سابقة.
و”تحرير الشام” هي جماعة سلفية جهادية قادت الفصائل المسلحة في معركة إسقاط الأسد خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كان يقودها الشرع وكانت مصنفة على قوائم الإرهاب الدولية، قبل أن تحل نفسها وتنضم إلى الجيش السوري الذي أعلنت السلطة الجديدة في دمشق عن تشكيله نهاية يناير (كانون الثاني) عام 2025.
أشار أبو رمان إلى مكانة زيدان في “تحرير الشام” ودوره في تواصلها مع العالم، وهو ما لمح إليه مستشار الرئيس في المقالة حين قال إنه “طالب بفك الارتباط بين “جبهة النصرة” وتنظيم “القاعدة” عام 2015″، منوهاً بأن دعوته لحل “إخوان سوريا” اليوم “يهمس بها كثير من شباب الجماعة في الجلسات الخاصة”.
ويلفت أبو رمان إلى أن دمشق رفضت حتى لحزب “وعد” الإخواني بالعمل داخل سوريا، وهو حزب قال زيدان عنه إنه “ولد ميتاً لأن الجماعة فيه ظلت مشدودة للتاريخ والماضي أكثر من الحاضر والمستقبل”، وهنا يفهم من كلام المستشار هو أن الجماعة لن تعمل في السياسة وعليها أن تبحث عن مجالات أخرى.
—————————–
رسالة النهاية: هل انتهى زمن الإخوان في سوريا؟/ رامي العاشق
24 أغسطس 2025
نشر أحمد موفق زيدان، المستشار الإعلامي الجديد للرئيس السوري أحمد الشرع، مقالًا في الجزيرة نت يدعو فيه جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى حلّ نفسها. هذه الدعوة لا يمكن اعتبارها مجرد اجتهاد شخصي من إعلاميّ إخواني سابق. أن تأتي دعوته بعد أيام من تعيينه رسميًا، ومن على منبر إعلامي قريب من الجماعة نفسها، يجعلها أقرب إلى رسالة سياسية علنية باسم النظام الجديد، أكثر من كونها نقاشًا فكريًا عابرًا.
يقول زيدان: “لقد سبق أن حل تنظيم الإخوان المسلمين في سوريا نفسه حين وضع الرئيس المصري جمال عبد الناصر جملة شروط لوحدته مع سوريا، فكان من ضمنها حل الأحزاب السياسية، فرضخ الإخوان السوريون لهذا الشرط استجابة ومحبة للوحدة وأشواقها، في حين كان عبد الناصر يسحق إخوان مصر، ويعلق على أعواد مشانقه مؤسسي التنظيم الدولي الذي كان يقود فرع إخوان سوريا”. حينها، فضّلت الجماعة الوحدة بين سوريا ومصر على مشروعها السياسي، بحسب زيدان، الذي ينقل عن عصام العطار الذي كان مراقبًا عامًا للجماعة في سوريا. لكن التجربة أثبتت لاحقًا أن حلّ الجماعة لم يحصّنها من القمع، لا في مصر ولا في الوحدة ولا في سوريا.
إلّا أنّ زيدان في مقالته هذه يستعمل لغتين مختلفتين، الأولى ناصحة براغماتية يلفت انتباه الجماعة إلى أمثلة حلّت فيها الجماعة نفسها ونجحت أكثر كتركيا والأردن وتونس والمغرب حين أسست أحزابًا معاصرةً. والثانية لغة الواجب التي فيها نبرة الأمر حين يقول: “وهل دعوة عبد الناصر هي أولى بالإجابة والسمع والطاعة من حاجة الرئيس السوري أحمد الشرع، لتثبيت حكم ثمنه مليون شهيد و14 مليون مشرد؟”. من الصعب اعتبار جملة كهذه زّلة لسان أو سوء تعبير، فيبدو أن رؤية راسخة لديه تقول إن مليون شهيد و14 مليون مشرّد هم ثمن حكم أهل السنة والجماعة في سوريا، أو ثمن حكم الشرع. ولا يخلو هذا التصريح من الاستهتار بأرواح الضحايا السوريين الذين ضحوا من أجل الحريّة من الاستبداد بالدرجة الأولى، وفيه مقايضة واستغلال للألم بطريقة مبتذلة، وكأنّ الجماعة إن لم تحلّ نفسها فهي لا تقدّر مليون شهيد و14 مليون مهجر! بينما الغاية واضحة “تثبيت حكم الشرع” بحسب تصريحه، فيصبح كلامه لومًا أكثر منه نصحًا، واستهجانًا إذ كيف تحلّ الجماعة نفسها من أجل أيديولوجيا يساريّة قوميّة اشتراكيّة ولا تفعل ذلك من أجل أيديولوجيا إسلاميّة منتصرة؟
على طريقة “من نصحك في العلن فقد فضحك”، لم يرسل زيدان دعوته إلى الجماعة، إنما قرر نشرها في العلن، واختار الجزيرة، المنصة الإعلامية الأقرب إلى الإخوان، وهذا ليس تفصيلًا صغيرًا. أن تُنشر الدعوة هناك يعني مواجهة الجماعة في بيتها الإعلامي، وإحراجها أمام جمهورها الطبيعي. من جهة أخرى، تعطي هذه الخطوة مؤشرات على انعدام التواصل بين الشرع والجماعة، الذي قد يقرأ على أنه اختلاف في المنهج، ولكن اختلاف المنهج كان قبل وصول الشرع إلى السلطة، حين كان لا يؤمن بالدساتير. أما اليوم، فلا يمكن رؤية الخلاف إلا من باب الخلاف على السلطة والمشاركة أو التفرّد بها.
ومن المهم التذكّر أن الجماعة كانت مهيمنةً على الخطاب السياسي الثوري خلال 14 عامًا من الثورة السوريّة، منذ تأسيس المجلس الوطني عام 2011 وحتى سقوط النظام. وتظهر الجماعة اليوم بمظهر المنقلَبِ عليه، فقد خرجت من المولد بلا حمّص، ومع أن الشرع قام بمراضاة المجلس الإسلامي حين حلّ نفسه ليعطيه منصب المفتي وقسمًا من مجلس الإفتاء، ولكن جماعة الإخوان ظلّت خارج المعادلة إلى اليوم. فعومل المجلس معاملة القامة الدينية، وعوملت الجماعة كخصم سياسيّ لا مكان له في الدولة الوليدة التي استعملت شعارات كبرى لإلغاء التعددية السياسيّة، وسط عمليّة ممنهجة تمّ فيها اغتيال الحياة السياسيّة منذ استلام الشرع السلطة، فقام بحلّ الأحزاب والكيانات السياسيّة والأجسام المعارضة والثوريّة. واليوم بعد قرابة تسعة أشهر، لا يوجد قانون أحزاب سياسية في سوريا بعد، وقد لا يوجد، فالسلطة الجديدة ترى الشعب عبارة عن أفراد وأعيان -وهذا ما سيكون عليه بناء وتعيين مجلس الشعب- وليس عبارة عن أفراد وجماعات وتيّارات وتوجّهات فكرية وسياسيّة ومدنية واقتصاديّة، وبالتالي، تمّ مسخ الانتماءات والميول الفكرية والسياسيّة إلى مكوّنات وانتماءات طائفيّة ومذهبيّة.
دعوة زيدان تتقاطع كذلك مع سياق إقليمي واسع مناهض للإخوان: ففي مصر حُظرت الجماعة منذ 2013 وتعرضت لواحدة من أقسى الحملات الأمنية في تاريخها. في الأردن 2025 سُحبت شرعيتها القانونية وجُمّدت ممتلكاتها. في الخليج: صنفتها السعودية والإمارات تنظيمًا إرهابيًا منذ 2014. في تركيا وقطر: الحليفان التقليديان خفّضا دعمهما تحت ضغط المصالح والتوازنات الجديدة. حتى حماس، الذراع الفلسطيني للإخوان، وجدت نفسها في مرمى العاصفة. بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، تلقت الحركة ضربات عسكرية غير مسبوقة في غزة، وتعرضت لعزلة دولية، بينما تتعاظم الضغوط العربية لإعادة الملف الفلسطيني إلى منظمة التحرير والسلطة بعيدًا عن الإسلام السياسي.
بالنظر إلى كل ما سبق، لا يمكن رؤية ما يحدث في دمشق بشكل معزول عن المحيط، إنما هو جزء من مسار إقليمي يضيّق الخناق على الجماعة. لقد أنتج الربيع العربي معسكرين متقابلين: معسكر الرياض–أبوظبي–القاهرة: رافض للإسلام السياسي ويرى فيه تهديدًا وجوديًا، معسكر الدوحة–أنقرة: احتضن الإخوان إعلاميًا وسياسيًا. لكن منذ المصالحة الخليجية عام 2021، والتقارب التركي–المصري، رجحت كفة المعسكر الأول. كذلك التحولات الأخيرة في موقف أنقرة من القاهرة، وضغوط واشنطن على الدوحة بعد حرب غزة، كلها تصب في إضعاف أي مظلة إقليمية كانت الجماعة تعتمد عليها. واليوم، بانضمام سوريا الجديدة إلى هذا المسار، يبدو أن مشروع “إقصاء الإسلام السياسي” بات هو القاعدة الإقليمية لا الاستثناء.
ما قاله زيدان ليس مجرد مقالة رأي، بل إشارة إلى لحظة مفصلية تُنهي مرحلة الإخوان في سوريا، وربما في المنطقة كلها. التاريخ يعيد طرح سؤال قديم–جديد: هل سيؤدي غياب الإخوان إلى بناء أنظمة حديثة تعددية فعلًا، أم أننا أمام إعادة إنتاج سيناريو الخمسينيات: رجل واحد، حزب واحد، وصوت واحد؟ أعتقد أننا أقرب إلى الثاني. خاصّة وأنّ المستشار قال: “الكل يهتف لحنًا واحدًا ونغمًا موحدًا، وهو دعم هذه الدولة الوليدة للعبور بسوريا إلى مرحلة استقرار حقيقي وواقع وناجز، لا سيما مع كثرة المتصدين والمتربصين داخليًا وخارجيًا.”
ومع أن زيدان يمهّد في بداية مقالته: “لا أكتب اليوم لأنني غدوت مستشارًا للرئيس السوري، وإنما أكتب لقناعتي التي ترسخت بعد دراسات ونقاشات ومقاربات لأشباه ونظائر في عالم التجربة والممارسة السياسية”. إلّا أنه يوقّع المقال لا بصفته كاتبًا أو محللًا، إنّما بصفته “مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية”، ومن أفضل من المستشار بنقل موقف ورؤية المستشير؟
الترا سوريا
——————————-
=======================
متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟
تحديث 31 آب 2025
——————————
لماذا دعا زيدان لحل جماعة الإخوان؟/ عمر كوش
30 آب 2025
أثارت دعوة أحمد موفق زيدان، المستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد الشرع، جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى حل نفسها، جدلا واسعا بين أوساط من السوريين، وخاصة الإسلاميين، بالنظر إلى توقيت الدعوة، ودلالاتها، والرسائل التي تحملها.
إضافة إلى أنها تلاقي دعوات للحل، تزايدت في الآونة الأخيرة من داخل الجماعة وخارجها. إلى جانب المطالب بضرورة قيامها بمراجعة شاملة للفترة السابقة، الأمر الذي أثار انقسامات داخل صفوفها، وأفضى إلى انسحاب عدد من قيادات الجماعة من التنظيم، وأبرزهم ملهم الدروبي.
التوقيت والحيثيات
الأساس الذي بنيت عليه دعوة الحل هو التضحية بالكيان التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا لصالح مشروع الدولة الجديدة والسياسة التي تنتهجها قيادتها، واعتبار أن تمسك الجماعة بشكلها التنظيمي الحالي يضر بمصالح البلاد، ويعزلها عن الوضع السوري الجديد، حيث إن “إصرار الإخوان على البقاء مغردين خارج السرب، مع تصريحات هنا وهناك تلمح إلى عدم رضاهم عما يجري، يزيد من الشقة والفجوة مع الشارع الداعم للحكومة”.
فضلا عن مسوغات أخرى، تتعلق ببعدها عن المجتمع السوري، نظرا لاضطرار أعضائها إلى الفرار من سوريا منذ ثمانينيات القرن الماضي.
غير أن ثمة أسبابا وحيثيات عديدة تقف وراء دعوة زيدان، أهمها:
أولا: جاءت دعوة زيدان إلى حل الجماعة في توقيت خاص، وذلك بعد أسابيع قليلة من تعيينه في منصبه الاستشاري الرسمي، الأمر الذي يكسبها طابع رسالة سياسية واضحة من السلطة السورية الجديدة إلى الجماعة الإخوانية بألا تعاود العمل داخل سوريا في المرحلة الانتقالية، التي تستلزم وقوف الجميع إلى جانب القيادة الجديدة من أجل تعافي البلاد، وإعادة إعمار ما دمره نظام الأسد البائد.
ثانيا: تلاقي الدعوة مسعى السلطة الجديدة الرامي إلى حل كافة الأحزاب والتشكيلات السياسية والعسكرية، وبما يتسق مع إعلان 18 فصيلا عسكريا حل نفسها، بما فيها هيئة تحرير الشام، في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2024، والانضمام إلى وزارة الدفاع.
إضافة إلى وقف العمل بالدستور، وحل مجلس الشعب، وحل حزب البعث، ثم جرى حل كل من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة والمجلس الإسلامي السوري.
ثالثا: تريد السلطة السورية الجديدة ملاقاة الاحتضان العربي الخليجي لها عبر منع نشاط الجماعة المحظور في عدد من تلك الدول. ويذهب بعضهم إلى اعتبار أن منع تنظيم الإخوان المسلمين من العمل في سوريا، هو أحد شروط بعض الدول الخليجية مقابل احتضانها السلطة الجديدة ودعمها.
رابعا: يمكن اعتبار دعوة الحل بمثابة رد على بيان مجلس الشورى في الجماعة الذي نشر 7 أغسطس/آب الجاري، وأكد فيه أن خيار الحل غير مطروح، وأنها “ستبقى كما عهدها الشعب السوري جماعة سورية وطنية، مستقلة بقرارها، تسير في نهجها الإسلامي الوسطي”، لكنه لم يَتخذ قرارا بالعودة إلى العمل داخل سوريا، وباتت العودة مؤجلة، ولن تحدث في المدى المنظور.
كان بيان مجلس شورى الجماعة قد أكد موقفها الداعم الناصح الأمين، الحريص على إنجاح عملية بناء الدولة المدنية الحديثة بمرجعية إسلامية، وأنها ستبقى دائما تسدد وتقارب، وتتلمس سد الثغرات، إنجاحا للثورة ومبادئها في بناء دولتنا الوليدة.
لكنه اعتبر أن “الاستقرار يسهل نيله بإشراك جميع المكونات السورية بشكل فعال في تنمية وبناء الدولة ضمن برنامج سياسي تعددي، وأن استشعار الأطراف السورية اليوم واطمئنانها أن الدولة- بعد المرحلة الانتقالية- تبنى على أسس تشاركية تمثيلية، وانتخابات نيابية تعددية حرة، عامل هام في تثبيت الاستقرار”.
يمكن اعتبار البيان بمثابة الرد على دعوات بعض الأصوات داخل الجماعة نفسها لحلها أو تغيير الاسم والتنظيم، لكن دعوة زيدان لا تدخل في باب الدعوة الصادرة من البيت الإخواني الذي كان يستظل فيه، حين كان عضوا سابقا فيها، وذلك على الرغم من اعتماده مقاربة عرض فيها تجارب أخرى للإخوان المسلمين ولجماعات إسلامية أخرى قدمت فيها المصالح الوطنية على المصالح الحزبية والتنظيمية، مثلما حدث مع جماعة الإخوان المسلمين نفسها إبان فترة وحدة سوريا مع مصر 1958.
كما حل الإخوان المسلمون أنفسهم في العراق، وكذلك في قطر، وغيروا اسمهم ثم تنظيمهم في المملكة المغربية. إضافة إلى تجارب حسن الترابي في السودان، وراشد الغنوشي في تونس، و”جبهة العمل الإسلامي” في الأردن وسواهم.
غير أن السؤال المطروح هو هل تستجيب جماعة الإخوان المسلمين في سوريا لدعوات حل نفسها؟
مسار الجماعة
يشير تاريخ الجماعة إلى مسار متعرج عرفته منذ نشأتها، وشهد تقلبات، وتحديات، وتحولات عديدة طرأت على مواقفها وأطروحاتها، وطرحت مؤخرا مجموعة من الأسئلة والتساؤلات بخصوص مستقبل الجماعة ومصيرها في المرحلة المقبلة، بعد أن باتت محظورة في معظم الدول العربية.
تمتلك جماعة الإخوان المسلمين في سوريا سجلا حافلا بالأحداث والمنعرجات، التي ميزت مسيرتها منذ أن أسسها مصطفى السباعي 1954، إثر انضمام عدة منظمات خيرية، ذات برامج اجتماعية، ركزت فيها على التعليم والخدمات الصحية في المدن السورية الكبرى.
وحققت نجاحا سياسيا نسبيا، عندما حصلت على بعض المقاعد في البرلمان السوري في الفترة بين 1946 و1958، وقامت بحل نفسها إبان فترة الوحدة السورية المصرية، لكنها عادت إلى الوجود مجددا بعد الانفصال عن مصر، وجرى حظرها من قبل قادة انقلاب حزب البعث، الذين استولوا على السلطة في سوريا 1963.
وبالافتراق عن موقف قيادات الجماعة، قام مروان حديد بقيادة أول تمرد مسلح ضد سلطة البعث القمعية 1976، حين أسس “كتائب محمد”. وفي نهاية سبعينيات القرن الماضي، تشكلت “الطليعة المقاتلة”، التي قادت تمردا على نظام حافظ الأسد الاستبدادي، ورد عليه الأسد بإصدار المرسوم رقم 49 في 1980، الذي يقضي بإعدام أي عضو من جماعة الإخوان المسلمين.
وارتكب نظام الأسد مجازر مروعة في مدينتي حماة وحلب. ثم حاولت الجماعة التفاوض مع النظام بعد توريث الحكم لبشار الأسد، لكن النظام رفض رفع الحظر عنها وأبقى على القانون 49.
قامت جماعة الإخوان المسلمين بمراجعات تكللت بإصدارها “مشروع ميثاق الشرف الوطني للعمل السياسي في سوريا” 2001، أكدت فيه التزامها بالحوار الوطني وبالأدوات السياسية الديمقراطية كوسيلة للعمل، ورفضها أعمال العنف.
ثم أصدرت “المشروع السياسي لسوريا المستقبل” في 2003، قدمت فيه رؤيتها للدولة والمؤسسات، والتحديات الوطنية، وسبل الإصلاح السياسي والاقتصادي.
في 2005 انضمت الجماعة إلى قوى “إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي”، الذي وحد صفوف المعارضة السورية ضد نظام الأسد، لكنها سرعان ما انضمت إلى “جبهة الخلاص الوطني” التي قادها عبدالحليم خدام نائب بشار الأسد بعد انشقاقه 2006، ثم انسحبت منها من أجل جهود تفاوض مع النظام قادها ساسة أتراك في ذلك الوقت.
انتعشت جماعة الإخوان المسلمين بعد اندلاع الثورة السورية منتصف مارس/ آذار 2011، ولعبت دورا هاما في تشكيلات المعارضة السورية، سواء المجلس الوطني السوري، الذي تشكل في بداية أغسطس/آب 2011، أو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة 2012، وهيئة التفاوض السورية.
وساهمت جماعة الإخوان المسلمين في العمل العسكري، حيث أعلنت الجماعة إنشاء مجموعة عسكرية تحت اسم دروع مجلس الثورة أو “هيئة دروع الثورة”، من أجل حماية المدنيين. كما دعمت عددا من الفصائل العسكرية المعارضة.
فتح النوافذ
شكلت الثورة السورية فرصة لجماعة الإخوان المسلمين كي تلعب دورا كبيرا في صفوف المعارضة السياسية والعسكرية، لكنها بقيت أسيرة الخلافات والتجاذبات مع قوة المعارضة الأخرى، فأصاب تشكيلات المعارضة الشلل لاعتبارات كثيرة.
لذلك لم تتمكن من تحقيق الشعارات التي كانت ترفعها، وفوجئت بالتغير الدراماتيكي والتقدم السريع الذي أحرزته فصائل “ردع العدوان” بقيادة “هيئة تحرير الشام”، وأفضى إلى إسقاط نظام الأسد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
ليس هناك أي مؤشر على أن جماعة الإخوان المسلمين ستحل نفسها في المدى المنظور، وذلك على الرغم من ضعف ارتباطها بالداخل السوري، ومن سعي السلطة الجديدة للسيطرة على مفاصل الحكم، بعيدا عن الأحزاب والقوى السياسية.
وإن كان الائتلاف الوطني لقوى الثورة ومخرجاته قد حل نفسه، فذلك لأنه تشكل في ظروف معينة، ومن أجل غاية انتهت بسقوط نظام الأسد، والأمر نفسه ينسحب على المجلس الإسلامي السوري، لكنه يختلف في حالة الأحزاب السياسية، كون معظمها تشكل قبل نظام الأسد، وهي عميقة الجذور في المجتمع السوري، لذا فإن حلها يعني حرمان السوريين من نافذة هامة في التنظيم والتعبير.
ولعل المطلوب بعد إسقاط نظام الأسد فتح مزيد من النوافذ أمام جميع السوريين، وعدم تركهم يقبعون خلف أبواب الطوائف المنغلقة على نفسها.
تجادل السلطة الجديدة بأن المرحلة الانتقالية تتطلب الانسجام في القيادة ووحدة الصف، لذلك تعمل على حل التشكيلات العسكرية، وتريد حل الأحزاب السياسية.
وإن كان ما تجادل به يمتلك وجاهة على الصعيد العسكري، لما يقتضي من توحيد السلاح وحصره بيد الدولة، ومنع استمرار ظاهرة انفلاته، تماشيا مع حق الدولة باحتكار وسائل العنف، إلا أنه على الصعيد السياسي يختلف كثيرا، حيث لا يوجد ما يمنع انخراط السوريين في الحياة السياسية وفق قانون أحزاب جديد.
حيث من المفترض أن تصون الدولة الحقوق السياسية، تلك التي تمنح المواطنين القدرة على المشاركة في الحياة السياسية والمدنية للمجتمع والدولة، دون إكراه أو خوف أو تمييز، وتضمن حقهم في التصويت الانتخابي والانضمام إلى الأحزاب السياسية.
تسهم الحياة السياسية في تمتين وحدة البلاد، وتشجع الناس على التعبير عن مطامحهم وتطلعاتهم، والأهم هو ضمانها مشاركتهم في بناء مستقبل بلادهم، خاصة أن العمل السياسي سلمي الطابع، تعتمد فيه الأحزاب والتيارات السياسية على طرح برامجها ورؤيتها التي تحاول الاقتراب من مصالح وهموم الناس، ويرتقي عملها السياسي بالانتماء الفردي إلى المستوى المدني، متجاوزا مختلف الانتماءات ما قبل المدنية.
من حق السوريين تشكيل الأحزاب للتعبير عن آرائهم السياسية، وينبغي عدم النظر إليهم بوصفهم كائنات مناطقية أو إثنية، أو طائفية، بل كائنات سياسية أيضا.
ولعله من واجب الدولة ضمان كافة أشكال التعبير عن الرأي، وتنظيم الحياة السياسية والحريات العامة وفق القانون، وذلك كي تتحقق مقولة إن سوريا دولة القانون، حسبما قال الرئيس الشرع نفسه في أكثر من مناسبة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب وباحث سوري
الجزيرة
——————————-
حلّ “الإخوان المسلمين”: خطوة طائفية/ عمر قدور
السبت 2025/08/30
يجوز القول إن الودّ مفقود بين جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ورئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وآخر تعبير عن ذلك أتى على لسان الشرع نفسه، إذ صرّح أثناء استقباله إعلاميين عرباً، قبل خمسة أيام، بأنه ليس امتداداً لأي من الأحزاب والحركات الإسلامية، سواء الجهادية أو الإخوان. التنصّل من إرث الحركات الجهادية يمكن فهمه لما تثيره الجهادية من تخوّفات خارجية متصلة بماضيه الشخصي، أما التنصّل من الإخوان فهو إشارة نافلة لأنه غير متهم يوماً بكونه إخوانيَّ التنظيم أو الهوى.
الإشارة إلى الإخوان المسلمين تكتسب مغزى إضافياً لمجيئها بعد مقال لمستشار الشرع، أحمد موفق زيدان، نشره في موقع “الجزيرة” بتاريخ 22/8/2025، تحت عنوان: “متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟”. ورغم تنويه زيدان بأنه لا يكتب مقاله ربطاً بمنصبه كمستشار، لكن التنويه لم يؤخذ به على نطاق واسع، فالقناعة الشائعة التي لا تجانب الصواب أنه كان بوسعه تحاشي الالتباس مع موقعه (لو شاء ذلك) بعدم نشر المقال أصلاً.
في تبرير دعوته إلى حل التنظيم يكتب زيدان: “منذ بداية الانتصار الذي ربما لم يمر على السوريين نصر وفتح مثله في تاريخهم، سارعت كل الأجسام السورية من الائتلاف الوطني السوري لقوى المعارضة، والمجلس الإسلامي السوري، إلى الفصائل العسكرية والسياسية والمجالس المحلية، وغيرها إلى حل أنفسها، ووضع مقدراتها، تحت تصرف القيادة السورية الجديدة”. وواضحٌ جداً أنه يخلط بين حل الفصائل العسكرية، الذي على أساسه استلم الشرع منصبه كرئيس لمرحلة انتقالية، وبين حلّ تنظيمات سياسية أو دينية، المجلس الإسلامي السوري تحديداً. ورغم عدم صدور إعلانات رسمية فالمتداول بين السوريين أن حلّ التنظيمات (غير العسكرية) تم بإيعاز من السلطة، ومن ذلك حل الائتلاف الوطني الذي قيل آنذاك إن الشرع قبِل استقبال أشخاص منه، ورفض استقبال وفد يمثّل التنظيم.
ولم تفت زيدان في هذا المقام العودة إلى مثال قديم، إذ سبق للإخوان أن أعلنوا عن حلّ التنظيم استجابة لشرط جمال عبدالناصر كي يقبل الوحدة مع سوريا. ليسأل زيدان: “هل تلك المرحلة التاريخية أوجب من هذه المرحلة التي تمر بها سوريا اليوم، وهل دعوة عبدالناصر هي أولى بالإجابة والسمع والطاعة من حاجة الرئيس السوري أحمد الشرع؟”. وقبل ذلك يعاتب الإخوان، من وراء ستار القول بزيادة الفجوة بينهم وبين الشارع: “لعل إصرار الإخوان على البقاء مغردين خارج السرب، مع تصريحات هنا وهناك تُلمح إلى عدم رضاهم عما يجري، يزيد من الشُقة والفجوة مع الشارع الداعم للحكومة، هذه الحكومة التي قامت بعمل تاريخي تمثل في اقتلاع عصابة عمرها ستون عاما، مدعومة من قوى إقليمية ودولية”.
لقيت دعوة زيدان أصواتاً مؤيّدة لها، بينما لم تصدر اعتراضات تُذكر، ما يؤكّد على أن الفجوة بين الإخوان والشارع قائمة حقاً. وبعض المؤيّدين اعتمد في تأييده حل التنظيم على ما ذكره زيدان نفسه لجهة تغيّر الزمن من دون مواكبة إخوانية، لكن من المفترض أن تلفت الأنظار الدعوة إلى حل التنظيم، بدل الدعوة إلى تحديثه ليكون مواكباً العصر، وليكن مثلاً على غرار التحولات التي مرّ بها الإسلام السياسي التركي، والتي تُوِّجت بتجربة حزب العدالة الحاكم. في الحد الأدنى، يُفترض ألا يكون مقبولاً استخدام مفردات مثل “السمع والطاعة” في المجال السياسي.
ربما يكون الغضب أحد الدوافع وراء دعوة زيدان، فقد سبق للإخوان إصدار بيان عن مجلس شورى الجماعة، نُشر بتاريخ السابع من هذا الشهر. كانت لهجة البيان ودّية ومرحِّبة إجمالاً بالحكم الجديد، وقد أكّد على “أن موقف الجماعة من العهد الجديد هو موقف الداعم الناصح الأمين، الحريص على إنجاح عملية بناء الدولة المدنية الحديثة بمرجعية إسلامية، وأن الجماعة ستبقى دائماً تسدّد وتقارب، وتتلمس سدَّ الثغرات، إنجاحاً للثورة ومبادئها في بناء دولتنا الوليدة”. إلا أنه أفرد مساحة وازنة من النص للحديث عن العيش المشترك والتشارك و”أن الاستقرار يسهلُ نوالُه بإشراك جميع المكونات السوريّة بشكل فعّال في تنمية وبناء الدولة ضمن برنامج سياسي تعددي، وأنّ استشعار الأطراف السوريّة اليوم واطمئنانها أنّ الدولة – بعد المرحلة الانتقاليّة – تُبنى على أسُسٍ تشاركيّة تمثيليّة، وانتخابات نيابيّة تعدديّة حرّة، عاملٌ هامٌ في تثبيت الاستقرار”.
من السهل قراءة ما بين السطور في بيان الإخوان، فاتخاذ “موقف الداعم الناصح الأمين” اقترن بالتلميح إلى ملف السلم الأهلي وإشراك جميع المكونات ضمن برنامج سياسي تعددي، ولا يحفى أن تعاطي السلطة بعيد عن هذه المبادئ، والمطالبة بحلّ جماعة الإخوان آتية ضمن سياق يرفض التعدد، ولا يؤدي إلى انتخابات تعددية حرة في نهاية المرحلة الانتقالية. وحتى استشهاد زيدان بحل الأحزاب بناء على طلب عبدالناصر يصبّ في المغزى نفسه، ويصدر عن شخص له تجربة إخوانية يُفترض أن تجعله على الضد من عبدالناصر وتجربته في قمع الأحزاب.
في المطالبة بحلّ الإخوان ثمة ما هو عام وما هو أضيق؛ ثمة ما يخص تعاطي الحكم مع سوريا ككل، وما يخص (البيت السنّي). في العموم، كان واضحاً أن السلطة لا تريد أي شكل من أشكال التنظيم السياسي، ولو بُرِّر ذلك من بعض أنصارها بعدم وجود قانون أحزاب حتى الآن. التجربة المدنية الأبرز بعد إسقاط الأسد كانت في مصياف، بانتخاب مجلس محلي أهلي، إلا أنه صدر الإيعاز بحلّ المجلس، وتزامن حلّه مع إيعاز مماثل بحل المجلس الإسلامي السوري.
وقد يكون مستغرباً للوهلة الأولى أن تعمد سلطة آتية من خلفية إسلامية إلى حل مجلس إسلامي، ثم مطالبة مستشار الرئاسة فيها بحل تنظيم الإخوان المسلمين الذي كان محظوراً أيام الأسد، بل يُعاقَب بالإعدام على الانتساب إليه بموجب قانون خاص! لكن الاستغراب يزول مع الانتباه إلى سعي السلطة إلى احتكار تمثيل السنّة، وهو ما لن يكون متاحاً لها مع وجود التنظيم الإسلامي الأكثر عراقة، سوريّاً ودولياً. أي أن حلّ المجلس الإسلامي والسعي إلى حل جماعة الإخوان بمثابة خطوات في اتجاه احتكار التمثيل السنّي، ما يفرغ الأكثرية المذهبية من تعددها وتنوّعها بوضعها تحت جناح السلطة الحالية.
ولا يخفى دأب أنصار السلطة على التذكير بأنها تمثّل الأكثرية المذهبية في البلد، ما يقتضي ضمناً تحويل الأكثرية إلى طائفة، واحتكار تمثيلها بالمطلق من قبل السلطة الحالية. والمفارقة تبرز في أن المطالبة بحلّ التنظيم الذي لطالما اتهمه الخصوم بالطائفية هي من منطلق أشدّ طائفية من الاتهامات، فهي ليست مثلاً على قاعدة مطالبة الإخوان بالتحوّل إلى حزب مرن عابر للطوائف، بموجب قانون للأحزاب ينصّ على منع الأحزاب الطائفية.
إفراغ الأكثرية المذهبية من التعدد يتلاقى مع نزوع السلطة إلى منع الانتظام المدني والسياسي على مستوى البلد، والتعاطي فقط مع المرجعيات الدينية للأديان والطوائف. وقد ذكرنا تجربة المجلس الأهلي في مصياف التي ربما كانت حفّزت على مبادرات مماثلة، فيما لو قُيّض لها الاستمرار. هذا النهج ينسجم مثلاً مع عزل القيادات السابقة للنقابات، وهو إجراء مطلوب لارتباطها بسلطة الأسد، إلا أن تعيين البدائل لم يقترن بتحديد سقف زمني لإجراء انتخابات نقابية حرة، بل إن فكرة الانتخابات من أساسها غير مطروحة.
يُفترض نظرياً أن السلطة الحالية هي سلطة انتقالية، وقد فُهِم المضمون الانتقالي، على نطاق واسع بدايةً، بأنه انتقال من عهد الاستبداد إلى حكم تداولي، بل إن تسمية المرحلة بالانتقالية لا تنطوي على أي معنى آخر معتبر سياسياً. ضمن هذا الفهم يُفترض بالسلطة ألا تمنع تشكيل التنظيمات، لأن الأخيرة هي التي ستدشّن المرحلة اللاحقة، وحتى إذا سعت السلطة إلى الاحتكار يُفترض ألا يؤيدها في مسعاها أولئك الذين دفعوا غالياً زمن احتكار السلطة.
يبقى أن نقد تجربة الإخوان مستحق ومطلوب لأسباب لا تتعلق بمطالبتهم الحالية بحل التنظيم، فسوريا تحتاج وجود تجارب حزبية إلى جانب النقد الذي يدفعها إلى التطور والتغيير، لا ذاك النقد الذي يطالبها بالانتحار.
المدن
————————–
الرد على زيدان في مسألة حل الإخوان/ ياسر سعد الدين
28 آب 2025
قرأت مقالة الأخ الصديق الدكتور أحمد موفق زيدان والمعنونة: “متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟”، فتعجبت منها وعجبت: توقيتا وسياقا ومنطقا ومنطلقا.
يمهد الكاتب لمقالته بمقاربة عاطفية عن علاقته بالإخوان المسلمين وذكرياته الجميلة فيها، ليكتب: “حتى أكرمني الله وإخواني بسحق عصابة الأسدين يوم الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي، مما خلص العالم كله من شرورهم وآثامهم”.
اختزال الصراع مع نظام الأسد الممتد لعقود طويلة بعملية عسكرية في ظروف إقليمية ودولية مواتية فيه شيء من الإجحاف، واحتكار الإنجاز في فئة معينة “أكرمني الله وإخواني”، وهو ما يبدو في سياق عام تكرر كثيرا في سوريا، خصوصا في الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد، بترديد شعار: “من يحرر يقرر”.
يقول الكاتب: إن ما دفعه لكتابة مقاله قناعات ترسخت بعد دراسات ونقاشات ومقاربات لأشباه ونظائر في عالم التجربة والممارسة السياسية.
السؤال هنا للكاتب، ما هي المناهج التي اعتمدها في تلك الدراسات والمقاربات؟ مع الإشارة إلى أن في مقالته تعسفا في ضرب الأمثلة، وتجاوزا على حقائق معروفة.
يقول زيدان: إنه ” منذ بداية الانتصار الذي ربما لم يمر على السوريين نصر وفتح مثله في تاريخهم، سارعت كل الأجسام السورية من الائتلاف الوطني السوري لقوى المعارضة، والمجلس الإسلامي السوري، إلى الفصائل العسكرية والسياسية والمجالس المحلية، وغيرها إلى حل أنفسها، ووضع مقدراتها، تحت تصرف القيادة السورية الجديدة”.
ومع شديد الأسف، فإن هذه المعلومات تعوزها الدقة، فلقد تعرض الائتلاف لضغوط معروفة ليحل نفسه، وينطبق الأمر نفسه على المجلس الإسلامي السوري وعلى غيرهما. كما صرح الشرع بعد أيام من سقوط الأسد بأن أجسام المعارضة ليس لها داعٍ بعد الانتصار، وبالتالي فعليها أن تحل نفسها.
يتحدث زيدان بلغة عاطفية بعيدة عن الواقع: “فكان الكل يهتف لحنا واحدا ونغما موحدا وهو دعم هذه الدولة الوليدة للعبور بسوريا إلى مرحلة استقرار حقيقي وواقعي وناجز، لا سيما مع كثرة المتصدين والمتربصين داخليا وخارجيا”.
هل هذا هو تصور ورؤية المستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية عن الدولة الحديثة والحداثة والتطور والتي يطلب من الجماعة مواكبتها؟ أليس الاختلاف هو سنة الحياة وسبيل النقاش والمقاربات المختلفة، وهو سمت الدولة الحديثة الديمقراطية والناجحة؟
اللحن الواحد والنغم الواحد من السمات الخشبية للدول الشمولية والاستبدادية والشيوعية، ولعلك تجده في كوريا الشمالية على سبيل المثال.
كيف ولماذا يعتبر الكاتب حل التنظيم سيخدم البلد، والذي هو رأسمالنا جميعا، ومقصدنا كلنا، بحسب مصطلحاته العاطفية؟، ولماذا لا يعتبر أن وجود تنظيم دعوي لا يؤمن بالعنف، بل وسارع لدعم الحكم الجديد، سبيلٌ فعال ووسيلة ناجزة لمواجهة الأفكار التكفيرية والمتطرفة، ولنشر المعرفة والثقافة الإسلامية الوسطية والمعتدلة؟
يقول الكاتب: ” يعلم الجميع أن أصغر واحد من الإخوان المسلمين، ربما يكون عمره في بداية الستينيات، باستثناء أبنائهم ربما. فالفجوة العُمرية التي يعانونها اليوم تعود بالتأكيد، إلى حرمانهم من العمل السياسي في سوريا، طوال تلك الفترة؛ نتيجة الغياب القسري الذي مُورس بحقهم. وقد تسبب إصرارهم على التمسك بقرار عدم حل الجماعة في حرمان شبابهم من المشاركة في بناء الدولة، ما دام المحيط الأقرب والأبعد على خلاف معهم، ومتحفظا أو متوجسا منهم، فضلا عن الاقتراب منهم، وهو ما يُفقد الدولة السورية الجديدة خبرات ومهارات”.
هنا يناقض الكاتب نفسه، بل ويكتب ما يمكن أن يستخدمه ناقدو الحكم الجديد ذخيرة لاتهامه بأنه حكم ذو نزعة استبدادية، وأنه يسعى لإقصاء مكونات الشعب السوري المختلفة وتهميشها.
فالكاتب يتحدث عن شيخوخة أبناء التنظيم، ثم يتحدث عن مهارات شبابهم والذين قد يحرمون من المشاركة لانتمائهم للإخوان بحسب رأيه.
الكاتب الحريص على المهارات الموجودة في صفوف الإخوان، يمتدح الإخوان من غير قصد بوصفهم يمتلكون المهارات، ويصف الحكم بشكل غير مباشر بأنه إقصائي يقصي المهارات لمجرد انتماءاتها الفكرية السلمية والتي لا تواجه الدولة ولا تنافسها. ثم من أين وكيف علم الكاتب إصرار الإخوان وتمسكهم بقرار عدم حل الجماعة؟ هل أجرى استفتاء في هذا الشأن؟
يتحدث زيدان عن غياب الإخوان المسلمين عن سوريا لفترة طويلة ممتدة لحوالي نصف قرن، والتي برأيه أضرت كثيرا بالتنظيم. بالرغم من أن هناك من قد يخالفه فيعتبر أن هجرة الإخوان وتوزعهم في أرجاء المعمورة أكسبهم خبرات وقدرات. ثم هل المطلوب منا الآن أن نحقق أمنية حافظ الأسد في إقصاء الإخوان وحل تنظيمهم؟!
كان الإخوان المسلمون أول من تصدى لحافظ الأسد ولطائفيته ودفعوا ثمنا غاليا؛ دفاعا عن سوريا وشعبها وعقيدتها من نحو نصف قرن، ولو تحرك الآخرون وقتها لتم إنقاذ الملايين من الضحايا ولتجنبنا الدمار والأثمان الباهظة التي تحملتها سوريا إنسانا وبنيانا في السنوات الماضية.
تعرض الإخوان لحملات إبادة وتمت تصفية خيرة شبابهم في تدمر، وفي غيرها، وسنّ حافظ الأسد قانون 49 عام 1980، والذي يقضي بإعدام كل منتسب للجماعة.
فهل بعد أن تحقق الانتصار وتحررت سوريا من حكم الأسد، علينا أن نكمل مهمة الأسد ونحقق أمنيته في إقصاء الإخوان عوض مكافأتهم وتقدير دورهم ونقل تجاربهم للأجيال.
لقد تحدث الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن أهل بدر وعن سابقتهم، فعوض أن نشكر جيلا تصدى للأسد، نجعل من جهادهم ومواجهتهم بطش الطاغية، نقيصة ومؤشرا على الجمود من غير أدلة منطقية أو دراسة علمية، بل فقط عبارات رنانة وشعارات طنانة.
يكتب المستشار الإعلامي عن “إصرار الإخوان على البقاء مغردين خارج السرب، مع تصريحات هنا وهناك تُلمح إلى عدم رضاهم عما يجري، يزيد من الشُقة والفجوة مع الشارع الداعم للحكومة”.
فهل له أن يعرفنا ما هو هذا السرب؟ وهل يجب الانسلاخ عن الفكر والماضي للدخول فيه؟ وهل أصبح التلميح بعدم الرضا عن أمر ما ناهيك عن التصريح به، جرما وخطيئة؟ وهل من أدلة على ذلك؟ وما هي سوريا التي يراها المستشار العزيز، لونا واحدا وسربا واحدا وأفواها مكممة وأكفا مصفقة؟ أين الحريات والمشاركة في الحياة السياسية وحق التعبير؟!
ويبحر الكاتب في التاريخ فيتحدث عن حل التنظيم نفسه أيام الوحدة مع مصر؛ حرصا على الوحدة رغم ما نزل بالتنظيم من بلاء وابتلاء على يد جمال عبدالناصر، ليقول: “والسؤال الآن: هل تلك المرحلة التاريخية أوجب من هذه المرحلة التي تمر بها سوريا اليوم، وهل دعوة عبدالناصر هي أولى بالإجابة والسمع والطاعة من حاجة الرئيس السوري أحمد الشرع، لتثبيت حكم ثمنه مليون شهيد و14 مليون مشرد، وهو يعيش ظروفا داخلية وإقليمية ودولية استثنائية، ومن الذي أولى بتثبيت الحكم، أبناء سوريا وتنظيماتها، أم دول إقليمية ودولية هبت لدعم الدولة الوليدة؟!”.
مقارنة عجيبة، ما هي حاجة الرئيس أحمد الشرع من غياب الإخوان في سوريا؟ وكيف سيؤدي ذلك لتثبيت الحكم؟ وهل المستشار مقتنع بأن دولا إقليمية ودولية هبت فعلا لدعم الدولة الوليدة لوجه الله؟ ثم هل إذا حل الإخوان أنفسهم فستنحل مشكلة قسد والدروز والساحل مثلا؟ وستصل الكهرباء إلى كل بيت وحارة في سوريا؟ مع التقدير فإن في الأمر تسطيحا مخلا، ومنطقا غائبا ومغيبا.
إن سوريا تحتاج – يا سعادة المستشار- إلى جميع القوى الإسلامية والوطنية لتشارك في بناء سوريا من خلال حرية العمل السياسي وتشكيل الأحزاب والجماعات وممارسة حرية التعبير والانتقاد.
إن ما يحصل في سوريا من إخفاقات إنما هو -بتقديري- لتصحر العمل السياسي ولتركيز جميع السلطات من غير وجود آلية للمساءلة ولا للمحاسبة. الأمثلة على التخبط الاقتصادي والسياسي وغياب الشفافية عديدة ولا مجال لتعدادها في هذا السياق.
ما الذي يضير- يا سعادة المستشار الإعلامي- وما الذي يشغل بالكم ويدفعكم لكتابة المقالة، وجود جماعة ديناصورية أبناؤها ممن تجاوزوا الستينيات بحسب توصيفك؟؟ هل هذه أولوياتكم في سوريا والتي تعاني تحديات وجودية؟
كنت أتوقع منكم وأنتم من قضى عمره في الإعلام، التشديد على حرية الإعلام والنقد، وإطلاق ميثاق تشكيل الجماعات والأحزاب السياسية، والعمل على تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد، والتأكيد على العدالة الانتقالية ومحاكمات القتلة والمجرمين في محاكم علنية.
يختم الكاتب مقالته: “أما رفع الشعارات الكبيرة، لتدفع ثمنها وديتها بشكل يفوق القدرات والإمكانات وحتى المستطاعات، فهذا ليس من المنطق في شيء، وهو تماما ما يفعله الإخوان، إذ يعاملهم العالم كله وكأنهم أخطبوط وإمبراطورية عالمية، وخلافة إسلامية على امتداد القارات الست، بينما حقيقتهم وواقعهم يُرثى له، فالمساكين متمسكون بقصور خيالية وهمية سرابية”.
ما هذه الشعارات الكبيرة التي يرفعها تنظيم الإخوان السوريين؟ وهل العالم الذي يعاملهم كإمبراطورية يجهل حقيقتهم وهو يملك قدرات خيالية في الرصد والتقصي والتجسس؟ وإذا كان يدري حالهم ثم يعاملهم كما تقول تجاهلا منه، فلماذا؟ وهل علينا أن نكون أسرى تقييم العالم ونظرته وموازينه المعتلة والمختلة؟
وإذا اعتبر العالم أو جزء منه أن المقاومة والدفاع عن الأرض والعرض إرهاب، وأن من حق الاحتلال أن يبيد وأن يدمر، فهل علينا أن نصغي له ونتبع تعليماته وتوجيهاته الفكرية ومحاولات هيمنته المعنوية؟
إذا كان الحكم في سوريا غير قادر على استيعاب جماعة إسلامية سلمية أيدته ودعمته ولم تطلب لنفسها شيئا وطاوعه مشايخهم فحلوا مجلسهم، فكيف يمكنه استيعاب التيارات الأخرى والأحزاب والطوائف والعرقيات؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب وباحث ومحاضر سياسي
الجزيرة
———————–
ما وراء الدعوة لحل “الإخوان المسلمين” في سوريا
طالب المستشار الإعلامي للرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، أحمد موفق زيدان، جماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا بحلّ نفسها، معللًا ذلك بأنه “سيخدم البلد ويدفع أبناءه للانخراط في العمل الحكومي لتستفيد منه الدولة”.
مطالب زيدان، المتعلقة بحل التنظيم الإسلامي، جاءت في مقال رأي على موقع “الجزيرة” القطري، نشر في 22 من آب الحالي، مؤكدًا أنها نابعة من قناعته الشخصية، وليست من موقعه الوظيفي، مستشارًا للرئيس السوري.
دعوة مستشار الرئيس ترسخت، بحسب قوله، “بعد دراسات ونقاشات ومقاربات لأشباه ونظائر في عالم التجربة والممارسة السياسية”.
واعتبر أن مواكبة العصر وتطوراته وتحديثاته أمر في “غاية الأهمية للسياسي العامل في الحيز الاجتماعي”، وبغير ذلك “يغمس خارج الصحن، ويغرد خارج السرب”، وفق تعبيره.
زيدان، لفت إلى أنه انتمى إلى الجماعة في فترة شبابه، و يعتنق فكر المراقب العام الأسبق لـ“الإخوان المسلمين” في سوريا، عصام العطار والذي انشق عنها لاحقًا، مشيرًا في الوقت ذاته، إلى أن الجماعة ما زالت متمسكة بتنظيمها وحزبها وتسعى إلى الاستمرار فيهما.
ودعا المستشار الجماعة إلى أن تحذو طريق بعض الأجسام السياسية والمجتمعية، التي حلّت نفسها بعد سقوط النظام السوري السابق، مثل “الائتلاف الوطني لقوى الثورة” و”المجلس الإسلامي السوري”، إضافة إلى الفصائل العسكرية والمجالس المحلية.
ردود غير رسمية
لم تعلق جماعة “الإخوان المسلمين” على مقال زيدان عبر موقعها أو معرفاتها الرسمية، بينما جاءت ردود من قيادات سابقة أو شخصيات مقربة، بشكل مباشر أو غير مباشر.
عضو المكتب السياسي في جماعة “الإخوان المسلمين” سمير أبو اللبن، قال لعنب بلدي، إن مقال المستشار الإعلامي، زيدان، الذي توجه به بنصيحته للجماعة بحل نفسها، صاغه بصفته الشخصية وليس الرسمية.
وأضاف أن الجماعة لا تتجاوب عادة مع مثل هذه الكتابات الشخصية عبر وسائل الإعلام، وتتخذ موقفها الرسمي حينما تكون الكتابات رسمية.
غياب الرد الرسمي للجماعة قابلته مقالات رأي، إحداها للقيادي السابق في “الإخوان المسلمين” زهير سالم، نشر على موقع التنظيم الرسمي، في 24 من آب، تحت عنوان “عن الإخوان المسلمين وليس باسمهم”.
سالم تحدث على لسان الإخوان قائلًا، “لسنا حزبًا سياسيًا، ولا نقبل أن نكون، ولقد ظلم من حاصرنا تحت هذا العنوان”، إذ تعتبر الجماعة نفسها أشمل من الأحزاب السياسية وتعرّف بأنها “حركة مجتمع”.
العبارة التي افتتح بها سالم مقالته، هي نفسها التي تستخدمها الجماعة في التعبير عن نفسها، إذ تقول إن “(الإخوان المسلمين) في سوريا ليسوا حزبًا سياسيًا عابرًا يضمّ أطرًا تنظيمية ضيقة، بل هم يمثّلون تيارًا واسعًا في الشعب السوري”.
وأوضح القيادي السابق، أن “الإخوان المسلمين” هي جماعة لها طابع ديني دعوي، قامت على أساس الدعوة إلى الإسلام، مؤكدًا، “لسنا (الإخوان) حزبًا سياسيًا ولن نكون، وإن تكن السياسة من صميم ديننا”.
وجاء المقال الثاني على منصة “الجزيرة” للكاتب والمحلل السياسي، المقرب من الجماعة، ياسر سعد الدين، في 28 من آب، والذي ردّ فيه على مقال زيدان بشكل مباشر.
وقال سعد الدين، إن “زيدان يكتب ما يمكن أن يستخدمه ناقدو الحكم الجديد ذخيرة لاتهامه بأنه حكم ذو نزعة استبدادية، وأنه يسعى لإقصاء مكونات الشعب السوري المختلفة وتهميشها”.
وأضاف أن سوريا تحتاج إلى جميع القوى الإسلامية والوطنية لتشارك في بناء سوريا من خلال حرية العمل السياسي وتشكيل الأحزاب والجماعات وممارسة حرية التعبير والانتقاد.
واعتبر أن ما يحصل في سوريا من “إخفاقات” يعود لـ”تصحر العمل السياسي ولتركيز جميع السلطات من غير وجود آلية للمساءلة ولا للمحاسبة”.
وتساءل، “إذا كان الحكم في سوريا غير قادر على استيعاب جماعة إسلامية سلمية أيدته ودعمته ولم تطلب لنفسها شيئًا وطاوعه مشايخهم فحلوا مجلسهم (يشير إلى المجلس الإسلامي السوري)، فكيف يمكنه استيعاب التيارات الأخرى والأحزاب والطوائف والعرقيات”.
الحل أفضل الخيارات
المستشار الإعلامي، زيدان، قال إن “تنظيمًا بأدوات تفكير قديمة لا يمكن أن يشق طريقه في عالم السياسة والدعوة، خصوصًا أنه غدا يسبح في مواجهة بيئة إقليمية ودولية متخمة بالعواصف والقواصف التي تريد اقتلاعه”، بحسب تعبيره.
وأشار زيدان إلى أن فروعًا لـ”الإخوان”، في بلدان عربية أخرى، حلّت نفسها وبعضها تحول إلى أحزاب أو كيانات خاضت في السياسة، ومنها أصبح على سدة الحكومة، مثل المغرب العربي، في إشارة إلى حزب “العدالة والتنمية” المغربي.
واعتبر أن التجارب “الإخوانية” التي حلّت نفسها في هذه الدول، ومارست العمل السياسي والدعوي بتسميات جديدة كانت أفضل حالًا ممن أصر على التمسك بما وصفه بـ”السياسة الديناصورية”، المحكوم عليها بنظر بعض الجيولوجيين بالاندثار.
الأكاديمي والباحث في الجماعات الإسلامية عبد الرحمن الحاج، يعتقد أن التنظيم متردد، ويميل للبقاء والاستمرار وعدم الحل في الظروف الحالية.
ويتوقع الحاج أن هناك اعتقادًا سائدًا بأن طلب حل “الإخوان” هو طلب إقليمي تقوده دول كانت مهندسة للثورات المضادة، لذلك تتشبث قيادة “الإخوان” ببقاء التنظيم.
ويرى في حديثه إلى عنب بلدي، أن هذا أمر مرحلي، وفي المدى البعيد فإن التنظيم سيجد أن أفضل خياراته هي حل نفسه.
وقال إن التنظيم إذا ما أراد الاستفادة من المرحلة الانتقالية في سوريا وما بعدها فإنه أمام خيارهم الوحيد هو الحل.
محاولة لإيجاد مخرج؟
عبد الرحمن الحاج، قال إن دعوة مستشار الرئيس تأتي في سياق تحولات المنطقة والنظر إلى وضع التنظيم والمأزق الإقليمي الذي وقع فيه منذ عام 2013.
وبحسب الباحث، يمكن فهم دعوة زيدان على أنها محاولة إيجاد مخرج للاستفادة من الإمكانات التي يتمتع بها كوادر التنظيم في بناء الدولة، كما يمكن فهمها على أنها جزء من الترتيبات التي تسعى لها الحكومة السورية إقليميًا وتصفير المشكلات.
من جانبه، قال زيدان، إن تمسك الجماعة بقرار عدم الحل تسبب في حرمان شبابهم من المشاركة في بناء الدولة ما دام المحيط الأقرب والأبعد على خلاف معهم، ومتحفظًا أو متوجسًا منهم، فضلا عن الاقتراب منهم، وهو ما يُفقد الدولة السورية الجديدة خبرات ومهارات، بحسب توصيفه.
وأضاف أن أصغر عضو في “الإخوان المسلمين”، ربما يكون عمره في بداية الستينيات، باستثناء أبنائهم، معتبرًا أن الفجوة العُمرية التي يعانونها اليوم تعود إلى حرمانهم من العمل السياسي في سوريا، طوال الفترة الماضية، نتيجة “الغياب القسري” الذي مُورس بحقهم، في إشارة إلى محاربتهم من قبل النظام السابق على زمن الأسدين، الأب والابن.
80 عامًا
نشأت جماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا، عام 1945، وكان البرلماني والداعية السوري مصطفى السباعي، أول مراقب لها، وهي فرع من التنظيم الأم، الذي نشأ في مصر، على يد الداعية المصري، حسن البنا، عام 1928.
تعرض التنظيم على مستوى البلدان العربية لعدة هزات، نال الفرع السوري النصيب الأكبر منها، إذ حاربه الرئيس السوري الأسبق، حافظ الأسد، الذي ارتكب مجازر بحقهم، فيما يعرف بـ”أحداث الثمانينيات” خاصة في مدينتي حماة وحلب.
غياب “الإخوان المسلمين” عن سوريا لفترة طويلة ممتدة لحوالي نصف قرن، أضر كثيرًا بالتنظيم، بحسب زيدان، وقال إن غيابه جعله يتآكل في ظل ما أسماه “فيروس البعث” المنتشر وسط الشرائح السورية، “مشيطنة الإخوان”.
ما الموقف من السلطة الحالية
بادرت الجماعة إلى دعم الحكومة السورية الحالية، والتي أطاحت بحكم الأسد، وعاد أبرز قياداتها الحاليين والسابقين إلى سوريا بعد سقوط النظام، أبرزهم علي صدر الدين البيانوني، أحد قادة الصف الأول في الجماعة.
بالمقابل، أثار بيان جماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا عقب اجتماع مجلس شورى الجماعة، في 7 من آب الحالي، ردود فعل بين من اعتبره محاولة لإعادة البناء والمشاركة السياسية، أو لتعقيد جديد في المشهد السوري يزيد التحديات والتجاذبات الحاصلة في سوريا.
حددت الجماعة، خلال البيان الذي نشرته في 7 من آب الحالي، موقفها مما سمته “العهد الجديد” في سوريا، وقالت إنه يندرج في إطار الدعم والحرص على نجاح عملية بناء دولة مدنية حديثة ذات مرجعية إسلامية، تقوم على مبدأ المواطنة الكاملة والتعددية السياسية، وترفض جميع أشكال الاستبداد والانقسام.
وأكدت الجماعة ضرورة صون وحدة الأراضي السورية والشعب السوري، ورفض أي حلول تُبقي على الوضع القائم أو تمهّد لتقسيم البلاد.
من جانبه، اعتبر زيدان، أن إصرار “الإخوان” على البقاء “مغردين خارج السرب”، مع تصريحات تُلمح إلى عدم رضاهم عما يجري، “يزيد من الشُقة والفجوة مع الشارع الداعم للحكومة”.
عنب بلدي
———————————–
جدلية حل الإخوان المسلمين في سوريا
2025.08.30
أثارت دعوة المستشار الإعلامي للرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد موفق زيدان، جماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا لحل نفسها، جدلاً واسعًا داخل الأوساط السياسية والدينية في البلاد. جاء ذلك بهدف إدماج كوادر الجماعة في العمل الحكومي والاستفادة من خبراتهم في بناء الدولة، وفق ما أكد زيدان في مقالة رأي نشرها مؤخراً.
وأشار المستشار إلى أن هذه الدعوة نابعة من قناعته الشخصية وليست من موقعه الرسمي، وأنها ترتكز على دراسات ومقاربات مقارنة بالتجارب الدولية والإقليمية لأحزاب وجماعات إسلامية مشابهة، تحولت بعضها إلى أحزاب سياسية بعد حل نفسها، مثل بعض فروع الإخوان في المغرب العربي. واعتبر زيدان أن الجماعات التي تلتزم بأدوات تفكير قديمة تواجه صعوبة في مواكبة التحولات الإقليمية والدولية، وأن استمرارها دون تجديد يعيق مشاركتها في العمل الوطني.
ردود الجماعة وأعضائها السابقين
لم تصدر جماعة “الإخوان المسلمين” أي رد رسمي على مقال زيدان، لكن قيادات سابقة وأعضاء مقربون أبدوا مواقفهم. فقد أكّد عضو المكتب السياسي، سمير أبو اللبن، أن ما كتبه زيدان يعبر عن موقفه الشخصي وليس الرسمي للجماعة، وأنها عادة لا ترد على الكتابات الشخصية إلا عندما تكون تصريحات رسمية.
وفي مقال آخر، أوضح القيادي السابق زهير سالم أن الجماعة ليست حزبًا سياسيًا تقليديًا، بل حركة مجتمع ديني دعوي، وأن السياسة جزء من الدين لا تجعلها حزبًا سياسياً قائمًا. كما اعتبر أن وصف الجماعة بأنها مجرد تنظيم سياسي هو ظلم لمكانتها التاريخية والاجتماعية في سوريا.
كما أعاد الكاتب والمحلل السياسي المقرب من الجماعة، ياسر سعد الدين، التأكيد على أهمية مشاركة جميع القوى الإسلامية والوطنية في بناء سوريا، محذرًا من استغلال دعوة زيدان لتهميش مكونات الشعب المختلفة. وأشار إلى أن ما يحدث من إخفاقات في العمل السياسي يعود جزئيًا إلى تركيز السلطات وعدم وجود آليات للمساءلة والمحاسبة.
التجارب السابقة والحل كخيار
أكد زيدان أن حل الجماعة يمكن أن يمثل مخرجًا استراتيجيًا للاستفادة من كوادرها في دعم الدولة السورية الجديدة، مشيراً إلى أن الفروع الإقليمية للإخوان التي حلّت نفسها في بعض البلدان العربية استفادت من التجربة السياسية وأصبحت فاعلة في الحكومة، على غرار حزب العدالة والتنمية في المغرب العربي.
ويرى الباحث عبد الرحمن الحاج أن تمسك الجماعة بالبقاء يرجع إلى ظروف إقليمية وضغوط خارجية، لكنه أضاف أن الحل سيظل أفضل خيار على المدى البعيد إذا أرادت الجماعة الاستفادة من المرحلة الانتقالية والمشاركة الفعالة في بناء الدولة. وأوضح أن تمسك الجماعة بالهيكل التنظيمي الحالي يخلق فجوة بين الشباب والقيادات، ويحد من مشاركتهم في العمل السياسي والدعوي بعد غياب طويل خلال النظام السابق.
التاريخ والموقف الحالي
نشأت جماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا عام 1945 على يد مصطفى السباعي، ومرت بتجارب قاسية خلال حكم حافظ الأسد، بما في ذلك أحداث الثمانينيات في حماة وحلب. وبعد فترة طويلة من الغياب، عاد أبرز قياداتها الحاليين إلى سوريا لدعم الحكومة الجديدة، مع تأكيد الجماعة على ضرورة المشاركة في بناء الدولة المدنية الحديثة على أساس مواطنة كاملة وتعددية سياسية، ورفض الانقسام أو تقسيم البلاد.
الخلاصة
تدور جدلية حل جماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا حول مصلحة الدولة والشارع، بين دعوات للاستفادة من خبرات الجماعة ومخاوف من استمرار هياكل تنظيمية قديمة تعيق الانخراط الكامل في الحياة السياسية. ويبدو أن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت الجماعة ستختار حل نفسها أو الاستمرار في نمطها الحالي، في وقت يتطلع فيه المجتمع السوري إلى مشاركة جميع القوى الفاعلة لبناء دولة مستقرة ومتقدمة.
——–
حل جماعة الإخوان لا يلغي مشروعها السياسي/ محمد أبوالفضل
الغضب في أوساط الإخوان يمكن فهمه من خلال رهان الجماعة على مشروع أحمد الشرع في سوريا، كامتداد للربيع العربي.
الأحد 2025/08/31
الإخوان بحث مستمر على الظهور في الواجهة
يطفو على السطح من وقت إلى آخر نقاش حول حل جماعة الإخوان، التي ظهرت في مصر وانتقلت منها إلى دول عربية عديدة. وفي كل مرة تظهر دعوة يحدث انقسام بين مؤيدين للحل كخطوة مهمة تتواءم مع التحولات الجارية في العالم، بعد أن فشلت الجماعة في غالبية تجاربها السياسية في دول وصلت فيها إلى سدة السلطة، وبين رافضين له ومتحفظين عليه، حيث يعني اعترافا صريحا بإخفاقها وحرجا أمام كوادر وعناصر غرست فيها مبكرا أفكارا خيالية، فحواها أنها الفرقة الوحيدة الناجية.
كتب أحمد موفق زيدان المستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد الشرع مقالا على موقع “الجزيرة نت” أخيرا، حول أهمية حل جماعة الإخوان في بلاده، وتكيفها مع المستجدات. كاد المقال يمر بهدوء، كاجتهاد لتصحيح مسار الجماعة وإخراجها من الجمود السياسي، من أحد كوادرها المخلصين، ومحاولة ضمن محاولات سابقة في مصر والسودان وتونس وغيرها، تطرقت إلى هذه المسألة.
ما أعطى المقال زخما ورواجا كبيرين أنه جاء قبيل نفي الرئيس أحمد الشرع أيّ علاقة له بالتنظيمات الجهادية وجماعة الإخوان أو أنه امتداد للربيع العربي (سيء السمعة)، وبدا المقال كأنه مقدمة وتمهيد لحديث الرئيس السوري مع عدد من الإعلاميين من مؤسسات عربية مختلفة، الأحد الماضي، وتنصل فيه من أيّ علاقة له مع التنظيمات الجهادية، وتيار الإسلام السياسي، بما فيه جماعة الإخوان.
كان يمكن أن تمتص جماعة الإخوان المعاني التي ينطوي عليها حديث الشرع، وتفهم مغزاه في إطار براغماتيته السياسية، والتحديات التي يواجهها داخليا، والعراقيل الإقليمية، ورغبته في تقديم نفسه كحاكم وطني لكل سوريا، والتي تتشكل من موزاييك ديني وعرقي معقد، لكن الجماعة أبت التعامل بحكمة، ولجأت إلى التشكيك في الرواية، لكنها لم تتمكن من تأكيد حديث النفي لرواية الشرع التي نشرها لأول مرة الإعلامي نديم قطيش، والتزمت الرئاسة السورية الصمت، وهو أبلغ من الكلام في هذه الحالة.
ولجأت الجماعة إلى الصياح على مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض وسائل الإعلام المتعاطفة معها والقريبة منها، لإحداث شوشرة على القضية، وكي لا تحصل الرواية على رواج سياسي وتمرّ كقصة عابرة، فرضتها أجواء لقاء أحمد الشرع مع إعلاميين معظمهم لهم مواقف حذرة من توجهاته ورافضة لماضيه الإسلامي، وأراد طمأنتهم، فأطلق تصريحا يعلم أنه سيصل إلى من يعنيهم الأمر، لتأكيد نهجه العملي الذي سوف يوفر له دعما إقليميا ودوليا يمكن أن يتلاشى إذا أصر على التمسك بأفكار ماضيه، أو عقد تحالفا مع تنظيمات متطرفة أو أبدى ميلا لمشروع إخواني ثبت فشله.
يمكن تفسير الغضب في أوساط الإخوان من خلال رهان الجماعة على مشروع أحمد الشرع في سوريا، كامتداد لها، أو رأس حربة يمكن أن تعيدها إلى السلطة مرة أخرى في دول طردت منها وحوكم قادتها فيها بارتكاب جرائم عنف، ويؤكد فرح الإخوان بسقوط نظام بشار الأسد في دمشق هذا المحدد، حيث اعتبره إخوان مصر مثلا مقدمة لعودتهم إلى المشهد السياسي، ونذير شؤم على النظام المصري الذي تمكن من تقويض الجماعة وتفتيت قواعدها وشل حركتها الاجتماعية، وعندما يتنصل من العلاقة معها يعني أن الرافعة التي جرى التعويل عليها سوف تنسحب من تحت أقدامها.
يدرك الرئيس أحمد الشرع أن أيّ علاقة مباشرة مع التنظيمات المتشددة، وتأكيد الروابط الفكرية معها، ومن بينها الإخوان، يؤدي إلى سحب الدعم السخي الذي يمكن أن تقدمه إلى بلاده السعودية والإمارات، ويعزز تكهنات حول علاقته بالجناح الإسلامي داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، وصدمة من راهنوا على مرونته في التكيف مع التغيرات الإقليمية، التي تحمل قطيعة مع التنظيمات الإسلامية التقليدية، سواء المتطرفة التي رفعت العنف سلاحا للوصول إلى السلطة أو تلك التي زعمت أنها معتدلة وتتحلى بديناميكية سياسية وتتعايش مع القوى المدنية.
يسعى الرئيس السوري إلى تقديم نموذجه الخاص، الذي يستفيد من أخطاء تجارب الآخرين، ويعمل على عدم خسارة قوى إقليمية مهمة بالنسبة إليه، لعبت دورا كبيرا في زيادة الاعتراف بنظامه الجديد، ووعدت بتقديم مساعدات إضافية بعد رفع جزء كبير من العقوبات الغربية عن سوريا، وأيّ التحام مع جماعة الإخوان أو غيرها يثير شكوك في تصوراته، وكان حديثه عن شكل العلاقة مع الإخوان مقصودا، ليس للتنصل منها أو تركها في العراء والتضحية بها، بل من أجل تثبيت مشروعه الذي يعلم أنه يواجه مطبات، لأن مبدأ التقية الذي قد يكون خافيا في أجندته يمكن أن يزعج الإخوان أنفسهم في الوقت الراهن، لأنه يتطلب منهم التحلي بالمزيد من الصبر الإستراتيجي.
تحتاج الدول التي تتعامل بحذر مع نظام أحمد الشرع أو متشككة في نواياه (مصر) والدول التي تعتقد في أهمية دعمه وتأهيله وجره بعيدا عن ماضيه (السعودية والإمارات) إلى تأكيد حُسن توجهاته عمليا، أي يتخذ خطوات تشير إلى قطيعة بينه وبين الإخوان، وليس منح الجنسية للعشرات من المنتمين إلى تنظيمات جهادية ووضعهم في مناصب قيادية بالجيش السوري، ويثبت أنه يقف على مسافة واحدة من جميع العرقيات والمذاهب في بلاده، فنفي العلاقة مع الجماعات الإسلامية لا يعني نفي المرجعية السياسية لها، أو قطع الصلة مع البنية الفكرية.
عندما تحدث أحمد موفق زيدان عن حل جماعة الإخوان في مقاله، أشاد بتجاربها في تشكيل أذرع سياسية لها في بعض الدول العربية، وتعامل مع هذا التطور كدلالة على النضج وامتلاك مرونة عالية، وتجاهل أن مراجعات حركة حماس الفلسطينية لم تنه علاقتها بمشروع الإخوان، وتشكيل حزب النهضة في تونس لا يعني التخلص من أفكار حركة النهضة الإخوانية، وتشكيل حزب الحرية والعدالة في مصر لم يقطع الصلة بجماعة الإخوان، وكانت تجربة الحركة الإسلامية في السودان واضحة، حيث تشكلت أحزاب سياسية بهوية دينية في عهد الرئيس السابق عمر البشير، مثل حزب المؤتمر الوطني، وحزب المؤتمر الشعبي، وحافظ كلاهما على أفكار الإخوان.
حل جماعة الإخوان، أو ممانعة الرئيس السوري لارتباطه بها، لا يعني وجود قطيعة بينهما، حيث تحرص الأولى على أن يكون لها وجود في السلطة، ولن تمانع من الانحناء كي لا تسبب حرجا له، وفكرة الحل التي طرحها مستشاره الإعلامي موفق زيدان رسالة بأن هذا قرار وليس خيارا، فالشرع في حاجة إلى قاعدة شعبية عريضة.
ولن يجد أفضل من جماعة الإخوان تنظيما للقيام بهذا الدور في ثوبها الجديد، ويدرك أن الطيف الإسلامي الواسع والفضفاض لن يمكّنه من توفير هذه القاعدة بسبب التفاوت في التقديرات حاليا، وأن الثورة التي جمعتهم ضد نظام الأسد قد تفضي الحسابات السياسية الجديدة إلى تفرقتهم، وهو ما يتحسب منه كثيرا رجل يعلم أن هناك مواجهة قادمة لا محالة، ومن المهم أن يكون مستعدا لها داخليا وخارجيا.
كاتب مصري
محمد أبوالفضل
العرب



