الأحداث التي جرت في الساحل السوريتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

“إقليم وسط وغرب سوريا”.. خطوة جدية أم مجرد بالون اختبار؟/ فيصل علوش

30 أغسطس 2025

تتنامى الدعوات إلى الانفصال، أو إقامة أقاليم فيدرالية في سوريا، فبعد طلب الرئيس الروحي للموحدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، من دول العالم والشعوب الحرة “دعم إعلان السويداء إقليمًا منفصلًا “، أُعلن قبل أيام قليلة عن تأسيس ما سميّ بـ”المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا”، الذي دعا إلى إقامة إقليم فيدرالي في محافظات طرطوس واللاذقية وحمص وأجزاء من ريف حماة، تحت مسمى “إقليم وسط وغرب سوريا”.

وبحسب البيان التأسيسي، دعا القائمون على المجلس، وهم مجموعة من الناشطين العلويين المقيمين خارج سوريا، إلى اعتماد الفيدرالية باعتبارها “الطريق الأفضل لحل النزاعات داخل هذه المناطق، بعد عجز الدولة المركزية عن إيجاد حل لها”. واعتبروا أن “المبادئ الفدرالية قادرة على تحقيق وضمان السلام، وتحقيق العدل بين الأقاليم السورية”، موضحين أنهم وعلى الرغم من الانطلاق من المكون العلوي كبداية، إلا أنهم سيسعون لاحقًا إلى “إشراك باقي المكونات، وصولًا إلى توافق شامل على شكل نظام الحكم وإدارته في عموم سوريا”.

ودعا المجلس إلى “عقد مؤتمر وطني جديد بإشراف الأمم المتحدة”، معتبرًا أن “الشكل الاتحادي الفيدرالي هو الأنسب لسوريا العلمانية الديمقراطية”، ومؤكدًا رفضه “حكومة اللون الواحد التي أقامتها سلطة الأمر الواقع على أسس دينية وطائفية إقصائية”. فهل الدعوة لتشكيل هذا الإقليم تمثل خطوة جدية، أم أنها ليست أكثر من فقاعة في الهواء؟

من الواضح أن سوريا تشهد في الأشهر الأخيرة، وخصوصًا بعد أحداث السويداء المأساوية، أزمة ثقة كبيرة بين مكوناتها الاجتماعية وسط مخاوف متبادلة فيما بينها، إضافة إلى مخاوف قطاعات متزايدة من الرأي العام من سعي الممسكين بزمام القرار إلى تأسيس سلطة طائفية محافظة تهدد الحريات العامة والخاصة، وخصوصًا حقوق الأقليات الدينية والقومية فضلًا عن النخب السياسية الديمقراطية. في ظل هذا الوضع تتنامى ظاهرة الانشداد إلى الهويّات الجزئيّة ما دون الوطنيّة، كالطائفيّة والإثنيّة والدينيّة.

السياق العام لدعوات “الفدرلة”

وفي محاولة فهم وتفسير ما يحصل، يعتقد كثيرون أنه لا يكفي القول بأن هذا طبيعي في ظل التركة الثقيلة التي خلفها النظام البائد، ومنها تراجع الهوية الوطنية الجامعة، بل علينا البحث والتعمق أكثر في الأسباب الراهنة التي تدفع أو تساعد على ولادة هذه الدعوات، قبل أن ننتقل إلى البحث في أفقها ومستقبلها، والسبل الأنجع للتعامل معها.

وفي الوقت الذي أعربت فيه أصوات كثيرة عن رفضها القاطع لاستخدام المظلومية ودماء الضحايا وآلام المكلومين، في الساحل السوري أو السويداء وغيرهما من المناطق، وتوظيفها في مشاريع سياسية يمكن أن تفضي إلى تقسيم وتفتيت البلاد، أو أن تدفع باتجاه مزيد من العنف والقتل، رأى آخرون، مثل الكاتب والمترجم عبدالله فاضل، أنّ من حق أي شخص أو كيان سياسي أن يطرح نفسه وبرنامجه الذي يرى أنه الأفضل لمصلحة البلد والشعب، مادام ذلك يتم بالطرق السياسية السلمية والمشروعة، مثلما أنّ من حق الآخرين طبعًا، أن يرفضوا ذلك الطرح وأن يعارضوه بالطرق السياسية المشروعة.

وأضاف فاضل في حديث لـ”ألتراسوريا” أن “الدعوة إلى تشكيل فيدرالية لوسط وغرب سوريا لا يمكن عزلها عن السياق المعقد الذي تمر به البلاد حاليًا، فهناك أسباب كثيرة بالتأكيد فيما تفعله السلطة الحالية لمعارضتها، وهذا طبيعي ومشروع، بل وواجب أيضًا”، لكنه أعرب عن اعتقاده أن “أصحاب هذا الطرح اختاروا الخيار الأسهل لهم، لا سيما وأنهم يقيمون خارج سوريا، ومن ثم لن يتحملوا، لا شخصيًا ولا سياسيًا، أية مسؤولية عن طروحاتهم”.

وبدوره، قال المهندس نبيه نبهان/ المهتم بقضايا السلم الأهلي وتعزيز المجتمع المدني، إن خطاب التهويل والتخوين والتخويف لا ينفع بل يزيد الأمر سوءًا، وإننا حين نتحدث في الشأن العام فإننا نمثل أنفسنا، ونفعل ذلك كأفراد أحرار نطرح رأينا الحر من دون وصاية على الآخرين. وعلى رغم تأكيده على حق أي مجموعة سورية بأن تبادر وتبتكر في العمل السياسي، إلا أنه أخذ على مجموعة “الثلاثة عشر” التي أعلنت انشاء “المجلس” أنها من لون مذهبي واحد، في حين أنها لو كانت تريد تشكيل جسم سياسي حقيقي لكانت حرصت على تشكيل مجلس يمثل التنوع السوري، وليس فئة محددة فقط، مرجّحًا أن يكون الإعلان عن المجلس أقرب إلى “فقاعة اختبار قصيرة الأجل، وبلا أي تأثير على الداخل”.

شروط التمثيل السياسي والأهلي

ومن ناحية مبدئية، يرى البعض أن ظهور كيانات سياسية جديدة قد يكون أمرًا إيجابيًا، ولكن شريطة أن تكون هذه الكيانات قادرة على تمثيل المواطنين وأن تحظى بمناصرتهم، وهذا يحتاج إلى أن تضم شخصيات وهيئات وطنية عامة ومعروفة في الداخل، لأن قوة أي جسم سياسي لا تقاس فقط بالبيانات أو الإعلان، بل بقدرته على كسب قاعدة اجتماعية تدافع عنه وتعتبره ممثلًا لها، لا أن يقتصر تمثيله على شخصيات موجودة في الخارج، ومن لون طائفي واحد فقط، فهذا سيضعف من مصداقيته على نحو مؤكد.

يجدر بالذكر هنا، أنه لا يوجد في الأساس أية هيئة؛ سياسية أو دينية، يمكن أن تزعم أنها تمثل العلويين كلهم، إنما يتوزع تمثيلهم على تشكيلات وليدة ومتنافسة فيما بينها، كلٌّ منها يدعي “حق التمثيل الحصري” للطائفة. وينبّه البعض إلى أن الأكثر أهمية بالنسبة لهؤلاء الآن هو أن يتوجهوا نحو شراكات مع قوى سياسية لها حضور ووزن على كامل الجغرافيا السورية، وذلك بهدف خلق جبهة سياسية واسعة، لا تقتصر على مكونات طائفية أو إقليمية محددة. وفي هذا السياق، شدد فاضل على اعتراضه على أي مشروع سياسي يقوم على أساس طائفي أو مذهبي، مشيرًا إلى أن الأساس الطائفي فيما يطرحه “مجلس وسط وغرب سوريا” واضح تمامًا، على الأقل من حيث النطاق الجغرافي المشمول بمشروعه.

وفي ظل رفض السلطة لأي شراكة حقيقية، وتراكم الأسباب التي ساهمت في تكريس عدم الثقة وتعزيز المخاوف بين المكونات الاجتماعية السورية، أشار نبهان إلى اللجنة التي شكلتها السلطة للتحقيق في انتهاكات ومجازر منطقة الساحل، حيث قال إنها “لم تكن محايدة، وجاء تقريرها ممالئًا للسلطة المتهمة بالمشاركة في ارتكاب تلك المجازر”. وأضاف أنه سبق ذلك تسريح الموظفين من أعمالهم المدنية والعسكرية، والتهجير القسري للآلاف من السكان العلويين من عشرات القرى التي كانوا يقطنونها في شرقي مدينة حماة. علاوة على عمليات القتل والخطف التي ما زالت مستمرة في مدن وبلدات وقرى الساحل، لكن بالمفرق كما أكد ذلك تقرير الأمم المتحدة في 14/8/2025.

شكل الحكم والمشاركة في بناء الدولة

وإلى ذلك، قد يرى البعض في تأكيد “المجلس” المشكل على التمسك بالقرار 2254 كمرجعية أساسية للحل، بأنه يعكس إدراكًا صحيحًا بأن لا مخرج من الأزمة السورية إلا عبر مسار تفاوضي دولي يُلزم كل الأطراف، ويمنح المكونات المتعددة شعورًا بالأمان والاعتراف. ولكن فاضل شدد على ضرورة ربط شكل الحكم الذي نريده لبلدنا؛ (سواءً أكان شكلًا من الحكم المركزي، أو شكلًا من اللامركزية)، بالسياق الذي يتم فيه هذا الطرح، لجهة مشاركة الشعب في هذا الاختيار أم لا.

السؤال الأهم، في نظر الكاتب فاضل، هو كيف نختار هذا الشكل من الحكم؟ وكيف نطبقه على أرض الواقع؟ هل ينبثق من خيار ومشاركة شعبية حقيقية؟ وهل يعبر عن مصلحة وطنية جامعة؟ أم عن إرادة أحادية تريد فرضه عبر الاستقواء بقوى خارجية؟ أو عبر فرض نفسها بالقوة لأنها تمتلك السلطة والغلبة؟ هل كان هناك إدراك للمخاطر؟ ومعرفة بالمزايا التي ينطوي عليها هذا الشكل من الحكم أو ذاك؟ وفي عصر القوة السائد حاليًا، هل نصبح أقوى عبر هذا الخيار، ويكون لنا مكان بين الشعوب الحية، أم نصبح أضعف ونبقى أسرى صراعات وولاءات ما قبل وطنية وما قبل دولتية؟

وعلى الرغم من سعي البعض إلى شيطنة المختلف وإلصاق شتى التهم به، أو اللجوء إلى التضليل والتخوين، وحتى التحريض عليه، إلا أن نبهان أعرب عن ثقته بأن الشعب السوري سيجتاز هذا الامتحان، وأن إرادة العيش المشترك، وبالعمق السوري الجامع للبحر والسهل والجبل، ستنتصر على كل التحديات، ولكن علينا فقط أن نُحَكّم صوت العقل، وأن نتوحد في مطالبتنا للسلطة أن تتحمل مسؤولياتها في تحقيق العدالة، والذهاب نحو ميثاق وطني جامع، يُجنّبنا احتمالات الحرب الأهلية العبثية، وينتصر للمشروع المدني الديمقراطي في بناء الدولة؛ دولة المواطنة المتساوية والعادلة التي لا تميز بين مواطنيها على أي أساس يتصل بالدين أو العرق أو الطائفة أو الجنس.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى