سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

إنارة ظلام سورية وقلوب السوريين/ مسعود الخلف

27 اغسطس 2025

هل عشت في الظلام لأكثر من عقد ونيف؟ هل أنهيت دراستك على ضوء القمر والشموع والقناديل؟ هل اغتسلت بماء بارد في شتاء سوري في زمهرير الكانونَيْن؟ هل نمت وأطفالك قيلولتكم وليلكم في حرّ الصيف السوري ولهيبه؟ هل شربت ماءً فاترًا في رمضان صيفي؟ وكثيرٌ كثيرٌ مِن (هل) من دون الكهرباء التي لا يعرفها السوري الذي عاش خارج سورية في آخر عقد، فمن يتقلّب في الجحيم ليس كمن يرفل في النعيم.

لذلك قد يمرّ على بعضهم خبر توريد الغاز الأَذَرِي عبر تركيا إلى سورية مرورًا فاترًا كالماء الفاتر الذي أفطرنا عليه في شهر رمضان الصيفي في سورية عام 2013، لكنه ليس كذلك حقًا. إذ إنّ بدء توريد الغاز ليس حدثًا هيّنًا، فهو سيُعيد شيئًا من النور الذي افتقده الناس، وسيُضيء عتمة البيوت السورية، فيتمدّد الضياء في غرفهم؛ ليبصروا وجوههم بوضوح؛ ليروا ما تغيّر فيها بعد سنين من الموت والكبت والظلام والرعب والجوع، فكيف سيقابلون تلك الوجوه التي لن يعرفوها في المرايا؟

بداية وصول الكهرباء إلى سورية ليست جديدة، وقد تسبق نشوء دولٍ حديثة، فقد كانت بداية الكهرباء مع إنارة المسجد الأمويّ بمولِّد كهربائي يعمل بوقود المازوت عام 1904، على يد شركة بلجيكية. وقد مُنح امتياز لشركة الجرّ والتنوير الكهربائي لمدينة دمشق عام 1903، وهي شركة عثمانية برأس مال بلجيكي، وبدأ تشغيل خدمتها عام 1907، وغير ذلك من مشاريع تنوير عديدة، ومنها تركيب عنفات كهرومائية على نهر بردى بين عامي 1904-1910، وأخذ النور ينتشر في المدن والأرياف السورية في العقود اللاحقة.

عادت سورية إلى الظلام مع اشتعال الحرب بعد انطلاق الثورة السورية، فتضرّر قطاع الكهرباء وتعرّض للدمار والخراب؛ بسبب القصف والسرقات وغياب الصيانة والإصلاح، وتوقّفت محطّات رئيسة للتوليد، فانحسرت رقعة النور سريعًا وتمدّد فوقها الظلام، فأصبحت بيوت السوريين في ظلمات بعضها فوق بعض، قد يزورها النور لسُوَيعات محدودة أو لا يزورها.

ومع الخلاص من النظام في 8 ديسمبر/ كانون الأوّل برزت الكهرباء بكونها أحد التحديات العديدة في وجه السلطة الجديدة، ولكن برز الأمل بالخلاص من الظلام ورؤية النور مع مشروع تمديد الغاز الأَذَري عبر تركيا إلى سورية بتمويل قطري، حيث بدأ ضخّ الغاز مع بداية هذا الشهر، ولا يمكن أن نخفي الفرحة بمثل هذه الأخبار التي تعيد بسمة وأملًا إلى النفوس الغارقة في البيوت المُظلمة، وتعيد الدفء للشتاء والبرودة للصيف والإضاءة للعتمة، وتخدم الإنسان السوري مثله مثل أيّ إنسان ينعم بالخدمات الأساسيّة التي صُنعت للإنسان وخدمته وإحيائه.

الأمل ما زال يشعّ في ظلمة عيوننا بأن يعمّ النور البيوت والنفوس والقلوب، ويتخلّص السوريون من الظلام، كلّ الظلام، فالنور الذي نبتغيه ليس نور الكهرباء فحسب، بل نور الوحدة والمحبّة والوئام والتسامح والتعايش، فالخسارة التي طاولت القابعين تحت تلك العتمة لسنين من الأسى والعذاب والشتات والتمزّق كانت كبيرة، وقد ذهب مِن أعمار مَن عاش ذلك ما ذهب، وبقي ما بقي، فلا وقت لتضييع لحظات أخرى، فلم يبق وقت إلّا للنور وتمزيق الظلام، فمَن لم يُوقد في قلبه نور فما له مِن نور.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى