البيت السوري بين زمنين/ يارا حسين

26 اغسطس 2025
في منتصف القرن التاسع عشر، تأثرت المدن السورية بنمط العمران الأوروبي، وشهدت تحولاً جذرياً في نمط السكن مدفوعاً بعوامل ديموغرافية واقتصادية واجتماعية، فمع تزايد عدد السكان، لم يعد النموذج الأفقي للبيت التقليدي عملياً، وبدأ التحول نحو العمارة الحديثة القائمة على الأبنية السكنية متعددة الطوابق، التي تخلت عن مفهوم الفناء الداخلي واستبدلته بمساحات خارجية محدودة مثل الشرفات.
هذا الانتقال، الذي تأثر بشكل كبير بـ الأنماط المعمارية الغربية، أدى إلى تبني مواد بناء جديدة مثل الإسمنت المسلح، مما سمح بإنشاء هياكل أكثر ارتفاعاً، ليجسد البيت الحديث في المدن نموذجاً جديداً يتسم بكفاءة أعلى في استخدام الأرض والاستفادة منها، لكنه أدى إلى الابتعاد تدريجياً عن الخصائص المعمارية التقليدية التي كانت تعكس هوية المكان، وهو ما يشير إليه كتاب “دمشق: التاريخ” (روتليدج، طبعة ثانية منقّحة، 2019) للمؤلف روس بيرنز، وهو مؤلَّف تاريخي عمراني يتتبع تطور مدينة دمشق من العصور القديمة حتى العصر الحديث، مع فصول عن العمارة التقليدية والتحولات العمرانية في القرن العشرين.
ويوضّح المؤلّف كيف شهدت البيوت تحولات جذرية من البيت التقليدي الذي يتمركز حول الفناء الداخلي إلى الأبنية السكنية الحديثة القائمة على الشقق، مدفوعة بمجموعة من العوامل التي فرضت واقعاً جديداً، حيث دفعت الزيادة السكانية وارتفاع أسعار الأراضي في المدن إلى اللجوء لحلول أكثر كفاءة في استغلال المساحة من خلال التوسع العمودي، كما ساهمت العوامل الاقتصادية في هذا التوجه، حيث أصبح بناء الشقق السكنية خياراً أكثر جدوى من الناحية المادية للمطورين والسكان على حد سواء. وعلى الصعيد الاجتماعي، أدت التحولات في بنية الأسرة إلى تفضيل مساحات سكنية أصغر تناسب الأسر النووية، وكذلك على المستوى التقني، إذ مكّن اعتماد مواد بناء حديثة مثل الإسمنت المسلح من إنشاء أبنية متعددة الطوابق، وهو ما لم يكن ممكناً بالتقنيات التقليدية. وبذلك عكست هذه التطورات الانتقال من قيم الخصوصية التقليدية إلى متطلبات الحياة العصرية، وإن أدت في بعض الأحيان إلى فقدان جزء من الهوية المعمارية الأصيلة للمدينة.
عمارة الريف
لم تكن التحولات المعمارية مقتصرة على المدن، بل امتدت لتشمل الريف السوري أيضاً، الذي تميزت بيوته التقليدية باستجابتها لمتطلبات البيئة والوظيفة، فكان تصميمها التقليدي مرتبطاً بشكل وثيق بالبيئة والمناخ والموارد المتاحة في المنطقة. والمواد المستخدمة في البناء محلية في الغالب، مثل الطين والحجر والخشب، بحسب مصادر عديدة منها “العمارة وتطور البيت الريفي” (2009) لغالب المير غالب.
وكان للبيت الريفي السوري نماذج متنوعة منها البيوت الطينية القبابية، التي انتشرت في مناطق السهول (مثل ريف حلب)، مصنوع من الطين بشكل مخروطي ويتسم بقدرته على توفير عزل حراري طبيعي، وانتشرت أيضاً البيوت الحجرية في المناطق الجبلية (مثل الساحل السوري وجبل العرب) وبعضها مبنية من طابقين يُستخدم الأرضي للتخزين أو لتربية الحيوانات، والعلوي للسكن، وهناك بيوت الغمس التي انتشرت في مناطق مثل حماة وريفها وهي “مغموسة” في الأرض لتوفر حماية من العوامل الجوية، وتميّزت بشكل مستطيل مقسم إلى غرف مستقلة يقابلها أرض ديار يحتوي على بئر وتنور (الفرن الطيني) غالباً ما يقع في الجهة المقابلة للبناء.
لكن مع دخول مواد البناء الحديثة مثل الإسمنت والطوب، بدأ النمط المعماري للبيوت الريفية يتغير جذرياً، ما أدى إلى انقطاع العلاقة بين تصميم المسكن ومحيطه الطبيعي، حيث أصبحت البيوت الريفية الجديدة تشبه نظيراتها في المدن، متجاهلةً التقنيات المحلية التي كانت توفر تكييفاً طبيعياً وملاءمة فريدة للمناخ.
قفزة حضرية سابقة
وقد شهد البيت الدمشقي بطرازه المعماري المعروف تطوراً سابقاً بين القرنين السابع عشر والثامن عشر، تتعلّق بتصميمه فقد صغرت مساحة الساحة الداخلية على حساب توسيع غرف المنزل، وتصميم النوافذ في الطابق العلوي، والزخارف والنقوش التي تأثرت بالفن العثماني.
العربي الجديد



