الحكومة السورية وعقلية الفصيل/ عبسي سميسم

31 اغسطس 2025
لا تزال مؤسسات الدولة السورية تُدار بعقلية الفصيل في ظل غياب عقلية الدولة لدى معظم الكوادر القيادية في السلطة التنفيذية، بدءاً من الوزراء وصولاً إلى مديري المؤسسات الخدمية والأمنية وحتى الاقتصادية. فالكثير من مسؤولي السلطة التنفيذية لا يزالون يوقّعون الأوامر الإدارية بأسمائهم المستعارة مغيّبين أسماءهم الحقيقية ضمن المعاملات الرسمية، من قبيل “أبو الحارث”، و”أبو حذيفة”، و”أبو قتادة”، من دون الإفصاح عن الاسم الحقيقي لصاحب المنصب الذي وقّع القرار أو الأمر الإداري، والذي غالباً لا يعرفه حتى موظفوه. كما يغلب طابع الشيخ فلان أو الشيخ أبو فلان على صفات المسؤولين الحكوميين أصحاب القرار، إذ تجد مسؤولاً حكومياً باسم حقيقي في منصب ما، فيما القرار الفعلي يحتاج إلى موافقة الشيخ المجهول الذي يعرف بلقبه الفصائلي.
على مستوى التعيينات الوظيفية، تجري التعيينات حسب الولاء لـ”هيئة تحرير الشام” التي يفترض أنها منحلة، فطلبات التوظيف توزع سرّاً ضمن دائرة ضيقة من المقربين من الهيئة، ومقابلات التوظيف، خصوصاً لبعض المناصب الإدارية في مؤسسات الدولة، تتضمن أسئلة من قبيل “من تعرف من الإخوة” (أي جماعة الهيئة)، و”من زكّاك للمنصب”، فهناك مناصب لا يتم تسليمها إلى شخص من دون تزكية.
وحتى ضمن المؤسسة الأمنية لا تزال الألقاب بين شيخ وأمير، وعقلية الفصيل هي السائدة في التعاملات، سواء لناحية تغليب الولاء لقائد الفصيل على الولاء للمؤسسة العسكرية والدولة السورية، بالإضافة إلى عدم وجود ضوابط صارمة للسلوكيات الطائفية والمناطقية، وخطاب الكراهية الذي يسود في أوساط هذه المؤسسات.
وعلى مستوى موظفي الدوائر الحكومية، يسود تمييز بين الموظفين القادمين من شمال غرب سورية والموظفين الذين كانوا قبل سقوط نظام بشار الأسد سواء لناحية التعامل أو لناحية الأجور، إذ يتقاضى الموظفون الجدد القادمون من شمال غرب سورية، سواء من سكان المنطقة أو الذين هجروا إليها، رواتبهم بالدولار الأميركي وبقيم تعادل أربعة أضعاف ما يتقاضاه الموظفون الحكوميون الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة السورية.
عدم التخلص من عقلية الفصيل والذهاب إلى عقلية الدولة التي تساوي بين جميع مواطنيها تحت سقف القانون وإحلال عقلية “من يحرر يقرر”، من شأنها أن تؤدي إلى أشكال أخرى من الفساد وأن تحوّل الدولة إلى مجرد غنيمة في عقلية من يعتبر نفسه محسوباً على المحرِّرين، كما أنها تساهم في زيادة الشرخ بين مكونات المجتمع السوري وفي زيادة حدة الاستقطابات بين هذه المكونات.
العربي الجديد



