أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

سوريا بين خطابي الفاشية المزعومة والوطنية المنتهية/ ميشال شماس

2025.08.30

في خضمّ السرديات المتضاربة حول ما آلت إليه سوريا، يتصدّر خطابان متناقضان المشهد: أحدهما يُشيطن المجتمعات السنية تحت عنوان “الفاشية”، والآخر ينعى الوطنية السورية بوصفها تجربة انتهت دون رجعة.

هذا المقال لا يكتفي برفض التوصيفين، بل يسعى إلى تفكيكهما، وكشف ما يغيب خلفهما من تعميمات سياسية، وتجاهل للسياقات المحلية والإقليمية التي ساهمت في إنتاج الخراب. فالوطنية السورية لم تُدفن، والفاشية ليست قدراً، بل كلاهما خطابان يحتاجان إلى مساءلة دقيقة.

وحين قرأت مقال الكاتب موريس عايق بعنوان “الحرب الأهلية السورية في طورها الثاني”، شعرت بحاجة ملحّة للرد، ليس لأنني أملك الحقيقة، بل لأن المقال يطرح توصيفاً خطيراً ومضللاً لما سماه “الفاشية السنية”، ويُغفل عناصر جوهرية في فهم الواقع السوري والعربي الراهن.

في السطور التالية سأحاول أولاً تفكيك هذا المصطلح الإشكالي، ثم أنتقل إلى مناقشة قوله حول انهيار الوطنية السورية.

أولا- في مصطلح “الفاشية السنية” وتعميمه:

رغم محاولة الكاتب حصر المصطلح في تيار صغير داخل الإسلام السياسي، فإن استخدامه بهذا الشكل” كعنوان” يُنتج انطباعاً عاماً يُحمّل المجتمعات السنية العربية مسؤولية جماعية عن التطرف. هذا التوصيف لا يُسيء فقط إلى سنة سوريا، بل إلى ملايين العرب السنة الذين لا تربطهم أي علاقة بهذه التنظيمات، بل كانوا ضحايا لها في كثير من الأحيان.

كما أن المقارنة بين الفاشية الأوروبية والتنظيمات الجهادية الإسلامية تنطوي على خلط مفاهيمي واضح. الفاشية نشأت من رحم القومية والعرق، بينما الجهادية تقوم على تفسير ديني متشدد يُبنى على ثنائية الإيمان والكفر. ورغم وجود بعض التقاطعات الشكلية مثل الانضباط والتعبئة، فإن الأسس الفكرية مختلفة جذرياً. وإسقاط نموذج الفاشية على الجهادية يُنتج قراءة سطحية، ويُغفل السياقات التاريخية والدينية التي أنتجت هذه التنظيمات.

وهنا يكمن الفارق الجوهري الذي يُغيّر زاوية التحليل من توصيف ثقافي إلى مساءلة سياسية. فحين يُقدَّم التطرف بوصفه نابعاً من “ثقافة سنية” أو “هوية جماعية”، فإننا نُضفي عليه طابعاً جوهرياً وثابتًا، ونُحمّل جماعة بأكملها مسؤولية تاريخية عن سلوك أقلية متطرفة. أما حين نُعيد التحليل إلى سياقه السياسي والاجتماعي، فإننا نُحمّل المسؤولية لمن دمّر المجتمعات، وسحق المجال العام، وشرعن الطائفية، وسهّل صعود التنظيمات المسلحة. بهذا ننتقل من إدانة ثقافة إلى مساءلة منظومات سياسية، أمنية، وتحالفات إقليمية ودولية.

ثانياً- تجاهل دور الميليشيات الشيعية المسلحة:

ما يُثير الاستغراب هو أن الكاتب ركّز على التنظيمات السنية المتطرفة، وتجاهل تماماً الميليشيات الشيعية المسلحة التي لعبت دوراً محورياً في تدمير النسيج الوطني في أكثر من بلد عربي، في لبنان، العراق، اليمن، وسوريا، وساهمت في تأجيج الصراع الطائفي، وارتكبت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وفرضت واقعاً طائفياً قسرياً على المجتمعات التي اخترقتها.

في سوريا، كان تدخل حزب الله والميليشيات الإيرانية عاملاً حاسماً في تحويل الثورة إلى حرب طائفية، وفي ارتكاب مجازر بحق المدنيين، خاصة في المناطق السنية. تجاهل هذا الدور يُنتج قراءة غير متوازنة، ويُحمّل طرفاً واحداً مسؤولية التطرف، بينما يُبرّئ أطرافاً أخرى ساهمت في إنتاج العنف وشرعنته وتوسيعه.

ثالثاً- مسؤولية النظام السوري في صناعة التطرف:

 لا يمكن اختزال صعود التطرف في سوريا باعتباره نتاج عوامل اجتماعية أو دينية فقط. دون التعرض لدور نظام الأسد المحوري في صناعة البيئة الحاضنة للتطرف، سواء قبل الثورة أو أثناءها:

    بعد احتلال أميركا للعراق، فتح نظام الأسد أبواب البلاد أمام آلاف الجهاديين العرب، ليعبروا منها إلى العراق بهدف قتال القوات الأميركية. وقد سمح النظام لبعض خطباء المساجد بالتحريض والتعبئة الدينية لدعم هذا التوجه، وبرزت شخصيات مثل “القعقاع”، الذي تولّى تجنيد الإسلاميين وإرسالهم إلى العراق تحت راية الجهاد. وكان من يعود منهم حياً يُعتقل فوراً من قبل المخابرات السورية، في خطوة تهدف إلى تقديم النظام أمام الغرب بصفته “محارباً للإرهاب”، بينما كان في الواقع يراقب هؤلاء العناصر ويستفيد من وجودهم لضبط المشهد الداخلي وتنظيمه.

ومن المهم الإشارة هنا إلى قضية توليتها مع أستاذي خليل معتوق الذي أخفاه نظام الأسد في سجونه منذ 2/10/2012 من دون أن نعرف عن مصيره شيئاً، قضية تتعلق بشاب من مدينة حمص كان يُحاكم أمام محكمة أمن الدولة العليا عام 2005 بتهمة الانتماء إلى جماعات إرهابية متطرفة. وقد صرّح لنا هذا الشاب، حرفياً، أنه كان يستمع لخطب القعقاع، وتم إرساله إلى العراق لقتال الأميركيين عبر مطار المزة العسكري، حيث نُقل بطائرة مروحية مع مجموعة من الأشخاص، ثم وُضعوا على الحدود العراقية بعد تزويدهم ببواريد روسية.

    بعد اندلاع الثورة السورية في آذار 2011 أطلق الأسد آلاف الإسلاميين المتشددين من سجونه، بالتنسيق مع حكومة المالكي في العراق التي سهلت أيضا هروب آلاف الجهادين من سجونها. كما سحب الشرطة والأمن من مناطق واسعة خاصة من الأرياف والمناطق الحدودية، لتسهيل تسلل الجهاديين إلى سوريا وتصدرهم المشهد العسكري والسياسي، لتصوير الثورة السورية على أنها “ثورة سنية إرهابية مسلحة”، ما يسهل قمعها داخلياً وتسويق نفسه كشريك غربي في الحرب على الإرهاب.

    ارتكب نظام الأسد من المجازر والتعذيب والقتل مالم يرتكبه نظام ضد شعبه وخاصة السنة، وانتهج بحقهم سياسات التهجير والتجميع القسري، وتدمير المدارس والبنى التحتية، التي خلقت أجيالاً من الأطفال لم تتحصل على التعليم المدني ولا المهارات الحياتية ولا الوعي السياسي، وأصبحت جزءاً من بيئة خصبة للتجنيد العسكري والتحشيد الطائفي. هذه السياسات لم تكن عشوائية، بل جزء من هندسة ممنهجة لإعادة تشكيل المشهد السياسي، وتفخيخ الثورة من الداخل، وتحويلها إلى صراع طائفي يخدم بقاء النظام.

 رابعاً- المجتمع السوري في حالة انتقالية:

ما فات الكاتب هو أن المجتمع السوري لا يُمكن اختزاله في لحظة واحدة أو توصيف ثابت. إنه مجتمع في حالة انتقالية، يتغيّر ويتحوّل، ويُعيد تشكيل نفسه بعد سنوات من الحرب والتهجير والتدمير. التنظيمات المتطرفة ليست نابعة من هذا المجتمع، بل فُرضت عليه، أو صُنعت في مختبرات النظام، أو جاءت من خارج الحدود.

إن ما يظهر من تطرف ليس تعبيراً عن جوهر الجماعة، بل عن ظرفها التاريخي القاسي. المجتمع السوري، رغم كل ما مرّ به، لا يزال حياً، قادراً على إنتاج مبادرات مدنية، وإعادة بناء المجال العام، واستعادة فكرة المواطنة.

خامساً- سيناريوهات المستقبل ليست مغلقة:

يقترح المقال أربعة سيناريوهات قاتمة: انتصار الفاشية، وصوملة البلاد، والفيدرالية، والانفصال. لكنه يُغفل خياراً واقعياً وأكثر إنصافاً:

إعادة بناء المجال العام السوري من خلال مبادرات مدنية محلية، ومجالس لامركزية، وإحياء فكرة المواطنة كعقد اجتماعي شامل، بعيدًا عن الانقسام الطائفي أو الاستقطاب. هذا الخيار ليس طوباوياً، بل بدأ يتحقق في بعض المناطق، ويُثبت أن السوريين قادرون على ترميم الثقة، وإعادة بناء وطنهم، رغم كل الخراب.

سادساً- الوطنية السورية لم تمت:

من بين أكثر النقاط إثارة للجدل في مقال موريس عايق، إعلانه موت الوطنية السورية وكأنها انتهت من دون رجعة. هذا الاستنتاج، رغم ما فيه من تشاؤم تحليلي، يتجاهل حقيقة أن الوطنية السورية ليست خطاباً جامداً، بل مشروع حي، ومرن، وقيد التشكل المستمر، حتى في أحلك الظروف.

لقد ظهرت الوطنية السورية في محطات مفصلية من تاريخ البلاد: من مقاومة الاستعمار الفرنسي، إلى مشاركة السوريين في القتال ضد إسرائيل في حرب تشرين 1973، حيث تجلّت في مشاهد حشود المتطوعين أمام شعب التجنيد، حيث وقف آلاف الشباب السوريين، من مختلف المناطق والطوائف، في طوابير طويلة، مدفوعين بشعور الانتماء والواجب الوطني، لا بالإكراه أو الخوف، بل برغبة صادقة في الدفاع عن الوطن. كانت تلك اللحظات تعبيراً حياً عن وطنية غير مؤدلجة، نابعة من الناس أنفسهم، ومن إحساسهم بأن سوريا تستحق التضحية. وتجلت أيضاً بمشاركة مختلف مكونات الشعب السوري، وإن بنسب متفاوتة في الثورة السورية عام 2011، لكنها عبّرت عن حلم وطني جامع في مواجهة الاستبداد.

صحيح أن الانتماء الوطني تعرض لتشظيات وضغوط هائلة، بفعل الحرب والتهجير والطائفية، لكنه لم يمت. فلا تزال هناك مبادرات مدنية، وحركات شبابية، وشبكات مجتمعية تعمل على إعادة بناء الوطن، واستعادة المجال العام، رغم كل التحديات. إن إعلان “موت الوطنية” لا يُعبّر عن الواقع، بل يخدم سردية الاستبداد التي طالما ادّعت أن السوريين عاجزون عن التوحد إلا تحت قبضة الحديد والنار.

باختصار، سوريا ليست فاشية، وأي حديث عنها اليوم يتطلب في المقام الأول تفكيكاً دقيقاً للفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين بعيداً عن التعميم والتشاؤم الذي يختزل المستقبل في سيناريوهات قاتمة. والوطنية السورية لم تمت، بل هي في قلب الصراع اليوم، فإما أن تعاد صياغتها على أسس مدنية عادلة، أو تظل مختطفة بين الاستبداد والتطرف. بل يجب أن نُعيد الاعتبار للإنسان السوري، وللمجتمع الذي لا يزال يقاوم، ويُحاول أن ينهض من تحت الركام، لا بوصفه ضحية، بل بوصفه فاعلاً قادراً على انتشال دولته من وسط هذا الخراب، وبنائها حجراً فوق حجر وقيمة فوق قيمة، مهما بدا المشهد معقداً أو مشوشاً.

تلفزيون سوريا

—————————–

زمن “الفاشية السنية”.. حين تتحوّل لغة (الثقافة) إلى سلاح يهدد سوريا/ وائل مرزا

أتساءلُ منذ أيام:  ماذا يعني أن يصل الأمر إلى مرحلةٍ يُبشرُنا فيها ، كسوريين، موقعٌ مثل الجمهورية.نت AlJumhuriya.net يرفع شعار “كل سوريا.. كل الحرية” بمقالٍ ينتهي بهذه العبارة/النتيجة: “إن سوريا قد انتهت وما علينا إلا دفنها، والسعي إلى مستقبل أفضل خارجها”؟ ماذا يعني بخصوص ما تبقى من معاني هذا الشعار لدى من صاغه؟..

وماذا يعني أن ينشر الموقع المحترم، بشعاره المذكور أيضاً، مقال الكاتب #موريس_عايق عن “#الفاشية_السنّية”، شاملاً بها ملايين السوريين، تحت شعار “#حرية_الرأي” المحترم بدوره؟ ماذا يعني بخصوص الموقع الفكري والنفسي الذي يصل إليه المرء، في مواجهة الواقع السوري الراهن، ليأخذ قراراً بنشر مثل هذا (الرأي)؟

أين هي “كل سوريا” في مثل هذه القرار؟ وهل هذا هو معنى “كل الحرية” المستخدم في الوصول إليه؟

بطبيعة الحال، للزملاء في الموقع “كل الحرية” في تحديد ماهية “كل سوريا” التي يجري الحديث عنها..

وكل مانفعله هنا هو تذكيرهم ببعض ملابساتٍ للموضوع، قد تساعد على وضع البحث في سياقٍ أكبر، يتعلق بالأثر السياسي-النفسي-الاجتماعي لوصف “الفاشية السُّنية”.. عسى ولعلَّ أن يأخذوه بعين الاعتبار.

لقد أحجمنا عن إرسال الموضوع المختصر (أدناه) للنشر لديهم، تجنباً لمظنة الإحراج برفضه.. وإذا كان بالإمكان نشره في الموقع نقلاً عن هذه المساحة، فقد يكون هذا مدعاةً لاستعادة أملٍ كبير! حتى ولو كان تخريج المسألة (تحريرياً) أمراً فريداً، ولايندرج في سياق تقاليد النشر (التي يبدو أحياناً وكأنها منزلةٌ من السماء)..

مقدمة

ليس مجرد رأيٍ مخالف أن يختار كاتبٌ وصفَ “الفاشية السنية” للإشارة إلى الشريحة الأكبر من السوريين. وإنما هو تجاوزٌ خطير يجعل الكلمة سلاحاً يزرع الفتنة ويقوّض إمكان بناء وطن جامع. فاللغة تصنع الواقع السياسي بقدر ما تصفه، والخلط بين أيديولوجيا محددة مثل الفاشية، وهي نظام شمولي قائم على تمجيد العنف والزعيم الواحد ونفي التعددية، وبين انتماءٍ ديني وثقافي واسع يضم عشرات الملايين، ليس إلا خطأً تصنيفياً فادحاً (Category Error) يختزل البشر في هوياتهم، ويحوّلهم إلى “كتلة متهمة” خارج النقاش الفردي والسياسي.

وصمٌ جماعي يقوّض المواطنة

هذا النوع من الخطاب ينسف مبدأ الفردية والمسؤولية الشخصية، ويُرجع النقاش من مستوى السياسات والممارسات إلى الانتماء الطائفي، ليُنتج بيئةً تستحضر خطاب الحرب الأهلية. ومثل هذا الوصف لا يخدم نقد الدولة أو الجماعات المسلحة أو التطرف، وإنما يُعيد إنتاج خطاب تقسيمي، حيث يصبح الانتماء هو التهمة، لا الفعل. والنتيجة: إضعاف الثقة الأفقية بين المواطنين، وتوفير مبررٍ لأي سلطة قمعية لتبرير سياساتها، وفي الوقت نفسه، تغذية خطاب الضحية لدى الأكثرية، مما يخلق دائرةً مغلقة من التطرف والاستقطاب.

جرح نفسي عميق في مجتمعٍ مثخن بالصدمة

في بلدٍ عاش نصف قرن من القمع والحرب، ثم ثورةً مدمّرة، فإن أي وصمة جماعية تُعيد تنشيط “الذاكرة الجريحة” وتُنتج صدمة سياسية جمعية (Collective Political Trauma). فحين يُقال للملايين إن هويتهم “فاشية”، يشعر قسمٌ منهم بالعار الجماعي، وقسمٌ آخر بالغضب والرغبة في التحدّي، ما يؤدي إلى تصلّب مواقف، وانسداد الحوار. وهذه هي الوصفة المثالية لتحويل المجال العام إلى ساحة اتهامات وانفعالات، لا ساحة سياسة.

أثرٌ اجتماعي يهدد العدالة الانتقالية

تتطلب العدالة الانتقالية محاسبة دقيقة قائمة على أفعال محددة وأدلة واضحة. بالمقابل، يلغي الوصف الجماعي هذه الفوارق ويشوّش على إمكان بناء مشروع وطني جامع. إننا هنا أمام خطاب يُعيد “تطييف” النقاش العام، ويزرع الجدران النفسية والسياسية بين السوريين بدل أن يفتح جسور الثقة.

البعد الأخلاقي والقانوني: حرية الرأي ليست رخصةً للوصم

من منظور القانون الدولي، حرية التعبير حقّ أساسي، لكنه مشروط بالمسؤولية. المادة (19) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تنص بوضوح على أن ممارسة هذا الحق يمكن تقييدها لحماية حقوق الآخرين وسمعتهم، وللحفاظ على الأمن القومي والنظام العام. كذلك رسّخت المحكمة العليا الأمريكية في قضية Brandenburg v. Ohio (1969) مبدأ أن التحريض المباشر على العنف لا تحميه حرية التعبير. وفي ألمانيا، يُعتبر إنكار المحرقة جريمة. هذه الأمثلة تؤكد أن حرية التعبير لا تعني الاستخدام الفوضوي للرأي والكلمة، ولا تبرر نشر خطابٍ يزرع الانقسام أو يعيد إنتاج الكراهية.

كما أن الفيلسوف جون ستيوارت ميل وضع قاعدة ذهبية في كتابه “عن الحرية” (On Liberty): “حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ أفعاله بإلحاق الضرر بالآخرين”

هذه القاعدة تجعل الحرية قرينةً بالمسؤولية، وتحذّر من تحويلها إلى ستارٍ للتحريض أو الإقصاء.

البعد المعرفي: وهم “الجوهرنة”

التعميم القاطع يعكس كسلاً فكرياً. فالمجتمع السوري ليس كتلةً متجانسة، وإنما فسيفساء متداخلة من المذاهب والأفكار والتيارات. وحتى داخل الأكثرية السنية هناك ليبراليون وإسلاميون، معتدلون ومتطرفون، معارضون وموالون. إن إغفال هذا التنوع، أو الإشارة إليه بشكلٍ عارض.. وتحميل ملايين الأفراد وزر ممارسات تنظيمات محدودة، يقوّض أي نقاش جاد، ويحوّل الخطاب الفكري إلى شعاراتٍ أيديولوجية.

الطريق البديل: لغة مسؤولة تبني ولا تهدم

ثمة حاجةٌ، ومجال، في مثل هذا المقام لبعض ممارسات منهجية تحمي الجميع من آثار تفاقم الوضع، ومن أهما ثلاثة نذكرها باختصار:

١) التركيز على تشخيص الفعل لا الهوية: بمعنى تسمية الممارسات الاستبدادية أو النزعات الفاشية حيث توجد، دون تحويلها إلى سمة وجودية لجماعة.

٢) الدقة الاصطلاحية: تحديد السياقات، وأسماء التنظيمات، والأدلة، بدلاً من الأحكام الشمولية.

٣) التوازن النقدي: مقاربة أخطاء كل الأطراف بمعيار واحد.

خاتمة

اللغةُ تصنع الواقع السياسي بقدر ما تصفه. ووصفُ الشريحة الأكبر من السوريين بـ”الفاشية” ليس “رأياً مخالفاً” فحسب، وإنما هو إطارٌ مُنتِج للضرر: يُقسِّم، ويُصعِّد، ويصنع أعداءً من مواطنين. إنه يعيد إنتاج الصراع بلغة جديدة، ويضعف فرص العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، ويزرع بذور الانفجار في مجتمعٍ أنهكته الحرب.

إن النقد الشجاع مطلوب، لكن شجاعة النقد تبدأ من الدقة والمسؤولية: سمِّ الفعل، حدِّد الفاعل، قدِّم الدليل، واحفظ كرامة الهوية الإنسانية والدينية بوصفها سقفاً أخلاقياً لا يُمسّ.

وإذا أردنا سياسةً تُداوي جراح البلد، فعلينا أن نختار مفرداتٍ تُشخِّص بدقّة ولا تُجرِّح بالجملة؛ مفرداتٍ تبني المجال العام بدل أن تحيله ساحةً لصراع الهويات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى