عن الانتخابات المزمع اجرائها في سوريا مقالات مختارة- تحديث 29 آب 2025

أنطر المقال التالي
عن الانتخابات المزمع اجرائها في سوريا مقالات مختارة-
بحثاً عن «إدماج لازم» في العملية الانتقالية: تحديات الجغرافيا فرصة لتجاوز مطب الاستبعاد الانتخابي/ سامر ضاحي
29-08-2025
تعكس عملية إعادة بناء المؤسسات السياسية الجارية حالياً توجهاً عاماً لصياغة دولة جديدة، وإن كانت ضمن مسميات وتجارب مألوفة. ومع ذلك، يبقى التحدي الأبرز هو ضرورة ضمان أن تكون العملية الانتقالية شاملة وتتيح فرصاً للمشاركة لجميع الفئات، مع بقاء مجال للاستدراك وتصحيح المسار عند الحاجة.
في هذا السياق، يوفر الوضع الحالي من عدم إمكانية إجراء الانتخابات في أكثر من محافظة فرصة لمراجعة النظام الانتخابي الجديد لمجلس الشعب المؤقت الصادر في 19 آب (أغسطس) 2025، خصوصاً ما يتعلق بالمادة 21 التي تحدد شروط العضوية في الهيئة الناخبة، وتنص على ألا يكون العضو من «داعمي النظام السابق والتنظيمات الإرهابية بأي شكل من الأشكال». إذ أن عمومية صياغة هذه المادة قد تقود لتفسيرات واسعة تسهم في الإقصاء الجماعي لملايين السوريين.
أولاً: الغموض بوابة الإقصاء
تثير الصيغة الفضفاضة لعبارة «بأي شكل من الأشكال» في المادة 21 الالتباس أكثر مما يثيره مصطلح «التنظيمات الإرهابية» – وهو ما لن تخوض فيه هذه المقالة – باعتبار أن أول وأهم أشكال ومؤشرات الدعم هي المشاركة في الانتخابات السابقة، سواء الرئاسية أو البرلمانية أو حتى انتخابات الإدارة المحلية التي كان يُهندسها «البعث». وثانيها الانتماء لحزب البعث أو مؤسسات الدولة التي تم حلها بحجة أنها تتبع للنظام السابق، وحتى شغل أي وظائف حكومية أو إدارية في مؤسسات الدولة السابقة – وفق هذه الصيغة الفضفاضة – يمكن اعتباره مؤشراً للدعم أيضاً.
وباعتبار أن التشريعات المتعلقة بالحقوق السياسية ينبغي أن تستند إلى نصوص دقيقة وواضحة، وأن يقتصر التقييد فيها على أسباب محددة وموضوعية، مثل ارتكاب جريمة جسيمة أو فقدان الأهلية القانونية. فإن النصوص المفتوحة على احتمالات تفسيرية واسعة كما جاء في «المادة 21» تُشرعِن للإقصاء الانتقائي، وتُهدد أسس ومبادئ العدالة الانتقالية التي تقوم على المسؤولية الفردية عن الأفعال المحددة، لا على الانتماءات أو الممارسات العامة التي فُرضت على المواطنين في سياقات سياسية قسرية.
ثانياً: المشمولين بالعزل المدني الجماعي
في حال تم تبنّي التفسير الموسّع للمادة (21)، فإن كلَّ من ثبتت مشاركته في أي عملية انتخابية منذ عام 1963 يمكن أن يُصنَّف ضمن خانة «داعمي النظام السابق بأي شكل من الأشكال» بما في ذلك مسؤولون في الإدارة الجديدة. خاصة في حال توفرت بيانات انتخابية موثّقة. فبالعودة لقانون الانتخابات رقم (5) لعام 2014، في مادته (125)، فإنه يلزم بحفظ المستندات الانتخابية، بالتالي سجلات آخر انتخابات رئاسية جرت في 2021 محفوظة لدى وزارة الداخلية، بينما سجلات انتخابات مجلس الشعب 2023 ومجالس الإدارة المحلية 2022 محفوظة لدى المحافظات. بالتالي وجود مثل هذه السجلات الرسمية اليوم يمنح أي طرف يسعى إلى تضييق قاعدة المشاركة السياسية على آخرين أدوات جاهزة لاستخدامها، ووحدها انتخابات مجلس الشعب للدور الرابع شارك فيها أكثر من سبعة ملايين مواطن بحسب اللجنة العليا للانتخابات حينها وبالتالي هؤلاء يفترض أنهم محرومون من عضوية الهيئة الناخبة اليوم.
ثالثاً: استدراك الحد الأدنى
يدرك كثيرون أن نجاح الصورة الحالية من «الانتقال» يتطلب تسويات معقولة بين النخب القديمة والإدارة الجديدة. شهد الشارع السوري بالفعل بعضها مع شخصيات اقتصادية وميليشياوية، في إطار ترتيبات سلطوية أثارت حفيظة قطاعات من «جمهور الثورة»، كما أنها استبعدت بشكل شبه كامل باقي النخب التقليدية وخاصة السياسية، الأمر الذي ساهم في تصاعد العنف أحياناً وانعكس في صورة «مقاومات سياسية وعسكرية» في أحيان أخرى.
ولأن التحولات السياسية عادة ما تتحكم بها النخب الأساسية – الجيش، البيروقراطية، ورجال الأعمال – وليس عامة الشعب فقط، فإن الإقصاء إذ ما استمر قد يقود إلى انهيار مؤسساتي وفوضى يصعب احتواؤها مستقبلاً. يبدو أن ما تفتقده التجربة السورية الجديدة هو مفهوم «الإدماج الحقيقي» الناجم عن عملية تشاركية فعلية، وقد ظهرت الحاجة لذلك عملياً، فمقابل عدم وضوح حالة السلطة اليوم، هناك حالة فراغ في التمثيل المجتمعي، والإدماج الحقيقي بوابة تسمح بمشاركة سياسية مع نزع النفوذ غير المشروع للنخب السابقة، بما يضمن استقرار «الانتقال الحالي» ويعزز شرعيته، سواء أعجبنا نظام الحكم الصاعد أم لم نرضَ عنه.
بالعودة لجوهر المقال، فإن مناقشة متأنية لـ«الإدماج اللازم» في العملية الانتقالية يُساعد على معايرة النظام الانتخابي من منظور يُعطي الأولوية للاستقرار في بلد مضطرب، ويقتضي التمييز بدقة بين العدالة القضائية -أي محاسبة مرتكبي الجرائم وفق القانون- والعدالة السياسية التي تُعنى بإعادة بناء النظام السياسي على أُسس تشاركية. فالعقاب الجماعي يُضعف شرعية النظام الجديد وما يبنيه من مؤسسات، بينما تضمن المحاسبة الفردية تعزيز الثقة وترسيخ العدالة المتوازنة.
بناء على ما سبق، يفترض البحث عن مداخل لتوافقات الفئات المتنازعة. ولعل في مقدمة ما يجب العمل عليه هو عدم السماح للنصوص القانونية الغامضة بأن تتحول إلى أدوات إقصاء تضع ملايين السوريين في موقع الخصومة مع العملية الانتقالية، وتكرّس الانقسام العمودي في المجتمع.
كما أن مخاطر الإقصاء لا تقف عند حدود التماسك الاجتماعي، وإنما تمتد إلى تهديد بقاء «الدولة» نفسها إذا استمر التركيز على العقاب الجماعي ومنحه الأولوية على الاستقرار. وفي المقابل، فإن تغليب الاستقرار على العدالة سيؤدي إلى إعادة إنتاج نسخة معدلة من النظام السابق إن لم يكن تكراره.
ما يمكن اقتراحه من حل اليوم -وإن لم يكن سهلاً- يكمن في نهج تدريجي يوازن بين المحاسبة الفردية والمشاركة الأوسع للمجتمع، بما يسمح بترسيخ الثقة، وحماية المؤسسات، وفتح الطريق أمام مشاركة ديمقراطية أكثر رسوخاً وإن لم يتم تسميتها علناً بذلك.
رابعاً: آلية اللحاق بالقطار
رغم فداحة الإشكالية المطروحة، إلا أن ثمة مجالاً لتداركها. فالغموض الكامن في المادة (21) لا يمكن الرجوع عنه إلا بتعديل المرسوم وهو ما لا يمكن توقعه، وإنما هناك آلية أخرى أكثر واقعية تسمح بالضبط والمعالجة وهي «التعليمات التنفيذية»، لاسيما أن المرسوم قد عهد بإصدارها إلى «اللجنة العليا للانتخابات»، ما يُتيح هامشاً أكبر من الحياد والمرونة إذا ما اعتمدت اللجنة لإصدار«التعليمات» على خبرات قضائية. فالمادة (52) تمنح اللجنة صلاحية صياغة ضوابط دقيقة قادرة على تفادي التفسيرات الانتقائية، عبر التمييز الصارم بين المسؤولية الفردية والجماعية، واستبعاد فقط من ثبت تورطه قضائياً في جرائم جسيمة، لا جميع من ارتبط بالنظام السابق أو شارك في مؤسساته أو عملياته الانتخابية.
هذه الآلية يمكن الاستفادة منها لتوسيع هامش المراجعة للنظام الانتخابي والثغرات التي يمكن سدها من خلال التعليمات التنفيذية، باعتبار أن كثيراً من الثغرات مرده إلى قلة خبرة «اللجنة العليا» وعدم شفافية آلية عملها، ولعل توضيح وتحديد ما ورد بالمادة (21) يعكس اختبار موضوعي للقدرة والجدية في التوجه نحو بناء عدالة انتقالية متوازنة تنطلق من الاستعداد لتعديل المسار كلما قضت الحاجة.
موقع الجمهورية
———————–
انتخابات سورية بنتائج عكسية/ أرنست خوري
27 اغسطس 2025
حتى لو كانت انتخابات مجلس الشعب السوري التي يفترض أن تجرى في الشهر المقبل (سبتمبر/ أيلول)، تنطبق عليها المعايير القانونية ــ التقنية السليمة، وهي غير متوفرة في استحقاق الخريف، فإنّ هذه الانتخابات ربما تكون نقيض ما تحتاجه سورية في هذه المرحلة. ينطبق الأمر على جميع البلدان الخارجة من حكم نظام شمولي قاتل للبشر وللسياسة، ومن حرب أهلية طاحنة، ولم تتمكّن من خوض مرحلة انتقالية ديمقراطية أو على الأقل مستقرّة بأفق ديمقراطي، وبحدّ أدنى من التوافقات على ملامح الدولة الجديدة بمؤسّسات متماسكة، وبإجماع على شكل تعاطي المركز مع المكوّنات والأطراف وإعلاء المواطنة على ولاءات القبائل والطوائف والإثنيات. لم يحصل شيء من ذلك في سورية، زِد على ذلك أن حوالي ثلث السوريين (حوالي تسعة ملايين) يعيشون في الخارج، لاجئين أو منفيين أو مهاجرين لم يحسموا قرار عودتهم من عدمه. ثلاث محافظات (الرقّة والحسكة والسويداء) مقصية عن المشاركة (استثناؤها أفضل من إشراكها صورياً)، وهي بتقديرات عام 2011 لعدد السكان مسقط رأس أكثر من ثلاثة ملايين من السوريين. سورية التي يُراد إجراء انتخابات تشريعية فيها، عرفت في ثمانية أشهر مجازر طائفية، وقد بلغت العلاقة بين مكوّناتها حضيضها وبلغ تدهور الهوية الوطنية قاعه. في وضع بائس كهذا، لم يكن ينقص الانتخابات المفترضة لتكون بلا معنى سياسي ووطني في أحسن الأحوال، وخطيرة في أسوأها، إلا قانون يجعل الرئيس وصياً على السلطة التشريعية، بتعيينه ثلث النواب (70 من 210)، وبكونه صاحب اليد الطولى في حصر حق التصويت بـ”هيئات ناخبة” مكلفة باختيار النواب الـ140 بالوكالة عن الناخبين.
إن كانت الانتخابات يُرجى منها تنظيم العمل السياسي وتأطير الخلافات وتداول السلطة سلمياً، فإنها في حالات كسورية اليوم قد تأتي بمفعول عكسي، لأنّ لا شيء جاهزاً لإجراء انتخابات. الثقة بالدولة في أدنى مراتبها، كذلك حال الإجماع على الدولة وعلى مؤسّساتها المنهارة. وكما يقول عزمي بشارة في محاضرة له في أواخر عام 2019 في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، في سياق ليبي يتشابه في نقاط عديدة مع الوضع السوري اليوم، فإنّه في ظل وجود شروخ قبلية وطائفية وفي حالة هشاشة الدولة، لا تبدأ بالانتخابات، بل ببناء الدولة ومؤسّساتها، لأن الانتخابات قد تكون مضرّة في الانتقال الديمقراطي، ذلك أنها تُفاقم الشروخ الإثنية والطائفية وترقّي حركات مذهبية، ولا تعطي الوقت لبناء مؤسّسات شرعية تجري الانتخابات تحت سقفها. الفصائل المسلحة تسيطر على المجتمع السوري ولم يؤدِّ إخضاعها لوزارة الدفاع إلى جعلها جيشاً وطنياً. مؤسّسات الدولة التي كان يفترض الحفاظ عليها وتطويرها وإصلاحها بعد سقوط النظام جرى حلها، كالشرطة والجيش والأجهزة الأمنية، مع تسريح أعداد من الموظفين الحكوميين، وهم الأساس البيروقراطي لتسيير شؤون البلد ويومياته. الشرخ الوطني وصعود النَفَس الانفصالي غير مسبوقين. الوحدة الوطنية غير موجودة إلا في القصائد، ولا تنازلات ولا وجود فاعلاً لنخب قادرة على إبرام مساومات. لا أحزاب لها حيثية تعمل وتطرح برامج وأفكار تستقطب مؤيدين، بل عشائر وطوائف كل ما تفعله إضعاف المواطنة. في سورية اليوم، لا مرشّحين ولا ناخبين مستعدّين لتقبل خسارة انتخابات في مجتمع ينتشر فيه السلاح أكثر من الخبز.
في هذه الظروف، ما الذي نتوقعه من انتخابات سبتمبر السوري إن حصلت بالفعل؟ في أحسن الأحوال، أن تجري بلا دم وأن تبلغ المشاركة الشعبية ما بلغته في انتخابات ليبيا 2014 (18%) قبل أن تُنسى نتائجها في برلمان لا صلاحياته تجعله مستحقاً اسمه، ولا قانون انتخابه يجعله تمثيليّاً حقاً. أما أسوأ السيناريوهات فإنها تفتح على أبواب اقتتال متنقل بين مرشّحين خاسرين وفائزين وبين طوائفهم ومناطقهم ومللهم وعشائرهم ومليشياتهم. الأسوأ من ذلك كله أن تغذّي تلك الانتخابات المظلوميات، وأن تعزّز من نزعات التصدّع الوطني، وأن تزيد عدد الساعين إلى الانفصال على أساس إثني وطائفي عن الجسد السوري المريض.
الانتخابات مثل أمها الديمقراطية، عادة واعتياد وثقافة، تمرين وتقاليد. ما حصل في سورية منذ الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 حرّر ألسنة كانت معقودة، إلا أنه لم يرسِ شيئاً من تمرين على الديمقراطية ولا من ثقافة انتخابية.
العربي الجديد
————————————
انتخابات مجلس الشعب.. أبناء الرقة والحسكة خارج المشهد السياسي/ سامر العاني
2025.08.27
أثار قرار اللجنة العليا للانتخابات في سوريا، بإرجاء الاستحقاق الانتخابي في محافظتي الرقة والحسكة موجة واسعة من النقاش، تجاوزت البعد الإداري الإجرائي لتلامس قضية التمثيل السياسي والهوية الوطنية.
وفيما برّرت اللجنة القرار بـ”التحديات الأمنية”، اعتبر كثير من الأهالي أن الاستبعاد يعمّق شعور التهميش ويغلق باب المشاركة أمام مناطق تعاني أصلاً من أزمات سياسيّة وإنسانية واقتصادية متراكمة.
المفارقة أن التأجيل لم يقتصر على مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، بل شمل مدناً مثل تل أبيض ورأس العين، التي تخضع لسلطة المركز في دمشق، وهذا جعل الأهالي يتساءلون: هل المسألة أمنية بالفعل أم سياسية في جوهرها؟
على خلفية القرار
قبل أيام أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً صادق فيه على النظام الانتخابي المؤقت، محدداً عدد أعضاء مجلس الشعب بـ 210 ومبيناً شروط العضوية، غير أن اللجنة العليا أعلنت إرجاء العملية الانتخابية في الرقة والحسكة والسويداء بدعوى “عدم توافر الظروف الأمنية الملائمة”.
لكن استبعاد مدن خاضعة للسيطرة الحكومية أثار انتقادات واسعة، إذ رأى السكان أن ذلك يعكس توجهاً سياسياً يكرّس إقصاء المنطقة الشرقية من المشاركة الوطنية.
ولبحث إرجاء الانتخابات في محافظة الحسكة عقدت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، أمس الثلاثاء، اجتماعاً في مقر الهيئة السياسية لمحافظة الحسكة في العاصمة دمشق مع شخصيات سياسية واجتماعية وإعلامية ودينية من المحافظة، في أجواء متوترة، إذ أبرز الحاضرون أن محافظة دير الزور أكثر من نصف مساحتها خارج سيطرة الحكومة السوريّة، رغم ذلك ستجري فيها الانتخابات، بينما لن تجرى في الحسكة.
يقول المحامي صدّام الحلو الذي ينحدر من مدينة رأس العين لموقع “تلفزيون سوريا” إنّ الذريعة الأمنيّة لتأجيل الانتخابات الأمنية غير مقنعة، فالتأجيل يرسل رسالة سلبية بأن مشكلتنا ليست أمنية بل سياسية، مضيفا أنّ “تأجيل الانتخابات يجعلنا نشعر أن مستقبلنا ليس بأيدينا، وهذا يفتح المجال أمام قوى أخرى لتملأ الفراغ.”
ويرى الحلو أنّ محافظتي الرقّة والحسكة تعيشان حالة حصار سياسي مزدوج، (قسد) تمنع نشاطاً انتخابياً خارج سلطتها، والدولة تؤجّل الانتخابات لأسباب أمنيّة، والنتيجة بقاء المواطنين بلا صوت.
من جهته يقول أحد وجهاء مدينة الرقة، لموقع تلفزيون سوريا “حين يقولون الوضع الأمني لا يسمح، فهذا يعني عملياً أننا أصبحنا خارج المشهد السياسي، كأن أصواتنا لم تعد ذات قيمة.”
تهميش يتراكم
لم يكن أبناء الرقة والحسكة يتوقعون أن تتحول الانتخابات إلى فرصة ضائعة جديدة، فالمنطقتان تعانيان منذ سنوات من دمار البنى التحتية ونقص الخدمات وانقطاع المياه والكهرباء، وكان البعض يأمل أن تشكل المشاركة في الانتخابات ـ ولو رمزياً ـ خطوة لإعادة ربطهم بمؤسسات الدولة، لكن القرار الأخير عزّز قناعة بأنهم خارج الحسابات المركزية.
يقول الكاتب في الشأن السياسي محمود الماضي لموقع “تلفزيون سوريا” إن الحكومة ربما تسعى إلى الحفاظ على المسار السياسي مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مناطق سيطرتها، أو إلى تمرير رسالة للمجتمع الدولي بأنها تتعايش مع الوقائع المفروضة، لكن هذا التفسير لا يقنع السكان الذين يصرون على أن الانسحاب من ملف الانتخابات يعني تنازلاً سياسياً غير مبرر.
ويضيف “الماضي” أنّ استمرار استبعاد الرقة والحسكة من العملية السياسية يفاقم شعور العزلة ويفتح الباب أمام قوى محلية وخارجية لملء الفراغ، وهذا قد يضعف وحدة النسيج الوطني على المدى الطويل.
في المقابل يرى الماضي أنّ البحث عن آليات مرنة لمشاركة السكان ـ حتى لو في منظقتي رأس العين وتل أبيض ـ قد يسهم في ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع.
ولا يتعلق النقاش في الرقة والحسكة فقط بانتخابات مؤجلة، بل يتصل بجوهر المشاركة السياسية والانتماء الوطني، فبينما تبرر الحكومة قرارها بالظروف الأمنية، يطالب السكان بآليات بديلة تضمن أن يكون لهم صوت في رسم مستقبل بلدهم.
الأثر بعيد المدى
يقول الباحث في الشأن السياسي محمد سليمان لموقع “تلفزيون سوريا” إنّ التأجيل منع تقدم عناصر حزب العمال الكردستاني إلى الواجهة وقد قوبل برد فعل غاضب من السياسيين الكرد، بينما رأى السكان المقيمون ضمن مناطق سيطرة قوات “قسد” من عرب وتركمان وآشوريين وحتى الكرد الموالين للمجلس الوطني الكردي في الرقة والحسكة أن القرار كان صائباً من قبل الدولة السورية، كونه يحفظ حقهم الوطني ويمنحهم الفرصة للمشاركة الفاعلة في العملية السياسية ويضمن لهم تمثيلاً أفضل وأكثر توازناً في مجلس الشعب.
ويضيف سليمان أنّ قسد تعد الطرف الأكثر تضرراً من تأجيل الانتخابات، إذ إنها سعت منذ بداية الثورة السورية للمشاركة في الحياة السياسية، إلا أن المعارضة السورية لم تمنحها هذا الدور سابقاً بسبب المشروع غير الوطني لقسد.
ويرى أنّ قسد تسعى للحصول على مشروعية سياسية واحتكار للتمثيل في المناطق التي تسيطر عليها، لكن في ظل الظروف الراهنة، فإن أي انتخابات تجرى تحت سلطتها ستكون مشكوكا في نزاهتها، نظراً لسيطرتها الأحادية، ما سيقصي العرب وبقية المكونات الأصيلة في المنطقة من حقهم في التمثيل الحقيقي.
المقارنة مع السويداء
السويداء شملها أيضاً قرار التأجيل، لكن ظروفها تختلف، فالمحافظة الجنوبية تشهد أحداث واسعة مرتبطة باعتداءات إقليمية، تجعل أي عملية انتخابية شبه مستحيلة عملياً، بينما في الرقة والحسكة فالأمر مختلف ويمكن تُفتح صناديق اقتراع في دمشق أو المدن المحررة منها، ما يجعل غياب الانتخابات فيها أقل منطقية ويؤكد أن لكل محافظة خصوصيتها التي تستوجب حلولاً مختلفة.
وإزاء هذه المعضلة، يطرح ناشطون وخبراء – حاورهم موقع تلفزيون سوريا – عدة خيارات يمكن أن تُسهم في تقليص فجوة التمثيل، كتنظيم انتخابات جزئية في المدن الخاضعة لسيطرة الحكومة، بما يضمن إشراك جزء من سكان المنطقة، أو استحداث مقاعد تمثيلية مؤقتة تُملأ عبر آليات بديلة لحين توافر الظروف الأمنية، وإطلاق حوار محلي مع ممثلي المجتمع الأهلي للبحث في صيغ عملية تسمح بالمشاركة السياسية.
إن تحويل هذه الأزمة إلى فرصة للحوار وتطوير حلول وسطية قد يكون خطوة بنّاءة نحو إعادة دمج المنطقة الشرقية في الحياة الوطنية، وتجنب المزيد من القطيعة السياسية التي تهدد بترسيخ الانقسام.
تلفزيون سوريا
——————————-
مسؤول سوري: أتباع الأسد وحزب الله وداعش والانفصاليون ممنوعون من البرلمان.. لو تبرأوا
رئيس لجنة انتخابات مجلس الشعب لـ”العربية.نت”: لن نكرر تجربة “التصفيق وعاش الزعيم”
الرياض: خالد العنزي
28 أغسطس ,2025
كشف مسؤول سوري، عن إصدار قرار رسمي، بعدم قبول ترشح أي تابع، أو مؤيد لنظام الأسد، وميليشيا حزب الله في لبنان، وأرباب الطائفية التي وصفها بـ”العابرة للقارات”، و “داعش”، ومن سماهم بـ”الإنفصاليون” أو “المُستقوون بالخارج”، لانتخابات مجلس الشعب المرتقبة.
وأبدى رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا، محمد طه الأحمد، في حديثٍ مع “العربية. نت”، ضمان نزاهة الانتخابات البرلمانية السورية، للوصول إلى مجلس، يتمتع بالشجاعة، والكفاءة العلمية والعملية التي تمثل جميع أطياف الشعب السوري، بعيداً عن أشكال المجالس السابقة، التي امتازت – طبقاً لرؤيته – بـ”التصفيق، والتهليل”. كل ذلك، وغيره من تفاصيل، في نص الحوار التالي:
– وقع الرئيس السوري أحمد الشرع قبل أيام على النظام الانتخابي لمجلس الشعب. لكن هناك بعض الغموض المتعلق بمن يمكن قبول ترشحهم من عدمه. السؤال؛ إذا افترضنا أن شخصاً ما، من داعمي النظام السابق، أعلن براءته من الماضي.. هل سيتم قبول ترشحه في انتخابات مجلس الشعب؟
حتى لو أعلن توبه وبراءته لن يُقبل. الإرهاب يعني كل من تلوثت يداه بالدم السوري البريء، أو بدعم لميليشيا حزب الله، والمليشيات الطائفية العابرة للحدود، ودعاة الإنفصال، والفلول ومن ساند النظام، وداعش.
– كيف ستضمنون عدم تقدم أحد من داعمي النظام البائد والتنظيمات الإرهابية بأي شكل من الأشكال، أو أن يكون من دعاة الانفصال والتقسيم أو الاستقواء بالخارج. ما معيار ذلك؟
نص نظام الانتخابات على عدم قبول أي شخص من داعمي النظام الإرهابي، ودعاة التقسيم والإنفصال. وكون العملية تنطوي على الفرز المجتمعي من قبل اللجان الفرعية في الدوائر الانتخابية، ومن ثم الاعتراض من قبل العامة، وفق الشروط المنصوص عليها، ومن مراجعة اللجنة العليا للمقترحات. هذه الإجراءات كفيلة بعدم وصولهم للهيئات الناخبة، عدا عن وصولهم للترشح وللمجلس.
– هل لديك تطمينات بألا يكون المجلس المقبل في سوريا الجديدة، نسخةً مكررة من المجالس السابقة، التي يجيد أعضائها التصفيق للرئيس، وعاش الرئيس؟
نحن لجنة مستقلة سنعمل مع كل الجهات لضمان النزاهة والشفافية، والتمثيل الحقيقي. لن نسمح بأي خرق. سنحاسب مرتكبه مهما كان، حتى نضمن الوصول لمجلس شعب، ممثل حقيقي للشعب السوري، يمتاز بالشجاعة والكفاءة العلمية والعملية، والجرأة والفهم السياسي العميق، ليتمكن من أخذ دوره المزمع بعيداً عن الأشكال السابقة لمجلس النظام. هي كانت مجالس “تصفيق وتهليل”.
– كيف تنظرون لنظام مجلس الشعب بحذافيره؟
النظام الانتخابي المؤقت الذي صدر بمرسوم رئاسي من الرئيس أحمد الشرع، ناتج عن فكرة أولية من اللجنة العليا للانتخابات، وفق الواقع والظروف التي مرت بها البلاد. شعب سوريا يعاني من هجرة ونزوح، وغياب للأوراق الثبوتية، نتيجة سنين الحرب.
– هل خضع النظام للتطوير أم كان فكرةً عابرة؟
نعم تم تطويره. إنه نتيجة لجولات عديدة قامت بها اللجنة على المحافظات، ولقاءات تمت مع ممثلي المجتمع ورموزه، ومن خلال سلسلة اجتماعات مع ممثلي الشرائح المجتمعية السورية.
– وماذا بعد؟
من ثم عرض على اللجنة القانونية، التي إنتهت إلى الصياغة القانونية، وتم تعزيزه بجملة من المواد التي توافق الواقع السياسي لسوريا، بلجنة قانونية مختصة في الرئاسة،
فكان حقيقة قانون متكامل متوازن، ملائم للواقع، ومتوافق مع الإعلان الدستوري.
– ما مهام المجلس فيما يتعلق بالقوانين والأنظمة التشريعية والدستور؟
سيتولى المجلس مجموعة من المهام، التشريعية متمثلة بصياغة مسودة الدستور والمصادقة عليها، وصياغة القوانين والأنظمة، التي تنظم عمل باقي السلطات، بالإضافة للدور التمثيلي والرقابي على السلطة التنفيذية. المجلس سيكون قائماً بدوره على أكمل وجه، لضمان عملية البناء والتنمية.
– ما مدى ضمان عدم تكرار صورة مجلس الشعب إبان حقبة الأسدين. بمعنى هل سيكون له صلاحياته المطلقة أن سيكون شكلياً لا أكثر ولا أقل؟
إعلان النصر من قبل المنتصرون، أعطى الصلاحية للرئيس تعين كامل أعضاء المجلس. ولكن في الإعلان الدستوري، تم إعطاء للرئاسة صلاحية التعين بمعدل الثلث. اقتصر ذلك على التعيين في حال الوفاة أو إسقاط العضوية. في هذه الحالة يجب اللجوء للتعين الرئاسي.
الشرع: تنازلنا عن جرح حزب الله.. ونسعى لتجاوز حقبة الأسد مع لبنان
سوريا سوريا والشرع الشرع: تنازلنا عن جرح حزب الله.. ونسعى لتجاوز حقبة الأسد مع لبنان
– معروف أن سوريا دولة ذات مكونات مختلفة. ما الأساليب التي ستنفذونها لمنع استخدام الطائفية والإثنية والمذهبية والعشائرية في حملات الدعاية الانتخابية؟
هناك شروط للدعاية الإنتخابية، تتضمن فقط التعريف بالمعلومات الشخصية، والبرنامج الإنتخابي، ومناظرات بين المرشحين، أمام الهيئة الناخبة. من يثبت عليه المخالفة خاصة استخدام الطائفية والمذهبية، فهناك مجموعة من العقوبات ستطاله، بالإضافة إلى إسقاط ترشيحه وحقه في الإنتخاب.
– أحد الفقرات تقول “أن يتمتّع بحسن السيرة والسلوك. وألا يكون محكوماً بجناية أو جرم مُخلّ بالشَّرف، باستثناء القضايا ذات الطابع السياسي أو الأمني”؛ اشرح لي هذه الفقرة؟
تقدمنا بطلب لوزارة العدل بشرح الجرائم الشائنة والمخلة بالشرف، والسمعة والنزاهة. كل محكوم لا يحق له المشاركة، خاصةً في ظل أحكام النظام البائد، لا سيما منها السياسية، والأمنية، لما حملته من ظلم وتجني.
– هناك معلومات حول إحتمال تأجيل الانتخابات البرلمانية، وذلك بسبب أحداث السويداء، والخلافات مع الأكرد “قسد”.. هل سيستمر التأجيل لحين نهاية كل تلك الاشكالات؟
نحن بانتظار ما ستنتهي إليه المفاوضات القائمة بين الأطراف السورية. وجدنا تأجيل الانتخابات في بعض الدوائر الانتخابية، مع مراعاة الحفاظ على مقاعدها، لحين توفر الظروف التي تمكننا من إجرائها بنزاهة وشفافية، ودون أي ضغوط.
– معروف أن 20 بالمائة من أعضاء مجلس الشعب ذهب نصيب النساء وفقاً للنظام. ما المعيار الذي على أساسه يتم الموافقة على المتقدمات للمجلس؟
في تشكيل الهيئات الناخبة، يجب إلا يقل تمثيل المرأة عن عشرين بالمئة. سيكون هناك حملات توعية للترشح والمناصرة، حتى تضمن المرأة مقاعد مجزية في المجلس.
– أنت أحد أبناء محافظة حماة. ومعروف الأحداث التي تعرضت لها المنطقة على يد الأسد الأب. أريد منك افتراض أنه ما زال حياً، ما الرسالة التي ستوجهها له؟
لو كان “المجرم” حافظ الأسد” على قيد الحياة، سأقول له “سنكون سلاحاً وفداء للوطن، لمنع أي تكرار لوصول أمثالك وداعميك، لأي منصب به قرار يخص الشعب السوري.
– وماذا ستقول لبشار وماهر الأسد؟
بشار وماهر أوغلوا بالإجرام بحقنا وحق شعبنا. رسالتي لهم “سنلاحقكم ونقبض عليكم. سنحاكمكم أمام الملأ، ونقتص منكم”.
———————————
تأجيل الانتخابات في الرقة: المبررات الرسمية وفرص التوافق مع “قسد”/ حسن القصاب
26 أغسطس 2025
في الثالث والعشرين من آب/ أغسطس الحالي، أصدرت اللجنة العُليا لانتخابات مجلس الشعب قرارًا يقضي بتأجيل انتخابات مجلس الشعب في محافظات السويداء، الحسكة، والرقة. والتي كانت مقررة بين الخامس عشر والعشرين من شهر أيلول/ سبتمبر القادم. من جهتها بررت اللجنة العُليا هذا القرار بالتحديات الأمنية التي تشهدها المحافظات الثلاث في الوقت الحالي، ذلك على خلفية الأحداث العسكرية الأخيرة في السويداء، وما حدث فيها من انتهاكات تسببت بحالة من القطيعة بين أهاليّ السويداء وحكومة دمشق من جهة، وتعذُّر الوصول لاتفاق شامل بين الحكومة الانتقاليّة السورية وقوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على مجمل محافظة الحسكة وقرابة 70% من محافظة الرقة من جهة أخرى.
كما أنّ اللجنة لم تحدد الإطار أو الجدول الزمني المتوقع لإجراء الانتخابات لاحقًا في هذه المحافظات الثلاث، بل اكتفت بالقول إنها ستجري حين توَفُر الظروف المناسبة والبيئة الآمنة، وأنّ مخصصات هذه المحافظات من المقاعد النيابية ستبقى لحين إجراء الانتخابات. إلا أنّ ثلث الأعضاء الذي سيُعيّن من قبل الرئيس السوريّ الانتقاليّ أحمد الشرع لن يتأثر بهذا القرار وفقًا لتصريحات نوّار نجمة المتحدث الإعلامي باسم اللجنة، ما يعني أن هذه المحافظات الثلاث ربما يكون لها تمثيل – ولو محدود جدًا – في مجلس الشعب.
أثار هذا القرار موجة استياء لدى طيف من أبناء محافظة الرقة، مما دفع العديد من الحقوقيين والناشطين المدنيين لإصدار مذكرة احتجاج عليه، مشيرين فيها لعدة مآخذ، منها ماهو قانوني؛ يتعلق بمدى أحقيّة اللجنة باتخاذ هكذا قرار.
يوضح المحامي أسيد الموسى عضو نقابة محامي الرقة، أنه استنادًا لبنود المرسوم التشريعي رقم 143 لعام 2025 لا تملك اللجنة صلاحيّة تأجيل الانتخابات أو الغائها تحت أي ذريعة، ويضيف أن القرار يخالف الإعلان الدستوري في مادته الأولى ويميز بين مواطنيّ سوريا على أساس جغرافيّ. وعن عدم توفر الطروف الآمنة لإجراء الانتخابات يعلق الموسى أن اللجنة تستطيع عن طريق اللجان الفرعيّة تشكيل هيئات ناخبة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الانتقاليّة في محافظة الرقة كناحيتيّ تل أبيض وسلوك، وأجزاء من ناحية عين عيسى شمالًا، وبعض القرى في ناحية معدان شرقًا، وبالتالي فإن إجراء الانتخابات ممكن – على الأقل – ضمن هذه المناطق. وما يدعم هذا الرأي أنّ لمحافظة دير الزور وضعًا مماثلا- إلى حد ما – فيما يخص توزع السيطرة بين الحكومة الانتقالية السوريّة وقسد، ولم تؤجل فيها الانتخابات أو يطرأ عليها أي تغييرات.
علاوةً على ذلك، يوجد مآخذ أخرى وصفت بالسياسيّة تتعلق باستبعاد مشاركة أهاليّ الرقة في إقرار التشريعات والمراسيم المستقبلية التي ستصدر عن مجلس الشعب، ما يعني استمرار تغيبيهم عن المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي السوريّ. فيما يتساءل آخرون عن كيفية تشكيل هكذا كيان (مجلس الشعب) وطني دون أن يضم ثلاث محافظات؟ وماهو المانع من تأجيل هذا الاستحقاق حتى الوصول إلى حالة توافق على مستوى الجغرافية السورية كاملةً؟
فريق آخر من أهالي الرقة، يرى أن تأجيل الانتخابات هو قرار صائب، وله مدلولات سياسية واضحة كما أفادت الناشطة المدنية ريم محمود التي تقول إنّ الرقة تحت سيطرة جهة غير شرعيّة، وإنّ إجراء الانتخابات في مناطق تحت سيطرتها وتحت إشرافها يعطي اعترافًا واضحًا وصريحًا لها ككيان رسميّ، ويفتح المجال للتشكيك بنزاهة العملية الانتخابية، ويعرضها للتسييس، وبالتالي فإن تأجيل الانتخابات سيشكل عامل ضغط إضافي على قسد، ويضعف من موقفها الشعبي، ويدفعها للبحث عن فرصة توافق حقيقية مع الحكومة.
وأيًا كان التباين في المواقف إزاء القرار بين داعم ورافض، وبغض النظر عن صوابية القرار من دونها، فإن هذا لا ينفي، بالنسبة لكثيرين، أن القرار اُتخِذَ بمعزل كامل عن أهالي الرقة، ودون التشاور معهم، إذ لم تعقد الحكومة أي جلسات للتباحث والنقاش بحيثيات هكذا طرح وما يحمله من ايجابيات وسلبيات، بل على العكس تم تغييب المعنيين الأساسيين بهذا القرار كُليًّا، وتم التعامل معهم من منطق الوصايّة لا التشاركيّة، وهذا من شأنه أن يقوض إجراءات بناء الثقة، ويزيد من التوتر، ويضعف موقف الحكومة، ويفتح المجال أمام انتشار الشائعات والمعلومات المُضللة.
وفي سياقٍ متصل، فقد أعقب قرار اللجنة بتأجيل الانتخابات في المحافظات الثلاث، إعلان مجلس سوريا الديمقراطية “مسد” تأجيل “الملتقى التشاوري للمبادئ الدستورية”، الذي دعا لعقده يوم الخامس والعشرين من آب/ أغسطس الحالي بحضور العديد من التيارات والقوى السياسية في الجزيرة السورية وممثلين عن الساحل السوري والسويداء. إذ كان من المقرر أن يناقش هذا الملتقى الإعلان الدستوري الحالي ويطرح تصورًا جديدًا وتعديلات على الإعلان بما يتفق مع وجهة نظر المشاركين، وقد برر “مسد” هذا التأجيل بالمستجدات السياسية المحليّة والإقليمية التي تتطلب تأمين ظروف أفضل لعقده.
وبالنظر إلى القرارين وتعاقب توقيت إصدارهما، يلاحظ مراقبون أن الطرفين (الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية) قد سلكا مسار التهدئة وتجنبا التصعيد، ما يعكس عدم رغبتهما لخطو خطوات من شأنها أن تفضي بالمسار التفاوضي القائم إلى منعطف خطير يصعب الرجوع عنه، وهذا ما قد يفتح المجال مجددًا للجلوس على طاولة الحوار، والعمل بشكل فعليّ لإيجاد صيغ توافقيّة بين الطرفين. كما أن التهدئة بين الطرفين لايمكن فصلها عن السياق الدوليّ، فتصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك لصحيفة “الواشنطن بوست” تشير إلى رغبة أميركية جادة بضرورة الحفاظ على الاستقرار، ومنع انهيار المسار التفاوضيّ، ودفع الطرفين لتفعيله، ودراسة الخيارات والصيغ الممكنة للوصول إلى حالة توافق تنهي هذه النزاعات وتجنب المنطقة الانزلاق في دوامة الحروب. وهذا ما يُفسر وصول مظلوم عبدي قائد قسد يوم البارحة إلى دمشق، واجتماعه مع السيناتورة الأميركية جين شاهين للنقاش حول اتفاق العاشر من آذار/ مارس.
ويرى ناشطون ومتابعون من الرقة أنه صار لزامًا على الجميع تغليب لغة الحوار والتفاهم على عقلية القوة ومنطق الغلبة العسكرية، لاسيما وأن الخيارات العسكرية لم تفضِ إلى حلول، بل على النقيض تمامًا ساهمت في ترسيخ حالة العداء، وفاقمت التباعد بدلًا من التقارب، وعززت الشرخ المجتمعي، وقوَضت إجراءات بناء الثقة بين الأطراف المتصارعة.
وإلى أن يتضح مصير الرقة المنتظر، سيبقى المدنيون عالقون في دوامة القلق والترقب، ويتأرجحون بين أمل في غد أكثر أمنًا وخوف ثقيل مما قد تحمله الأيام.
الترا سوريا
—————————–
الاستحقاق مقيد بالأمن: المرسوم الانتخابي السوري بين بناء مؤسسات الدولة والهندسة السياسية/ رامي شفيق
مجلس الشعب الجديد: استحقاق انتخابي في دمشق ومقاعد شاغرة في ثلاث محافظات
2025-08-27
صاغت أحداث الشهور الماضية، منذ سقوط نظام الأسد الابن، دلالات عميقة على حتمية العمل ببنية تشاركية تضم جميع مكوّنات المجتمع السوري، وتدعيم الفعل الجمعي بما يتيح للجميع مجابهة تحديات المرحلة وتجاوز مخاطرها.
وقد شكّل المرسوم الرئاسي الخاص بانتخابات مجلس الشعب محطة فاصلة في خريطة الطريق نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
علامات استفهام
غير أن علامات استفهام برزت مع قرار المضيّ قُدُماً في تنفيذ الاستحقاق الانتخابي مع تأجيله في ثلاث محافظات سورية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى جدارة المجلس الجديد في هذه المرحلة الدقيقة، وقدرته على صياغة القوانين والتشريعات اللازمة لعبور المرحلة الانتقالية بشرعية تامة وكاملة.
فقد جاء قرار استبعاد المحافظات الثلاث (السويداء، الرقة، الحسكة) من العملية الانتخابية بدعوى الظروف الأمنية ليفتح الباب أمام مقاربات متباينة: بين من يرى في الخطوة تأسيسًا لمرحلة دستورية جديدة، ومن يعتبرها إجراءً انتقائيًا يعكس موازين القوى على الأرض.
وعليه، لا يمكن النظر إلى الاستحقاق الانتخابي المقبل إلا من منظورٍ حاسمٍ ودالّ، يكشف عن مدى قدرة الحكومة السورية في دمشق على إدارة التعددية وضمان تمثيل وطني شامل.
هذا وقد أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم الأربعاء الماضي، المرسوم رقم (143) لعام 2025، القاضي بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب.
وأوضح رئيس لجنة انتخابات مجلس الشعب أن العمل بالإجراءات العملية سيبدأ اعتباراً من اليوم التالي لصدور المرسوم، مشيراً إلى أن العدد الكلي لأعضاء المجلس حُدّد بـ210 أعضاء، يُنتخب ثلثاهم وفقاً لأحكام المرسوم.
وينص النظام الجديد على توزيع المقاعد بين المحافظات بحسب التوزع السكاني، بحيث تضم كل دائرة انتخابية مقعداً واحداً أو أكثر، وفق التقسيمات الإدارية. كما يجوز أن تتألف الدائرة من منطقة إدارية واحدة أو عدة مناطق.
ويُشكَّل في كل دائرة انتخابية “هيئة ناخبة” وفق أحكام المرسوم، تكون مهمتها انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب. ويُحصر حق الترشح لعضوية المجلس بأعضاء هذه الهيئات الناخبة.
وبحسب المرسوم، يتم تحديد عدد أعضاء الهيئة الناخبة في كل دائرة انتخابية على أساس عدد المقاعد المخصصة لها مضروباً بالرقم خمسين، على أن لا يقل العدد عن ثلاثين عضواً في حال تعذّر استيفاء الشروط المطلوبة. كما يشترط في المرشح ألا يقل عمره عن 30 عاماً.
ذرائع
نحو ذلك، يقول حسن الدغيم، عضو اللجنة العليا للانتخابات، إن “الظروف الأمنية ووجود سلطات الأمر الواقع في محافظات السويداء والرقة والحسكة تحول دون إجراء العملية الانتخابية بشكل مرن وعادل ونزيه، بما يضمن مشاركة أبناء هذه المحافظات في اختيار مرشحيهم والمساهمة في تشكيل هيئاتهم الناخبة”.
ويوضح الدغيم في تصريحات لـ”963+”، “أن اللجنة، حرصاً على ضمان تمثيل حقيقي لأهالي المحافظات الثلاث، قررت تأجيل الانتخابات فيها إلى أقرب وقت ممكن تتوفر فيه الظروف المناسبة، مع التأكيد على الاحتفاظ بمقاعدها شاغرة في مجلس الشعب لحين إجراء الانتخابات”.
ويضيف عضو اللجنة العليا للانتخابات: “العملية الانتخابية ليست إجراءً إلكترونياً أو رابطاً عبر الإنترنت، بل عملية ميدانية تتم وفق التقسيمات الإدارية، وتشمل لجاناً فرعية للانتخابات، ولجان طعون ورقابة، وهيئات ناخبة يتراوح عدد أعضائها بين 30 و50 عضواً، وهؤلاء يحتاجون إلى بيئة آمنة ومحايدة للتنقل والترشح والإدلاء بأصواتهم، وهو ما لا يتوفر حاليًا في المحافظات الثلاث”.
ويقول الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان لـ”963+”، إن “استكمال تشكيل مجلس الشعب ضروري لإصدار تشريعات بديلة عن قوانين النظام السابق، ولإرساء دور رقابي على السلطة التنفيذية”.
كما يشدد على أن “المجلس الجديد سيكون معنياً بوضع دستور عصري للبلاد، معتبراً أن نجاح الانتخابات في موعدها يمثل خطوة محورية نحو بناء دولة سورية حديثة واستقرار سياسي ودستوري”.
“قرار سياسي”
من جانبه، يصف طارق حمو، الباحث في المركز الكردي للدراسات، قرار تأجيل الانتخابات في ثلاث محافظات بدعوى أنها غير آمنة بأنه “قرار سياسي بالدرجة الأولى”. ويوضح في حديثه لـ”963+” أن “هذه المحافظات آمنة بالفعل”.
ويبيّن حمو أن الهدف من إرجاء الاستحقاق في هذه المحافظات هو “ممارسة المزيد من الضغط عليها، وإعطاء انطباع للرأي العام بأنها خارجة عن إدارة الدولة”.
ويضاف أن “المقاعد المخصصة لهذه المحافظات قليلة جداً؛ فالسويداء خُصص لها 3 مقاعد، والرقة 3 مقاعد، والحسكة 6 مقاعد، ودير الزور 6 مقاعد. وهذه نسبة متدنية مقارنة بالمساحة التي تشغلها هذه المحافظات (أكثر من 30% من مساحة سوريا) وعدد سكانها (يقارب 30% من سكان سوريا)”.
ويختم بالقول إن “محاولة إرجاء الاستحقاق الانتخابي في هذه المناطق تأتي في إطار الضغط السياسي”.
نحو ذلك يقول المتحدث الرسمي باسم اللجنة العليا للانتخابات في سوريا أن “اللجنة أخذت في الحسبان عدم إمكانية إجراء انتخابات مجلس الشعب في محافظات الرقة والحسكة والسويداء، وأعدت ثلاث خيارات بديلة”.
ويوضح المسؤول السوري أن “هذه الخيارات تتمثل في أن يجري الاقتراع خارج هذه المحافظات، أو أن يتم تعيين نواب عنها تعييناً مباشراً، أو أن تترك مقاعدها شاغرة ريثما تتوافر الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات فيها”.
بدوره، يشير الكاتب السوري براء عثمان، إلى أن التجربة التاريخية تؤكد حاجة الدول الخارجة من النزاعات إلى مؤسسات تمثيلية قادرة على إدارة التنوع.
ويتابع حديثه لـ”963+” موضحاً أن “مجلس الشعب الجديد يمكن أن يتحول إلى منتدى سياسي وطني يفرغ التوترات داخل قبة البرلمان بدلاً من الشارع والسلاح، ويلعب دور صمّام الأمان في مواجهة أي انتقالات أو أزمات، ليصبح مرجعًا جامعًا لإعادة إنتاج الشرعية السياسية”.
ويبيّن عثمان أن “النظام الداخلي الجديد لمجلس الشعب صيغ بروح مغايرة للنموذج الأسدي السابق؛ إذ يوسّع نطاق التمثيل البرلماني من خلال زيادة عدد المقاعد لاستيعاب الطيف السياسي والاجتماعي الأوسع الذي أفرزته مرحلة ما بعد سقوط الأسد. كما يكرّس مقاربة جندرية متقدمة عبر تخصيص نسبة ثابتة للنساء (كوتا نسائية) تتجاوز حدود الرمزية السابقة، وتفتح الباب أمام مشاركة فعلية للمرأة في التشريع وصنع القرار”.
+963
———————————-
اللجنة العليا للانتخابات تُحدّد عدد مقاعد مجلس الشعب السوري لكل محافظة
2025.08.27
أصدرت اللجنة العليا للانتخابات في سوريا القرار رقم 24 لعام 2025، المتعلق بتوزيع مقاعد أعضاء مجلس الشعب في المحافظات السورية والمناطق التابعة لها، وذلك استناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري والمرسومين 66 و143 لعام 2025.
وبحسب القرار، حصلت محافظة حلب على 32 مقعداً، تلتها دمشق وريفها بـ22 مقعداً (10 لدمشق و12 للريف)، بينما نالت حمص وحماة 12 مقعداً لكل منهما.
وخصّص القرار 10 مقاعد لكل من محافظتي الحسكة ودير الزور، و6 مقاعد لكل من درعا والرقة، و7 مقاعد للاذقية، و5 لطرطوس، و3 مقاعد لكل من السويداء والقنيطرة، أما إدلب فحازت على 12 مقعداً موزعة على مدنها ومناطقها.
اللجنة تحدد شروط الهيئة الناخية
وأصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، الإثنين الفائت، بياناً توضيحياً حددت فيه الشروط الواجب توفرها لعضوية الهيئات الناخبة في المناطق.
ويُشترط في عضو الهيئة الناخبة أن يكون سوري الجنسية قبل تاريخ 1 أيار 2025، بما في ذلك المواطنون المشمولون بأحكام المرسوم 49 لعام 2011.
ويجب أيضاً، أن يكون قيد العضو في السجل المدني ضمن دائرته الانتخابية، أو أن يكون مقيماً فيها لمدة خمس سنوات متتالية قبل 2011، وأن يكون متمتعاً بالأهلية القانونية، وأتم الخامسة والعشرين من العمر بتاريخ صدور هذا البيان.
اللجنة أكّدت على ضرورة أن يتمتع عضو الهيئة الناخبة بحسن السيرة والسلوك، وألا يكون محكوماً بجناية أو جرم مخل بالشرف، باستثناء القضايا ذات الطابع السياسي أو الأمني، وألا يكون قد ترشح للانتخابات الرئاسية بعد عام 2011.
تلفزيون سوريا
—————————-
=======================



