ماذا حصل في حي “السومرية” في دمشق -مقالات مختارة-

بعد إنذار سكانها بإخلائها.. ماذا نعرف عن “السومرية” التي بناها رفعت الأسد؟
30 أغسطس 2025
شهدت مساكن السومرية في دمشق، خلال الأيام القليلة الماضية توترات غير مسبوقة، وذلك عقب صدور قرار رسمي عن لجنة الإسكان العامة يقضي بإلزام قاطني المساكن العشوائية في الحي بإخلاء منازلهم خلال مدة لا تتجاوز 72 ساعة، تحت طائلة المسؤولية القانونية.
مثّل القرار المفاجئ الذي جرى توزيعه في الحي الشرارة الأولى التي أشعلت الأحداث، حيث أكد سكان الحي أن إنذارات الإخلاء لم تمنح مهلة كافية، في وقت يقطن فيه مئات العائلات التي تمتلك وثائق ملكية أو أحكام محكمة تثبت حقها في السكن.
وفتح القرار الباب أمام سلسلة من التجاوزات، إذ ترافق وفقًا لمصادر محلية، مع حملات تضييق، حصار، واعتقالات، طالت عشرات الشبان والنساء، وسط اتهامات بتجاوزات ذات طابع طائفي، أثارت جدلًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي.
في الوقت نفسه، انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي روايات تفيد بأن القصة الحقيقية مختلفة تمامًا عما يتم تداوله، وأن الحكاية الأصلية للمدينة تحمل تفاصيل تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما استملك رفعت الأسد الأراضي العائدة في ملكيتها لأبناء معضمية الشام، وهي قضية ما زالت مستمرة ولم يعوض أهلها حتى يومنا هذا. ومع كل هذا التوتر والتضارب في الروايات.. ماذا نعرف عن “السومرية” التي بناها رفعت الأسد؟
حكاية السومرية
تقع “السومرية” عند المدخل الغربي للعاصمة دمشق، وكانت عبارة عن أراض زراعية تعود ملكيتها للدولة السورية، فيها مجموعة من الأشجار، أهمها أشجار الزيتون التي كانت تشتهر بها المنطقة تاريخيًا.
وفي عام 1975، أعجب الشقيق الأصغر لحافظ الأسد ومؤسس ما كان يعرف بـ”سرايا الدفاع” بها، فاستولى عليها وخصصها مساكن لضباطه، وأطلق عليها اسم “السومرية” على اسم ابنه سومر.
لم يكتفِ ضباط “سرايا الدفاع” بالمساكن الممنوحة لهم، بل تمددوا إلى الأراضي المحيطة، وشيدوا محالًا وأبنية مخالفة على التخوم المجاورة.
وبعد خروج رفعت الأسد من سوريا في ثمانينيات القرن الماضي، لم يتوقف المشروع، بل ازداد توسعًا. حيث واصل الضباط بناء البيوت والمحلات، حتى تحولت السومرية إلى مدينة صغيرة موازية.
مع اتساعها، ازدهرت في السومرية تجارة التهريب، مستفيدة من موقعها الذي يقع على طريق بيروت، وتحولت المنطقة إلى سوق سوداء ضخمة لبيع المشروبات الكحولية والسجائر والبضائع المهربة.
الثورة السورية
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، لم يتغيّر المشهد كثيرًا، بل ازداد سوءًا. وضعت الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد الشقيق الأصغر للرئيس المخلوع، بشار الأسد، يدها على المنطقة، لتصبح شريكًا مباشرًا في شبكات التهريب، حيث أدخلت أنواعًا جديدة مثل المحروقات والمخدرات، وحولت المنطقة إلى مركز تجاري ضخم، يدرّ أرباحًا كبيرة وُزّعت بين قادتها وبعض التجار المحليين.
لاحقًا، بُنيت عشرات الأكشاك والمحال التجارية المخالفة، بدعم الفرقة الرابعة، والتي كانت تبيع المشروبات الروحية والدخان والبضائع المهرّبة والمخدرات، لتشمل فيما بعد بيع البضائع المسروقة و”المعفشة”، مستفيدة من وجود حاجز مدخل دمشق العسكري الرئيسي، والذي عانى منه السوريون كثيرًا على مدى 13 عامًا، حيث اعتقلت قوات النظام المخلوع عشرات آلاف السوريين، وفرضت إتاوات ورشاوى على كل من مر عليه.
وعلى هامش كل هذا، ابتكر السكان العاديون، الذين لم يشاركوا في التهريب أو غيره، والمقامة منازلهم على أملاك دولة، بلا سندات ملكية رسمية، نظامًا داخليًا خاصًا بهم يعتمد على ما يُعرف بـ “ملكية ساعة كهرباء أو ماء”، وهي ليست سندات ملكية رسمية ولا تمنح أي حقوق عينية عقارية، بل مجرد إشغالات مؤقتة قابلة للإخلاء بأي وقت عبر نشرات قضائية.
ما بعد السقوط
بعد سقوط النظام، فرّ معظم الضباط الكبار “الملطخة أيديهم بالدماء”، ولم يبقَ سوى الفقراء، الذين يسكن كثير منهم بيوتًا متداعية وهشة، بالكاد تصلح للعيش.
ورغم تعرض الكثير من المحال التجارية والأكشاك وبعض البيوت للهدم والتدمير على يد بعض الفصائل، إلا أن التعامل على مدار الأشهر الماضية كان جيدًا إلى حد ما، وفقًا للأهالي، ولم يحدث إلا القليل من الاستفزازت التي كانت تُحل بالتعاون مع مختار السومرية والأمن الداخلي.
وبحسب بعض الأهالي، فإن هذا الإنذار ليس جديدًا أو ضمن 72 ساعة، بل تكرر عبر إنذارات متعددة خلال الأشهر السابقة، إنما كان السكان يرفضون الخروج بشكل كامل من هذه المنطقة، حيث توجه عشرات الأشخاص في تموز/يوليو الماضي إلى مبنى محافظة دمشق للمطالبة بمنع إخلاء المنازل التي يعيشون فيها منذ عقود، إلا أن المحافظة لم تعطهم وعدًا رسميًا.
ويبدو أن معالجة الملف أخذ بُعدًا قاسيًا من قبل بعض العناصر الذين هددوا وتوعدوا بعض السكان، خلال الأيام الماضية، مما دفع إلى تدخل جهات في وزارتي الداخلية والدفاع.
واليوم، رغم انتشار أخبار تفيد بأنه تم إبلاغ مختار السومرية بإخبار الأهالي عدم الخروج من منازلهم، على أن يُعالج موضوع العقارات بالمحافظة لاحقًا بحسب الأصول، إلّا أن الواقع يقول غير هذا. كثيرون لم ينتظروا لحظة المواجهة، فحزموا أمتعتهم وغادروا إلى جبال الساحل أو صاروا يبحثون عن منزل في دمشق.
—————————-
ما قصة أوامر الإخلاء في مساكن “السومرية” بدمشق
“اقتحام مفاجئ لعناصر مسلحين يرتدون زيًا عسكريًا، داهموا المساكن العشوائية في حي السومرية بمدينة دمشق، وطالبوا بإخلاء البيوت”، هكذا بدأت إحدى سكان الحي حديثها لعنب بلدي، متحفظة على ذكر اسمها لدواعٍ أمنية.
وأضافت أن المداهمة تخللتها إهانة للسكان، وضرب لبعض الشباب، مع توجيه شتائم وتوبيخات، كما أن بعض الأشخاص أصحاب الملكيات الخاصة، طُلب منهم الإخلاء.
وافقتها “نيرمين”، اسم مستعار بحسب رغبتها، وقالت إنه في 26 من آب، وصل لمجموعة الحي عبر منصة “واتس آب” رسالة من القائد الأمني للحي، بأن لجنة ستقوم بفحص ملكية المساكن، لمعرفة من يملك عقاره ومن استولي عليه، دون أي إجراءات حاليًا.
في اليوم التالي، 27 من آب، دخل فصيل مسلح يتبع لوزارة الدفاع، وانتشر عناصره في الحي، ومنعوا الدخول والخروج من الحي، وطالبوا جميع الأهالي بالإخلاء حتى من معه عقد ملكية بمنزله، مع توجيه عبارات توبيخية للأهالي.
ويشهد حي السومرية منذ ذلك الوقت توترات بعد المداهمة لإلزام سكان المساكن العشوائية بإخلاء منازلهم، وذلك بناء على وثيقة “لجنة الإسكان العامة”.
الإنذار لم يحمل أي توقيع رسمي، وهو فقط منسوب لرئاسة الجمهورية.
نشأت منطقة “السومرية” في ثمانينيات القرن الماضي على أراضٍ مسُتولى من أهالي معضمية الشام.
ويعود اسم “السومرية” إلى سومر، ابن رفعت الأسد، حيث أُسكنت المنطقة عناصر من “سرايا الدفاع”، التي كان يقودها رفعت، شقيق الرئيس السابق حافظ الأسد.
بداية الأحداث
“لم يكتِف بعض عناصر الفصيل بفحص ملكية العقارات، يوم الأربعاء، بل اعتقلوا عددًا من الشباب سواء مدنين أو عسكريين حاصلين على تسوية، ومنهم من دون الـ 18 عامًا، كما قاموا بتفتيش موبايلات الأهالي، ومصادرة بعضها”، قالت نيرمين.
المصدران السابقان أكدا لعنب بلدي أنه في مساء اليوم نفسه، أطلق الفصيل سراح بعض المعتقلين، بعد تعرضهم لضرب “مبرح”، شريطة أن يخلوا منازلهم صباح الخميس 28 من آب.
صباح الخميس، زادت مضايقات الفصيل للأهالي مع إغلاق المحال ومنع حركة التجول، مع فرض إخلاء الحي بأكمله، دون أي إنذار أو مهلة، الأمر الذي أدى إلى هروب شباب الحي، وبقاء النساء في المنازل فقط.
عصر الخميس، طلب من الأهالي التوجه للساحة للقاء المحافظ حسبما قيل لهم من العناصر، لكن اللقاء اقتصر على عناصر الفصيل فقط، ومغزاه تهديد من بقي، إذ قام عناصر بضرب النساء، وخاصة من يصور منهن، بالإضافة لمصادرة الهاتف المحمول، وتهديد بعض النساء بـ “الدعس”.
مساء الخميس عاد العناصر إلى المنازل مجددين تهديد الإخلاء.
الجمعة، 29 من آب، منع الفصيل دخول الصحفيين، مع السماح لدخول صحفيين لوسيلة إعلام واحدة، وهو ما تحققت منه عنب بلدي عبر صحفيين في وسائل إعلام محلية ودولية.
وبحسب المصدرين الأهليين اللذين تواصلت معهما عنب بلدي، فإن بعض الأهالي أجبروا على مداخلات محددة وفق الفصيل، كما أخرج العناصر جميع السيارات العسكرية من شوارع الحي، في أثناء التصوير، مع تجديد الهجوم على المنازل.
أغلبية الأهالي أخلوا المساكن خوفًا من انتهاكات بحقهم، مع السماح بإخراج بعض المقتنيات، وسط حديث عن التراجع بأمر الإخلاء، لم يطبق على الأرض.
ملكية العقارات
ملكية المساكن في حي السومرية، ثلاثة أنواع:
ملكية خاصة.
ملكية تعود للدولة.
استملاك أراضي أصحابها من مدينة المعضمية المجاورة للحي.
أهالي حي السومرية استغربوا تولي فصيل تابع لوزارة الدفاع بالمهمة، وشرحوا أن معاملة عناصر الفصيل مهينة، مع تجاهل الوزارة والمحافظة للأحداث، مطالبين بمعالجة الأمر وعودة من أثبت أن عقاره ملك خاص له، ومحاسبة الفصيل، مع إطلاق سراح المعتقلين.
الجهات الرسمية تتجنب الرد
وزارة الداخلية أكدت لعنب بلدي أن الوزارة لا علاقة لها بالإخلاء. ولم تحصل عنب بلدي على استجابة من وزارة الدفاع.
محافظة دمشق أكدت لعنب بلدي أنها ستنشر بيانًا حول ما حدث في حي السومرية، لكنها لم تنشره بعد.
الأمم المتحدة قلقة
قالت الأمم المتحدة إنها تتابع بقلق التطورات في حي “السومرية” بدمشق، بما في ذلك التقارير عن تهديدات بالإخلاء، والتقارير عن انتهاكات ضد المدنيين الأبرياء، بمن فيهم النساء والأطفال.
وحثت في بيان، نشرته عبر موقعها الإلكتروني، في 29 من آب، على ضبط النفس والامتناع عن أي إجراءات متسرعة أو عنيفة.
المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أشار في المؤتمر الصحفي إلى أن مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، يتابع عن كثب هذه التطورات.
وأكد ضرورة معالجة القضايا المعقدة المتعلقة بالإسكان والأراضي والممتلكات، والعدالة الانتقالية، بعناية، مع إعطاء الأولوية لحماية المدنيين، بناء على سيادة القانون وبما يتماشى مع المعايير الدولية.
وتشهد سوريا حالات مشابهة منذ سقوط نظام الأسد في 8 من كانون الأول 2024، وذلك وسط محاولات للعديد من الأهالي في مناطق مختلفة لاستعادة أملاكهم المستملكة رسميًا أو المستحوذ عليها من ضباط وعناصر سابقين في نظام الأسد.
عنب بلدي
———————–
حملت اسم سومر الأسد وتملكها معضمية الشام.. ما حقيقة ما يجري في السومرية؟/ عبد الناصر القادري
2025.08.29
ضجت مواقع التواصل الاجتماعي، بأن عمليات تهجير جماعية تجري الآن في مساكن السومرية الواقعة بين حي المزة بدمشق ومدينة معضمية الشام بريف دمشق، إلا أن في القصة التباساً وتفاصيل تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما استملكت الدولة الأراضي العائدة في ملكيتها لأبناء معضمية الشام، وهي قضية ما زالت مستمرة ولم يعوض أهلها حتى اليوم.
وتناقلت عدد من المواقع أنباء عن تهديد عناصر من الأمن الداخلي على المدنيين القاطنين في المساكن لإجبارهم على مغادرة البيوت التي يعيشون فيها منذ سنوات طويلة، وفق وثيقة نشرت “صادرة عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية – لجنة الإسكان العامة، وإمهال جميع القاطنين بالمساكن العشوائية بحي السومرية بإخلاء جميع المنازل بمدة أقصاها 72 ساعة، تحت طائلة المسؤولية”.
اللافت أن الوثيقة لا تحتوي أي تاريخ أو توقيع أو اسم رئيس لجنة الإسكان العامة، ولم تنشر على المعرفات الرسمية للحكومة السورية وهناك من يشكك بصحتها.
وانتشرت على مواقع التواصل كذلك، مقاطع تظهر تجمهر للنساء واعتداء من قبل عنصر من الأمن الداخلي على إحدى النساء الرافضات للمغادرة، وصور توضح وضع إشارة x حمراء على بعض البيوت المطالب بإخلائها، لم نتمكن من التأكد من صحة أنها وقعت في السومرية.
ماذا يجري في السومرية بالضبط؟
ولتحري الدقة، بدأنا في موقع تلفزيون سوريا، بتتبع القصة كاملة للوقوف عليها، ومعرفة ما يجري على أرض الواقع، خاصة أن الموضوع يتطرق إلى “حديث طائفي وتمييز عنصري” ويحتاج تحقيقاً دقيقاً، في مقابل حقوق مسلوبة لأهالي معضمية الشام بملف معقد سبق أن نوقش في القضاء ومجلس الشعب وفي أروقة حكومة النظام منذ عشرات السنين ولعشرات المرات أيضاً.
طبعاً لم تبدأ القصة بالأيام الأخيرة الماضية، بل في بداية شهر تموز الماضي، توجه عشرات الأشخاص من القاطنين في السومرية إلى مبنى محافظة دمشق للمطالبة بمنع إخلاء المنازل التي يعيشون فيها منذ عقود، إلا أن المحافظة وعدت بتشكيل لجنة لمتابعة الموضوع.
مصادر خاصة لموقع تلفزيون سوريا، ذكرت أن اللجنة المسؤولة عن مساكن السومرية سبق أن أعطت أمراً بالإخلاء مع بداية العطلة الصيفية في شهر تموز الماضي، حيث يتمكن الطلبة من إنهاء مسارهم التعليمي في المدارس أو الجامعات.
وأضافت المصادر أن “الوقت الذي منح للقاطنين في المساكن والعشوائيات ليس جديداً أو ضمن 72 ساعة، بل تكرر عبر إنذارات متعددة خلال الأشهر السابقة، إنما كان السكان يرفضون الخروج بشكل كامل من هذه المنطقة، وسط محاولات من قبل بعض الأطراف لإشعال مظلومية طائفية”.
ويبدو أن معالجة الملف أخذ بُعداً فظاً من قبل بعض العناصر الذين هددوا وتوعدوا بعض السكان، بحسب المصادر، ولم يُحل من قبل لجنة مختصة أو قضائية، مما دفع إلى تدخل جهات في وزارتي الداخلية والدفاع فيما بعد، وفق مصادرنا.
وفي سياق ذلك، ذكرت مصادر لتلفزيون سوريا نقلاً عن وزارتي الدفاع والداخلية أنه تم إبلاغ مختار السومرية بإخبار الأهالي عدم الخروج من منازلهم، على أن يُعالج موضوع العقارات بالمحافظة لاحقاً بحسب الأصول.
وقال عقيد متقاعد لموقع تلفزيون سوريا، في شهر كانون الثاني 2025، (بعد شهر ونصف من إسقاط النظام)، إنه لا يريد الخروج من السومرية والعودة لقريته بريف اللاذقية، مضيفاً أنه يعيش وأبناؤه الأربعة المنتسبون للجيش المخلوع ثم أجروا تسويات مع غرفة عملية ردع العدوان إبان التحرير، ولا يوجد لديهم أي مكان يذهبون إليه.
وبيّن العقيد المتقاعد أنه كان يعمل في جيش النظام بأعمال مكتبية وتقاعد عام 2019، ويعيش في السومرية منذ 30 سنة، وكان راتبه لا يتجاوز 20 دولاراً، محملاً مسؤولية كل ما جرى في سوريا لبشار الأسد الذي فر هارباً بعد أن تدمرت البلاد.
حاول موقع تلفزيون سوريا التواصل مع العقيد المتقاعد على رقم هاتفه إلا أنه لم يجب، بالوقت نفسه تواصلنا مع أحد سكان مساكن السومرية، (ر.إسماعيل) فضل عدم كشف اسمه كاملاً، أن هناك بعض التجاوزات حصلت من قبل عنصر تجاه من رفض فض تجمع بقلب السومرية، إلا أن التعامل على مدار الأشهر الماضية كان جيداً إلى حد ما، ولم يحدث إلا القليل من الاستفزازت التي كانت تحل بالتعاون مع مختار السومرية والأمن الداخلي.
وأضاف إسماعيل المنحدر من قرى الساحل السوري، أنه غادر البيت الذي يعيش فيه منذ أن بناه والده في تسعينيات القرن الماضي بمساكن السومرية، لأن قرار الإخلاء واقع لا محالة – بحسب رأيه – وأن هناك أشخاصاً أكّدوا له أن البيوت الموجودة ستهدم لأنها عشوائيات ولا يوجد أي سند ملكية يتيح لهم البقاء فيها.
ولفت إلى أنه وجد بيتاً صغيراً في حي المزة 86 بأجرة شهرية تصل إلى 800 ألف ليرة، كان شقيقه يستأجره من قبل بأجرة أقل، ولكنه مضطر لأن عمله في دمشق بالملابس يحتم عليه ذلك.
ومن المهم الإشارة إلى أن السومرية التي كانت أحد أبرز مساكن الشبيحة وضباط جيش النظام وجنوده، لم تشهد بعد سقوط النظام أي حالات انتقام أو اعتداءات من قبل سكان معضمية الشام أو المناطق الأخرى على مدار الشهور الثمانية الماضية رغم ما تعرضوا له من مجازر وجرائم، فقط هدمت الأكشاك المخالفة في الأيام الأولى لسقوط النظام ولم يحدث أي حالات أخرى كما يتم زعمه.
والأكشاك المخالفة الموجودة على السور الخارجي لمساكن السومرية تعود ملكيتها لكبار الضباط الذين فروا إلى خارج دمشق أو إلى خارج سوريا.
المحامي ربيع الجبان قال لموقع تلفزيون سوريا، إن منطقة السومرية في تخوم دمشق تُعد من المخالفات السكنية، أي إنها أبنية شُيّدت على أراضٍ لا يشملها التنظيم العمراني وغير معدّة للبناء وفق المخططات التنظيمية الرسمية، وقد جرى إشغالها لأغراض عسكرية في ظل النظام المخلوع.
وأوضح الجبان أن القاطنين فيها، يعتمدون على ما يُعرف بـ “ملكية ساعة كهرباء أو ماء”، وهي ليست سندات ملكية رسمية ولا تمنح أي حقوق عينية عقارية، بل مجرد إشغالات مؤقتة قابلة للإخلاء بأي وقت عبر نشرات قضائية.
وقبالة مساكن السومرية يوجد مطار المزة العسكري والسجن الملحق فيه والذي يتبع لفرع المخابرات الجوية، والذي اعتقل فيه عشرات الآلاف من السوريين لم يخرج منهم أحياء إلا القليل فقط.
كما كان هناك حاجز مدخل دمشق العسكري الرئيسي، والذي عانى منه السوريون كثيراً على مدى 13 عاماً، اعتقل قوات النظام المخلوع منه عشرات آلاف السوريين، وفرضت إتاوات ورشاوى على كل من يمر عليه يومياً.
نشأة السومرية
بعد سقوط النظام المخلوع في كانون الأول عام 2024، إثر هروب المئات من ضباط وصف ضباط جيشه إضافة إلى”الشبيحة” الذين كانوا يقطنون في مساكن السومرية والعشوائيات المحيطة بها، تعالت الأصوات المطالبة باستعادة الأراضي المملوكة في الأساس لأهالي معضمية الشام، والتي كانت سبباً في إفقارهم وقضم معظم أراضيهم التي كانوا يعملون فيها بالزراعة لعشرات السنين، بموجب قانون استملاك جائر كما يصفون.
في عام 1971 أسس رفعت الأسد ما يعرف باسم “سرايا الدفاع”، وهي ميليشيات شبه عسكرية كانت مهمتها الدفاع عن نظام الأسد الأب من أي تهديد يمكن أن يتعرض له، وتعدّ القوة الضاربة للمجازر التي ارتُكبت في مدينة حماة وجسر الشغور وحلب بين عامي 1978 – 1982، إضافة إلى مجزرة سجن تدمر الصحراوي عام 1981، إثر الهجمات التي شنها نظام حافظ الأسد ضد جماعة الإخوان المسلمين.
بعد عدة سنوات دُمجت سرايا الدفاع في جيش النظام المخلوع تحت اسم الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري وغيرها فيما بعد، إثر محاولة الانقلاب التي شنها رفعت الأسد ضد شقيقه حافظ، ثم انتهت بصفقة خرج رفعت على إثرها من سوريا عام 1984.
وضمن خطة حافظ الأسد للتغيير الديموغرافي، زادت وتيرة الاستيلاء على الأراضي أو استملاكها أو تحويلها إلى أملاك دولة، للسماح لأنصاره من “الشبيحة” وقادة الجيش وعناصره ببناء مساكن عشوائية لهم فقط، ولا يستطيع أحد غيرهم البناء، مثل: عش الورور، والمزة 86، وحي الورود، ومساكن السومرية وغيرها.
كانت أراضي “السومرية” معظمها مزارع قمح وحنطة إلى جانب أشجار الزيتون التي تشتهر بها معضمية الشام تاريخياً، ويطلق عليها أبناء المنطقة اسم “البلان”. أعجب رفعت الأسد، الشقيق الأصغر لحافظ الأسد، بها، وبدأ بتوطين ضباط وصف ضباط والأشخاص الموالين له في “سرايا الدفاع” بتلك المساكن بعد استقدامهم من الساحل، على تخوم مدينة دمشق وقبالة مطار المزة.
أطلق رفعت الأسد على المساكن العسكرية التي أعطاها لسراياه اسم “السومرية” نسبةً إلى ابنه “سومر”. عام 1984 غادر رفعت وكل عائلته سوريا، بما فيهم سومر، في حين احتفظ ضباطه بالبيوت التي أخذت اسم ابنه.
وعلى مدار عقود، كانت السومرية أحد أبرز معالم الفساد، حيث بُنيت عشرات الأكشاك والمحال التجارية المخالفة، والتي كانت تبيع الخمور والدخان والبضائع المهرّبة والمخدرات والممنوعات، كما شملت فيما بعد بيع البضائع المسروقة و”المعفشة” من بيوت السوريين بعد عام 2011.
كما كانت أحد أبرز المناطق التي ينطلق منها “الشبيحة” لقمع المظاهرات الشعبية التي كانت تخرج في مدن معضمية الشام وداريا وجديدة عرطوز، ثم انضوى الآلاف من سكانها فيما عُرف لاحقاً بالقوات الرديفة “الدفاع الوطني”، وهو المسمى الرسمي للشبيحة الذين كانوا يقاتلون إلى جانب قوات الأسد ضد فصائل الثوار في مختلف المدن السورية.
ما قصة أراضي معضمية الشام؟
في آذار 2011، انخرطت معضمية الشام في مظاهرات الثورة السورية، مشتركةً مع باقي السوريين في المطالبة بالحرية والكرامة، إلى جانب حمولة مظلومية قديمة تتعلق بأراضيهم والاستملاك الجائر بحق آبائهم وأجدادهم، ما دفع النظام لمحاصرتها بالدبابات واقتحامها أكثر من مرة في الأشهر الأولى من الثورة السورية.
ومن المشهور أن رئيس المخابرات الجوية اللواء جميل الحسن (حينها) قدّم لوفد من أهالي المعضمية، منتصف عام 2011، عرضاً برفع الاستملاك عن بعض المناطق في المدينة، سعياً لتهدئة المنتفضين ضد النظام. لكن المدينة واصلت انتفاضتها ضد النظام، وخضعت لحصار طويل فرضته قوات النظام عليها ما بين 2013-2016، (وتضمّن قصفها بالسلاح الكيماوي)، وانتهى بعقد اتفاق تهجير في آب 2016.
للتأكد من المعلومات تاريخياً، اتصلنا بـ المعتز بالله صوان، وهو ممثل المجتمع المدني في معضمية الشام عن ملف استملاك أراضي المدينة، والذي سرد لنا بالوثائق والأرقام كل تفاصيل هذا الملف:
كانت المعضمية عبر تاريخها تملك أراضي شاسعة تبلغ مساحتها 44,500 دونم، دون أن تكون محددة أو محررة بالكامل في عقاراتها.
وفي فترة الاحتلال الفرنسي تم تحديد الأراضي لمناطق عقارية، وفتح سجلات بعمليات التحديد والتحرير، ورُقمت العقارات من (1) إلى (2400). أما باقي المساحة فكانت في العقارات المشاع الأساسية (2401، 2402، 2403)، وقد أثقلت بعمليات الاستملاك.
كانت أول عملية استملاك حينها للعقار المشاع (2299) الذي أُقيم عليه المطار المدني، والذي سُمّي لاحقاً “مطار المزة العسكري”.
وفيما بين عامي 1960 و1970 جرى تجميل العقارات (2401، 2402، 2403) واستُكمل الترقيم حتى وصل إلى (7800) عقار. وهنا جرت ثاني عملية استملاك:
العقار المشاع (2422): أُقيمت عليه “ضاحية يوسف العظمة” وإدارة الوقود.
العقار المشاع (2423): أُقيمت عليه مساكن “الزهرية”.
العقار المشاع (2424): أُقيمت عليه مساكن “الرابعة” ومباني “الطاقة الذرية”، وبقي قسم منه ضُم للتنظيم وسُرق عام 2023 (له قصة).
العقار المشاع (2425): أُقيم عليه “الفوج 555”.
وبالتوازي، وضع الجيش والشرطة يدهما على باقي العقارات المشاع المملوكة والمسجلة لأهالي المعضمية في السجل العقاري:
العقار (3603): أُقيمت عليه مساكن عسكرية سُمّيت “السومرية”، واستمر فيه البناء المخالف والعشوائيات، إضافة إلى إدارة الطاقة الذرية وكراج الانطلاق.
العقار (3044): أُقيمت عليه مساكن للشرطة، وإدارة الأمن الجنائي، ومطبعة.
العقارات (2426، 2427، 2428): استُخدمت لتوسيع المطار.
استمر حافظ الأسد في هذه السياسات، بل ذهب إلى إصدار عدة مراسيم جديدة على أراضي المعضمية، كان أهمها:
المرسوم (2076) لعام 1975.
المرسوم (167) لعام 1976.
المرسوم (5) لعام 1981.
وذلك لصالح “المؤسسة العامة للإسكان”، بتعويضات بخسة جداً، على مساحة 9000 دونم، أي ما يقارب 22% من كامل مساحة المعضمية.
كما أصدر لاحقاً المرسوم (2431) لعام 1985 لصالح محافظة دمشق، لمساحة 12,500 دونم، أي ما يقارب 28% من كامل مساحة المعضمية، شملت جميع المشاعات، بهدف التغطية على مشروعه للتغيير الديمغرافي في أراضي البلدة.
لم يكتف نظام الأسد الأب بذلك، بل استمرّ – وهذه المرة من دون استملاك رسمي – بالاستيلاء على الأراضي، حيث أعاد الجيش انتشاره على باقي أراضي الجبال التابعة للمعضمية، التي تنافس جبل قاسيون بإطلالاتها، بمساحة 15,000 دونم، أي ما يقارب 33% من كامل مساحة المعضمية.
ليكون مجموع الأراضي المستملكة وغير المستملكة التي لا يمكن الوصول إليها نحو 85% من كامل مساحة المعضمية.
أما خلال فترة الثورة، فقد تم بيع أكثر من نصف المساحة المتبقية (15%)، وذلك لدفع الإتاوات مقابل الإفراج عن المساجين أو تهريب أبناء البلدة إلى خارج البلاد.
محاولات سبقت الثورة السورية
دمّرت استملاكات النظام المخلوع الأراضي الزراعية لمدينة معضمية الشام، حيث فقد معظم السكان مصادر رزقهم التقليدية منذ إصدار النظام المرسوم التشريعي رقم 2431 لعام 1985، الذي استملك بموجبه 1564 عقاراً في معضمية الشام بمساحة 12,500 دونم.
ومع الاستملاكات السابقة والأراضي غير المستملكة التي لا يمكن الوصول إليها، توسعت السيطرة لتصل إلى 36,000 دونم من أصل 44,500، أي نحو 85% من مساحة البلدة.
وفي خطوة بالغة الخطورة، قام النظام بضمّ “ضاحية يوسف العظمة” القائمة على العقار رقم (2422) إلى منطقة قطنا بدلًا من منطقة داريا، وكان الهدف من ذلك تشعيب المشكلات العقارية.
هذا القرار دمّر النشاط الزراعي الذي اعتمد عليه نحو 100 ألف نسمة، وأجبر الأهالي على ترك أراضيهم والتوجه إلى الوظائف الحكومية والقطاع الخاص. وكانت التعويضات هزيلة جداً، إذ حُدد سعر المتر بـ 10 ليرات للأراضي البعلية و240 ليرة للمروية.
أوصى مجلس الشعب عام 1988 بإعادة النظر في المرسوم، ورفع الاستملاك عن المنازل والأشجار المثمرة، وتوسيع المخطط التنظيمي. لكن محافظة دمشق تجاهلت التوصيات، وأصدرت قرارات جديدة توسعت بموجبها الجداول الاستملاكية. وكانت النتيجة خسارة 11 ألف منزل، وأكثر من 120 ألف شجرة زيتون تمثل مصدر الدخل الأساسي للأهالي.
أظهرت الوثائق الرسمية أن محافظة دمشق ارتكبت مخالفات قانونية، أبرزها:
الاستملاك دون موافقة الجهة الإدارية واتحاد الفلاحين.
عدم دفع بدل الاستملاك خلال المدة القانونية.
ورغم صدور القانون رقم 26 لعام 2000، الذي عدّل القانون 60 وأقرّ مبدأ التعويض العادل وإعادة 40% من الأراضي لأصحابها، رفضت المحافظة تطبيقه بحجة أن الاستملاك قديم ويخضع للقانون السابق.
قدّم الأهالي عشرات الاعتراضات والدعاوى، وأصدرت لجان قضائية قرارات بتقدير سعر المتر بـ 100 ليرة للأراضي البعلية و1000 ليرة للمروية. لكن المحافظة طعنت بالقرارات واستمرت في نقل الملكية.
اعترف المسؤولون المحليون بغياب العدالة، وطرحوا خيار السكن البديل. لكن الأهالي رأوا أن حقوقهم صودرت بلا وجه قانوني منذ عام 1985 وحتى عام 2011 الذي تفجرت فيه الثورة، وأن استمرار العمل بالأسعار القديمة حينها كان يعمّق المظلومية ويحوّل أراضيهم التاريخية إلى مشاريع استثمارية على حسابهم. وهم ينتظرون قرارات منصفة لحقوقهم المسلوبة على مدار عقود.
———————–
على عتبة “السومرية” بدمشق..مجدداً: السلم الأهلي أم العدالة؟/ إياد الجعفري
الأحد 2025/08/31
كانت خطوة يتيمة، لم تتكرر حتى الآن، يوم صارح حسن صوفان، عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي، السوريين، بخصوص سياسة السلطة في دمشق، حيال قضية التسويات مع ضباط كبار وعناصر من النظام البائد. يومها، تعرّض صوفان لحملة جماهيرية شعواء، اشترك فيها عدد من الإعلاميين والمؤثّرين، الذين يعتبرون من أشد المناصرين لحكومة الرئيس أحمد الشرع. واتُهم صوفان بالتعالي والفوقية خلال تفاعله مع أسئلة ومداخلات الصحافيين الجريئة والمتمردة والتي عبّرت في كثير منها عن “مظلومية” لا استعداد لأصحابها بالتخلي عن “عدالة” تُنصفها، وذلك في المؤتمر الذي عُقد بوزارة الإعلام بدمشق، في 10 حزيران الفائت. بعدها، عادت السلطات في دمشق إلى نهج التعتيم، في سياساتها غير الشعبية، واستردت نهج “الخطابة” والوعود، على حساب الشفافية والصراحة مع الشارع. ولا تغيب كثير من تلك السياسات غير الشعبية عن جمهور السلطة العريض، إذ إن كثيراً منها، معلوم لذاك الجمهور الذي يسكت عنها، في تواطؤ مع صمت السلطة ذاتها، ربما لأن التهديدات للـ “العهد الجديد”، باتت جدّية، في نظر ذلك الجمهور.
مناسبة هذا الحديث، اليوم، هو عملية الإخلاء المزمعة لسكان حي السومرية، على تخوم العاصمة دمشق، وذاك “النَفَس” الذي أثارته في أوساط جمهور السلطة الحالية، والمعبّر عنه بكثافة عبر السوشال ميديا، والراغب بتصفية الحسابات القديمة، مع جمهور النظام البائد، الذي يقطن ذاك الحي. وفي هذا الحيز، لن نناقش أسباب المعضلة الراهنة المتمثّلة في أحياء العشوائيات “العلوية” المتمركزة في أطراف دمشق. إذ لا خلاف حول أنها كانت من استراتيجيات النظام البائد لتطويق العاصمة، وإخضاعها بالقوة في حال حصول أي تمرد. وهو ما حدث بالفعل، خلال أحداث ثورة العام 2011. كذلك لن نناقش موضوع حقوق الملكية المُنتزعة من جانب النظام البائد، والتي تخص سكان المدن والمناطق المجاورة لتلك العشوائيات، والذين كانوا نهباً لجرائم ذاك النظام، وتدميره لمدنهم وحيواتهم، بعد ثورة 2011. النقاش في هذا الاتجاه، عبثي، وكأنك تسأل: هل أنت تقرّ بالكوارث التي زرعها نظام الأسد في أوساط السوريين، أم لا؟ الجواب، نعم، بطبيعة الحال. لا خلاف في ذلك. لكن الخلاف هو في كيفية تفكيك تلك الكوارث.
تماثل قضية حقوق الملكية المغتصبة في عهد النظام البائد، تلك المتعلقة بحقوق من خسر حياة أحد أفراد أسرته، أو بعضهم، أو تعرّض للاعتقال والتنكيل به بوحشية، بفعل جمهور ذاك النظام، وجنوده، بعد الـ 2011. وهو ما يعيدنا لملف “العدالة الانتقالية”، المثير للجدل، وكيفية تفكيك العُقد التي تركها نظام الأسد في أوساط السوريين، وبين فئاتهم وطوائفهم المختلفة. وهو ما يحيلنا لسؤال مهم، لطالما نُوقش بين المتخصصين بدراسة تجارب الشعوب في فترات ما بعد النزاعات الأهلية، وتحديداً، في “الفترة الانتقالية”. وهي الفترة التي عادةً ما يكون السلم الأهلي فيها هشاً للغاية، والممارسات غير المدروسة فيها، عادةً ما تخلق وقوداً لاشتعال النزاعات مجدداً.
وبالعودة إلى مؤتمر لجنة السلم الأهلي، اليتيم، كان حسن صوفان واضحاً ومباشراً. لكن النقاش يومها انحرف ليتركز على شخص فادي صقر، المتهم بالمسؤولية حيال مجزرة التضامن الشهيرة، والذي كانت التسوية معه، مصدر استفزاز هائل لجمهور السلطة الراهنة. يومها، قالها صوفان، بوضوح: “نتفهم الألم والغضب الذي تشعر به عائلات الشهداء، لكننا مضطرون لاتخاذ قرارات تؤمّن استقراراً نسبياً في هذه المرحلة”. وضمن ردوده على الصحفيين، قال: “الاستقرار في البلاد لا يمكن أن يكون فقط بإقامة العدالة، وإنما لدينا مسار راسخ وهو المصالحة المجتمعية، وإن نشاط لجنة السلم الأهلي متعدد وغير قابل للقياس ويُوقف بعض الفتن بكل هدوء”.
ورغم عدم شعبية الخيار الذي اعتمدته السلطة الراهنة حينها، على صعيد التسويات، بهدف تهدئة الحواضن المجتمعية المتضررة من سقوط نظام الأسد، إلا أنه كان الخيار المنسجم مع ما يخبرك به المتخصصون بإدارة مراحل ما بعد النزاعات الأهلية. ففي الفترات الانتقالية التالية للنزاعات، يُطرح هذا التساؤل بإلحاح كبير: أيهما الأَوْلَى، السلم الأهلي، أم العدالة؟ تجارب الشعوب تخبرك أنه على المدى القريب، الأولوية يجب أن تكون لتحقيق السلم الأهلي، بهدف توفير بيئة مناسبة للاستقرار، تسمح بإعادة بناء مؤسسات الدولة التي عادةً ما تكون ضعيفة للغاية، إلى جانب ما هو قائم في الحالة السورية، وهو الحاجة الملحة لإعادة إعمار البلاد المهدّمة في معظمها. بدون سلم أهلي، نكون أمام وصفة أكيدة لفشل الفترة الانتقالية في تحقيق الاستقرار والإعمار. والسلم الأهلي في هذه الحالة، يتطلب تأجيل تطبيق “العدالة”، على المدى القريب. لكن، على المدى البعيد، لا استقرار مستدام، دون “عدالة انتقالية”. أي، لا يجب التضحية بالعدالة، لأن ذلك يعني ترك النار تحت الرماد، ليشتعل مجدداً. لكن يجب تأجيلها مؤقتاً.
في المشهد السوري الراهن، من الجلّي للمراقب حتى غير الخبير، أن البلاد لا تتحمل أي خضّة جديدة على صعيد العلاقة بين مكونات هذا البلد. وما زالت تداعيات ما حدث في السويداء، الشهر الفائت، لم تنحصر بعد. في الوقت ذاته، نشهد ظهور مبادرات انفصالية جديدة. والملفت، أنه في قضية حي السومرية، كان الهدف تصفية الحسابات مع جمهور النظام البائد، هم الأفقر والأكثر هشاشة. فيما خرج “أكابر المجرمين” من دائرة الحساب، بقرارات عليا، لم يعد أحد من جمهور السلطة الحالية، يناقشها الآن. فالأولوية للتهديدات التي تستهدف “دولتهم”، من أصحاب الدعوات الانفصالية. والملفت أكثر، أن النتيجة الأبرز لفتح ملف “عشوائيات العلويين” الآن بالذات، هو خلق الوقود المطلوب لتغذية جهود أصحاب الدعوات الانفصالية، والداعمين الخارجيين لهم. الأمر الذي يطرح تساؤلات جدّية، حول هدف صاحب القرار الفعلي، في فتح هذا الملف، في هذا التوقيت بالذات. لكن قد يكون الجواب الذي لا يرغب أحد في طرقه، هو العلاقة الريعية التي وصفها خبراء مراحل ما بعد النزاعات الأهلية، والتي تنشأ بين نخب مرحلة النزاع، وبين المستفيدين والمتعاونين معهم. بكلمات مباشرة أكثر، قد لا يكون الهدف إعادة الحقوق لأصحابها، بالفعل، بقدر ما هو إعادة تدوير هذا الملف (العشوائيات)، ليصبح مورداً لمستفيدين من السلطة الراهنة. نأمل أن نكون مخطئين في هذه القراءة. ويبقى الرهان على العقلاء داخل أروقة السلطة في دمشق، للجم أي إجراء غير مدروس بعناية، بصورة تخلق بؤرة لأزمة داخلية جديدة، سوريا بغنى عنها، اليوم، أكثر من أي وقت مضى.
المدن
———————–
=======================



