إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 27-31 آب 2025

متابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
—————————————
تحديث 31 آب 2025
————————–
الاتفاق المرتقب ومستقبل الجولان/ فايز سارة
31 أغسطس 2025 م
يسود اعتقاد في أوساط واسعة من متابعي الوضع السوري، أن اللقاء الإسرائيلي-السوري المرتقب أواخر سبتمبر (أيلول) برعاية الولايات المتحدة، سيكون نقلة مفصلية في تاريخ الصراع الإسرائيلي-السوري. إذ سيتم خلاله توقيع اتفاق بين الطرفين، يفتح الباب نحو ذهاب عملي لتسوية على جبهة الجولان، تكون فاتحة إلى اتفاقية سلام وتطبيع علاقات.
غير أن مثل هذا الاعتقاد لا يخلو من تفاؤل في غير محله، وتبشير بمرحلة لا تلوح آفاقها في مستقبل قريب، ليس بسبب رغبات الطرفين المعنيين بالصراع والتسوية، ولا بموقف الطرف الأميركي الراعي، بل بسبب إرث طويل من الصراع، فيه كثير من التعقيدات التي ستحتاج إلى كثير من جهد ووقت حتى تتم معالجتها.
لعل المؤشر الأهم على الصعوبات القائمة، يبدو فيما يحيط بالاجتماع المقبل من وقائع ومعطيات، ومثلها النتائج المتوقعة منه، التي أكد السوريون أنها ستكون خلاصتها اتفاقاً أمنياً، وهذه نقطة توافق بين كل الأطراف، لكن ما بعد ذلك فيه تفاصيل مختلفة عند كل طرف.
الاتفاق الأمني لدى السوريين يدور قريباً من اتفاق فصل القوات الذي وقعه الطرفان في عام 1974، واقتصر على ترتيبات متبادلة على جانبي الحدود، دون أن يمس ما بعدها سواء في اتجاه مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل، وطردت أغلب سكانها في عام 1967، أو في اتجاه الشريط الضيق من أرض سوريا الخاضع لسيادة سورية مقيدة السلاح، وهذا بعض ما يجعل السوريين يميلون إلى اتفاق أمني قريب، لا يبدل وضع الجولان باعتبارها أرضاً سورية محتلة، ولا يعترف أيضاً، بل يرغب في إنهاء الخروقات الإسرائيلية للحدود وما جرى من تغييرات في الأراضي السورية، خصوصاً التي تمت بعد 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024.
ويحيط الحذر الإسرائيلي بالاتفاق المرتقب، ويتجنب الإسرائيليون التعبير عن حقيقة موقفهم باستخدام عبارات عامة، يفهم منها الحرص على تفاوض يقود إلى اتفاق أمني، لا يكرس حضوراً إسرائيلياً وسيطرة واسعة في عموم الجنوب السوري فقط، بل يتناسى الجولان السوري المحتل، وإلغاء اتفاق فصل القوات لعام 1974، ويتجاهل اعتداءاته الأخيرة على الأراضي السورية، وما قام به فيها من تغييرات، وكله تحت ذريعة أمن إسرائيل وحمايتها، وهو العذر الذي سيبرر فيه لاحقاً، (كما كان دائماً) مطالبه لتوسيع حضوره ونفوذه في الجنوب السوري وامتداداته في أي مرحلة تفاوض مع السوريين وحول سوريا.
بين توافقين وتحفظات سورية وإسرائيلية، يظهر الموقف الأميركي في دعم التوصل إلى اتفاق، ليعطي صورة زاهية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، تتجاوز فشلها في عدم القدرة على التصدي لصلف إسرائيل في سوريا، وفشلها في وقف الحرب على غزة، والأهم في الصورة، أن يظهر الرئيس ترمب في دور «المؤثر والمتوازن» في تقريب الطرفين السوري-الإسرائيلي، اللذين كانا لوقت طويل، الطرفين الأهم في حلقات الصراع العربي-الإسرائيلي، وكان لعدم التوصل إلى أي اتفاق شامل بينهما، دور مؤكد في المواجهات المسلحة ودورات العنف في المنطقة، حتى في الجبهات غير المباشرة.
ويعيدنا ما يحيط باللقاء السوري-الإسرائيلي والرعاية الأميركية من خلفيات ووقائع، للوقوف عند خلاصات، لا ترسم حدود ما يتضمنه الاتفاق المنتظر من ترتيبات أمنية، يتم التوقيع عليها فحسب، بل التوقف عند أمرَين أولهما تأكيد الثوابت في واقع العلاقات السورية-الإسرائيلية سواء لجهة حقوق لا يمكن نكرانها؛ أبرزها أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن ما تقوم به إسرائيل من أعمال في سوريا يمثل خروقاً للقانون الدولي، وأن إسرائيل تتجاهل ما سبق، وتصر على استخدام القوة في مساعي خلق وقائع جديدة، ثبت حتى الآن صعوبة تكريسها.
والأمر الثاني الذي تؤكده الحقائق والوقائع، أن حل الصراع السوري-الإسرائيلي ومثله الصراع العربي-الإسرائيلي على نحو ما هو مطلوب لن يتم تحقيقه، طالما لم تحدث تغييرات جوهرية في مواقف طرفي الصراع، ولا يكفي للسلام أن يقوم طرف واحد بتقديم تنازلات مهما بلغت، فإذا كان السلام هو المطلوب والهدف، فإن التنازلات ينبغي أن تكون متبادلة، لأن تنازلات طرف واحد لن تصنع السلام، بل ربما تساهم في تراكم نار تحت الرماد.
الشرق الأوسط
———————–
سورية والثمار المنتظرة من التطبيع مع الإسرائيليين/ مالك ونوس
30 اغسطس 2025
ما إن سقط نظام الأسد، حتى بدأت القصص تُحاك عن سيناريوهات للتطبيع بين سورية ودولة الاحتلال الإسرائيلي، وكأن مرحلة عزلةٍ طواها سقوط النظام، لتبدأ بعدها مرحلةٌ لانفتاح سوري على العالم، لا يكتمل سوى مع إنجاز هذا التطبيع. ومع ذلك بدأت الأنباء عن اجتماعات أمنية بين مسؤولي الطرفين تظهر، وبدأت معها مرحلة النفي والتكذيب. وتواترت تلك الأنباء وكانت تغيب ثم تعود إلى الظهور إلى أن أعلنت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا) قبل أيام عن اجتماعٍ عُقد بين وزير الخارجية السوري ووفدٍ إسرائيلي في باريس، في 19 أغسطس/ آب الجاري. ووسط النفي السابق والتأكيد الحالي، كذلك غياب الشفافية حول طبيعة اللقاءات وأهدافها، سيتساءل المواطن السوري عن جدوى تطبيع سورية مع دولة الاحتلال، إن حصل، في وقتٍ لم يُظهر فيه الإسرائيليون سوى الأعمال العدوانية، وقصف الأراضي السورية وقضمها، وهو ما يتناقض مع العرف العام الذي يقول بضرورة إظهار نيات حسنة قبل أي لقاء يندرج في ذلك السياق.
تختلف العوامل التي تحدّد العلاقة بين الدول العربية والكيان الإسرائيلي عن العوامل التي تحدّد هذه العلاقة بينها وبين أي كيان أو دولة أخرى. فهذا الكيان احتل أراضي دول عربية، وضم بعضها لتكون جزءاً من كيانه، فأقام عليها مستوطنات لمنع عودتها يوماً ما إلى سيادة دولتها، وبينها الجولان السوري المحتل. لذلك إن لم تكن هذه علاقة عداء، تسبّبت بها الجرائم التي ارتكبها هذا الكيان بحق أبناء تلك الدول، فهي علاقة ملتبسة يشوبها التوجس الدائم، توجُّس لم ينتفِ وبقي يلازم أحاسيس أبناء الشعوب العربية، حتى بعد مضي عقود على التطبيع بينه وبين عدة دول عربية. لذلك تبين أن هنالك فرقاً بين تطبيع الأنظمة والحكومات مع هذا الكيان وتطبيع الشعوب التي بقيت على مسافة بعيدة عنه، وربما على عداء مع سياساته، وفي كل الأحوال عدم اعتراف به. أما تطبيع الحكومات فأمر آخر، يُنجز في اللحظة التي تبدأ مع لقاء وفودها مع ممثليه مباشرة ومن دون وسيط ثالث، لأن تلك اللقاءات بمثابة اعتراف به، وكذلك اعتراف بشرعية احتلاله، حتى في غياب اتفاقات تنظم هذا الأمر.
وبناء على ذلك، تدخل المباحثات والمفاوضات المباشرة بين الحكومة السورية والكيان الإسرائيلي في خانة التطبيع والاعتراف. ويفسح الغموض الذي لفَّ المباحثات واللقاءات المجالَ واسعاً لفرضيات، تصل إلى حد انتظار مفاجآت مدوية من تلك اللقاءات، خصوصاً لقاء باريس، تكون من الضخامة إلى درجة أنها قد تصدم الشعب السوري وشعوب المنطقة وكذلك المتابعين والمحللين. وبما أن اجتماع باريس هو الرابع بين الطرفين، بحسب بعض المتابعين، بعد اجتماع أذربيجان، وربما أبوظبي وغيرهما، والأول الذي أعلنت عنه الحكومة السورية واعترفت به، ربما في محاولة للظهور بمظهر الشفافية، كان من المتوقّع أن تعلن هذه الحكومة عن بعض ما دار به. غير أن هذه الحكومة لم تكن لتعلن عنه إلا بعدما ساهمت بجعل المجال مفتوحاً لكثيرين لكي يزيدوا تكهناتهم وتحليلاتهم، علاوة على الانتقادات التي طاولتها من أبناء الشعب السوري وغيره، بسبب الغموض الذي تعمل وفقه، وعدم التصريح عن اللقاءات السابقة وعما دار فيها، وهو ما يدخل في خانة ازدراء هذا الشعب.
مهما يكن من أمر، أدارت الحكومة السورية الحالية هذه المفاوضات بطريقة تختلف عن المألوف، إذ كان من المفترض أن تشترط انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من المناطق التي احتلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد، في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، نوعاً من إظهار الإسرائيليين حسن نياتهم، ولكي لا يظهر السوريون وكأنهم هم من يسعون إلى التطبيع بعدما كانت دولة الاحتلال تاريخياً هي التي تستميت لحصول ذلك. وبينما أفادت وكالة الأنباء السورية بأن المناقشات التي جمعت وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وزير الشؤون الاستراتيجية ورئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي رون ديرمر، دارت حول خفض التصعيد في الجنوب السوري، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لسنة 1974، فإن ذلك يدلّ على أن الأهداف الأبعد، والمتعلقة بقضية الجولان السوري المحتل، لم تكن ضمن المداولات. لذلك فإن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية التي احتلتها بعد سقوط النظام، والتهدئة في الجنوب، أي السويداء، هو السقف الذي وصلت إليه المفاوضات، وليس قضية الجولان. ويدفع هذا الأمر السوريين إلى التساؤل عما إذا كانت المفاوضات ستفضي إلى التطبيع، أم إلى التهدئة فحسب، وهو ما لا يتطلب عقد لقاءات مباشرة، بل يكفي أن تتم عبر وسيط.
ولكن ما الذي يمكن أن تجنيه سورية من التطبيع مع الإسرائيليين، إن كان هذا هو الهدف البعيد من اللقاءات والمباحثات، وتطبيقاً للشرط الأميركي لرفع العقوبات؟ في الشهر المقبل تحل ذكرى توقيع اتفاقية التطبيع بين الأردن ودولة الاحتلال، والتي مر عليها أكثر من ثلاثة عقود. وبهذه المناسبة، بدأت تظهر كتابات ودراسات حول ما جناه الأردن من تلك الاتفاقات. وإضافة إلى إشارتها للمقاطعة الشعبية لكل ما هو إسرائيلي، تناولت بعض تلك الدراسات آخر المؤشرات حول الاقتصاد الأردني، أظهرت ارتفاع الدين العام وكذلك معدل البطالة، خصوصاً بين الشباب، إضافة إلى تواضع معدلات النمو مقارنة بالخطط. أي أن التنمية والازدهار اللذين كانا مقرونين بالتطبيع، ذهبا أدراج الرياح.
لذلك فإن نظرة سريعة من رموز الحكم الجديد في سورية إلى تجربة الأردن ومصر في التطبيع مع الإسرائيليين، ستُظهر لهم تواضع مكاسب هذين البلدين منه، ويمكن لهذا الأمر أن ينطبق على بلادهم إن دخلوا في التجربة ذاتها وطبعوا مع الإسرائيليين، خصوصاً إذا لم يكن المقابل هو عودة الجولان كاملاً للسيادة السورية. ومن هنا، تطبيع هذا الحكم مع الشعب السوري بكامل أبنائه وفي كل المناطق، ومشاركته بالقرار واعتباره مصدر الشرعية، والتعويل عليه وعلى قدراته وعلى ثروات البلاد وإدارتها الإدارة المثلى، يمكن أن يكون بديلاً عن أي تطبيع إن كان المراد منه زيادة قوه البلاد ووضعها على سكة الازدهار.
وفي العودة إلى الإعلان الرسمي السوري عن لقاء باريس، ربما يكون المقصود به البدء في تحضير الرأي العام في الداخل لما ستعلن عنه الحكومة لاحقاً بعد لقاءات مقبلة، مخافة أن يكون رد الفعل الشعبي على أي اتفاقية تطبيع مفاجئة أو مجحفة بحقه، سلبياً وربما عنيفاً يطيح بالحكومة، بعدما ذاق الشعب السوري مرارات كثيرة تسبب بها الإسرائيليون مذ احتلوا فلسطين والجولان، ثم أتت تلك الاتفاقية لتكون بمثابة مكافأة لهم.
العربي الجديد
——————————-
المفاوضات بين سوريا وإسرائيل.. انعدام في الثقة و”الاتفاقات الإبراهيمية” بعيدة/ عمر علاء الدين
رغم كل ما يقال عن المحادثات الجارية بين سوريا وإسرائيل لعقد اتفاق أمني بين الجانبين، فإن الرسائل التي صدرت عن الطرفين في اليومين الأخيرين، سواء كانت عسكرية أم سياسية، توحي بفقدان الثقة أو توقف المفاوضات لأسباب عديدة، من بينها الأحداث الأخيرة التي حصلت في السويداء، وفق ما قالته هيئة البث الإسرائيلية (مكان).
المفاوضات بالنسبة للجانب السوري، وبحسب ما عبر عنه الرئيس أحمد الشرع، مرهونة بالتزام إسرائيل بأي اتفاق يجري التوصل إليه، بشرط أن يكون على أساس اتفاق فض الاشتباك 1974، بينما تصرح الحكومة الإسرائيلية بعدم ارتياحها لطبيعة الإدارة الجديدة في سوريا، وأنها تريد منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، كما أنها لن تتخلى عن المناطق التي سيطرت عليها، وأهمها القمة 2814، في جبل الحرمون.في هذا التقرير، تحاول عنب بلدي البحث في مسار هذه المفاوضات، في ضوء الاستهداف الإسرائيلي لجنود سوريين في منطقة الكسوة بريف دمشق، في 26 من آب الحالي، وما صدر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من تصريحات بعد لقاء في غرفة عمليات الطائفة الدرزية التي أقامتها في بلدة جولس شمالي إسرائيل في 28 من آب.
“الاتفاقات الإبراهيمية” والجولان
الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، استبعد خلال لقائه مع وفد عربي ضم رؤساء تحرير وسائل إعلام ووزراء سابقين بدمشق، في 24 من آب الحالي، نسخ “الاتفاقات الإبراهيمية” في سوريا.
وقال إن “الاتفاقات حصلت بين إسرائيل ودول ليست عندها خلافات وليست مجاورة. سوريا وضعها مختلف، لدينا الجولان أرض محتلة”.
الأولوية حاليًا، بحسب الشرع، هي العودة لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974 أو شيء مشابه، لضبط الوضع الأمني في جنوبي سوريا بإشراف دولي.
الباحث في مركز “جسور للدراسات” محمد سليمان، اعتبر أن الشرع أعاد طرح قضية الجولان المحتل في هذا “التوقيت الحرج”، بهدف تنبيه المجتمع الدولي إلى الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة التي تشكل خرقًا صارخًا لكل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
وفي حديث إلى عنب بلدي، قال سليمان، إن سوريا لن تتنازل عن أراضيها مهما كانت الضغوط، وإن سياستها الخارجية تختلف جذريًا عن نهج “النظام البائد” في التعاطي مع هذه القضايا.
ويرى الباحث السوري أن الوضع في سوريا يختلف عن بقية الدول التي تناقش “الاتفاقات الإبراهيمية”، نظرًا إلى حساسيتها الجغرافية والسياسية، فـ”إسرائيل توجد على الحدود السورية مباشرة وتقوم بانتهاكات مستمرة منذ سقوط النظام البائد لم تكن تقوم بها على زمنه، سواء عبر التوغلات البرية أو استهداف المنشآت والمقار الأمنية والعسكرية الحكومية”.
ويعتقد سليمان أنه في ظل هذا “الوضع الأمني المتوتر”، يصعب الحديث عن أي مسار تفاوضي ضمن إطار “الاتفاقات الإبراهيمية”.
ويسعى الشرع، بحسب الباحث في مركز “جسور”، إلى تحييد الصراع عن الجغرافيا السورية قدر الإمكان ضمن هذه المفاوضات، مفضلًا اعتماد الطرق الدبلوماسية والتنسيق مع “الأشقاء الأتراك والعرب والحلفاء الأمريكيين والأوروبيين، للتوصل إلى حلول تُنهي تعقيدات العلاقة مع إسرائيل، وألا تفضي إلى تفاهمات أمنية مؤقتة”.
ووُقعت اتفاقيات “أبراهام” أول مرة بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين في البيت الأبيض، في 15 من أيلول 2020، بحضور الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال ولايته السابقة، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد، ووزير خارجية البحرين، عبد اللطيف الزياني.
الثقة مفقودة
المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، أكد، في 28 من آب الحالي، أن الجانبين (سوريا وإسرائيل) التقيا في باريس لمدة ثلاث ساعات ونصف، ثم التقيا لاحقًا في اجتماع ثانٍ، واصفًا الأجواء بـ“الإيجابية”.
وقال إن الشرع لا يثق بالإسرائيليين، معتبرًا أنه “لم تعد العديد من البلدان العربية تثق بها بعد ما حصل في غزة”، لكنه أوضح أن الشرع “مستعد للتفاوض من أجل مصلحة بلاده”.
براك رأى أن الإسرائيليين يعتبرون أن خطوط “سايكس- بيكو” بعد “7 من أكتوبر” لم تعد “ذات معنى”، وهم يتحركون حيث يشاؤون لحماية بلادهم.
وأعلن أنه طلب من نتنياهو ألا يكون شديد القسوة على الجميع.
على الجانب الآخر، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد لقاء في غرفة عمليات الطائفة الدرزية التي أقامتها في بلدة جولس شمالي إسرائيل، في 28 من آب الحالي، “أنا لست شخصًا ساذجًا، أفهم أمام من نقف، وأمام ماذا نقف”، مؤكدًا أنه “ستكون لدينا تسوية”.
الباحث في مركز “جسور للدراسات” محمد سليمان، يرى أن الرئيس الشرع “لا يثق بالإسرائيليين”، ومع ذلك يبدي استعداده للعمل بشفافية ووضوح في أي تفاهمات قد تجنب سوريا الدخول في نزاعات جديدة.
وأشار سليمان إلى انعدام ثقة السوريين بإسرائيل، التي طالما انتهجت سياسات قائمة على الاحتلال واستخدام القوة ضد من لا يوافق على رؤيتها للمنطقة.
ويعمل الشرع، بحسب الباحث، من خلال “المناورات السياسية والدبلوماسية على كسب الوقت وتخفيف الضغط الممارس على البلاد، ريثما تصل الأمور إلى تفاهمات أو حلول معينة”.
الكاتب الإسرائيلي إفرايم عنبر، الباحث في مركز “القدس للدراسات الاستراتيجية”، يرى أن سوريا أصبحت “نقطة خلاف” بين واشنطن وتل أبيب اللتين لا تتفقان بشأن مستقبلها.
فالولايات المتحدة، مثل تركيا، بحسب الكاتب، “مهتمة بتحويل سوريا إلى دولة مركزية تحت رعايتها”، بينما هناك رؤية مختلفة لإسرائيل، بسبب التزامها بالأقليات (وخاصة الدروز والأكراد).
وفي مقال له على موقع القناة “12” الإسرائيلية، اعتبر عنبر أن قدرة إسرائيل على هندسة الكيانات السياسية خارج حدودها الشمالية، سوريا ولبنان، “محدودة للغاية”، ويجب ألا “تتوهم” إسرائيل أن قوتها العسكرية قادرة على تغيير الواقع السياسي هناك.
وأضاف، “ستظل هاتان الدولتان تشكلان تحديًا أمنيًا في المستقبل القريب”.
التصعيد العسكري لفرض وقائع على الأرض
تسعى إسرائيل لفرض اتفاقية خضوع عبر وقائع ميدانية تستند إلى قوة عسكرية مفرطة .
وتأتي التطورات الميدانية في اليومين الأخيرين بالتصعيد العسكري في جبل المانع بمنطقة الكسوة بريف دمشق في هذا السياق، حيث نفذ الجيش الإسرائيلي إنزالًا جويًا بأربع مروحيات إسرائيلية بجنوب شرقي مدينة الكسوة في ريف دمشق، في 27 من آب الحالي، دون أن يحدث أي اشتباك مع عناصر وزارة الدفاع الموجودين بالقرب من المنطقة.
مصدر عسكري، تحفظ على نشر اسمه، ذكر لعنب بلدي حينها، أن عملية الإنزال استمرت أكثر من ساعتين، دون أن يشير إلى طبيعة العملية وسببها.
وقال مصدر حكومي لوكالة الأنباء السورية (سانا)، إن عناصر من الجيش عثروا خلال جولة ميدانية على أجهزة مراقبة وتنصّت قرب جبل المانع، في 26 من آب، وفي أثناء محاولة التعامل معها، تعرض الموقع لهجوم إسرائيلي جوي أسفر عن قتلى وإصابات وتدمير آليات.
وتجدد القصف الإسرائيلي، في اليوم التالي، على نقاط عسكرية في ريف دمشق، بالقرب من مدينة الكسوة، بأكثر من عشر ضربات.
واعتمدت إسرائيل نهجًا تصعيديًا منذ سقوط نظام الأسد، في 8 من كانون الأول 2024، إذ توغلت في عدة مناطق جنوبي سوريا، بمحافظتي القنيطرة ودرعا.
وفي أول تعليق له على التوغل الإسرائيلي بعد تسلمه السلطة، قال الشرع، في 14 من كانون الأول 2024، إن حجج إسرائيل انتهت، معتبرًا أنه لا توجد حجج لتدخل خارجي الآن في سوريا بعد إنهاء الوجود إيران في البلاد، وفق تصريحه.
وأكد الشرع أنه لا ينوي خوض صراع مسلح مع إسرائيل، معتبرًا أنها ليست المعركة التي سيخوضها.
ودمّر الجيش الإسرائيلي العديد من المواقع العسكرية السورية، في الجنوب السوري ودمشق واللاذقية وحمص وحلب، عقب سقوط الأسد، وهو ما اعتبرته إسرائيل خطوات استباقية لعدم وقوعها بأيدي “المتطرفين”، ولضمان أمنها، على حد قولها.
ويحاول المفاوض السوري تحريك كل أدوات الضغط الدبلوماسي، وهذا ما رأيناه في تحذير وزير الخارجية، أسعد الشيباني، في قمة جدة من مشاريع إسرائيل التوسعية، خصوصًا ما صدر على لسان بنيامين نتنياهو حول إسرائيل الكبرى.
الباحث في مركز “جسور للدراسات” محمد سليمان، يرى أن المفاوضات مع إسرائيل ستبقى مستمرة بحكم “الواقع الجغرافي والانتهاكات المتكررة”، لكنها تواجه تحديات داخلية وإقليمية، ولا يمكن القول بأنها متعثرة بالكامل.
وبحسب سليمان، تحتاج المفاوضات إلى “توافقات استراتيجية” تحصّن سوريا على المدى الطويل من التدخلات العسكرية والأمنية الإسرائيلية وتضبط العلاقة معها، لتكون ضمن الأطر الرسمية الحكومية فقط، دون أي اتصال مع جهات غير رسمية أو فواعل ما دون الدول.
وحكم تقرير لمركز “ألما” الإسرائيلي للأبحاث، على أي عملية دبلوماسية بين سوريا وإسرائيل بـ”الفشل”، لأن سوريا لا تعتزم تلبية ما أسماها التقرير بـ”الشروط الإسرائيلية للانسحاب من الجبهة الشمالية”.
واعتبر المركز أن الوجود العسكري في تسع نقاط على الجانب السوري من خط فصل القوات لعام 1974 ليس “ورقة مساومة مؤقتة”، بل هو “موقف أمني ضروري وطويل الأمد”، تم اتخاذه في مواجهة “واقع غير قابل للحل دبلوماسيًا”، على حد تعبيره.
عنب بلدي
—————————
إسرائيل والهشاشة السورية والتطبيع مع التطبيع/ رامي العاشق
30 أغسطس 2025
ما من فكرة أكثر حضورًا في واقع السياسة السورية اليوم من الهشاشة. الهشاشة هي القوة التي باتت تحدد خياراتنا أفرادًا وجماعات. يعاد تشكيل السياسة السورية اليوم في ظل هشاشة الدولة والمجتمع والعسكر والسلطة والموالاة والمعارضة والطوائف والمشاريع الوطنية وغير الوطنية والأمن والشرطة والأمان والثقة. لم تعدْ القرارات السياسية خيارًا أيديولوجيًا أو استراتيجيًا، بل استجابة لقوة تفرضها هشاشة البنية السياسية: الفوضى، والانقسامات الداخلية، وانهيار الضمانات الأمنية، والتدخلات الخارجية، والاقتصاد الذي من شأنه أن يغير في المعادلة.
من السويداء في الجنوب، إلى السلطة والمجموعات المسلحة الموالية لها، وصولًا إلى قسد في الشمال، تتكرر ظاهرة الحديث عن “إسرائيل” العدو التاريخي، والكيان الذي يحتل أراضٍ سوريةً ويستمر في التوسع والاحتلال يومًا بعد يوم، ليس بوصفها خطرًا مطلقًا، إنما كفاعلٍ يمكن أن يحمي أو يهدد، كجارٍ محتملٍ أو طرفٍ في تفاوضٍ أو وساطة.
في السويداء، لم تطرح الدعوات إلى طلب الحماية الإسرائيلية من فراغ. فقد تعرض الدروز لمجازر ارتكبتها فصائل مسلحة من العشائر وقوات وزارة الدفاع، وتعرضت البيوت للسرقة والنهب والحرق. امتداد الطائفة الدرزية داخل إسرائيل نفسها، وتواصلات موفق طريف التي لم تتوقف، والجغرافيا، والخذلان والخوف، والطائفية المنفجرة، ومشروع الهجري القائم على الاستقطاب، جميعها أسباب جعلت الاستنجاد بدولة الاحتلال أمرًا قابلًا للتحقيق.
ولو أن بعض أبناء السويداء يعتبرون أن الاستنجاد بإسرائيل ليس خيارًا وطنيًا، إلا أن معظمهم يرى أن الغارات الإسرائيلية على الفصائل المسلحة منعت وقوع المزيد من المجازر، ما جعل عدد القتلى أقل مما كان يمكن أن يكون.
يجب التنويه أن هذه المقالة لا تناقش أحقية أي طرف بأي فعل، إنما تستعرض الواقع لتحلل الهشاشة بوصفها قاسمًا مشتركًا وسمة عامة من جهة، ودخول إسرائيل إلى قاموس السياسة السورية بشكل جديد من جهة أخرى.
واقع السويداء الهش وضع أهلها أمام مأزق أخلاقي بالغ القسوة: هل نختار الموت والذبح تحت اسم الوطن، أم نختار النجاة ونصبح في نظر الآخر خونة؟ كيف لجماعة قاومت الاستعمار الفرنسي أن ترى الحماية في دولة قامت على الإبادة والتطهير العرقي ولا تزال تمارسهما يوميًا؟ الإجابة لا تكمن في المبدأ، بل في واقع النجاة المؤلم.
في أثناء المجازر في السويداء الشهر الفائت، اتصلت بصديقة قديمة للاطمئنان عليها، وأخبرتني أنها محاصرة هناك. كانت تبكي، وقالت بحرقة: “أنت تعرفني جيدًا، أنا معادية لإسرائيل من قبل أن أولد، ولكن صدقني، لو لم تضرب إسرائيل هذه الفصائل، لما وجدتني حية”.
على مستوى السلطة، ومنذ اليوم الأول، دأب كل من الشيباني والشرع على التذكير بأن “سوريا لن تشكل خطرًا على جيرانها” وأن “سوريا لن تدخل في حرب مع إسرائيل”، وبدأت بيانات السلطة التي تدين التوغل الإسرائيلي تستعمل لغة تصفها بـ “القوات الإسرائيلية” وليس “قوات الاحتلال”. وبعدها بدأت تبريرات اللقاءات مع الإسرائيليين غالبًا ما تأخذ شكل حفاظ على الأمن واستمرارية التفاوض. ويتكرر المنطق نفسه لدى جمهور مؤيدي الشرع، الذين يبررون اللقاءات بضرورات الأمن القومي. في هذا الإطار، صارت السياسة فن إدارة البقاء في ظل دولة منهارة، حيث يصبح ما يفرضه الواقع أكثر قوة من أي أيديولوجيا، وهذا يتقاطع مع ما كتبته سابقًا عن السويداء من حيث واقع الهشاشة.
في الشمال الشرقي، لم تقتصر الإشارات الإيجابية تجاه إسرائيل على مستوى الخطاب العام، بل وصلت إلى تصريحات رسمية صريحة. فقد قالت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، إلهام أحمد، في مقابلة مع صحيفة جيروزاليم بوست إن “الحل في سوريا والمنطقة يتطلب مشاركة إسرائيل”، معتبرة أن أمن الحدود السورية يستلزم مشاركة جميع الأطراف، وأن لإسرائيل “دورًا مهمًا للغاية” في هذا السياق. بل ذهبت أبعد من ذلك حين ربطت إمكانية الوصول إلى “حل ديمقراطي للمنطقة” بضرورة إشراك إسرائيل والشعب اليهودي.
انتقال إسرائيل من خانة العدو، إلى خانة المهادن الضاغط، ثم إلى خانة الحل، بهذا الشكل الدرامي جديد على الخطاب السياسي السوري، وهو تحول لا يمكن تفسيره فقط برغبة سياسية، بل بواقع هشاشة عميقة تجعل القوى السورية، على اختلاف مواقعها، تفتح أبواب السياسة أمام ما كان حتى الأمس من المحرمات.
تنسب إلى الفيلسوف الصيني كونفوشيوس مقولة: “عندما تفقد الكلمات معناها يفقد الناس حريتهم”، فلم يعد مصطلح “العدو الصهيوني” يحمل المعنى الذي شكل هوية السوريين لعقود؛ فقد أظهرت دراسة لمركز جليزر أن عدائية الإعلام الرسمي السوري تجاه إسرائيل تراجعت من 43٪ إلى 7٪ فقط.
أما على مستوى الرأي العام، فيكشف استطلاع “المركز السوري لدراسات الرأي العام” (مدى) أن 60٪ من السوريين يتوقعون معاهدة سلام مستقبلية مع إسرائيل، وأن 40٪ يؤيدون التطبيع صراحة، إضافةً إلى صعود تيار “بدنا نعيش” الذي يتبنى نظرية التحالف مع الشيطان من أجل أن يتخلص من واقع معاشي مؤلم. ولكن، هل أصبحت النجاة معيار السياسة؟
يمكن القول إن الشرعية في العالم العربي بُنيت غالبًا على العدو الخارجي، لكن اليوم، أصبح العدو قابلًا لإعادة التعريف، والذاكرة الجمعية تتراجع أمام منطق البقاء. الهشاشة لم تعد مجرد شعور فردي، بل مبدأ مؤسس للسياسة السورية: ما يحدد الخيارات ليس الإيديولوجيا أو المبدأ، بل القدرة على النجاة.
إدماج “إسرائيل” في القاموس السياسي السوري انعكاس لانكسار السياسة نفسها. “إسرائيل” تظهر لا كعدو وحيد، بل كمرآة للهشاشة: تكشف ضعف السوريين، انكسار الدولة، وتعقيدات العلاقة بين المبدأ والضرورة، بين الذاكرة والبقاء.
المفارقة أن سوريا، التي تخلصت من دكتاتورية قائمة على الجريمة، تعيد تعريف إسرائيل سياسيًا في اللحظة التي يعيد فيها العالم مساءلة إسرائيل نفسها قانونيًا وأخلافيًا على جرائم حرب وإبادة. ففي الوقت الذي تملأ شوارع أوروبا مظاهرات لم تتوقف منذ قرابة العامين، ومع تحول دولي للاعتراف بدولة فلسطين وتوقيف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل من حلفائها التاريخيين، ومذكرة توقيف من الجنايات الدولية بحق رئيس وزرائها ووزير دفاعها، يتوجب أن يصبح التطبيع مع فكرة التطبيع أمرًا غير طبيعي!
الترا سوريا،
——————–
تقرير – واشنطن – بمناسبة اجتماع باريس
وَصَلت، إلى واشنطن، مُعطيات (جانبٍ) من اجتماع باريس، وهي، فعلاً، تحمل مُجمل المعلومات التي تم تداولها في وسائل الإعلام السورية والعربية والإسرائيلية. طبعاً، بتفسيرات كل طرف لجوهر هذه المعلومات.. وتلك تفسيراتٌ بعضها حقيقي، وبعضها (وهمي) ويقع في خانة (التفكير الرغبوي) لا أكثر ولا أقل، مثل تلك التي تتحدث عنها بعض القنوات ومنابر الصحافة (العربية)..
لكن المهم في الاجتماع، أصلاً، وفي كل ماسبقه من لقاءات واجتماعات مباشرة، أو غير مباشرة، لايتعلق بذلك الجانب في قليلٍ أو كثير.. وإنما بـ (الجانب الآخر) الذي لايجري الحديث عنه في وسائل الإعلام بتفصيل. وهذا الجانب هو الذي يجري النقاش الجدي حوله، بعيداً أيضاً عن الإعلام، في واشنطن.
ولو يُدرك أهلنا في السويداء حقيقة الموقف الإسرائيلي وأهدافه من الاجتماعات التي تُعقد مع المسؤولين السوريين، لأعادوا التفكير مليّاً قبل السماح للقيادات الانفصالية بتوريط المحافظة وأهلها في صراعٍ عبثي لا يخدم إلا تحقيق الهدف الإسرائيلي الحقيقي من وراء كل ممارساتها ضد الدولة السورية..
وماتريده إسرائيل باستعجال، وتلح عليه بشكلٍ متكرر، لاعلاقة له بالأقليات من قريبٍ أو بعيد..
ماتريده إسرائيل، وتتحدث عنه في الغرف المغلقة، هو اتفاقية سلام كاملة ونهائية مع الدولة السورية.. وفي مقابل هذا، تَعرضُ إسرائيل ليس فقط الاعتراف الكامل والنهائي بالدولة السورية، بل والأهم، تعرض خدماتها لرعاية مصالح الدولة السورية، داخلياً، من خلال قتلها لكل شيء له علاقة بورقة الأقليات (في الجنوب وفي الساحل وفي شمال شرق سوريا).. وخارجياً، من خلال إيقافها كل الضغوط السلبية التي تمارسها على مختلف القوى الدولية لتعطيل حركة الدولة السورية..
وللوصول إلى تحقيق هذا الهدف، الأهم والأكبر، تعمل إسرائيل على ممارسة الضغوط على الدولة السورية، سابقاً بالأساليب العسكرية، وحالياً، باستغلال ورقة الأقليات..
هذه الممارسات ليست اختراعاً إسرائيلياً.. وإنما هي تكتيكات وأساليب لها أسماء محددة ومعروفة في الاستراتيجيات السياسية: إنها، على الكتالوج، سياسة حرف المسار (Deflection)من خلال ستار دخاني (Smoke Screen) وباستعمال مَن يرضون بلعب دور ووظيفة الأحمق المفيد (Useful Idiot)، وذلك على سبيل إعادة تأطير القضية (Issue Framing/Reframing)، وصولاً لتحقيق سياسة الإلهاء المباشر (Distraction Politics) عن الموضوع الأصلي كله!
لاحقوق أقليات هنا، ولامايحزنون! وكل الحديث عن انسحابات ولجان وممر إنساني.. هي في سياق المشهد الجانبي.. وكل مافي الأمر أنه استعمالٌ قذر لمفهوم كبش الفداء (Scapegoating) ، حيث يُدفع ملف الأقليات إلى الواجهة كأنّه المشكلة الجوهرية.. وبشكلٍ تحاول تل أبيب، من خلاله، ضرب عدة عصافير بحجرٍ واحد!
ماهو الغرض من وراء هذا الاستعجال والإلحاح المحمومين؟
تعرف الدولة السورية الغرض، وتقف في وجهه بإصرار، وتحديداً مع الغياب الكامل للثقة بأساليب إسرائيل، ووعودها، في سياق ممارساتها السياسية المعروفة.
أما الغرض، فهو يتمثل، تحديداً، في إلغاء (الورقة السورية الاستراتيجية)، مبكراً قدر الإمكان، قبل الوصول لمرحلة فرض ترتيبات إقليمية استراتيجية كبرى قادمة تتضمن السعودية وغيرها. ففي تلك المرحلة، ستكون شروط التفاوض الإسرائيلية، وقدرتها على المناورة، أضعف بكثير، في وجه تكتلٍ عربي قوي، مدعوم بالموقف الإقليمي والدولي. بينما يمكن لها في حال الاستفراد بسوريا حالياً أن تُضعف الموقف السوري إذا قبلَ بالمسار الثنائي البحت.. وفوق هذا، تزيل التأثير القوي لتلك (الورقة السورية) في الترتيبات المستقبلية. وهذا أمرٌ تدركه السعودية والدول العربية المحورية، بطبيعة الحال، وتقف وراء سوريا، بإصرار، لضمان عدم تحقيقه.
التفاصيل كثيرة.. والتحدي يتطلب صبراً صعباً في مواجهة إكراهات الواقع، خلال الفترة القادمة.. لكن المهم في الموضوع أن يفهم البعض في السويداء، وغيرها، أن الانجرار خلف هذه اللعبة الإسرائيلية ليس إلا خدمة مجانية لمشروعٍ لايخدم لهم قضيةً ولايحفظُ لهم تاريخاً.. وسيكون من المؤلم جداً (استفرادهم) ليكونوا رأس حربةٍ في تحقيق أهدافه.
والمأساة الأكبر أن يحصل هذا بقيادة رجل دين.. وشاعر.. وضباط من فلول الأسد.. يعتقدون أنهم صاروا (لعيبين سياسة)!
وائل ميرزا
——————————
ملاحظة حسابات ميدانية – تعدد الفصائل/ أحمد نظير الأتاسي
الذين يتأثرون بالمعركة دون ان يخوضوها، والذين يتفرجون على المعركة دون ان يخوضوها، ومن ضمنهم المحللين السياسيين، يعتقدون ان المعارك تحركها على الارض صراعات ايديولوجية وحسابات سياسية. لكن المعارك لها قانونها الخاص الذي لا يجب ان يهمله المحلل. سأوضح كيف ان للمعارك مستويين على الاقل منفصلين عن بعضها، المستوى الارضي والمستوى الاستراتيجي.
على المستوى الارضي، قواد المعركة يستيقظون كل صباح ولا يقولون لانفسهم كيف سأحقق هذا الهدف السياسي او ذاك لاني مؤمن بهذه الفكرة او تلك. ليس لديهم الوقت لذلك. جل همهم يكون مصبوبا على البقاء، الذخيرة، الوقود، من عاش ومن مات من الجنود، الجرحى، هل سيطيعني الجنود، من اين سأحصل على جنود بدل الذين ماتوا، السلاح والمعدات، التمويل، رواتب الجنود وتعويضات اهالي القتلى، المخطط الميداني، ماذا سنأكل، ومن يجب ان نقتل، الى اين سنتوجه. لا يوجد قائد ميداني يخطط ابعد من ذلك.
ماذا تعني هذه الملاحظة فيما يخص السويداء. انها تعني ان من يخوضون المعارك من الطرفين محكومون بضرورات مختلفة تماما عن ضرورات القواد الاستراتيجيين والقواد السياسيين (المستوى الثاني). خلال الحرب السورية كانت السرايا والالوية والفصائل تعاني من شح في القيادة الاستراتيجية والسياسية، وكان هذا ينعكس سلبا على مسارات المعارك وبالتالي مصائر الناس. استمرار المعارك وتوسع نطاقها يؤدي الى دخول مزيد من الناس في دائرة الدمار والبطالة ونقص الخدمة والتموين والامان وهذا يؤدي الى ظهور مزيد من الفصائل المقاتلة التي تبحث عن التمويل لتصبح مصدرا للتشغيل وتوفير الدخل بالاضافة الى الحماية. هذا الترند يتعمم ويتصاعد مؤديا الى مزيد من الفصائل، مزيد من التنافس على الموارد، مزيد من التخطيط السيء، ومزيد من القتال والدمار. هذا الترند لا علاقة له بالايديولوجيا ومن يكره من ومن على حق ومن على باطل.
ولذلك واثناء الحرب برزت الحاجة الى غرف العمليات. وهي ليست حاجة محلية فالمحليون مشغولون في تشكيل الفصائل والصراع على الموارد ومن يبقى على قيد الحياة. وانما هي حاجة استراتيجية (المستوى الثاني) لأولئك الذين لديهم الوقت والموارد والكفاءات ليخططوا على هذا المستوى. وحدها الفصائل الكبرى تستطيع الاستثمار في تفريغ اشخاص اكفاء ليقوموا بالتخطيط. الدافع الاساسي للتخطيط وادارة المعارك يأتي غالبا من المتدخلين الكبار مثل اجهزة الاستخبارات والجيوش النظامية ووزارات الخارجية. اذن كان من الطبيعي ان تكون غرف العمليات اثناء الحرب تحت سيطرة استخبارات ودول. التمييز بين هذين المستويين من ادارة المعارك، بالاضافة الى السياسيين، يعطي المحلل قدرة اكبر على فهم الاحداث دون الدخول في دوامات الايديولوجيا التي لا تشرح شيئا.
اذا نظرنا الى الفصائل التي تعلن توحدها تحت راية الحرس الوطني التابع للهجري (الاسم مهم جدا وستتضح اهمية لاحقا) فاننا نلاحظ العدد الكبير من المجموعات والفصائل التي لم تكن معروفة. وهذا يعني ان الحالة في السويداء قد تطورت (خلال مدة لا نعرف طولها، ربما اكثر من سنة) لتنتج هذا العدد من الفصائل. وكلها تسعى للتمويل والتوظيف وتفتقد للرؤية الاستراتيجية. وهذا ربما يشرح المعركة بحد ذاتها. انا لا اقول ان الجولاني اراد التخلص من فوضى فصائل الجنوب، لا فهو يتعامل مع فوضى مماثلة في بقية سوريا. لكن الذين بدؤوا المعركة والذين يديرونها من وراء الكواليس لا بد انهم يستغلون المعركة لتخفيف فوضى الكتائب. هذه كانت الغاية من غرف العمليات والكثير من عملياتها. الغرف تفتعل المعارك لتفكك الفصائل الصغيرة وتدمجها بفصائل اكبر. ما اقوله هو ان المعاركة لها قانونها وحاجاتها. تعدد الفصائل الصغيرة يؤدي بحد ذاته الى مزيد من المعارك التي تهدف الى سحق اللاعبين الصغار المسببين للفوضى. سواءا اراد الجولاني التحكم بالمنطقة او اراد الهجري التحكم بها او ارادت اسرائيل التحكم بها فان القضاء على الفصائل الصغيرة اما بطحنها او بامتصاصها ضرورة استراتيجية.
في هذه الاثناء يقوم المحللون السياسيون بتوليف سردية تشرح فوضى المعارك بما يتناسب مع الاهداف الاستراتيجية للاعبين الكبار، اصحاب غرف العمليات الذين بدؤوا المعركة ويديرونها. انهم يكرهوننا، انهم متوحشون، تفو على شركاء الوطن، كيف يمكننا العيش معهم، انهم خونة، سنقص شواربهم، اين كانوا من اربع عشرة سنه، كفار لا يعرفون الدين، جنودنا جنود الحق، الحق في جانبنا، نحن اخلاقيون وهم همج، يعفشون ويسرقون بينما نحن ندافع عن شرفنا وما الى ذلك من التبريرات التي لا تصف الواقع على الارض (المستوى الاول) وانما تصنع الواقع على الشاكلة التي يريدها مديرو المعارك الاستراتيجيون (اي الواقع على المستوى الثاني).
——————————–
هل نحن العرب طائفيون أكثر من غيرنا؟/ د. فيصل القاسم
29 – أغسطس – 2025
يشيع في الخطاب العام، خاصة في العالم العربي، تصور مفاده أن العرب، شعوب طائفية بطبيعتها، وأن النزاعات المذهبية والعرقية والطائفية جزء من «جيناتهم» أو طبيعتهم. غير أن دراسة التاريخ والحاضر تشير إلى أن هذه الفكرة خاطئة تماماً. التعصب الديني والعرقي والطائفي ليس حكراً على شعب معين أبداً، بل هو سمة بشرية عامة يمكن السيطرة عليها أو تفجيرها واستغلالها حسب السياق السياسي والقانوني والاجتماعي الذي يعيش فيه الإنسان.
من منظور علم النفس الاجتماعي، يميل الإنسان بطبيعته إلى الانتماء لمجموعة محددة، سواء كانت دينية أو عرقية أو قبلية، ويُظهر تحيزاً تجاه الخارجين عن هذه الجماعة. هذه النزعة، وإن كانت فطرية، لا تؤدي بالضرورة إلى العنف الطائفي، فالتاريخ مليء بأمثلة على المجتمعات التي عاشت قروناً من التعايش رغم التنوع والاختلاف الديني والمذهبي قبل أن يتحول التعصب الطائفي إلى حروب أهلية.
أوروبا مثال على تحول التعصب إلى مجازر تاريخية، ونقصد طبعاً حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648) فهي تعتبر واحدة من أبشع الحروب الدينية في التاريخ الحديث، بين البروتستانت والكاثوليك. أسفرت عن وفاة ما يقارب 8 ملايين إنسان، وأدت إلى تدمير واسع للمدن والقرى في ألمانيا وأوروبا الوسطى. كانت هذه الحرب نتاج فشل الأنظمة في فرض سلطة القانون وتنظيم المجتمع، وكانت تغذية التحريض والتجييش والتحشيد الديني من قبل القادة السياسيين سبباً رئيسياً في اندلاعها كما يحدث اليوم في بعض البلدان العربية.
أما محاكم التفتيش الإسبانية فقد طاردت اليهود والمسلمين والمسيحيين المخالفين، ونفذت الإعدامات والحرق، وكانت أداة لتكريس السلطة السياسية والدينية على حساب التعايش الاجتماعي.
وبدورها وقعت مجزرة سان بارثولوميو 1572 في فرنسا، وقُتل فيها عشرات الآلاف من البروتستانت على أيدي الكاثوليك. هذه الأحداث لم تحدث بسبب «جينات فرنسية» متعصبة، بل بسبب تحريض سياسي ومذهبي، واستغلال النخبة لحساسية الجماهير تجاه الاختلاف الديني.
إذاً فإن الأمثلة الأوروبية، كما نرى، تثبت أن التعصب البشري يمكن أن يتحول إلى كارثة عندما لا توجد أنظمة قانونية صارمة تحمي المجتمع، وعندما يستغل السياسيون النزعات الفطرية للبشر لمصالحهم ومشاريعهم الشيطانية كما حصل في الحروب الصليبية أيضاً.
ولا يختلف الوضع في العالم العربي حيث التعصب أداة وليس أصلاً، ومن الخطأ تفسير الحروب والصراعات في الشرق الأوسط على أنها نتيجة طبيعة عربية «طائفية» فالتاريخ المعاصر يكشف غير ذلك تماماً. الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) مثلاً لم تكن أبداً وليدة نزاع مذهبي طائفي فطري، بل كانت نتيجة استغلال سياسي داخلي وخارجي للطائفية. القوى الإقليمية استثمرت الخلافات المذهبية لتحقيق مصالحها، مما أدى إلى كارثة اجتماعية وإنسانية ضخمة استمرت ستة عشر عاماً.
وفي العراق بعد الاحتلال الأمريكي 2003، تم تفكيك الدولة ومؤسساتها، مما ترك فراغاً أمنياً وسياسياً، وهذا بدوره سمح للميليشيات الطائفية بالانتشار. الصراع السني ـ الشيعي لم يكن نتيجة تاريخية «مكتوبة بالدماء» بل نتيجة هندسة سياسية واستغلال للتحريض الطائفي. هل هناك اليوم فعلاً حرب بين الشيعة والسنة، أم إن الشيعة والسنة مجرد وقود لتمرير مشاريع جهنمية لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟
الصراع السوري بدوره بدأ شعبياً وسياسياً، ثم تحول إلى حرب طائفية بفعل تدخلات خارجية ودعم إعلامي مكثف خدمة لمصالح ومشاريع خارجية أو أغراض سلطوية. هذا التحويل لم يكن نتيجة طبيعة الشعب السوري مطلقاً، بل نتيجة مخططات استهدفت تفكيك الدولة وإشعال الانقسامات الطائفية لتحقيق أهداف جيوسياسية. وما يحدث اليوم في سوريا ليس لأن السوريين أكثر طائفية من غيرهم، لا أبداً، بل لأن هناك أيادي كثيرة لها مصلحة في إشعال الساحة السورية بالصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية خدمة لمصالحها الخاصة.
وليس هناك أدنى شك بأن التحريض الإعلامي يلعب دوراً محورياً في تحويل النزعة البشرية الطبيعية إلى صراع سياسي دموي. وسائل الإعلام، أحياناً بالتحريض المباشر وأحياناً بالإغفال الممنهج للحقائق، تخلق بيئة خصبة لتأجيج العداوات الطائفية والمذهبية. ولو كانت حتى أوروبا أو أمريكا قد تعرضتا لنفس الحملات من التحريض والتحشيد والتجييش الإعلامي الذي عانت منه الدول العربية ومازالت تعاني، لكانت النزاعات الطائفية فيها أسوأ مما نشهده اليوم في الشرق الأوسط بمرات ومرات، رغم وجود أنظمة رادعة ضد التمييز والتجييش الطائفي والعنصري، فما بالك بالبلدان العربية التي يسرح فيها المحرضون ويمرحون على هواهم دون حسيب أو رقيب.
لهذا علينا أن نفهم الدرس التاريخي والحالي وهو أن التعصب البشري موجود في كل مكان وزمان، لكنه ليس قاتلاً بطبيعته. أما الخطر الحقيقي فيكمن فيمن يستغل هذا التعصب لمصالح سياسية واقتصادية أو استراتيجية، كما فعل الأمريكان وغيرهم بالمجاهدين في أفغانستان حيث استخدموهم كأدوات لطرد السوفيات ثم لاحقوهم كإرهابيين. ثم لماذا لم تظهر داعش وأخواتها إلا في العقود القليلة الماضية؟ أليس لأنها صنيعة بعض القوى الشيطانية لتمرير مشاريع جهنمية؟ وبالتالي فإن صراعات المنطقة العربية الحديثة ليست نتاجاً لغريزة عربية أبداً، بل نتاج مشاريع داخلية وخارجية استغلت النزعات الإنسانية لتدمير المجتمعات وإعادة رسم خرائط النفوذ.
أخيراً فإن الحل إذاً ليس في «تطهير الشعوب» من التعصب، بل في بناء مؤسسات قانونية وسياسية واجتماعية قوية تضبط التطرف بكل أشكاله وتمنع استغلاله لأغراض سياسية داخلية أو خارجية، وتفضح وتواجه وتتجنب المشاريع القذرة التي تحرك النزاعات الطائفية والمذهبية والدينية خدمة لأهدافها ومصالحها السياسية والعسكرية المفضوحة.
كاتب واعلامي سوري
القدس العربي
————————
بدو السويداء ودروزها.. شراكة دم وتاريخ/ كمال شاهين
من “شراكة الحصان” والمواثيق التي صانت الجيرة قروناً، إلى الرصاص الذي مزّقها اليوم.. كيف انهار التعايش بين البدو والدروز؟
27 أغسطس 2025
مع استلام بشار الأسد السلطة في سوريا في تموز (يوليو) العام ألفين، تناقل السوريون أنباءً عن اندلاع اشتباكات عنيفة في مدينة السويداء إثر مقتل مزارع “درزي” على يد بعض أبناء العشائر البدوية دون ذكر الأسباب. تطورت الاشتباكات إلى معارك أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى من الجانبين، وقتها تدخلت أجهزة الدولة السورية ووصلت دباباتها إلى مشفى السويداء الوطني متسببةً بمقتل واحد وعشرين شخصاً من الدروز والبدو.
في سنوات “الربيع السوري” (بعد 2011)، تجددت تلك المعارك عدة مرات بتفسيرات مختلفة، حيث اتُّهمت دمشق آنذاك بأنها وراء افتعال المعارك بهدف جر السويداء إلى صفها في معركة السلطة ضد السوريين. في مرات تالية اتَّهمت دمشق “تيارات معيّنة” في السويداء (لم تسمّها درزية) بأنها السبب والهدف التمهيد لـ “انفصال السويداء” عن سوريا، ومرة ثالثة ظهرت تلك المعارك والمناوشات على أنها سياق طبيعي لعلاقات متوترة منذ قرون بين البدو وسكان السويداء.
لم تكن هذه الأمثلة وحدها ما سجله التاريخ عن علاقة البدو والدروز في الجنوب السوري، فهناك عشرات غيرها، ولكن الثابت أنّ غالبية تلك المناوشات والمعارك كانت تبدأ وتنتهي “بأرضها”: بكل بساطة يتدخل عقلاء الطرفين ويحلوّن المشكلة، وبعد تبويس “الشوارب” يولمون وتدفع ديات القتلى ويعاود الناس حياتهم الطبيعية بعد وقت كاف لترميم الخسائر. في مرات كثيرة، خارج وجود السلطة أو تدخلها كانت أجهزة الدولة ـ الشرطة بالدرجة الأولى ـ تتدخل لفض النزاع. كان يمكن ببساطة لرئيس مخفر أن يحّل مشكلة كأداء وتنتهي من فورها في أرضها.
رغم كل هاتيك المعارك التي هي جزء طبيعي من سياق العلاقات البدوية ـ الدرزية في المنطقة إلا أن التوزع السكاني ـ العشائري والجغرافي والديموغرافي لكلا الفريقين لم يتغير طيلة ما يقرب من ثلاثة قرون من التعايش بينهما بما في ذلك نجاحهم معاً في تفادي أثر الأحداث الدامية في سوريا العقد الأخير بشكل مقبول، وإن تراجعت العلاقات الاجتماعية نسبياً كغيرها من علاقات النسيج السوري بين بعضه بعضا. التراكمات التي حدثت منذ سقوط النظام حتى العاشر من تموز (يوليو) انفجرت بشكل متوقع وإلى غير رجعة اعتباراً من الحادي عشر من تموز.
التغيير الصاعق
بين الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024 حتى عشرة تموز (يوليو) 2025 حدثت مئات الاستفزازات من عناصر منتمية إلى أجهزة السلطة الانتقالية ضد سوريين آخرين في عموم سوريا بمن فيهم أفراد من الجماعة الدرزية في جرمانا وصحنايا قرب دمشق. في السياق نفسه، أقامت السلطة الجديدة حاجزاً أمنياً تابعاً للأمن العام في منطقة “المسيلمة” القريب من السويداء على طريق دمشق ـ السويداء مؤلفاً من عناصر من البدو بشكل رئيسي.
وكما حدث في الساحل السوري تحوّل الحاجز إلى مكان للإساءات الطائفية والسلب والنهب وسرقة المال من مستخدمي ذلك الطريق، إضافة إلى اتهامات بشراكة الحاجز مع مجموعات مسلحة تقوم بعمليات الخطف والسرقة في المنطقة. توثّق صفحات على التواصل الاجتماعي مقتل لا يقل عن ثلاثين شخصاً ضحايا الانفلات الأمني وضعف قدرة السلطة على ضبط الأمن في تلك المنطقة. وتبعاً لناشطين من السويداء جرى إبلاغ السلطة بدمشق أكثر من مرة بضرورة ضبط هذا الواقع الأمني وردت السلطة أنه ليس لديها عناصر كافية لذلك تعتمد على أبناء البدو وأبناء درعا في تأمين الطريق.
في صباح يوم 11 تموز (يوليو) هاجم مسلحون بدو شاحنة خضار على طريق دمشق – السويداء، واعتدوا على سائقها الدرزي وسرقوا الشاحنة. وعلى ما يبدو أن مسلحي البدو، وبناء على رغبة مشغّليهم، لم يقتلوا السائق كما فعلوا في مرات سابقة بل نقلوه إلى مسافة قريبة من السويداء وتركوه، فقد كان مطلوباً أن يصل السائق حياً للسويداء ويقوم بإبلاغ أهله بما حصل لتقوم القيامة بعدها.
فيما مضى لم يكن لمثل هذه الحادثة أن تتسبب بكل ما لحقها من سلسلة عمليات ثأرية بدأت بعمليات خطف متبادلة ثم تطورت إلى اشتباكات مسلحة أسفرت عن سقوط عدة مئات القتلى والجرحى من الطرفين. كان من الممكن تدخل عقلاء من الطرفين لرأب الصدع ولكن كان مقصوداً أن تترك الأمور للجهّال (كما هو التعبير الدرزي) لتتفاقم الأمور ويطلب تدخل قوات أمن الحكومة الانتقالية ثم يطلق نداء “الفزعة” لتجميع مقاتلي العشائر ضد مدينة ومقاتلي السويداء.
بعد عشرة أيام على الحادثة شاهد السوريون مجازراً مروّعة في مدينة السويداء وقراها بعد تدخّل قوات الحكومة الانتقالية السورية و”فزعة العشائر” لدعم “البدو” بشكل معلن، في وقت ادّعت فيه الحكومة أنها قدمت لفض النزاع بين قوات درزية مسلحة وأخرى بدوية مسلحة، وللمرة الأولى في تاريخ العلاقة بين الطرفين (الدروز والبدو) شهدنا صباح الإثنين 21 تموز (يوليو)، توافد الحافلات إلى مدينة السويداء لبدء “تأمين خروج” عائلات البدو، باتجاه مراكز إيواء في درعا ودمشق بالتنسيق مع الهلال الأحمر السوري.
وفق محافظ درعا أنور الزعبي، فإن عدد نازحي العشائر البدوية المقيمة في محيط السويداء (حتى 21 تموز) بلغ نحو 35 ألف شخص. وبالمقابل تعرضت 37 قرية درزية من قرى ريف السويداء الغربي بعدد سكان حوالي 200 ألف إلى عمليات حرق وقتل وتهجير مع تخريب فظيع للبنى التحتية بما في ذلك تدمير آبار المياه مع بدء حصار السويداء من قبل سلطات دمشق الجديدة، إضافة إلى نهب المنازل وحرق السيارات ومدخرات الأهالي من مال وذهب. وهذه العمليات جرت قبل نقل البدو من داخل المحافظة إلى خارجها.
وفق الأرقام الأممية فإن 192 ألف شخص من البدو والدروز نزحوا من أماكن سكنهم. سجّلت حالات نزوح سكان القرى والبدو ثاني حالة نزوح جماعية في عهد النظام الجديد بعد نزوح سكان ثلاثين قرية “علوية” في ريفي حمص الغربي (مثل معان، الشيحة، الشيخ علي كاسون، الخ) وحماة الغربي (قرى العزيزة وأرزة) واستيطان عائلات مقاتلين تابعين للسلطة الانتقالية فيها. طال النزوح هذه المرة شرائح ومجتمعات سورية جديدة لم تعان منه خلال فترة النزاع السوري – السوري فيما يظهر وكأنه نوع من الانتقام المقصود.
من جانبها، حمّلت البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة الانتقالية السورية مسؤولية التهجير القسري للبدو في السويداء إلى قوات “خارجة عن القانون” (قوات المجلس العسكري في السويداء) قائلةً إنّ مشايخ الطائفة الدرزية في سوريا دعوا في بياناتهم إلى إفراغ القرى البدوية من سكانها. وتقول الرواية الرسمية لحكومة المرحلة الانتقالية بتاريخ 18 تموز (يوليو) 2025 على لسان قائد الأمن الداخلي في السويداء أحمد الدالاتي: “توصلنا لاتفاق يقضي بإخراج جميع المدنيين الراغبين في مغادرة السويداء ونؤكد التزامنا الكامل بتأمين خروج جميع الراغبين بمغادرة السويداء، وثالثاً، سنوفر إمكانية الدخول إلى السويداء للراغبين بذلك”.
لم يذكر الدالاتي مع من تم هذا الاتفاق وأين وكيف. ولكن نستنتج من كلامه أنّ “المدنيين خرجوا برغبتهم”. وفسّر المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا أسباب خروج البدو بقوله: “إنّ إجلاء المدنيين من السويداء كان نتيجة تعنت المجموعات الخارجة عن القانون ورفضها تسليم السلاح، أما عودة المدنيين إلى منازلهم وقراهم فستتم بعد تطهير المحافظة من تلك المجموعات” ويضيف إنّ “هناك جهود كبيرة من الحكومة والجهات الدولية لإعادة إعمار ما تضرر في ريف السويداء” دون أن يكون هناك شيء من هذا.
بالمقابل فإن مصادر محلية في السويداء تؤكد أنّ الاتفاق وقّع في الأردن بين سلطة دمشق الحالية وأطراف أخرى منها “إسرائيل” فرض فيها موقعو الاتفاق إخراج البدو من السويداء وأطرافها رغم معارضة المجتمع المحلي لذلك والتزامه ببقاء من يرغب منهم. يأتي الموقف رغم أنّ شرارة ما حصل من دوامة عنف في المنطقة سببها “هجوم منظم” من قِبل مجموعات بدوية مسلّحة استهدفت عدداً من بلدات المحافظة وفق روايات متعددة تؤكد “دخول هذه المجموعات برفقة عناصر أمن وتوغلهم في الأحياء بحجة فرض الأمن، لكن ما حدث فعلياً هو عمليات نهب وسرقة وقتل” ولهذا رُفض بقائها في السويداء. ووفقاً لمصادر محلية أيضاً، فإنّ تعميم الشيخ حكمت الهجري كان مفاده أنّ “البدو والعشائر هم أهلنا، ويمنع المساس بهم، كما يجب حمايتهم”، مضيفةً أنّ مشايخ العقل الدروز أعلنوا تبرؤهم ممن يعتدي على البدو خاصة للعائلات التي استجارت بالفصائل المحلية الدرزية خلال الاشتباكات.
تشير هذه التطورات إلى ما هو أبعد من تهجير بضعة آلاف من السوريين المتعايشين مع بعض منذ قرون، وبالدرجة الأولى إلى تطورات حدّية في العلاقات بينهم تجعل من العودة لمرحلة التعايش السابقة من باب المستحيل، بالنظر إلى أنّ الاشتغال العسكري لسلطة دمشق والعامل الإقليمي خرّبا جزءاً كبيراً من التاريخ المشترك للجماعتين ربما إلى غير رجعة، بما يشي بمرحلة جديدة وديموغرافيا جديدة تعيد رسم خرائط الجنوب السوري ومعها سوريا الجديدة بعد سقوط نظام الأسد.
مختصر علاقة البدو والدروز في أربعة قرون
ينتمي البدو في السويداء ومحيطها إلى طيف واسع من القبائل العربية المنتشرة في بلاد الشام والعراق والخليج العربي. تسمّى عشائر المحافظة بـ “عربان الجبل” وتصنّف حسب كتاب “عشائر الشام” لأحمد وصفي زكريا (الطبعة الأولى 1947) (ص 413، دار الفكر 1983) حسب عددها إلى المساعيد والحسن والشرافات والعظامات والشنابلة والجوابرة والربيدات والغانم والحواسن، يتوزعون جغرافياً على أطراف مدينة السويداء الشمالية والشرقية في مناطق “الحروبة ورجم الزيتون” وداخل مدينة السويداء في حي “المقوس”، وهناك انتشار لهم في بلدات “عرّة” و”الكفر” جنوب غرب السويداء يتشاركون الحياة مع الأغلبية الدرزية فيها.
إجمالي عدد سكان السويداء اليوم 550 ألف والبدو 35-40 ألف نسمة (لا مصدر رسمي) ويقيم البدو في حارات أو أحياء على أطراف التجمعات السكانية الدرزية وليس لديهم قرى خاصة بهم، ويعود هذا إلى سياسة توطين البدو التي اتبعتها الحكومات السورية المتعاقبة منذ خمسينيات القرن العشرين وبشكل خاص بعد الإصلاح الزراعي 1963. عمل البدو دائماً في رعي قطعان الغنم والماعز للملّاك الدروز وغيرهم ونشأت بذلك علاقة نفعية بين الطرفين.
يعود انتشار (وليس استيطان) البدو هناك وفق “زكريا” إلى القرن العاشر الميلادي، وربما إلى أزمنة أقدم بحكم كون هذا النوع من التحرك مرتبط بانتشار النمط القبلي بكثافة، ويشير الباحث السوري “مؤنس بخاري” إلى أنّ جبل حوران حمل في حقبة من الحقب اسم جبل “بني هلال” نسبة إلى القبائل العربية التي استوطنته عبر التاريخ، وهذه القبائل الظاعنة (المتنقلة) تتبعت أنماط الرعي الموسمي المتوائمة مع البيئة المحلية. سُميت هذه المنطقة “جبل حوران” طوال ألف وخمسمائة عام حتى العام 1921 حين وقعت اتفاقية “أبو فخر – دوكيه” التي ثبتت اسم “جبل الدروز” على الخرائط بدلاً من “جبل حوران” (وفق الصديق ابن مدينة السويداء مؤنس حامد). وهناك أسماء أخرى مثل “جبل باشان” و”جبل الريّان”.
حدثت هجرات الدروز إلى جبل حوران بدءاً من القرن الحادي عشر الميلادي (بعد انهيار الدولة الفاطمية)، ولكنها زادت بعد حملات كسروان (1298-1307) من جبل لبنان باتجاه السويداء. تبعت تلك الهجرات موجةٌ أخرى أكبر حجماً العام 1711 ميلادي وما بعده، وذلك على خلفية الصراع في جبل لبنان بين الدروز اليمانيين والقيسيين “الأمراء الشهابيون” الذين حققوا الغلبة في ذلك الصراع. أسّست الهجرة الثانية الوجود الدرزي الدائم في جبل حوران وأدّت لنقل لقب “جبل الدروز” من لبنان إلى حوران، مما يشير إلى حجم تلك الهجرة وأثرها. في وقت لاحق أدّت المواجهات بين الموارنة والدروز 1840-1860م إلى هجرة جديدة نحو جبل حوران.
عندما وصل الدروز إلى جبل حوران كان عدد السكان المقيمين هناك ضئيلاً، وبحكم كونه منطقة استيطان قديمة (رومانية وبيزنطية) كان مليئاً بالقرى الفارغة. ووفق زكريا، فإن قبيلة “الصلوت” كانت الوحيدة “شبه المستقرّة” في منطقة اللّجاة البركانية، وبقيت في المنطقة طوال السنة في حين القبائل الأخرى تنقّلت موسميّاً حَسَبَ توفّر المراعي والمياه.
يقول الباحث مؤنس البخاري إنّ تحالفاً من قبائل “عنزة”، خاصّة قبيلة ولد علي، وصلت جبل حوران أوائل القرن الثامن عشر، ولحقتها قبيلة الرولة أواخر القرن نفسه وأصبحت أكبر قبيلة ظاعنة في الشام. أي بالتزامن مع الانتقال الدرزي إلى تلك المنطقة تقريباً (بعد 1711 معركة عين دارة) وهو ما سوف يسجّل بدء المعارك بين الدروز المزارعين والبدو الظعن بالتحديد.
استفاد المزارعون الدروز من نظام الأراضي الميري العثماني الذي يسمح للأفراد بالحصول على الأراضي غير المزروعة عبر تشجيرها وزراعتها ودفع ضرائبها، وبحلول ثمانينيات القرن التاسع عشر سيطرت عشيرة آل الأطرش تدريجيّاً على 18 قرية من أصل 62 قرية درزية، حسب البخاري، بنفس الوقت استفادت السلطنة العثمانية من المقاتلين الدروز في حماية طريق الحج من غزوات البدو المتكررة على محمل الحجيج الذي كان أحد أهم علامات سيادة وسلطة الدولة العثمانية ودورها في عالم الإسلام.
في القرن العشرين، أدّى التوسع السكاني في مدينة السويداء والهجرة الدرزية من فلسطين بعد تقسيمها العام 1948 ثم الهجرة من لبنان بعد بدء الحرب الأهلية العام 1975 إلى دفع مزيد من العشائر للهجرة نحو المناطق المجاورة مثل البادية الأردنية أو ريف دمشق ودرعا ودفع عدد من المقيمين هناك من المزارعين والبدو للانتقال خارج المنطقة (عائلة المفعلاني في درعا وأصلها من قرية مفعلة في السويداء الآن، آل العاسمي في داعل من قرية عاسم)، ولكن هذا الانتقال العشائري كان يجري ببطء دون دفع المجتمعات المحلية إذ بقي في المدينة أحياء كاملة من البدو وبالمثل على الأطراف.
الميثاقيات ودورها الحاسم
إنّ كون غالبية الدروز مزارعين وقسم منهم مُلاّك أغنام، أدّى لنشوء مشاكل مع الجيران البدو حول الرعي وحق استخدام الأراضي والاستفادة منها. هذه الخلافات المتوقعة والطبيعية تركت أثراً على العلاقة التي جمعت الطرفين ضمن حيّز جغرافي واحد ولكنها مع الوقت وتدخل العقلاء وجدت لها صيغاً تنظيمية متفق عليها بين الطرفين وباتت بحكم القانون اللامرئي الذي يتعامل به الجميع ويعتبره أساس العلاقة. تجلّت هذه الصيغ فيما سُمّي “الميثاقيّات”.
لم تكن هذه الميثاقيات مكتوبة بل استندت إلى منطق “العُرف” الذي هو بمثابة قانون يمتلك صلاحية الإجبار والتنفيذ. يوضح ماكس فون أوبنهايم في كتابه “البدو” “Die Beduinen” (الجزء الرابع) أن هذه الميثاقيات ترتكز على ثلاثة أسس رئيسية: احترام القسم، الضيافة، وحق اللجوء، حيث تمنع هذه الميثاقيات انتهاك الدم بسرعة وتخلق فرصاً للصلح والتهدئة عبر وساطات محلية تتحرك بالسرعة القصوى لرأب الصدع ومنع حدوث المعارك بين الطرفين. وفيما لو حدثت المعارك فإنّ الميثاقيات تتحرّك عبر فواعلها الاجتماعية والمجتمعية ممثلةً بشيوخ القبائل والعشائر وقادة دينيين ومجتمعيين معروفين لرأب الصدع بأسرع وقت ممكن. توضح قراءة سريعة في نتائج المعارك السابقة بين البدو والدروز عبر ثلاثة قرون من التجاور أنّ عدد الضحايا نادراً ما تجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
تطورت هذه الميثاقيات بهدوء وتراكم تاريخي ساعده أنّ كلا الطرفين ينتميان إلى عشائر عربية تمتلك نفس البنى الاجتماعية والتقاليد اليومية والاحتفالات الموسمية، ويذهب بعضهم لتأكيد أنّ رقصة “الجوفيّة” المعروفة في السويداء ذات أصل بدوي. وبالمثل فإن عادات إكرام الضيف والقِرى واللجوء ـ وهي من العلامات الأساسيّة لتلك الجماعات ـ متطابقة بين الجماعتين ومثلها تربية الأحصنة والأغنام والتبادل السلعي.
لم تستطع هذه الميثاقيات أن ترتقي بالعلاقة بين الطرفين إلى مرحلة الاندماج بحكم اختلاف نمطي العيش بين الزراعي والرعوي إضافة للفوارق الدينية والاجتماعية. ولكنها أتاحت تجاوز الفروقات نحو تشكيل تحالفات مؤقتة بطبعها ولكنها فتحت الباب نحو مزيد من التماسك بين جماعتين متجاورتين.
من الأمثلة البارزة على قوة هذه الأعراف وأهميتها في التعايش وتحويل التحالفات، تمرد الدروز في جبل حوران العام 1909 ضد الدولة العثمانية المعروف باسم “انتفاضة العوام”. في تلك المرحلة، انضم مقاتلون من عشيرة الحسن البدوية بقيادة عقيدهم المغوار “درزي المطلق” (لاحظوا الاسم) إلى جانب الدروز وقائدهم “ذوقان الأطرش” ضدّ المحاولات العثمانية لفرض التجنيد الإجباري والضرائب (من كتاب وصفي زكريا). هذا التحالف القبلي الميداني شكّل مقاومة محلية موحدة، معبّراً عن لحظة نادرة لتضامن السكان الأصليين رغم خلافاتهم وتباين مصالحهم. نجحت هذه الشراكة بفضل ميثاقيات الضيافة والمصالح المشتركة وسمحت بتجاوز الخلافات العادية.
زعزعة التفاهمات التقليدية
مع سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، أخذت السلطة الجديدة في سوريا توجهاً جديداً أحادي اللون، تهيمن عليه تيارات سلفية جهادية تدير آذاناً صمّاء لأي مشروع وطني جامع يأخذ بالحسبان تعددية المجتمع السوري وحيويته وتنوعه وتاريخه. بالمثل لم تعِ السلطة الجديدة – أو لم تدرك أو تقصّدت؟ – خصوصية العلاقات التي تربط بين الجماعات السورية، المجتمعية والدينية، فتعاملت مع الجميع إلا مناصريها (للآن) عبر خطاب استعلائي (أموي مزيف) يقصي الجميع تقريباً من المشاركة في بناء الدولة الجديدة.
مفهوم الخصوصية المقصود هنا، هو بقاء أنواع من العلاقات الاجتماعية من مرحلة ما قبل الدولة الحديثة، مثل الميثاقيات والعُرف والديّة وغيرها على قيد الحياة في مسار العلاقات بين الجماعات السورية، وهي أنواع اعتمدها النظام السوري السابق في بناء تفاهماته وعلاقاته مع الجماعات السورية واستفاد منها في حل (واختلاق) مشاكل حسب مصالحه ورؤاه. بنفس الوقت اعتبر المشرّع القانوني السوري هذه المنظومات جزءاً من منظومة التقاضي المجتمعية وقبل بها كشكل من أشكال العدالة بين الأفراد والجماعات نشأت عبر تراكم تاريخي، وليس من ضرورة قانونية، في ظل احتمال الاستفادة منها دائماً في إحلال السلم الأهلي أو غيره.
عدم وعي السلطة الجديدة لخصوصيات هذه العلاقات أفرز خلال قرابة العام من الحكم الإشكالي لهيئة تحرير الشام، حالة خوف مشروع لدى السوريين، فهذه السلطة المنتشية بالنصر هي بوضوح شديد من بدأ حديث ومعارك “الأكثرية والأقليات” و”الأمويّة” و”دمشق لنا إلى يوم القيامة”، في الإعلام كما في التعامل مع الدولة نفسها ومع السوريين.
وإذا كان صحيحاً أن المجتمعات السورية تختزن كثيراً من عناصر الضدّية تجاه الآخر السوري أياً كان هذا الآخر، وتختزن جميعها مسيرة وجع وتهجير وتدمير استمرت أربعة عشر عاماً في ظل نظام الأسد، فإن السلطة نفسها بانحيازها إلى طرف في هذه اللعبة وتجاهلها منطق الدولة ومنطق العدالة الانتقالية ومنطق القانون ساهمت في تعزيز هذا الشقاق المجتمعي الكارثي على السوريين.
جاءت مأساة الساحل السوري لتعزز مخاوف الأقليات السورية الأخرى، ولم يكن ممكناً عند الدروز إغماض العين عن مأساة الساحل في آذار (مارس) الماضي وتصرفات السلطة اللاحقة لها من تجاهل الوضع الإنساني الكارثي المستمر في تلك المنطقة حتى اللحظة. وإذا كان من المطلوب والمحق تسليم أي سلاح خارج منظومة الدولة للدولة نفسها فلماذا كان لدى البدو الذين هاجموا السويداء طيران مسيّر إضافة إلى أنواع مختلفة من السلاح المتوسط؟ بالضرورة هذا لا يعني الدفاع عن امتلاك أهل السويداء ولا غيرهم للسلاح خارج منظومة الدولة المفترضة ولكن المسألة هنا لا ترتبط بالسلاح فقط بل بما قبل السلاح: الثقة بالدولة الجديدة.
محطة العنف الأولى في الساحل السوري لحقتها محطة ثانية في السويداء راح ضحيتها مئات من الأشخاص من الدروز والبدو في عمليات عنف متبادل (حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان فإن هناك 804 من الضحايا من الدروز والبدو و900 جريح). يمكن القول بثقة أنّ السلطة الجديدة ساهمت فيها عبر اصطفافها مع العشائر ضد “بعض الدروز” الذين اتهمتهم بالتعامل مع العدو “الصهيوني” والسعي لتقسيم سوريا أو فدرلتها، في وقت تتجاهل فيه السلطة ضرورات الحوار الوطني ومتطلبات الداخل السوري في كثير من نواحيه بما فيها تطبيق مفاهيم العدالة الانتقالية على ضحايا الحقبة الأسدية وتنتقل فوق أساطيح العامل الخارجي غير المتفق عليه وطنياً هو الآخر.
تفكيك العلاقة بين الدروز والبدو
على خلاف موقف السويداء المدني الداعم للحراك السوري كان موقف جماعات مختلفة من العشائر السورية مؤيداً للتوجهات الإسلامية الجهادية وبضمنها الانتماء والقتال مع الجماعات المسلحة بما فيها تنظيم داعش. لم يخل أمر العشائر أيضاً من تأييد للسلطة الحاكمة وقتها في سوريا لا بل إنّ ثمة وثائق مختلفة تلحظ وجود “مبايعة بالدم” للرئيس الفار بشار الأسد.
تشير هذه التناقضات إلى أنّ دعم السلطة الجديدة للعشائر مبني على العصبية الدينية وليس على عصبية الدولة والثورة كما تسميها هذه السلطة. يوضح موقف السويداء الداعم بغالبيته للحراك المدني وجود فراغات واسعة في علاقة الطرفين بشأن شكل الدولة والحكم بعد سقوط نظام الأسد.
دفعت مواقف السلطة الجديدة المبنية على العنف الطائفي الممنهج الجماعات والمجتمعات الأخرى خارج الكتلة الدينية الكبرى (بالضرورة لا يمكن النظر إليها وكأنها كتلة واحدة متجانسة) إلى الحذر في التعاطي مع هذه السلطة بعد تجربة الساحل السوري المريرة. أدّى هذا إلى تراجع دور الميثاقيات التقليدية وأدوات الوساطة الوطنية التي كانت تضبط حدود النزاع بين السوريين ككل وبشكل خاص بين دروز وبدو السويداء.
بنفس الوقت، تسبب تحوّل النظام في دمشق إلى حكم سلفي جهادي ذي توجّه طائفي إلى إحداث تحوّلات عميقة في العلاقة بين الدروز والعشائر البدوية. ولم يكتف خطاب هذا النظام بتغذية خطاب طائفي رائج وخلق مناخ من التمييز بين السوريين، بل أعاد تشكيل العقل العشائري البدوي من نظام تقليدي متوازن تقوم علاقاته على أعراف وميثاقيات، إلى عقلية استعلائية ـ سلطوية ترتبط بسلطة مركزية تعزز هيمنتها عبر استغلال النفوذ الطائفي والسياسي.
أدّى هذا إلى دفع العشائر إلى التسلح والانخراط في منطق الاستقطابات العسكرية وانضم قسم منهم إلى جماعة الأمن العام الحكومية والفصائل، وهو ما زاد من معدلات التوتر وفقدان السيطرة على نزاعات قابلة للتهدئة بواسطة الأعراف القبلية التقليدية. تراجعت الميثاقيات التاريخية التي كانت تؤمن استقراراً نسبياً بين مكونات المنطقة، لتحل محلها ديناميكيات السلطة المركزية والقوى التي توظف العشائر في صراعاتها، مما زعزع فعلياً إمكانية العيش المشترك بين البدو والدروز.
العامل الإقليمي والإسرائيلي تحديداً
في هذا المناخ السياسي والأمني المتوتر داخل سوريا، يختلط الدور السياسي للحكومة الانتقالية بتدخلات خارجية مستفحلة، أبرزها التدخل الإسرائيلي الذي يمثل عاملاً إقليمياً رئيسياً يعقد الوضع في الجنوب السوري. من الواضح أنّ إسرائيل تراهن على تفكيك السلم الأهلي باعتباره استراتيجية أمنية لإضعاف الجنوب السوري واحتواء النزاعات والتهديدات المحتملة من الدولة السورية الجديدة، مما يؤدي إلى زيادة هشاشة الأمن الاجتماعي ويعقّد بشكل كبير إمكانيات إصلاح العلاقة بين الدروز والبدو.
من الواضح أن إسرائيل ترفض رفضاً قاطعاً وجود سلاح نوعي وسلطات عسكرية سورية قوية في الجنوب السوري، وفي كامل سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد. وترفض بنفس الوقت أية احتمالات لتهديد أمنها أو محاولة تحقيق توازن عسكري جديد قد يقلق سيطرتها على المنطقة الحدودية، خصوصاً في الجولان السوري المحتل وفي هذا الإطار تعتبر وجود البدو والعشائر ضمن قائمة التهديدات خاصة بعد “الفزعة” التي استجلبت مقاتلين عشائريين من مختلف أنحاء المنطقة الشامية والعراقية وحتى الخليجية.
ضمن هذه الرؤية الإسرائيلية شنت الأخيرة في 16 تموز (يوليو) 2025 ضربات جوية استهدفت مقر أركان الجيش السوري ووزارة الدفاع في محيط ساحة الأمويين كما قامت بشن هجمات ضد قوافل الأمن العام السوري وفصائل الجيش السوري الجديد إضافة إلى السلاح المتوسط والطيران المسيّر الذي بحوزة مجموعات العشائر المسلحة. لا يتعلّق هذا الإجرام فقط بتقويض قدرة الدولة السورية الجديدة على فرض سيطرتها العسكرية والأمنية في مناطقها الجنوبية بل بهدف أبعد: كسر الثقة المجتمعية بين الناس هناك إلى غير رجعة عبر دعم اسرائيل الضمني للجزء الدرزي في النزاعات، الأمر الذي يعمق الانقسامات الداخلية ويجعل مشاريع التعايش المشترك أكثر هشاشة وتعقيداً.
شراكة الحصان، شراكة الدم
في التاريخ التقليدي لمنطقة الجنوب السوري، كما يشير المؤرخ كمال الشوفاني نشأت بين الدروز والبدو علاقات اجتماعية واقتصادية تجاوزت الخلاف التقليدي بين “المزارعين” و”الرحّل” نحو توافقات سمحت بما هو أبعد من مجرد التبادل النفعي للمواد المنتجة لدى الطرفين. من هذه العلاقات ما يُعرف تاريخياً باسم “شراكة الحصان“.
في هذه الشراكة ينشأ اتفاق عرفي بين عشيرة بدوية وأخرى درزية أو أشخاص من الطرفين، يمنح بموجبه أحد الدروز نظيره البدوي ملكيةً شكلية لخيول عربية أصيلة، ويحتفظ الأخير بحق الانتفاع بها لفترة زمنية معينة قد تصل إلى عامين بهدف تربية الحصان على شروط البادية القاسية، وفي أحيان أخرى كانت شراكة الحصان بالعكس، البدوي يمنح خيله للدرزي لمدة معينة، لقاء منفعة معينة أو كدليل على تحالف العشيرتين.
تتجاوز المسألة هنا مسألة المنفعة المتبادلة بين طرفين متجاورين جغرافياً إلى تشكيل عقد ثقة شفهي غالباً بحضور شهود من الثقات المشهود لهم بحسن السيرة والحكمة، وفي أوقات أخرى سُجّل الاتفاق على ورق واحتفظ به لدى طرف ثالث، ومن النادر وفق ما هو مسجّل ومعروف لجوء أي من الطرفين في حال حصول خلاف إلى حله بالطرق العنفية. كان يكفي ببساطة حضور الشهود أو من بقي منهم للشهادة في المسألة الخلافية ويحل الإشكال في أرضه كما يقال.
تاريخياً، كانت هذه الأعراف القَبَلية هي النظام الحقيقي في المناطق الهشّة سياسياً ومؤسساتياً وقد ساهم هذا النظام بقوة في حماية متبادلة عقوداً طويلة كان يحدث اختراق لها لأسباب مختلفة ولكنها بحكم تدخل الفواعل المجتمعية تتوقف عند حدها. لم يسجل التاريخ حرباً بين البدو والدروز ولا هجوماً من أحدهما على الآخر. ما جرى مؤخراً في المنطقة الجنوبية تجاوز كل المخاوف والمحاذير وكسر تقاليداً ثرية تحتاج وقتاً طويلاً للترميم، هذا في حال وجود من يعمل على ذلك الترميم.
ما نشهده اليوم في السويداء من تصاعد العنف وتدهور العلاقات بين الدروز والبدو، لم يعد مجرد منازعات محلية محدودة، بل هو مرآةً لفشلٍ أعمق في بناء الدولة والعدالة والمواطنة بعد انهيار النظام القديم. فالهيمنة الطائفية المعلنة، والممارسات الأمنية التي تُرتكب باسم القانون وخارجه، إلى جانب التدخلات الإقليمية المتشابكة، أطاحت بالأسس التي حملت على مدى قرون ميثاقيات التعايش والتفاهم، لترسم صورة جديدة مقلقة، تهدد نسيج مجتمع اعتاد أن يتماسك عبر آليات تقليدية راسخة في الاحترام والثقة.
هذا الواقع يشي بأن استعادة الأمن والاستقرار في الجنوب السوري مرهونٌ بفتح أفق تفاهمات وطنية شاملة، تقودها سلطة أو حكومة تضع ثِقلها في مؤتمر حوار حقيقي، لا في استعراض سطوتها على السوريين الآخرين. في الأحاديث الكثيرة التي أجريناها مع أفراد من البدو في الجنوب، ورغم ما طالهم من قتل وتهجير واحتراق بيوت، مازالوا يرددون بمرارة وصدق: “جماعتنا الدروز”، أما على الضفة الأخرى، فما زال الدروز متمسّكين بعاداتهم، وفنجان القهوة حاضر وساخن، حتى لو لم يُقدَّم بعد.
خط 30
—————————–
الهجري: المنطقة الجنوبية تريد الاستقلال… ولا نبحث عن حلول مؤقتة!
الأحد 31 آب 2025
جدّد حكمت الهجري، أحد شيوخ عقل طائفة الدروز في محافظة السويداء، دعوته إلى استقلال المنطقة الجنوبية في سوريا، مؤكداً أن هذا الخيار بات «المطلب الوحيد المطروح للتفاوض».
وقال الهجري في مقطع مصوَّر أمس: «نحن نبحث عمّا يناسبنا كمجتمع لنقول إن هذا هو ما يلائمنا. واليوم، ومع ما تشهده الساحات من تجمعات شبابية وحراك واسع، ومع حجم التضحيات التي قدّمها أبناؤنا، لم يعد لدينا مجال للتفاوض على أي شيء سوى الاستقلالية (..) فالاستقلال لم يعد خياراً مطروحاً للنقاش، بل أصبح ضرورة حتمية»، على حد وصفه.
وتابع قائلاً إن «الطائفة الدرزية في سوريا تطلب استقلال المنطقة الجنوبية»، معتبراً أن الهدف من ذلك هو «الحفاظ على السلامة والكرامة»، وأن الكيان المستقبلي «يجب أن يتناغم مع
———————–
=================
تحديث 29 آب 2025
————————-
حكومة الشرع ودولة الاحتلال: حتام التحفظ و»التقية»؟/ صبحي حديدي
29 آب 2025
جديد، إنْ لم يكن الأوّل من نوعه، حسب ما تعلم هذه السطور على الأقل، تصريح أسعد الشيباني وزير الخارجية والمغتربين في الحكومة السورية الانتقالية، حول جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي تشنها دولة الاحتلال الإسرائيلي ضدّ قطاع غزّة منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023: «تدين سوريا الحرب الإجرامية في غزّة أخلاقياً وإنسانياً ودينياً، ولا نقبل تسمية المعتدي بـ’طرف في نزاع’ بل هو احتلال وعدوان يجب أن ينتهي».
ولعلّ من التبسيط، إنْ لم ينطوِ على مقدار من الإجحاف أيضاً، ردّ صمت الدبلوماسية الانتقالية السورية إلى مبدأ التحفظ، أو حتى «التقيّة»، في ضبط المستويات الراهنة من التعاطي الحكومي السوري مع دولة الاحتلال. بمعنى، يساجل رأي قد لا يخلو من وجاهة نسبية، أنّ الصمت العسكري السوري عن الضربات الإسرائيلية التي تعاقبت بكثافة بعد سقوط نظام «الحركة التصحيحية»، وبلغت ذروة نوعية في قصف واجهة مبنى الأركان في ساحة الأمويين وقلب دمشق، كما اتخذت صفة احتلالية في التوغلات الإسرائيلية صوب جبل الشيخ وتخوم القنيطرة وتل الفرس ومزرعة بيت جن… يوازيه صمت سياسي، أو إعلامي رسمي، عن شتى مستويات التباحث المباشر أو غير المباشر التي شارك فيها مسؤولون في الحكومة الانتقالية؛ بمن فيهم الشيباني نفسه، مع رون ديرمر مثلاَ، كبير مستشاري رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، هنا وهناك في عواصم عالمية.
في جزء جوهري من هذه السيرورة ثمة ما يشبه المنهجية المعتمدة، غير البعيدة عن سياسة مقررة، عنوانها الامتناع عن إطلاع السوريين، الشعب عموماً ومصادر المعلومة والخبر خصوصاً، على تفاصيل هذه أو تلك من جولات الاحتكاك أو اللقاء أو التفاوض مع دولة الاحتلال. ولقد انقلب الأمر إلى سلوك مستحكم استدعى قسطاً واسعاً مشروعاً من ملامة السلطة الانتقالية، والرئيس الانتقالي أحمد الشرع شخصياً في نهاية المطاف؛ كما أتاح، وعملياً أباح، المقدار المعتاد من نظريات المؤامرة تارة، والشطحات التأويلية المغالية تارة أخرى، على جبهة مناصري النظام أسوة بمنتقديه، فكيف بخصومه سرّاً أو علانية في واقع الأمر.
ليس خافياً، بالطبع، أن الأجندة الإسرائيلية الراهنة، بصدد سوريا ما بعد نظام «الحركة التصحيحية»، لم تعد تقتصر على ضمان إبقاء جيش النظام السوري حارساً أميناً في هضبة الجولان المحتلة، وصامتاً أخرس على عمليات القصف المنهجية المستدامة لكلّ ما تبقى في ترسانة ذلك الجيش، أو كانت إيران تنشره في الأرجاء السورية، من أسلحة ذات أذى ستراتيجي لدولة الاحتلال؛ أو، قبلئذ، قصف موقع الكبر في تخوم دير الزور، حين كان المبنى محض نواة ابتدائية لمشروع برنامج نووي.
والصمت الإسرائيلي على مجازر الأسدَين، حافظ وبشار، ضدّ أبناء الشعب السوري بمختلف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، في طول سوريا وعرضها، قبل مجزرة حماة الكبرى 1982 وبعدها حتى ساعة سقوط النظام؛ توجّب أن يتبدل جذرياً في سوريا الجديدة ما بعد 54 سنة من استبداد وفساد وهزيمة وانسحاب وحراسة وتواطؤ «الحركة التصحيحية». إنه اليوم برنامج يقصف دمشق كرمى لشيخ عقل دروز الاحتلال موفق طريف، وإمّعته في سوريا حكمت الهجري المستنجد بدولة الاحتلال وعراب رفع العلم الإسرائيلي في السويداء.
بل هو برنامج قد يذهب أبعد وأخطر وأقذر، إذْ قد يتلاقى (عند أيّ منعطف محتمل، تغطيه مظلّة من البيت الأبيض) مع حفنة الصقور في قلب «قسد»، خاصة رافضي اتفاق 10 آذار (مارس) بين الشرع ومظلوم عبدي، الموالين أصلاً للجيب الإيراني داخل الـPKK في جبال قنديل. هذا بافتراض أنّ مجرمي حرب وتجّار كبتاغون وفلول أمثال غياث دلا لن يتدبروا وسائل تعيد إنتاج كمائن بيت عانا في الساحل السوري، لاستدراج المزيد من المجازر الطائفية؛ مع فارق قد يكون حاسماً هذه المرّة: التماهي مع الفلول من رجال الهجري في السويداء، و… تشجيع رفع نجمة داود فوق قصور آل دوبا في قرفيص!
في المقابل، وباستثناء بقايا أيتام «الممانعة» من الحمقى عن سابق قصد واستغفال ذاتي، ما من أحد ذي صواب عقلي سوف يطالب سلطات الشرع الانتقالية بالتصدي للهجمات الإسرائيلية، عمليات القصف والتوغل على حدّ سواء؛ ليس لأنّ الميزان االعسكري والتكنولوجي منعدم تماماً، فحسب؛ بل كذلك لأنّ جعجعة النظام البائد، حول الردّ في الوقت المناسب، أو حتى «تصدّت دفاعاتنا الجوية…»؛ لم تعد أضحوكة فقط، بل باتت إهانة للعقل. وبذلك فإنّ اقتصار خطاب السلطة الانتقالية على الانطلاق من اتفاقية الهدنة لسنة 1974 لبلوغ اتفاقية أمنية معدلة، والامتناع (حتى الساعة، وحتى إشعار آخر) عن قبول اتفاقية سلام؛ يبدو بمثابة خيار الأمر الواقع الوحيد، بصرف النظر عن سجال من نوع آخر يخصّ مساوئ التعديل وأضراره.
بذلك فإنّ المقارنة بين حال دولة الاحتلال الراهنة إزاء سوريا الجديدة، مع حالها إبان حكم الأسدَين، يصعب أن تسفر عن معادلة أخرى غير التباين الصارخ؛ حيث كانت «حالة اللاحرب واللاسلم» تروّج لعداء ظاهري لفظي، ولكنها تخفي على الأرض ما يفيد العكس تماماً. هضبة الجولان بقيت سالمة مسالمة تحت سياسات الضمّ والاستيطان والاحتلال الإسرائيلية، لا تُطلق فيها بندقية صيد من جانب النظام السوري؛ وذلك طيلة 30 سنة من حكم الأسد الأب و24 من الأسد الوريث.
فما الذي كانت دولة الاحتلال تريده أكثر، بمعنى أيّ نظام كان سيخدمها أفضل؟ أو، في صياغة أخرى، ألن يكون أسوأ على الاحتلال إذا نهضت سوريا على ركائز سياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية جديدة، متحررة من الاستبداد والفساد، قائمة على دولة المساواة والحقّ والقانون؟ برامج السلطات السورية الانتقالية تتمتع، لتوّها، بقبول من غالبية المحيط العربي والخليجية خاصة، وانفتاح من غالبية دول الاتحاد الأوروبي وفرنسا في المقام الأبكر، ثمّ الولايات المتحدة وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دون سواه؛ وهي تستدرّ، لتوّها أيضاً، حماساً استثمارياً واسع النطاق، كما تعد بالكثير من الإمكانيات على صعيد الأشغال والأعمال والثروات في المستقبل القريب…
فكيف، إذن، لا تنطوي الأجندة الإسرائيلية، وائتلاف نتنياهو الأشدّ يمينية وعنصرية وتطرفاً على وجه تحديداَ، على منهجية التخريب والتعطيل والإشغال والإنهاك، وصولاً إلى التحريض على الانقسام والانفصال والاستنجاد بدولة الاحتلال؛ بل مخالفة الخطّ ذاته الذي اعتمده البيت الأبيض في التعاطي مع الشرع وسوريا الجديدة، وقصف العاصمة دمشق من دون ضوء أخضر أمريكي؟ وكيف، في المقابل المنطقي على أرض الواقع والحقائق الصلبة، لا يُحسن الشرع ورجاله توظيف ما تلاقيه بعض بنود هذه الأجندة من عراقيل جيوسياسية قاهرة، من طراز يُسقط أوهام إقامة ممرّ آمن من الجولان المحتلّ إلى مضافة الشيخ الهجري، أو إنشاء كيان انفصالي مسخ في السويداء؟
تلك، غنيّ عن التشديد، شبكة بالغة التعقيد والصعوبة، حافلة بالمزالق والمخاطر، متحركة ضمن سياقات لا تخفى حساسيتها ومقادير الأضرار في كلّ خطوة خاطئة على دروب معالجتها؛ ولكن… أليس حال سوريا الجديدة عموماً، في السياسة والاجتماع والاقتصاد والعمران، مماثل كثيراً إذا لم يكن مطابقاً؛ ويٌلزم السلطات الانتقالية باتخاذ إجراءات شتى فورية حول علاقات/ معادلات الأمر الواقع مع دولة الاحتلال، تتجاوز ما ألمح إليه الشرع نفسه خلال مؤتمره الصحافي مع الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه، بصدد هدنة 1974؟
ولِمَ لا تبدأ أولى الخطوات من إطلاع السوريين على مباحثات الغرف المغلقة، و… طيّ مبدأ «التقيّة»؟
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي
——————-
إلى متى العبث الإسرائيلي في الجغرافيا السورية؟/ أحمد مظهر سعدو
29 اغسطس 2025
عملت إسرائيل، منذ سقط نظام بشار الأسد في صباح 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، على استهداف مواقع عسكرية سورية عديدة، حيث تمكنت من تدمير جل العتاد العسكري المتوفر، ثم تابعت استهدافات مواقع عسكرية أخرى، ووصل بها الأمر إلى ضرب قيادة الأركان العسكرية السورية، ومحيط القصر الجمهوري، وتتابع اليوم ما بدأته من قصف واستهداف ضمن لعبة التدخل المباشر في الواقع السوري، وممارسة سياسة المفاوضات تحت النار، حتى بات الاستهداف العدواني الإسرائيلي يواكب كل حدث، ويفعل فعله اليومي تدخّلاً سافراً وفاجراً في ديناميات الوضع السوري، بدءاً من المنطقة العازلة التي احتلتها إسرائيل، وصولاً إلى هبوط مروحياتها في محافظة السويداء، دعماً لظاهرة حكمت الهجري ومجموعاته العسكرية، ثم إلى حالات إنزال جوي وزرع كثير من أدوات التجسس الإسرائيلي وتقنّياته في غير مكان من محافظتي القنيطرة وريف دمشق، في حالة تحدٍّ واضح وفاقع لحكومة دمشق، واستمراراً للضغط عليها، كي تقبل بأن توقّع اتفاقاً أمنياً مع إسرائيل، تريده الأخيرة على قدّها ومقاسها، وضمن استراتيجياته العدوانية ضد سورية والمنطقة العربية، وفي أجواء الضعف وقلة الحيلة، التي وجدت حكومة دمشق نفسها ضمنها، وضمن واقع عربي وإسلامي عاجز كل العجز عن إبداء أي دعم لحكومة دمشق، وفي غياب أي مشروع عربي ناهض ومناهض أو انعدامه، قد يتمكّن من إيقاف إسرائيل عند حدّها، وتعويق خططها العدوانية تجاه المنطقة العربية برمّتها. ولأن إسرائيل تعرف مستوى العجز العربي الذي وصل إلى حد غير مسبوق في التاريخ، عندما تُركت غزّة وناسها أمام حرب إبادة جماعية يومية، تجاوز فيها عدد الشهداء الفلسطينيين 63 ألفاً نتيجة القصف العدواني منذ نحو سنتين.
في سياق هذا الواقع العربي، ومنه السوري بالضرورة، تجد حكومة دمشق نفسها عاجزة عن التصدّي للعدوان الإسرائيلي، كما تجد إسرائيل أن واقعها القوي وفرط القوة لديها وبدعم أميركي غربي، يحفّزها على الاستمرار في استهداف كل شيء في سورية، تهيئة للأجواء نحو اتفاق أمني تريده، وتسعى إليه، تكون فيه هي الرابحة الوحيدة. ولأن الحكومة في سورية واقعاً وعياناً غير قادرة على مواجهة هذا العدوان، وهذه حقيقة لا تخفى على أحد، في الخارج أو في الداخل السوري، وهي تريد وقف هذا العدوان المتواصل، بأي وسيلة، كي تتمكّن من الالتفات إلى واقعها الداخلي بتحدّياته العديدة والمتكاثرة يوميّاً، ثم بناء مؤسّسات الدولة المنهارة، وإعادة الإعمارـ حيث بلغت نسبة الهدم والدمار اللذين ألحقهما بها نظام بشّار الأسد، ما ينوف عن 65% من حجم البنية التحتية في سورية، وتحتاج عملية إعادة الإعمار المقدّرة أمميّاً إلى ما يزيد عن 500 مليار دولار في حدوده الدنيا، كما تحتاج تأمين الخدمات المفتقدة، من كهرباء ودواء ومشاف ومواصلات ومحروقات وتقنيات حديثة، أضحت ضرورية للحياة البشرية، ثم إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة. لذلك تتوجّه، بشكل ضروري وأكيد، نحو وقف للعدوان الإسرائيلي، ضمن صفقة تفاهمات أمنية، قد لا تلبي الغرض الوطني والغاية الوطنية على أكمل وجه في سورية، خصوصاً أن إسرائيل (المنتفخة) كليّاً جرّاء حربها في قطاع غزّة وجنوب لبنان وإيران، إنها تعيش حالة من الانتشاء والتمكّن من المنطقة، فهي على هذا الأساس لن تدخل في أية مفاوضات قد تؤدّي إلى إعادة الجولان المحتل إلى سورية، وهي التي تدرك تمام الإدراك أن اميركا داعمة لها في كل مواقفها، منذ اعترف الرئيس ترامب في ولايته الأولى باحتلال إسرائيل الجولان، وضمّه إلى دولة الكيان.
لذلك، ما نحن مقبلون عليه، وقد يكون بعيداً، اتفاق أمني لن يتطرّق إلى الجولان المحتل، بل سيكتفي بترتيبات أمنية وتحديثٍ ما لاتفاق فض الاشتباك الموقع بين حافظ الأسد وإسرائيل، حيث يضمن بأن تبقى المنطقة الجنوبية السورية خالية من السلاح الثقيل. وقد يعيد هذا الاتفاق بعضاً مما احتلته إسرائيل منذ ما بعد 8 ديسمبر، وليس كله، حيث أعلنت أنها لن تتخلى عن قمّة جبل الشيخ الاستراتيجية، التي أعادت احتلالها بعد فرار بشّار الأسد، علاوة على الاستمرار باللعب في ورقة الأقليات، وخصوصاً ورقة الطائفة الدرزية، حتى بات العلم الإسرائيلي (بكل أسف) يرفع في ساحة الكرامة بالسويداء، من دون خجل أو حس وطني، رغم اعتراضات معظم أهل السويداء وجبل العرب على ذلك.
سيبقى التصعيد الإسرائيلي ضد سورية مستمرّاً ومتواصلاً بين فينة وأخرى، وكلما وجدت إسرائيل أن هناك تعثّراً أو تمنّعاً في المفاوضات الجارية بين إسرائيل وحكومة دمشق في أذربيجان، برعاية تركية وأميركية، أو في باريس، وسوف تستمر إسرائيل ببسط يدها القاتلة والمجرمة عبر ممارسة القتل واستخدام السلاح الحديث فوق رؤوس السوريين، حتى تتحقق أهدافها، في منع سورية من القيام دولة قوية، وحتى تبقى حالة الضعف مستمرّة ومتتابعة، وحالة التشظي والتفتّت ماثلة، في سياق فرجة أميركية وعالمية، وكذلك عجز عربي وإسلامي.
حكومة دمشق الآن، وأمام تحدّيات كبيرة وكثيرة، تجد نفسها في حالة عجز وفوات. ورغم العلاقة القوية مع تركيا، ثم الرضى الأميركي عن ما تفعله، إلا أنها لم تعد تجد حلّاً لوقف العدوان، إلا أن توقع اتفاقاً أو تفاهماً مع إسرائيل، قد لا يكون مفيداً للسوريين بقدر ما هو مفيد للإسرائيليين.
العربي الجديد
——————————-
هجوم الكسوة.. ما سرّ أجهزة التجسس الإسرائيلية في سوريا؟/ حسين جلعاد
29 آب 2025
اهتزت سماء الكسوة جنوب دمشق ليلة أمس بسلسلة غارات إسرائيلية مفاجئة، أسفرت، وفق وكالة “سانا” السورية، عن مقتل 6 جنود سوريين وتدمير آليات عسكرية. لكن خلف هذا الحدث الدموي، برز تفصيل بالغ الحساسية، فقد أشيع أن عناصر الجيش السوري كانوا قد اكتشفوا قبل دقائق أجهزة تنصت مموهة قرب جبل المانع، لتتحول عملية المعاينة إلى ساحة مواجهة مفتوحة امتدت لساعات في الليل.
ولم تكتف إسرائيل بالقصف المتكرر، بل تجرأت على تنفيذ إنزال جوي، في مشهد يُعيد إلى الأذهان تاريخا طويلا من “الأجهزة الذكية” التي اعتادت تل أبيب زرعها في لبنان وسوريا، لتفتح واقعة الكسوة الباب مجددا على واحدة من أكثر الحروب الخفية تعقيدا في المنطقة، إنها حرب التجسس المزروعة في الصخور والأشجار.
تقول وكالة “سانا” إن الدورية السورية التي عثرت على الأجهزة في 26 أغسطس/آب، فوجئت بضربات إسرائيلية مركزة حالت دون نقل المعدات. في حين أفادت تقارير إسرائيلية بعملية إنزال جوي قصيرة الأمد نفذتها مروحيات إسرائيلية في المنطقة بعد القصف، وقد استمر التحليق المكثف لطائرات الاستطلاع مما كشف حساسية بالغة للموقع والمحتويات التي كانت قيد المعاينة.
موقف إسرائيل وردودها
حسب ما ورد من التغطيات الرسمية، لم تصدر إسرائيل تأكيدا صريحا عن مسؤوليتها عن الغارات أو على طبيعة الأجهزة، حيث اكتفت بعبارة المتحدث العسكري “نحن لا نعلق على تقارير أجنبية ” وفق رويترز.
ومع ذلك، شدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على أن الوجود الإسرائيلي في المنطقة الجنوبية لسوريا مؤسَّس على “حماية مستوطنات الجليل والجولان” من خطر يفرضه الطرف السوري، وهو ما يُرجع جزئيا إلى الدرس المستفاد من هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حسب ما نقلت أسوشيتد برس.
كما أبرزت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” التباين الواضح بين ما أعلنه الإعلام السوري حول العثور على أجهزة تنصت في المنطقة، وبين التزام تل أبيب الصمت الرسمي، انسجاما مع سياستها التقليدية القائمة على الامتناع عن التعليق في مثل هذه القضايا.
لكن واقع الحال يقول إن هذه ليست السابقة الأولى، ففي مارس/آذار 2013، نشر التلفزيون الرسمي السوري حينها صورا لأجهزة مراقبة مموهة على شكل صخور في الساحل السوري، قيل إنها إسرائيلية ومصممة لالتقاط الصور وإرسالها عبر أنظمة متطورة. وقد دعمت تقارير صحف مثل تايمز أوف إسرائيل وبيزنس إنسايدر وحرييت صحة الصور حينها، ورأت فيها دليلا على حرب استخباراتية صامتة تدور فوق التراب السوري.
خريطة توضح المسافة بين مدينة الكسوة ودمشق
مدينة الكسوة تبعد عن العاصمة دمشق نحو 17 كيلومترا وهي منطقة مطلة على الجنوب السوري (الجزيرة)
سجل لبنان: من 2009 حتى 2025
وإذا كان المشهد السوري جديدا نسبيا، فإن لبنان احتل موقع الصدارة في هذا الملف حيث شهد النسبة الكبرى من هذه الحوادث، وتاليا رصد بما أعلن عنه عبر السنوات الماضية في لبنان:
18 أكتوبر/تشرين الأول 2009 جنوب لبنان: تفجير 3 أجهزة تجسس مُشتبه بها؛ اثنان فجرهما الجيش الإسرائيلي عن بُعد وثالث دمره الجيش اللبناني ميدانيا.
3 ديسمبر/كانون الأول 2010 جنوب لبنان: الجيش الإسرائيلي يفجر جهازي تجسس له داخل لبنان، مما أدى لإصابة مدنيَين، وفق تغطية يومية لبنانية موثوقة.
15 ديسمبر/كانون الأول 2010 قمم صنين والباروك: الجيش اللبناني يعلن تفكيك منظومات مراقبة متطورة تُنسب لإسرائيل (كاميرات، إرسال/استقبال صور). الخبر أكدته وكالات كبرى وصحف لبنانية.
سبتمبر/أيلول 2014 عدلون/قرب صور: تفجير جهاز تنصت مُقنع عن بُعد بعد اكتشافه؛ أدى لمقتل عنصر من حزب الله وإصابة آخرين، وفق صحيفة إسرائيلية مرجعية.
1 أكتوبر/ تشرين الأول 2015 بني حيان (جنوب لبنان): العثور على “صخرة” مموهة بداخلها جهاز تجسس.
مارس/آذار 2016 مركبا (قرب الخط الأزرق): العثور على جهاز تصوير/تجسس في منطقة حدودية.
13 أغسطس/آب 2017 جبل الباروك: إعلان عن تفجير جهاز بعد اكتشافه؛ رُجحت مسؤولية إسرائيل.
27 فبراير/شباط 2025 جنوب لبنان: الجيش اللبناني ينشر صور جهازي تجسس داخل جذع شجرة وصخرة مزودين بكاميرات وحساسات؛ قال إنهما “إسرائيليان” وتم تفكيكهما.
يذكر هنا أنه في كل مرة، يظهر النمط ذاته، إما تفجير الأجهزة عن بُعد فور اكتشافها، أو استهدافها جويا لمنع وقوعها في أيدي الجيش اللبناني أو حزب الله.
تحليل الاحتمالات والسوابق التاريخية
يتضح إذن أن هناك سوابق تاريخية، ففي أكثر من واقعة خلال السنوات الماضية، عُثر في جبل قاسيون ومناطق قريبة من جبل المانع والقنيطرة على أجهزة تنصت ومراقبة، وأعلنت السلطات السورية وحزب الله أنها أجهزة إسرائيلية تم زرعها للتجسس على تحركات الجيش والقوات الحليفة. ويؤكد خبراء أن إسرائيل معروفة بامتلاكها شبكة مراقبة متقدمة، وبتركيب أجهزة تجسس في الأراضي السورية واللبنانية.
ومن جهة أخرى، فينبغي الانتباه إلى توقيت الضربة الإسرائيلية، فإذا كانت الأجهزة إسرائيلية فعلا، فمن الطبيعي أن تسارع إسرائيل إلى ضرب الموقع بمجرد اقتراب القوات السورية منها، حتى لا يتم تفكيكها أو الحصول على أدلة تقنية. كما أن الاستهداف المتكرر والمطول (غارات متواصلة وإنزال جوي) يوحي بأن تل أبيب أرادت منع وقوع الأجهزة بيد الجيش السوري بأي ثمن.
طبعا يبقى هناك احتمالات بديلة أقل ترجيحا مثل أنها أجهزة مراقبة قديمة أو مخلفات من فترة سابقة، لكن شراسة رد إسرائيل على محاولة التعامل معها يعزز فرضية أنها ملكها فعليا ومهمة جدا لها ولأمنها.
إن توالي حوادث الزرع والتمويه والتفجير عن بُعد في لبنان منذ 2009، مع اكتشافات موثقة في سوريا 2013 ورواية 2025 الجارية، يُكون قرينة قوية على أن هذه الوسائل جزء ثابت من عقيدة جمع المعلومات الإسرائيلية على الجبهتين الشمالية والشرقية.
مراقبة دمشق والجنوب السوري
من الناحية الرسمية، لم يُعلَن بعد بشكل موثق عن هوية الأجهزة بشكل قاطع، ويبقى الأمر ضمن دائرة الاستنتاجات المدعومة بالمؤشرات. لكن من المرجح بشدة أن الأجهزة المكتشفة في جبل المانع إسرائيلية، وهو استنتاج مبني على تحليل عسكري واستخباراتي دقيق. فأحد المؤشرات الرئيسية هو سرعة التدمير المباشر الذي قامت به إسرائيل فور اكتشاف الأجهزة، مما يشير إلى محاولة فورية لإخفاء هويتها وتجنب كشف معلومات حساسة.
كما يُعد جبل المانع موقعا إستراتيجيا بالغ الأهمية، حيث يطل على المنطقة الجنوبية ويُتيح مراقبة دمشق والجنوب السوري، وهذا ما يجعل وجود أجهزة استخباراتية في هذا المكان هدفا إسرائيليا طبيعيا لجمع المعلومات. يُضاف إلى ذلك السوابق المماثلة التي تُظهر أن إسرائيل استخدمت هذه الوسائل سابقا في مناطق مثل سوريا ولبنان لتنفيذ عمليات استخباراتية. ورغم أن هذه المؤشرات قوية، فإنه لم يصدر أي إعلان رسمي مؤكد عن هوية الأجهزة، مما يُبقي الأمر ضمن دائرة الاستنتاجات المبنية على المعطيات المتاحة.
ما حدث في الكسوة هو حلقة في سلسلة طويلة، فثمة أجهزة تجسس تُزرع في مواقع حساسة، وعندما تُكتشف تتحرك إسرائيل بسرعة فائقة لتدميرها، حتى لو تطلب الأمر ضربات جوية متواصلة أو عمليات إنزال محدودة. الهدف، كما يُرجَح، هو منع الخصوم من الاطلاع على التكنولوجيا أو المعلومات المُخزنة بداخل هذه الأجهزة.
ومن “الصخور المفخخة” في لبنان إلى واقعة جبل المانع قرب دمشق، يتضح أن الحرب لم تعد محصورة في الجو أو على خطوط القتال التقليدية. إنها حرب استخباراتية صامتة تُدار عبر أجهزة صغيرة مدفونة في الصخور أو مخبأة داخل الأشجار، لكن ثمنها باهظ من دماء الجنود والمدنيين. ويبدو أن واقعة الكسوة الأخيرة ليست سوى فصل جديد في كتاب مفتوح من المواجهات الخفية، حيث يختلط التنصت بالصواريخ، والجغرافيا بالتكنولوجيا، لتبقى المنطقة رهينة حرب تنفجر كل حين بشكل جديد.
المصدر: الجزيرة
—————————
اعتداء إسرائيلي غير مسبوق في ريف دمشق.. رسائل ميدانية قبل التفاوض؟
2025.08.28
في تصعيد إسرائيلي جديد، شن جيش الاحتلال، مساء أمس الأربعاء هجمات جوية، تبعه عملية إنزال جوي في منطقة الكسوة بريف دمشق الغربي استهدف مواقعاً عسكرية تابعة للجيش السوري.
وبحسب ما نقلت وكالة الأنباء الرسمية “سانا” عن مصدر حكومي، تعرض الجيش السوري لهجمات إسرائيلية خلال تعاملهم مع أجهزة مراقبة وتنصت عثروا عليها خلال جولة ميدانية في جبل المانع جنوبي دمشق، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من الجنود وتدمير آليات عسكرية.
وعقب حوالي ساعة من الاستهداف، شنت الطائرات هجمات جوية أخرى على ذات الموقع أعقبه إنزال جوي بمشاركة أربع مروحيات عسكرية وعشرات الجنود. لم تعرف تفاصيله بعد.
وبالتزامن من الغارات الإسرائيلية، هبطت عدة طائرات مروحية إسرائيلية في محافظة السويداء جنوبي سوريا، ترافقت مع تحليق طائرات الاستطلاع في أجواء ريف دمشق الجنوبي الغربي، والقنيطرة.
بدوره، ألمح وزير الدفاع في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في تصريح له فجر الخميس، إلى العملية العسكرية التي نفذتها قوات الاحتلال في ريف دمشق ليلة الأربعاء، لحماية “أمن إسرائيل”.
وقال كاتس في منشوره على موقع “x” : “قواتنا تعمل في جميع جبهات القتال ليلًا ونهارًا من أجل أمن إسرائيل”.
وفي قراءة حول تفاصيل عملية الإنزال الجوي الإسرائيلي في ريف دمشق، أوضح الخبير المتخصص في الشؤون العسكرية والباحث في مركز حرمون للدراسات المعاصرة، أنور شعبان، خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن غرف العمليات العسكرية المشار لها سابقاً تعزز العمليات الدفاعية الجوية لوزارة الدفاع، لكن الاستهداف لم يأتِ لتدمير منظومات دفاع جوية لأن إسرائيل دمرت جميع أنظمة الدفاع الجوية والرادارات ما بعد التحرير.
ويرى شعبان، أن الإنزال الجوي يتخطى استهداف مقر عسكري عملياتي لوزارة الدفاع السورية، إنما يعطي مؤشراً على أنه عمل أمني استخباراتي لإسرائيل في المنطقة، إما لتدمير هدف استخباراتي معين، أو لتأمين موارد استخباراتية كانت مزروعة مسبقاً من قبلها أو من قبل عملائها في المنطقة، بالتزامن مع هبوط لطائرات عسكرية إسرائيلية في السويداء الذي كان نوعاً من التشتيت.
هجمات متكررة على مواقع الجيش السوري
ويُعد هذا الهجوم الثاني في ريف دمشق خلال نحو 24 ساعة، إذ شنّت طائرات الاحتلال مساء الثلاثاء غارات استهدفت جبل المانع، ما أسفر عن استشهاد ستة من عناصر الجيش السوري بينهم ضابط.
وقال مسؤول في وزارة الدفاع السورية لوكالة “فرانس برس” إن عدداً من الجنود قُتلوا إثر غارة إسرائيلية نفذتها طائرة مسيّرة قرب العاصمة دمشق، موضحاً أن الهجوم استهدف أحد المباني العسكرية التابعة للفرقة 44 في الكسوة.
وأضافت مصادر عسكرية لتلفزيون سوريا أن وحدات من الجيش السوري كانت تجري مناورات على الأسلحة المدرعة في جبل المانع، ضمن موقع عسكري قريب من قرية دير علي، قبيل القصف الإسرائيلي.
وعلق الخبير في الشؤون العسكرية نوار شعبان، على الغارات المتكررة لجيش الاحتلال الإسرائيلي على مواقع تابعة للجيش السوري، أن إسرائيل بعد 7 أكتوبر، تستخدم نهج الهجوم المباشر والمتواصل، بهدف تقويض القدرات العسكرية في سوريا، ومن ثم الضغوط والاستفادة من المشكلات الداخلية، كدعمها للمكون الدرزي، من أجل دعم مسار تفاوضها مع الحكومة السورية.
وأضاف، أن إسرائيل تصر على جنوب سوري منزوع السلاح، من أجل خلق قواعد ردع جديدة في المنطقة، ولتنفيذ عملياتها العسكرية والاستخباراتية.
كما أن إسرائيل تريد دائما الحفاظ على هامش عسكري عملياتي في المنطقة حتى وإن أدى تفاوضها مع سوريا الى اتفاق أمني، ستبقى محافظة على دورها العدائي، كونها دولة عدوان وتوسع، بحسب شعبان.
وبحسب شعبان فإن رد الحكومة السورية على الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية، يجب أن يكون عبر التصعيد الدبلوماسي، من خلال البيانات المتواصلة التي تستنكر هذه الانتهاكات سواء من وزارة الدفاع والخارجية، كما يجب أن يكون هناك جهود دبلوماسية أكبر للتأكد من أن مسار المفاوضات الحالي يتناول جميع الإشكاليات، إذ ما يشكل إشكالية لإسرائيل اليوم ربما لا يشكل إشكالية لها لاحقاً.
أما على الصعيد العسكري، فإن القدرات العسكرية السورية تكاد معدومة للرد على إسرائيل، خاصة بعد أن صعدت إسرائيل كقوة في المنطقة بعد أن أزاحت إيران وحزب الله من المعادلة، وفقاً لشعبان.
ووصف الخبير العسكري والاستراتيجي إسماعيل أيوب العملية الإسرائيلية بأنها تحمل بعدين محتملين من الناحية العسكرية، موضحًا أن ما جرى يندرج ضمن أحد سيناريوهين: “إما أن تكون العملية استطلاعًا بالقوة نفذته وحدات خاصة عبر أربع حوامات إسرائيلية سبقت وأعقبت الغارات الجوية، أو أنها جاءت في إطار مهمة لسحب أو تدمير أجهزة تنصت واستشعار متطورة زرعتها إسرائيل في الموقع خلال فترة سابقة”.
وأشار أيوب في حديث لتلفزيون سوريا إلى أن العملية ترافقت مع إجراءات عزل ميداني للمنطقة المستهدفة، في دلالة على مدى أهميتها من وجهة النظر الإسرائيلية، موضحًا أن “جبل المانع يُعد من أبرز النقاط الاستراتيجية جنوب العاصمة دمشق، حيث يرتفع إلى نحو 1076 مترًا، ويوفّر إشرافًا مباشرًا على مناطق واسعة تشمل البادية السورية، والسويداء، ودرعا، وأجزاء من ريف دمشق الشرقي والشمالي”.
ورأى أيوب أن الموقع المستهدف كان في السابق يتبع للقوات الجوية السورية، ويضم محطات رادار متطورة، منها رادار صيني الصنع، مضيفًا أن “إسرائيل سبق أن نفذت غارات دمرت هذه المحطات، لكنها ما تزال تعتمد على العمل الاستخباراتي متعدد الوسائط، ويشمل الاستطلاع بالقوة، الأجهزة المزروعة، والتقارير البشرية”.
وفي رده على التساؤلات حول حاجة إسرائيل لأجهزة مراقبة أرضية رغم هيمنتها الجوية، أوضح الخبير العسكري أن “الدول التي تملك أجهزة مخابرات متقدمة مثل إسرائيل، لا تعتمد على وسيلة واحدة، بل تبحث عن تقاطع المعلومات من الأرض والجو والفضاء وحتى من الإعلام، مشيرًا إلى أن زرع كاميرات، أجهزة تنصت لاسلكي، أو مستشعرات في مواقع مرتفعة يمنح إسرائيل أفضلية استخبارية نوعية”.
وأكد أيوب أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن تكون إسرائيل قد زرعت تلك الأجهزة عقب سقوط النظام البائد، ومع انكشاف أمرها، نفذت عملية الإنزال بهدف “إما سحبها لحماية بياناتها أو تدميرها لتفادي وقوعها بيد الجيش السوري، وهو تكتيك اعتادت عليه، إذ غالبًا ما تقوم بقصف طائراتها المسيّرة عند سقوطها حتى لا يتم تحليل محتواها”.
واعتبر أيوب أن توقيت العملية، المتزامن مع افتتاح معرض دمشق الدولي، يضفي عليها طابعًا سياسيًا إلى جانب بعدها العسكري، موضحًا أن “إسرائيل أرادت توجيه رسالة مباشرة إلى دمشق مفادها أن لا تسوية سياسية بدون فرض وقائع ميدانية، وأن القوة تسبق التفاوض”.
دمشق تدين الاعتداءات الإسرائيلية
ودانت وزارة الخارجية السورية، الأربعاء، العدوان الإسرائيلي الذي استهدف موقعاً عسكرياً تابعاً للجيش العربي السوري قرب مدينة الكسوة بريف دمشق، ما أدى إلى استشهاد عدد من الجنود.
وأكدت الخارجية في بيان لها أن الاعتداء يشكّل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وانتهاكاً مباشراً لسيادة سوريا.
ولفت البيان إلى أن هذه الهجمات تأتي ضمن سياسة التصعيد التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، وتهدد السلم والاستقرار الإقليمي والدولي.
تلفزيون سوريا
——————————–
مروان قبلان: توحيد الجبهة الداخلية في سوريا يجب أن يسبق التفاوض مع إسرائيل
2025.08.28
أكد الباحث والأستاذ في السياسة الدولية، مروان قبلان، على ضرورة توحيد الجبهة الوطنية الداخلية في سوريا قبل الانتقال إلى التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي، لافتاً إلى دور الأخير في استغلال حالة الضعف بين السوريين ليفرض شروطه ويحصّل التنازلات.
وشدد قبلان خلال لقاء مع تلفزيون سوريا على ضرورة تشكيل إجماع وطني في سوريا تمهيداً لمواجهة التحديات الخارجية، أبرزها الإسرائيلية، مؤكداً على ضرورة وجود عملية سياسية شاملة لكل السوريين لتفتيت تحفظات باقي الأطراف حول إدارة البلاد التي تعتمد اليوم على المركزية بشكل كبير مع غياب واضح للحوار.
“غياب الشفافية”
وقدّم قبلان عدة ملاحظات حول المفاوضات القائمة بين سوريا وإسرائيل، أبرزها غياب الشفافية من الجانب السوري، مؤكداً على ضرورة الابتعاد عن أساليب العهد السابق، والتحدث إلى السوريين بشكل صريح ومباشر، وهو ما اعتبره تعزيزاً لموقف السلطات السورية في مواجهة المشككين بالداخل، وفي مواجهة إسرائيل في الخارج اعتماداً على الرأي العام السوري.
ويرى قبلان أن المستوى السياسي من المفاوضات مع إسرائيل ربما يكون مبكراً، بحيث يجب أن تقتصر على المستويات الأمنية والعسكرية في هذه المرحلة، كما ركّز على أهمية وجود خبراء أمنيين وتقنين من الجانب السوري لمفاوضة الاحتلال الإسرائيلي.
قبلان: السلطة المؤقتة يجب ألا تتحمل المسؤولية
ويعتبر أستاذ السياسة الدولية أن قضية التفاوض مع إسرائيل، قضية مصيرية وطنية كبرى تحتاج إلى تشكيل إجماع وطني حولها، مؤكداً على ضرورة عدم تحمّل السلطات السورية وحدها المسؤولية الكاملة في هذا الملف.
وانتقد قبلان التعاطي مع ملف السويداء الذي أفسح المجال أمام التدخل الإسرائيلي في شأن داخلي سوري، مؤكداً على ضرورة توحيد الجبهة الداخلية قبل البدء بأي عملية تفاوضية مع إسرائيل، كما دان حالة الاستقواء من قبل الفصائل العسكرية في السويداء على رأسها حكمت الهجري بالاحتلال الإسرائيلي، معتبراً أنه كان مبالغاً فيه و”ذهبوا فيه بعيداً”.
نزع السلاح يعني غياب السيادة
وأبدى قبلان تخوّفه من اتفاق نزع السلاح الذي يعني غياب السيادة السورية وبالتالي يؤسس لظهور ميليشيات محلية ستعمل لصالح الاحتلال الإسرائيلي، على حد تقديره.
وفي مسألة التطبيع، يعتبر أن الوضع في سوريا مختلف عن باقي الدول العربية بسبب وجود أراضٍ محتلة، مع استمرار التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية والهجمات التي تخلّف ضحايا، لافتاً إلى أن كل ما جرى من تطبيع مع الدول العربية بكفّة وبحال حدوث تطبيع مع سوريا هو بكفة أخرى، بسبب الصراع التاريخي مع إسرائيل ودور سوريا الجوهري فيه.
————————–
من الساحل إلى السويداء.. لماذا يستمر العنف في سوريا/ خالد أبو صلاح
لم تنجح الحكومة الانتقالية في سوريا في بناء مشروع وطني جامع ما وضع البلاد في دوامات مستمرة من العنف الطائفي والعرقي والمناطقي.
صحفي وباحث سوري
2025-08-28
الحرب الأهلية لم تفتّت الخرائط فحسب، لقد فتّتت القلوب | تصميم خاص بالفراتس
“من الفرح إلى الجزع”، يختصر الموظف المتقاعد من ريف دمشق أبو سامر بهذه الكلمات شعور السوريين بعد مرور تسعة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024. قالها وهو يحدّق في الطريق المؤدِّي إلى العاصمة دمشق، التي تحوّلت ثكنةً معزولةً، تحيط بها مناطقٌ تغلي بالاحتقان ويقول: “ظننّا أن الجدار انهار، لكننا اكتشفنا أننا في متاهةٍ بلا أبواب”.
بعد أشهرٍ قليلةٍ من سقوط الأسد، خَفَت بريقُ التفاؤل تحت ثقل الدم والاحتقان. فمنذ مارس الماضي، تصاعدت موجات العنف من جديد: مجزرةٌ داميةٌ ارتكبتها قوات الحكومة الانتقالية ومسلحون مؤيدون لها في الساحل في مارس وأودت بحياة أكثر من ألفٍ وأربعمئة شخصٍ غالبيتهم من العلويين، واشتباكاتٌ مسلّحةٌ في ضواحي جرمانا وصحنايا دمشق التي يسكنها عدد كبير من الدروز، و صِدامٌ مسلح في السويداء تحوّل من نزاعٍ محلّيٍ إلى مواجهةٍ مفتوحةٍ، أعقبها انسحاب قوات الحكومة المؤقتة على عجل تحت وطأة قصفٍ إسرائيليٍ دمّر مبنى قيادة أركان الجيش السوري في ساحة الأمويين بدمشق واستهدف أطراف القصر الجمهوري حيث يقيم الرئيس أحمد الشرع. وفي شمال شرقي البلاد، يظلّ التوتر بين الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد وسط ارتباكٍ دوليٍ.
لم تكن هذه المواجهات أحداثاً عابرة، بل كانت إشاراتٍ إلى أن سوريا ما بعد الأسد لم تدخل بعد في سلامٍ حقيقي. إذ لم يؤدِّ سقوط النظام إلى بناء دولةٍ جديدةٍ بعد، إنما أعاد إنتاج منظومة العنف والولاءات التي حكمت سوريا عقوداً، فباتت السلطة الانتقالية محصورةً في العاصمة فيما تحكم باقي مناطق البلاد شبكاتٌ محلّيةٌ مسلّحةٌ ذات هويّاتٍ طائفيةٍ ومناطقيةٍ وعشائريةٍ منغلقةٍ تغذّيها مظلوميات مرحلة الأسد وفوضى السلاح والتنظيمات المسلحة. وإلى جانب هذا الخلل البنيوي الداخلي، تكبّل التدخلات الإقليمية والدولية القرارَ الوطني وتسمح بإدارة الملفات السورية من خارج الحدود. وبذلك، تصبح الحكومة الانتقالية عاجزةً عن تفكيك جذور النزاع، ما يترك البلاد عالقةً بين ضعف الحكومة في الداخل وارتهان قرارها لقوى خارجية، وهو ما يبقي شبح الحرب الأهلية يطوف فوق السوريين .
بدت سوريا وكأنها عبرت أخطر منعطفٍ في تاريخها الحديث حين سقط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، بعد نصف قرنٍ من الحكم الأمني. وعمّت لحظةٌ نادرةٌ من التفاؤل حينها واحتفل الناس في الشوارع وكأنهم قد طووا صفحة الماضي. وانطلقت رهاناتٌ على ميلاد سوريا جديدة في العواصم الإقليمية والدولية .
لكن الواقع بدّد ذلك الإحساس سريعاً. الدولة التي ورثتها الحكومة الانتقالية لم تكن مجرد نظامٍ بلا رأسٍ، بل كياناً شبه منهار: مؤسساتٌ متصدعةٌ واقتصادٌ مدمَّرٌ ومجتمعٌ منقسمٌ يتقاذفه الخوف وانعدام الثقة وبلدٌ مثقلٌ بتركةِ أربعة عشر عاماً من النزاع المسلح ونصف قرنٍ من الاستبداد.
ليست هذه مجرد عناوين إخباريةٍ، بل هي صورة بلدٍ يقف على حافة الهاوية. وجدت هذه الصورة الميدانية صداها في الأوساط الدولية. فبحسب “مؤشر الدول الهشّة” (الذي يصدر عن صندوق السلام ومجلة فورين بوليسي الأمريكية ويقيّم الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه 178 دولة حول العالم) احتلت سوريا المرتبة الرابعة عالمياً في ترتيب الدول الأكثر هشاشة سنة 2024، في انعكاسٍ مباشرٍ لضعف الدولة وإرث نظامٍ، جعل من تصحير السياسة وتفكيك المجتمع إستراتيجيةَ حكم.
الخوف من عدم نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا لم يعُد هاجساً للنقاد والباحثين فحسب، بل أصبح حاضراً في خطاب الفاعلين الدوليين. إذ عبّر عنه مبعوث الأمم المتحدة الخاصّ غير بيدرسِن عقب هجوم قوات الحكومة الانتقالية وقوات العشائر على السويداء في يوليو 2025، حين حذّر من أن الثقة في الأمن الدائم “تعتمد قبل كلّ شيءٍ على مصداقية الانتقال السياسي”، مؤكداً أن الولاء للدولة لا يفرض بالقوة، بل يُكتسب عبر عمليةٍ تمثيليةٍ تحمي الحقوق وتضمّ الجميع على قدم المساواة.
تصف الأدبيات المتخصصة المراحلَ الانتقاليةَ في الدول الخارجة من صراعاتٍ طويلةٍ بأنها “اللحظة الأخطر” في مسار بناء الدولة. بحسب دراسات الخبير البريطاني بول كوليير وزملائه، مثل دراسة “بريكنغ ذا كونفلكت تراب” (الخروج من فخّ الصراع) الصادرة سنة 2003، ودراسة “بوست كونفلكت رِسكس” (مخاطر ما بعد الصراع) الصادرة سنة 2006، فإنَّ نحو نصف الحروب الأهلية المعاصرة هي تجددٌ لنزاعاتٍ سابقة. وغالباً ما يحدث الانتكاس خلال السنوات الخمس إلى العشر الأولى التالية لتوقيع اتفاقيات السلام.
تظهر التجارب المقارنة أن إسقاط النظام القديم لا يكفي لإنجاح الانتقال السياسي. مثلاً، تشير ليسا غروس في كتابها “بيس بيلدنغ آند بوست وور ترانزيشنز” (بناء السلام وتحولات ما بعد الحرب) الصادر سنة 2017، لاعتماد نجاح المرحلة الانتقالية على قدرة النخب الجديدة على بناء مشروع وطني جامع يعالج جذور الحرب بدل تدويرها.
في سوريا، التحديات أوضح من أن تُخفى. فقد ورثت الحكومة الانتقالية خزاناً اجتماعياً محمّلاً بالمظالم العميقة، جعلت إعادة الثقة بين مكونات المجتمع السوري مهمَّة شاقة تتجاوز قدرة أي سلطة ناشئة.
وبدلاً من استثمار لحظة الإجماع الداخلي والدعم الخارجي لصياغة خارطة طريق انتقالية شاملة، اختارت السلطة مساراً أقرب إلى “حكم الضرورة” من وجهة نظرها. في يناير 2025، عقدت السلطة ما أسمته “مؤتمر النصر” بمشاركة الفصائل العسكرية المنتصرة فقط، وعلّقت العمل بالدستور وحلَّت البرلمان والجيش والأحزاب، وأعادت بناء الجيش والأجهزة الأمنية في غياب أي مؤتمر وطني عام. ثمَّ أصدرت السلطة إعلاناً دستورياً صِيغ في دوائر ضيقة، وشكلت حكومةَ سيطر عليها اتباعها والمقربون منها، في خطوة فسّرها كثيرون على أنها تقاسم للغنيمة بين المنتصرين لا مشروعاً لإعادة بناء الدولة.
تُحذّر دراسة “العدالة الانتقالية والهوية في المجتمعات المنقسمة” الصادرة عن المركز الدولي للعدالة الانتقالية سنة 2009، من هذا المسلك. فعندما يُختزل الانتقال بقرارات سلطوية، وتغلق ساحات السياسة، تتحول الهوية إلى خندق، ويُترك السلاح بلا مسار نزع جاد، وتتراجع الثقة بين المكونات لصالح مشاعر الخوف والمظلوميات، كما حدث في العراق وبلاد البلقانا.
هذا ما انعكس في سلسلة الأزمات التي عصفت بسوريا بعد أشهر قليلة من سقوط الأسد، ابتداء بمجازر راح ضحيتها مئات العلويين في الساحل، ومن ثم مواجهات مسلحة دامية بين قوات الحكومة وقوات درزية في ريف دمشق وبعدها هجوم قوات الحكومة والعشائر على السويداء، ثم التوتر المتجدد في الشمال الشرقي بين قوات الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد، فضلاً عن حوادث العنف وعمليات الانتقام والتصفيات العشوائية التي تحصل يومياً في المدن والأرياف السورية في ظل غياب مسار واضح للعدالة الانتقالية.
هذه الوقائع تجاوزت بالفعل عتبة الحرب الأهلية، التي يعرّفها برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات الحرب الأهلية، بأنها نزاع مسلّح يسقط فيه أكثر من ألف قتيل سنوياً. لم يعد العنف في سوريا مجرد أحداث أمنية متفرقة، بل صارت الوقائع المتلاحقة علاماتٍ واضحة على عودة النزاع المسلَّح، حيث تنكسر أوهام التعافي سريعاً، وتعود المجتمعات الخارجة من الحرب إلى لغة السلاح بدل السياسة.
إن الفشل هنا لا يمكن اختزاله في سوء النية، بل هو نتاج تعقيدات اللحظة، والثقل الهائل الذي أورثه النظام السابق، وضعف كفاءة أدوات السلطة الانتقالية، والبيئة الهشَّة التي تعمل بها. مع ذلك، فإن الأخطاء السياسية التي ارتكبتها السلطة الانتقالية في دمشق – من إدارة أحادية للمسار الانتقالي، إلى غياب مشروعٍ وطنيٍ شاملٍ يفتح المجال للعدالة الانتقالية والمصالحة الحقيقية – جعلت آثار إرث نظام الأسد الثقيل أكثر فتكاً.
بعد سقوط النظام، لم تكن تركة الأسد مجرد مؤسسات مدمَّرة أو خزينة خاوية، بل منظومة عنف متجذِّرة تربط السلطة بالمجتمع عبر شبكات ولاء وخوف ومصلحة. على الأرض، كان الوجهاء المحليون والوسطاء العشائريون وفلول الأجهزة البعثيَّة وتجَّار الحرب الأهلية مستمرين في مواقعهم، يملأون الفراغ الذي تركه رأس النظام.
وكما يوضح الباحث في دراسات العنف، علي الجاسم، في مقاله “وسطاء العنف.. دولة التشبيح الأسدية” في مجلة الفراتس فإن حكم الأسد لم يستند إلى الجيش والأجهزة الأمنية وحدها، بل استند إلى شبكة لامركزية من الفاعلين المحليين، تتكيَّف مع التحولات وتحافظ على نفوذها عبر تبادل الولاءات والمصالح. هذه البنية تشبه “الجذمور”، وفقاً لتعبير الفيلسوفَيْن الفرنسيَيْن جيل دولوز وفليكس غاتاري في كتابهما “أ ثاوساند بلاتوز: كابيتاليزم آند سكيزوفرينيا” (ألف هضبة: الرأسمالية وانفصام الشخصية) الصادر سنة 1980. وهو كيان لا يُقتلع من الجذور، بل يتشعَّب ويتجدد لملء الفراغ.
سقوط النظام لم ينهِ هذه الشبكات، بل أعطاها فرصةً لإعادة التموضع داخل ترتيبات الحكم الانتقالي. اندمج وسطاء العنف السابقون وفصائل معارضة سابقة في مؤسسات الحكم الجديدة تحت شعارات “التسويات” أو “الحفاظ على الاستقرار”، أو ضمن الأجهزة الأمنية المستحدثة. ولا تزال مجموعات مسلَّحة تعمل خارج نطاق الدولة على امتداد الجغرافيا السورية، بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها أكراد في شمال شرقي سوريا، والفصائل المسلحة الدرزية في السويداء. وهكذا، تطورت ظاهرة مشابهة لتلك التي يرصدها عالم القانون والسياسة الألماني إرنست فرانكل في كتابه “ذا دوال ستيت” (الدولة المزدوجة) الصادر سنة 1941: دولة رسمية محصورة في العاصمة، وأخرى غير رسمية تتحكَّم بالواقع عبر الشبكات المحلية.
هذا الوضع ترك الحكومة الانتقالية في معضلة، فهي تتحدث لغة الدولة، لكنها تتحرك على أرض تحكمها قوانين الولاءات والهويات الطائفية والعرقية والمناطقية. تحاول بسط نفوذها على مناطق البلاد، لكن هذه المناطق باتت أشبه بجزر معزولة، لكلٍّ منها حساباته وفواعله المحليين، وإن أبدى بعضهم خضوعاً شكلياً للسلطة المركزية. من دمشق، حيث تُعقد المؤتمرات عن “العهد الجديد” والاستقرار والاستثمار، يبدو المشهد وكأنه بداية إعادة بناء الدولة. لكن كلما ابتعدنا عن أسوار العاصمة، اتَّضح أن الصورة أكثر تعقيداً: سلطة مركزية تحاول التشبث بالزمام في رقعة صغيرة، مقابل فراغ سياسي وإداري وأمني يبتلع مناطق البلاد خارج العاصمة.
يعكس هذا التكوين ما يمكن تسميته “نموذج العاصمة”، أي تمركز مؤسسات الدولة في بضعة كيلومترات مربعة، وغياب سلطة الحكومة والخدمات عن باقي مناطق البلاد. تناولت الباحثتان ألينا روشا مينوكال وفيرا فريتز هذا النمط في ورقة بحثية لمعهد التنمية الخارجية، نشرت سنة 2007، وخلصتا إلى أن الدول الهشة تميل إلى ترك مناطق الأطراف لمصيرها، ما يضعف الرابط الوطني ويغذي الأزمات.
الحالة السورية اليوم تقدم شواهد واضحة على هذا المسلك. أرسلت شخصيات محلية من دير الزور بياناً مطَّولاً إلى رئيس الجمهورية أحمد الشرع تشتكي فيه الإهمال وسوء الإدارة وغياب الخدمات الأساسية. وتعيش الرقة والحسكة خارج الإطار الوطني كلياً تحت حكم أمني صارم من قوات سوريا الديمقراطية، ويعتمد الناس في حلب على المبادرات الأهلية لتعويض غياب خدمات الدولة. تشترك حمص وحماة والساحل في الشعور بالتهميش، فيما يستمر العنف الانتقامي وحوادث القتل خارج القانون. هذه المناطق جميعها تعيش مزيجاً من الفقر والإهمال وتآكل الثقة في الدولة، ما يغذي مشاعر الغبن والرغبة في الانتقام ويجعل أي مشروع وطني للتعافي مجرد شعارات بلا أثر على الأرض.
في المقابل، تتحول العاصمة تدريجياً “قلعة حصينة” تنشغل فيها السلطة بحماية نفسها أكثر من حكم البلاد. تترك السلطة الحكم في باقي مناطق البلاد لمجموعات مسلحة طائفية أو عشائرية أو عرقية أو مناطقية وتغيب العدالة وتستبدل بالقوة وحكم الأمر الواقع وخطاب كراهية يقوّض الروابط المجتمعية.
هذه الهشاشة البنيوية في سوريا لا تخلق فقط أرضاً خصبة للعنف الداخلي، بل تجعل البلاد عرضة للتدخل الخارجي، إذ تتحول كل فجوة في الأطراف إلى ساحة مفتوحة أمام لاعبين إقليميين ودوليين يسعون لترسيخ نفوذهم.
ما يجري اليوم يقترب مما تسميه عالمة السياسة الأميركية باربرا والتر “السلام الهش”، في كتابها “هاو سيفيل وورز ستارت آند هاو تو ستوب ذيم” (كيف تبدأ الحروب الأهلية وكيف نوقفها) المنشور سنة 2022. وهي فترة تتعايش فيها المؤسسات الرسمية مع البذور النشطة لعودة النزاع. من دمشق المحصنة إلى مناطق البلاد المهمشة، تتشكل خريطة جديدة للعنف قد تجعل من شبح الحرب الأهلية واقعاً إذا لم يُكسر نموذج العاصمة ويعاد تعريف الدولة من جذورها.
صبيحة الحادي عشر من يوليو 2025، بدت السويداء وكأنها تكتب فصلاً جديداً في المأساة السورية. أشعل خطف سائق شاحنة على الطريق بين السويداء ودمشق غضباً مكبوتاً، سرعان ما تحول إلى اشتباكات مفتوحة بين مجموعات مسلحة محلية تدين بالولاء للرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري ومجموعات مسلحة بدوية في محيط مدينة السويداء وبعض القرى المختلطة.
ما بدأ خلافاً محدوداً على خلفية حادثة معينة تحوّل صراعاً دموياً حين فشلت قوات الحكومة في ضبط النزاع، قبل أن يتطور الأمر إلى مواجهات مباشرة بين القوات الحكومية والفصائل المحلية الدرزية، ترافقها انتهاكات واسعة بحق المدنيين من كل الأطراف.
في ذروة المعارك، جاء القصف الإسرائيلي على مقر قيادة الأركان في دمشق رسالةً حاسمةً من إسرائيل وقف الحكومة السورية عمليتها العسكرية ضد قوات الهجري وسحب قواتها فوراً من السويداء. استجابت الحكومة الانتقالية، لكن الانسحاب لم يوقف النزيف، بل كشف عمق الفجوة بين المجتمع المحلي والدولة.
انتشرت على الانترنت مقاطع مصوّرة تُظهر قيام قوات الحكومة وفصائل مسلحة عشائرية بعمليات تصفية ميدانية وقتل على الهوية لرجال دروز وانتهاكات منها حرق البيوت ونهب المحال التجارية وإهانة رجال دينٍ مسنين بقص شواربهم، وولّد ذلك شعوراً متزايداً بأن النظام الجديد في دمشق ليس حامياً للسويداء بل تهديد لها. انهارت ثقة الناس بحكومة دمشق بالكامل خلال أيام، ولم تعد السويداء ترى الحكومة وسيطاً محايداً أو ضامناً للأمن، بل خصماً.
هذا التحول انعكس في مواقف القادة الروحيين الثلاثة للطائفة الدرزية وهم حكمت الهجري وحمود الحناوي ويوسف الجربوع. اتَّخذ الهجري من البداية موقفاً صدامياً واضحاً مع الحكومة الانتقالية، فيما حافظ الحناوي والجربوع على نبرة إيجابية نسبياً، ساهمت في احتواء التوتر وتيسير التواصل مع السلطات في دمشق. لكن أحداث الأسابيع اللاحقة قلبت المعادلة، فأصدر الحناوي والجربوع بيانات مصورة في العاشر من أغسطس تدين الحكومة وتحمَّلها المسؤولية المباشرة عن الانفجار الأمني والمذابح. النتيجة: تحول القضية في محافظة السويداء من مطالب سياسية وخدمية قابلة للتفاوض، إلى رفضٍ مطلقٍ لوجود أي من مؤسسات الدولة في المحافظة.
أعاد استنفار قوات العشائر التي وتوجهها لمحاربة القوات الدرزية في السويداء خطوط التماس بين الموحدين الدروز ومحيطهم العشائري العربي، وأعادت فزعتها العشائرية إنتاج منطق الثأر والهويات المتقابلة.
تسرَّبت في هذه الأجواء إشارات دعم خارجي للفصائل الدرزية في السويداء بعد رسائل موفق طريف شيخ الطائفة الدرزية في إسرائيل والتي تبعها طلب علني من الشيخ حكمت الهجري بالتدخل الإسرائيلي، وتبع ذلك تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإلتزام إسرائيل حماية الدروز في سوريا. أضفى ذلك على القضية بعداً إقليمياً معقداً وزاد تنامي الحراك الشعبي في السويداء المطالب بالحماية الدولية المشهد إرباكاً. ويرى المطالبون هذه الحماية الضامن الأخير لأمن المحافظة في ظل انهيار الثقة بالدولة.
المفارقة أن الفزعة العشائرية في السويداء لم تكن مجرد رد فعل محلي، بل تحولت في نظر كثيرين إلى أداة سياسية بيد السلطة نفسها. فبدل تدخل منضبط لقوات نظامية، استدعيت مجموعات رديفة وغير نظامية لحسم المواجهات، كما حدث في الساحل والسويداء، مع تلقي هذه المجموعات عبارات شكر علنية من الرئيس أحمد الشرع.
هذه السياسة عمّقت خطاب الكراهية والتحريض، وشرعنت العنف الطائفي غير المنضبط، وكرست صورة الدولة كياناً عاجزاً عن ضمان وحدته الوطنية. والأخطر، أنها قوّت القوى غير النظامية في الأطراف على حساب المركز.
اليوم، لم تعد السويداء “مشكلة أمنية” يمكن حلها بانتشار قوة عسكرية أو جلسة مصالحة. أصبحت عقدة سياسية اجتماعية تعيد تعريف علاقة الدولة بأحد مكوناتها الأساسية، وتثير سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن إعادة بناء جسور الثقة مع مكوّن بات يرى في الدولة سلطة غريبة تستدعي الفزعات بدل أن تقدِّم حلولاً عادلة ومنضبطة؟
في السادس من مارس 2025، شنت مجموعات من المسلحين العلويين من بقايا الجيش والأمن في نظام الأسد عُرفت بوصف “الفلول” سلسلة هجمات منسقة في منطقة الساحل السوري استهدفت مقرات الجيش وقوات الأمن العام والحواجز والدوريات، وقطعت طرقات رئيسية، وسيطرت كلياً أو جزئياً على مدن وبلدات وقرى عدة، فارضة حصاراً مُحكماً على المقرات الحكومية. قدرت اللجنة الحكومية التي شكلت لاحقاً للتحقيق في تلك المواجهات أن مئتين وثمانية وثلاثين من عناصر الجيش والأمن قتلوا في الأحداث.
لم يتأخر رد فعل الحكومة حينها. تحركت القوات الحكومية والفصائل العسكرية المتحالفة معها لمحاولة استعادة السيطرة، لكن المشهد انفلت مع اندفاع مجموعات “الفزعات الشعبية” العشائرية والمحلية السنية ومجموعات مسلحة أخرى تضم مقاتلين أجانب نحو مناطق الساحل في تحرك عشوائي غير منضبط. في مشهد غير مسبوق، ازدحم الطريق الدولي بآلاف المسلحين المتوجهين إلى مناطق الساحل السوري ، فيما بدا انتفاضة مسلحة مضادة تحمل في طياتها بذور الفوضى والعنف العشوائي والانتقام.
خلال أيام قليلة، انزلقت المنطقة إلى موجة عنف غير مسبوقة: عمليات انتقامية وإعدامات ميدانية وحرق للمنازل. بلغ عدد القتلى 1426 حسب تقرير لجنة التحقيق الحكومية ذاتها. لكن الأرقام لا تعكس حجم الكارثة. شعر أبناء الساحل من العلويين بأنهم تُركوا مكشوفين أمام عنف انتقامي طائفي، فيما عجزت الدولة عن حماية قراهم أو ضبط الفزعات التي اندفعت باسمها.
كسرت المواجهات في الساحل والمجازر التي تخللتها واحداً من الثوابت التي حكمت علاقة الساحل بالدولة عقوداً: معادلة الولاء مقابل الحماية. ومع انهيار مؤسسات نظام الأسد الأمنية والعسكرية التي كانت تُشغَّل من أبناء الساحل العلويين، وتسريح آلاف الموظفين من المؤسسات العامة، وجد المجتمع المحلي نفسه في مواجهة صدمة مركبة، اتخذت طابعاً أمنياً مع انكشاف المجتمع على موجة انتقام غير مسبوقة، واقتصادياً مع فقدان مصدر العيش الأساسي، وهوياتياً عبر شعور بالاستهداف الطائفي والتهديد الوجودي.
وفي ظل ضعف قدرة الحكومة الانتقالية، وغياب أي خطة لمعالجة آثار المجزرة أو إعادة إدماج الساحل في مشروع الدولة الجديدة، ومع استمرار حوادث العنف الفردية، ارتفعت نبرة خطاب الهوية والخوف. ظهرت عبارات مثل “استهداف جماعي” و”ثمن الولاء للنظام السابق” و”ضرورة حماية الذات”.
هكذا، تحوّل الساحل إلى بؤرة استقطاب جديدة في خريطة العنف السوري، يتأرجح بين الانكشاف الأمني والانسحاب الصامت من مشروع الدولة، فيما يرسخ منطق الفزعات والانتقام مكان مؤسسات الدولة.
من بين كل خرائط العنف في سوريا ما بعد الأسد، يظل الشمال الشرقي الأكثر تعقيداً، ليس فقط لتداخل القوى العسكرية فيه، بل لأنه خزان قديم للمظالم المتراكمة. تمتد منطقة شمال شرق سوريا من الحسكة إلى دير الزور إلى بالرقة، حيث يتجاور الأكراد الذين عانوا تهميشاً ممنهجاً لعقود في ظل نظام البعث، مع العرب الذين تُركت مناطقهم غارقة في الفقر والإهمال بلا خطط للتنمية.
كانت انتفاضة القامشلي سنة 2004 – حين تحولت مشكلة بين جمهور فريقي كرة قدم إلى احتجاجاتٍ واسعةٍ للأكراد ضد التمييز والقمع – أول إنذارٍ صريحٍ لما سيأتي لاحقاً: نظامٌ سياسيٌ يتلاعب بالنسيج الوطني لتعميق الشروخ الاجتماعية بدل ترميمها إذ استخدم نظام الأسد حينها مجموعات مسلحة عشائرية من دير الزور ومناطق أخرى لقمع انتفاضة الأكراد في القامشلي.
مع اندلاع الثورة السورية سنة 2011، زادت هذه الشروخ عمقاً. إذ أبرم حزب الاتحاد الديمقراطي – وهو حزبٌ سياسيٌ كردي تأسس في شمال سوريا سنة 2003 – اتفاقاً مع نظام الأسد يمنحه إدارةً فعليةً للمنطقة مقابل بقاءٍ رمزيٍ لمؤسسات الدولة. ثم جاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ليدخل المنطقة حرباً مفتوحة. لكن هزيمة داعش لم تضع حداً للصراع. إذ ارتكبت قوات سوريا الديمقراطية – التي تشكلت بقيادة القوات الكردية لمحاربة داعش – انتهاكاتٍ ممنهجةً بحق السكان العرب: تهجيرٌ قسريٌ وتجريف قرى وحكمٌ أمنيٌ مغلقٌ يهيمن على تفاصيل الحياة اليومية. غذت هذه الانتهاكات إضافةً إلى الحرمان الاقتصادي المزمن مشاعر الغبن لدى أبناء دير الزور والرقة والحسكة، الذين وجدوا أنفسهم مهمشين في مناطقهم، ويحكمهم مشروعٌ فوقيٌ لا يمثلهم.
بعد سقوط النظام في دمشق، تحرّر معظم محافظة دير الزور باستثناء الضفة الشرقية لنهر الفرات الذي بقي مع الرقة والحسكة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في مشهدٍ يعكس استمرار معادلة السلطة القديمة: قوّة أمرٍ واقعٍ على حساب المشاركة المجتمعية.
وفي الخلفية، ظلت خطوط النار مشتعلة. منذ سنة 2017 وإلى اليوم، تتكرر الاشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات فصائل ما يسمى الجيش الوطني المدعومة من تركيا شمال البلاد. وسقط آلاف القتلى، فيما تراكمت المظلوميات المتبادلة، مكرسةً هوياتٍ متقابلةً ومنغلقةً، في غياب أيّ ملامح لهويةٍ وطنيةٍ جامعة.
اليوم، يبدو الشمال الشرقي ساحةَ نزاعٍ مؤجلةَ الانفجار. الفقر والمظالم التاريخية والتوازنات الهشة تجعل أيّ انهيارٍ في مسار التفاوض شرارة كارثةٍ جديدة. هذا الخطر تجلّى في مؤتمر “كونفرانس وحدة الموقف” الذي عقد في أغسطس 2025، ولم يقتصر – كما أُعلن – على توحيد مكونات مناطق سيطرة قسد، بل أشرك أيضاً شخصياتٍ وكياناتٍ مناوئةً للحكومة الانتقالية، بينهم حكمت الهجري ورئيس المجلس العَلوي الأعلى غزال غزال.
عدّت الحكومة ذلك تصعيداً خطيراً وضربةً مباشرةً لمسار التفاوض مع قوات سوريا الديمقراطية. فعادت نبرة التلويح بخيار السلاح كبديل. وفي بيئةٍ مثقلةٍ بالمظالم وشديدة التنوع، فإنَّ هذا الخيار لا يعني إعادة رسم خرائط السيطرة فقط، بل إطلاق دوامةٍ انتقاميةٍ عابرةٍ للمناطق، تهدّد بجرّ البلاد إلى حلقةٍ جديدةٍ من الدم.
من السويداء إلى الساحل وصولاً إلى الشمال الشرقي، تتكشف أمامنا خريطةٌ واحدةٌ متعددة الوجوه: نزاعاتٌ محليةٌ تتغذى على غياب السلطة المركزية، وتستمد وقودها من إرث العنف الذي لم يُفكَّك، ومن شبكات ولاءٍ ومصلحةٍ تعيد التموضع كلما تبدلت موازين القوى. هنا، تتحول مناطق البلاد شظايا من المظالم والهويَّات المغلقة، ويتراجع مشروع الدولة أمام منطق الخنادق، وتبقى السياسة أسيرة البنادق والذاكرة المثقلة بالثأر. ويعيد الفقر والإهمال إنتاج ما تسميه الأدبيات “اقتصاديات الحرب” و”اقتصاديات العنف”، حيث تتحوَّل الموارد المحدودة وشبكات النفوذ المحلي أدواتٍ لتغذية مشاعر السخط الجماعي، فيما يمكن تسميته “اقتصاديات الغضب” التي تكرّس دوائر الانتقام وتعزّز شعور المكونات بالتهميش.
هذه ليست أحداثاً طارئةً يمكن احتواؤها بحملةٍ أمنيةٍ أو مبادرة مصالحةٍ شكليةٍ، بل هي أعراضٌ لمرضٍ أعمق: فشل الحكومة الانتقالية في تفكيك البنية التي أنتجت الحرب الأهلية، والاكتفاء بإدارة الأزمات بمنطق الإطفاء اللحظي. وفي هذا المناخ، يصبح كلّ ملفٍّ محلّيٍ – من المواجها المسلحة في السويداء إلى مجازر الساحل والتوتر شمال شرقي البلاد – فتيلاً محتملاً لتفجيرٍ أوسع، خصوصاً حين تتقاطع خطوط النار الداخلية مع مصالح القوى الخارجية وأجنداتها.
ومثلما أثبتت الوقائع، فإن هذه الخرائط لا تُرسم داخل الحدود السورية فقط، بل تمتد خطوطها إلى غرف القرار في تل أبيب وأنقرة وطهران وموسكو وواشنطن. هنا، يبدأ أثر إنعكاس التأثيرات الدولية، ليس لكونها عاملاً خارجياً منفصلاً، بل خيطاً متشابكاً مع النسيج الهشّ للنزاع السوري، يضاعف تعقيد المرحلة الانتقالية ويعيد تعريف حدودها ومعاركها.
منذ سقوط الأسد، لم تخرج سوريا من عين العاصفة، بل تبدّلت فقط ملامح اللاعبين على رقعتها. الجغرافيا التي قد تكون مصدر قوتها، تحوَّلت اليوم لعنةً إستراتيجيةً، تُغري القوى الإقليمية والدولية بالتدخل، وتفرض على السلطة الانتقالية إدارة الملفات الداخلية في قاعات المفاوضات الخارجية، قبل أن تناقشها في مؤسساتها الوطنية.
بالنسبة لتل أبيب، لم يكن سقوط النظام نهاية معركةٍ، بل بداية مرحلةٍ أكثر مرونةً في توظيف الفوضى. في الأسابيع الأولى، نفذت إسرائيل مئات الغارات الجوية طالت ما تبقّى من قوات الجيش السوري واستهدفت منظومات الدفاع الجوي في الضمير ومصياف، ومخازن الصواريخ في جبلة، وقواعد سلاح الجو في التيفور. وعلى الأرض، احتلت قوات إسرائيلية قمة جبل الشيخ الأعلى في سوريا والتي تطل على العاصمة، وتوغلت في مناطق بريف دمشق الغربي والقنيطرة ومناطق محدودة في ريف درعا، تحت ذريعة “إزالة تهديدات فورية”. تواصل إسرائيل المباشر – ولو عبر وسطاء – مع فاعلين محليين في السويداء، ليس مجرّد ردودَ فعلٍ أمنيةً، بل رسائل سياسيةً تقول إن استقرار الجنوب السوري يُقرَّر في تل أبيب بقدر ما يُقرَّر في دمشق.
وفي السويداء، ارتبطت الضربات الإسرائيلية بإشارات دعمٍ علنيةٍ من شيخ طائفة الدروز في إسرائيل موفق طريف، إلى قياداتٍ محليةٍ في السويداء وصولاً إلى لحظة ذروةٍ في يوليو 2025 حين قصفت إسرائيل مقرَّ قيادة الأركان في دمشق بصواريخ دقيقة. انسحبت قوات حكومة دمشق خلال ثمانٍ وأربعين ساعةً من السويداء تاركةً فراغاً ملأته الفصائل المحلية، في انتصارٍ معنويٍ كبيرٍ للهجري وحلفائه، ورسالةٍ صادمةٍ لدمشق عن حدود قوّتها.
أنقرة، التي دخلت الصراع المباشر في سوريا منذ 2016 لمنع قيام كيانٍ كرديٍ على حدودها، لا تزال تربط أيّ استقرارٍ في الشمال الشرقي بضماناتٍ أمنيةٍ طويلة الأمد، وبشروطٍ اقتصاديةٍ تمنحها نفوذاً وموطئ قدمٍ في مشاريع الطاقة والنقل وإعادة الإعمار. حضورها العسكري المباشر، ودعمها المستمر للحكومة ولفصائل ما يعرف باسم الجيش الوطني، يمنحها قدرةً على التعطيل أو الدفع نحو تسوياتٍ، حسب اتجاه الرياح الإقليمية.
تدير واشنطن الشمال الشرقي بقبضةٍ مرنةٍ، بتحالفها مع قوات سوريا الديمقراطية، وسيطرتها الفعلية على الموارد النفطية والغازية هناك. لكنها لا تتحرك فقط على شكل قوة عسكرية، بل ضامناً سياسياً داعماً للحكومة الانتقالية كذلك، قادراً على تعطيل أيّ صفقةٍ كبرى لا تراعي مصالحها، ويحتفظ بحقّ النقض على مسار التسوية النهائية. بالنسبة لواشنطن، البقاء في سوريا ليس فقط لحماية الأكراد ومكافحة تنظيم داعش، بل لضبط إيقاع التوازنات الإقليمية كذلك، خصوصاً بين أنقرة وموسكو وطهران واسرائيل.
خروج طهران شبه الكامل من المشهد الميداني السوري، لا يعني أنها فقدت شهية العودة. شبكاتها المحلية في الشرق والساحل ما زالت موجودةً، وبعض مقاتلي الميليشيات الموالية لها اندمجوا في تشكيلاتٍ محلية. إيران اليوم تراقب من الهامش، تراهن على لحظة فوضى جديدةٍ تتيح لها إعادة التموضع، سواءً عبر حلفائها القدامى أو عبر قنوات نفوذٍ جديدة.
في موسكو، لم تغلق أبواب القصر أمام دمشق. زيارة وفدٍ حكوميٍ رفيعٍ بقيادة وزير الخارجية ووزير الدفاع ورئيس الاستخبارات السوريين في 31 يوليو 2025، واللقاء المباشر مع بوتين، أعادت فتح ملفات التعاون العسكري والاقتصادي، وأعطت انطباعاً بأن العلاقة التاريخية بين البلدين لم تُطوَ بعد. بالنسبة لدمشق، تحوّلت روسيا من خصمٍ واضحٍ إلى شريكٍ عسكريٍ وسياسيٍ، قد يفتح الباب لإعادة النظر في الاتفاقات العسكرية والاقتصادية، ويعطي دمشق فرصةً لاستخدام روسيا ورقةَ موازنةٍ في الجنوب مع إسرائيل، ورافعةً دبلوماسيةً لفتح قنواتٍ مع قوىً أخرى دون الارتهان الكامل لأيّ طرف.
ولم يكن الدعم الخارجي الذي حظيت به السلطة المؤقتة – من قوىً إقليميةٍ ودوليةٍ رأت فيها شريكاً وظيفياً في محاربة “داعش” واحتواء النفوذ الإيراني وتأمين حدود إسرائيل – بلا ثمن. فقد منحها هذا الدعم شعوراً بالحصانة، ما سمح لها بالمضيّ في خياراتٍ مصيريةٍ مثل التفاوض على اتفاقاتٍ أمنيةٍ طويلة الأمد، وشرعنة الوجود العسكري الأجنبي، وفتح قطاعاتٍ إستراتيجيةٍ أمام الاستثمارات الأجنبية، من دون نقاشٍ وطنيٍ عميقٍ أو تفويضٍ شعبيٍ حقيقي. لكن أحداث الأشهر الأخيرة، ولاسيما الصراع في السويداء، كشفت هشاشة هذا المسار. فالدعم الخارجي محدودٌ بشروط والغضب الداخلي ما زال موجوداً. لقد أثبتت المواجهات في الساحل والسويداء أن سياسة العنف والاستئثار لا تنتج استقراراً، بل تسرّع تفكّك الدولة وتعمّق خطوط الصدع بين مكوناتها.
بعض الملفات الداخلية باتت تدار خارج الحدود. مثل مفاوضات باكو في أذربيجان بين الحكومة الانتقالية وإسرائيل، التي طُرح فيها سيناريو دخول القوات الحكومية إلى السويداء، واجتماع مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس. هذا النمط – إدارة الشأن المحلّي بصفقاتٍ دوليةٍ – قد يمنح السلطة الانتقالية أوراق ضغطٍ، لكنه يرسّخ في الوقت نفسه معادلة “الحوكمة المقيدة خارجياً”، حيث القرار الوطني يتحرك تحت سقف الإملاءات الدولية.
بهذا المعنى، تبدو سوريا اليوم ساحةً لتقاطع أربع مسارات: ردعٌ إسرائيليٌ واحتواءٌ تركيٌ وضبطٌ أمريكيٌ وتحوّطٌ روسيٌ، فيما تنتظر إيران عند حافة المشهد. وفي قلب هذه المعادلة تقف سلطةٌ انتقاليةٌ تحاول الرقص على لعبة التوازن المستحيلة بين حماية ما تبقّى من السيادة واستثمار التدخلات الخارجية لصالحها، بلا أن تتحول أداةً بيد أيّ طرف. لكن التاريخ السوري القريب يقول إنه حين تتحول الجغرافيا لعنةً، فإن الخطّ الفاصل بين المناورة والارتهان يصبح رفيعاً جداً. وبذلك، لم تكن هذه التدخلات مجرّد إدارةٍ للأزمة من الخارج، بل وقوداً إضافياً يُبقي فتيل العنف مشتعلاً تحت الرماد، جاهزاً للانفجار مع أول اختلالٍ في موازين القوى.
في كتابها “كيف تبدأ الحروب الأهلية: وكيف نوقفها”، تحذّر والتر من لحظةٍ دقيقةٍ في عمر المجتمعات: حين تجد المكونات التي كانت في موقع القوة نفسَها على منحدر فقدان النفوذ. يمكن أن تتعايش الشعوب مع الفقر والبنى التحتية المتهالكة، لكنها لا تتقبل بسهولةٍ خسارة المكانة والقدرة على التأثير في أرضٍ تراها ملكاً لها. هذه اللحظة، كما تسميها والتر، هي الشرارة التي تعيد إشعال النزاعات، حين يتحول القلق على المكانة إلى دافع للعودة إلى السلاح.
هذا التحذير يكتسب وزناً مضاعفاً إذا قرأناه عبر نظرية “مثلث العنف” التي طوّرها عالم الاجتماع النرويجي يوهان غالتونغ في كتابه “كَلتشرال فايلنس” (العنف الثقافي) الصادر سنة 1990. لا يقتصر العنف في سوريا اليوم على المجازر والاشتباكات المباشرة، بل يمتدّ إلى العنف البنيوي المتمثل في غياب العدالة وتكافؤ الفرص، والعنف الثقافي الذي يشرعن الإقصاء بخطابات الهوية والتحريض. هذه المستويات الثلاثة، حين تجتمع، تجعل الحرب حالةً مزمنةً، لأن غياب المعالجة البنيوية والثقافية يحول دون الوصول إلى “السلام الإيجابي” القائم على العدالة والتمثيل والكرامة.
في هذا الإطار، يبدو الساحل وكأنه يعيش إحساساً مضاعفاً بالخسارة: انكشافٌ أمنيٌ غير مسبوقٍ بعد انهيار مؤسسات الجيش والأمن واقتصادٌ متآكلٌ ومكانةٌ سياسيةٌ لم تعد مضمونة. في الشمال الشرقي، يتقاطع شعور العرب والأكراد بالتهميش المتبادل مع المظلوميات المستمرة، في حين يعيد الجنوب إنتاج أدوات العنف القديمة تحت شعار “الفزعات”. مواجهات السويداء الأخيرة لم تكن مجرّد غضبٍ عابرٍ، بل فرصةً استثمرتها شبكات عنفٍ قديمةٍ – من أذرع النظام السابقة إلى ضباط متهمين بجرائم حرب – لإعادة التموضع في المشهد، متسلحةً بفراغ السلطة وانقسام القرار.
شاركت في “الفزعات” العشائرية ضد قوات الدروز في السويداء فصائل عشائريةٌ مثل “لواء الباقر”، وميليشيات “المرسومي” التي اشتهرت بعلاقاتها مع الفرقة الرابعة لجيش نظام الأسد والميليشيات الإيرانية، إلى جانب قوىً تتبع الشيخ إبراهيم الهفل، المتحفز لتقديم نفسه لاعباً في النظام الجديد. وبالمقابل، وجدت جهاتٌ أخرى – من فلول نظام الأسد وضبّاطه الفارّين – فرصةً نادرةً لإعادة إنتاج أنفسهم. فتسلّلوا إلى مشهد ما بعد الأسد تحت عناوين محليةٍ مثل “الدفاع عن المكوّن” أو “حماية الأرض”.
المجلس العسكري في السويداء، على سبيل المثال، يضمّ في صفوفه ضباطاً بارزين من نظام الأسد، مثل العميد جهاد غوطاني من لواء المدفعية في الفرقة الرابعة والمسؤول عن قصف ريف إدلب، والعميد سامر الشعراني، المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دير الزور وريف دمشق. ومؤخراً عَيّنَت “اللجنة القانونية العليا” في السويداء التي شكلت في يوليو بغطاءٍ من الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية العميدَ شكيب نصر قائداً لقوى الأمن الداخلي والعميدَ أنور رضوان معاوناً له، وكانا قد شغلا مناصب رفيعةً في نظام الأسد، وهما متهمان بجرائم حرب.
وهكذا، وجد هؤلاء وغيرهم في الأحداث الجارية فرصةً في إعادة إنتاج أدوارهم في ظلّ عجز السلطة الانتقالية عن تفكيك شبكات العنف القديمة أو إخضاعها للمحاسبة. وأصبحوا جزءاً من مشهدٍ جديدٍ يتداخل فيه الثأر والهويات مع إعادة توزيع القوة والنفوذ. وبدلاً من تفكيك شبكات العنف التي شكّلت “جذمور” السلطة الأسدية، وجدت هذه الشبكات في المرحلة الانتقالية فرصةً للعودة إلى المشهد، ليس بلباس فلولٍ من الماضي، بل فاعلين يعيدون رسم خريطة القوة في النظام الجديد، مستثمرين هشاشة المرحلة الانتقالية وفشل الحكومة في بناء أدواتٍ أمنيةٍ منضبطة.
يلتقي تحليل والتر وغالتونغ مع ما طرحه عالم السياسة الشهير ستاثيس كاليفاس في كتابه “ذا لوجيك أوف فايولنس إن سيفيل وور” (منطق العنف في الحروب الأهلية) الصادر سنة 2006. حيث يفرّق بين العنف الانتقائي الموجه لإعادة رسم حدود السيطرة والنفوذ، والعنف العشوائي المستخدم لترويع المجتمعات وكسر إرادتها. ما شهدناه في السويداء والساحل يميل إلى العنف الانتقائي، فيما تكشف المواجهات في جرمانا وأشرفية صحنايا وأرياف حمص وحماة وبقية المدن عن نمط العنف العشوائي، الذي يغذيه الانتقام أكثر مما يخدم مشروعاً سياسياً واضحاً. هذا التفريق ليس أكاديمياً فحسب، بل يكشف أن سوريا اليوم تعيش على وقع مزيجٍ قاتلٍ من عنفٍ منظمٍ وعنفٍ منفلتٍ، يُذكي بعضهما بعضاً.
أما ماري كالدو، الأستاذة في كلّية لندن للاقتصاد، فتضع هذا المشهد في خانة “الحروب الجديدة والقديمة” وهي أطروحةٌ ناقشَتْها في كتابٍ صدر سنة 1999، وتطوّر في طبعاتٍ لاحقةٍ، ويحمل العنوان ذاته. فتسمّي هذا النوعَ من النزاعات “الحروب الهجينة”، إذ ليست حروباً تقليديةً بين جيوشٍ، ولا حروباً أهليةً صرفةً، بل مزيجاً تغذِّيه اقتصاديات الحرب وشبكات التهريب والهويات المغلقة. في الشمال الشرقي، يتحول النفط والتجارة الحدودية إلى أدوات تحكّم. وفي الجنوب تتحول “الفزعات” إلى آليّةٍ لحشد المقاتلين وإعادة توزيع النفوذ. في حين تحافظ بقية المناطق على اقتصادياتٍ موازيةٍ تُبقي العنف مربحاً. ومن هنا، لم تعد الحرب مجرد نتيجةٍ لتعثّر المرحلة الانتقالية فقط، بل أصبحت صناعةً قائمةً بذاتها، تسعى لإدامة العنف وتؤخّر أيّ عملية تعافٍ حقيقية.
بهذا، لا تبقى هذه الأطر النظرية مجرد تشخيصٍ أكاديميٍ، بل عدساتٍ تكشف أن سوريا بعد الأسد خرجت من حربٍ طويلةٍ، دون أن تغادر شروطها. العنف هنا ليس عرضاً جانبياً للفوضى، بل جزءاً من آلية إنتاج الواقع الجديد، حيث تُدار المكانة والهوية والمكاسب بالسلاح بقدر ما تدار بالسياسة. وهنا يطرح السؤال الملحّ: هل تستطيع المرحلة الانتقالية كسر هذه الحلقة، أم أنها ستكتفي بإدارتها حتى تنفجر من جديد؟
تعيش سوريا اليوم في فراغٍ معلّقٍ بين سقوط النظام القديم وتعثر ولادة دولةٍ جديدة. وكما تحذّر أدبيات النزاع، فإن المرحلة الانتقالية ليست مساحةً آمنةً، بل هي اللحظة الأكثر هشاشةً، إذ يمكن أن تعود الحرب الأهلية في أشكالٍ أكثر تعقيداً إذا أخفقت إدارة هذا الفراغ.
تثبت التجارب المقارنة أن الاستقرار لا يصنعه “حكم المنتصر”، بل توافقٌ وطنيٌ واسعٌ لا يقصي أحداً، يرافقه مسار عدالةٍ انتقاليةٍ يكسر دوائر الانتقام ويحوّل الذاكرة المثقلة بالعنف إلى مجالٍ للمساءلة. في سوريا، ما لم تُحتكر القوة بيد مؤسساتٍ وطنيةٍ منضبطةٍ، سيظلّ مشهد “الفزعات” والميليشيات وصفةً لحربٍ مؤجلةٍ، وسيبقى الفقر والانهيار الاقتصادي وقوداً جاهزاً لأيّ اشتعالٍ جديد.
الأخطر أن الملفات الداخلية الكبرى – من أزمة السويداء إلى المفاوضات مع قوات سوريا الديمقراطية شمال شرق البلاد – باتت تدار في الخارج أكثر مما تدار في الداخل، ما يرسّخ الوصاية ويفرّغ القرار الوطني من مضمونه. تُظهر تجربة جنوب إفريقيا أن تحييد التدخلات الخارجية يبدأ من اتفاقٍ داخليٍ شجاعٍ، يضع كلّ المكوّنات على طاولةٍ واحدةٍ، ويحوّل الخلافات إلى مسار تفاوضٍ وطنيٍ لا ساحةٍ لتصفية حسابات الآخرين.
وأخيراً، الحرب الأهلية لم تفتّت الخرائط فحسب، لقد فتّتت القلوب. عودة سوريا دولةً واحدةً تمرّ عبر مصالحةٍ مجتمعيةٍ تبدأ من القاعدة لا من النخبة: حواراتٌ محليةٌ، تسوياتٌ عادلةٌ للنزاعات، وبرامج تعيد بناء الثقة داخل النسيج السوري الممزق بدل إبقائها رهينة “الفزعات” والثأر. فالتجارب المقارنة من رواندا إلى جنوب إفريقيا أثبتت أن لجان المصالحة الناجحة، كانت تلك التي أفسحت المجال لضحايا النزاع وقواه المحلية ليمتلكوا الحوار بدل أن يبقى أسير النخب السياسية. ولتحقيق ذلك في سوريا، يجب إعادة هيكلة “اللجنة العليا للسلم الأهلي” لتتحرر من الشخصيات الإشكالية، وتضمّ في صفوفها ممثلين حقيقيين عن القوى المدنية والشخصيات الوطنية المؤثرة في مجتمعاتها المحلية. بهذه الصيغة، تتحول اللجنة من مجرد واجهةٍ مكتبيةٍ، إلى منصةٍ فاعلةٍ لإدارة هذا المسار المعقّد.
السلام في النهاية ليس شعاراً سياسياً، بل شبكةً من الثقة والعدالة والمشاركة، تُبنى ببطءٍ، من القاعدة إلى القمة. وإن لم تستثمَر هذه اللحظة في إعادة تعريف معنى الدولة بوصفها ضمانةً لجميع مواطنيها، فإن سوريا ستظلّ أسيرة الشروط ذاتها التي فجّرت الحرب الأهلية، حتى وإن تغيّرت خرائط السيطرة.
الفراتس
—————————–
من السويداء إلى الجنوب اللبناني.. إدارة الصراع أم بناء دولة؟/ صهيب جوهر
2025.08.29
تتحرك دمشق على مسارين متوازيين: تثبيت تفاهم 10 آذار في شرق الفرات عبر قنوات مع العشائر ومظلوم عبدي وعزل الجناح الأقرب إلى قنديل، ومنع أي صيغة للإدارة الذاتية في السويداء من خلال إعادة ربط الخدمات والعبور بدمشق. بالتوازي، تُناقَش ترتيبات أمنية مع إسرائيل تحت سقف اتفاق 1974 من دون الذهاب إلى سلام سياسي، في حين يطفو في لبنان طرح اقتصاد وظيفي جنوبي لتخفيف الاعتماد على اقتصاد الحرب.
غير أن النجاح مرهون بسيادة قابلة للقياس، وبنى أمن مشتركة، وحوكمة تمنع تحويل الاستثمار إلى نفوذ موازٍ للدولة. وإلا سنقع في إدارة صراع محسّنة لا في تحوّل مستدام.
تبدو دمشق، في ضوء المعطيات الراهنة، كمن اختار الانتقال من إدارة الانفجارات إلى إدارة الهوامش. مزيج من رسائل سياسية داخلية وخطوات رمزية خارجية يوحي برغبة في تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة للعبور والجباية والأمن. يمكن قراءة زيارة وفد وزاري إلى المطران يوحنا العاشر يازجي، وزيارة الأخير للقصر الجمهوري ولقائه الرئيس أحمد الشرع، كإشارة منظمة لتطبيع العلاقة بين المركز ومكوّنات دينية واجتماعية مؤثرة، وإطلاق مسار مصالحات على الساحل وبين العلويين بما يطوي صفحة الفرز الأهلي الذي غذّى اقتصاد الحرب. ليست تلك الخطوات كافية بذاتها، لكنها تبني لغة سياسية جديدة تحاول وضع الفعل الديني والاجتماعي تحت سقف الدولة لا بجانبه.
في شرق الفرات، تعيد دمشق تقديم تفاهم 10 آذار كإطار واقعي لترميم وحدة المجال الإداري والأمني. تتعامل ببراغماتية مع ثلاث كتل داخل قوات سوريا الديمقراطية: العشائر التي تشكل الثقل البشري، ومظلوم عبدي بما يمثله من قدرة تفاوضية وتنظيمية، والجناح المحسوب على حزب العمال الكردستاني الأقرب إلى قنديل. الرهان هو ربط الأولى والثاني بصيغة إدماج تدرّجية داخل مؤسسات الدولة، وعزل الثالث سياسياً وميدانياً. هنا تتجاور روايتان: رواية تقول بإمكان تثبيت المحافظات الثلاث دير الزور والرقة والحسكة ضمن تفاهم إداري وأمني بلا اقتتال واسع، ورواية تتوقع مواجهة متدرجة تستعيد فيها دمشق السيطرة على دير الزور والرقة مع حصر قسد في الحسكة. وبينهما، تشتغل الدولة على ردع مساعي فرض أمر واقع انفصالي، عبر خلط أدوات التهدئة بالخنق اللوجستي لاقتصاد التهريب، وإعادة ربط الرواتب والوقود والمساعدات بقنوات رسمية.
السويداء تقدم الاختبار الأكثر حساسية لفكرة وحدة المجالين الإداري والاقتصادي. المؤشرات المتداولة تفيد بأن لا إدارة ذاتية ولا ممرات إنسانية مستقلة، لا باتجاه الجولان ولا باتجاه الشمال الشرقي. الطريق الوحيد للسويداء يمر عبر دمشق، وهذا ليس مجرد شعارات بل سلسلة إجراءات عملية: تثبيت مسار إدخال المساعدات عبر العاصمة، تعزيز دخول القوافل التجارية، وفتح سوق على تخوم المحافظة لكسر حلقات المنع والجباية غير الشرعية التي راكمت شرعية قوى محلية مسلحة.
إلى ذلك، وضِع ملف المخطوفين أولوية، لأن بقاءه مفتوحاً يوفّر ذريعة دائمة لاقتصاد الابتزاز والثأر. وفي خلفية المشهد، تبدّل في خطاب بعض المرجعيات الدينية والاجتماعية، حيث تراجع الشيخ موفق طريف والمقربون منه عن مقاربات كانت توحي بقبول معابر إنسانية خارج سلطة الدولة، ونُصح الشيخ الهجري بالتواصل المباشر مع دمشق. هذه التحولات، التي أسهم في تثميرها جهد دبلوماسي نشط نقل بعضه الموفد الأميركي توم باراك خلال لقاءات باريس، تمنح الدولة نافذة لإعادة ترتيب المركزية اللوجستية من دون صدام شامل.
وعلى خط إسرائيل، تبلور تعريف واضح لحدود الممكن. المفاوضات، كما تُقدَّم من جانب دمشق، ليست مقدمة لسلام سياسي، بل ترتيبات أمنية تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة وتبقى تحت سقف اتفاق فك الاشتباك لعام 1974.
والسقف السوري لايزال ثابتاً: لا اعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان ولا تنازل عن عمق استراتيجي يقيّد حرية الحركة السورية. في المقابل، تتمسّك تل أبيب بالاحتفاظ بنقاط مراقبة استراتيجية تتجاوز روح الاتفاق، مثل مرصد جبل الشيخ وتل الحارة ونقاط إضافية.
والفجوة هنا ليست تقنية بل تعريفية لخطوط الأمان. لذلك يوازي المسار السوري مقاربة أميركية براغماتية تطلب من إسرائيل تقليص الضربات في لبنان لإتاحة هامش للحكومة اللبنانية كي تدفع خطوات داخلية، بما يربط الجولان والجنوب اللبناني في سلة واحدة عنوانها تخفيض التوتر مقابل تقدم تدريجي في مأسسة الأمن على جانبي الحدود.
ولبنان يدخل هذه المعادلة من بوابة الاقتصاد الوظيفي جنوباً. الفكرة بسيطة وخطرة في آن معاً: استخدام مشاريع نمو محلية لتخفيف الاعتماد الاجتماعي والاقتصادي على اقتصاد الحرب ومنظوماته، وإغراء البيئة المحلية بمصالح يومية مستقرة على حساب التعبئة المستدامة.
نظرياً، يمكن لاستثمارات في البنية التحتية والسياحة الساحلية والجبلية والخدمات أن تعيد تعريف المصلحة اليومية لبيئة الجنوب وتفك ارتهانها للريع الأمني. عملياً، السؤال الحاسم سيادي لا اقتصادي. من يضع القواعد ومن يجبي الضرائب ومن يحل المنازعات ومن يضمن حياد الأمن المحلي حين تتقاطع مصالح مستثمرين ونافذين وقوى مسلحة. إذا لم تتوافر إجابات مؤسسية واضحة، يتحوّل الاستثمار إلى اقتصاد ظلّ جديد وذراع نفوذ موازية للدولة، وتُعاد إنتاج الزبائنية بملابس تنموية.
تاريخ المنطقة القريب يضيف طبقة إضافية من التعقيد عبر العامل الروسي. فمنذ توسيع الحضور العسكري في سوريا، ثُبّتت معادلة أمنية تحمي المصالح الروسية والإيرانية وتضبط الحيز الجوي والبحري. قاعدة طرطوس منحت موسكو موطئ قدم في المتوسط، في حين وفّرت حميميم قدرة مراقبة وتنسيق لحظي مع دمشق. استفادت القوى الحليفة لطهران من غطاء ناري ومعلوماتي في مراحل مفصلية، خصوصاً شمالاً في مواجهة مجموعات شديدة الشراسة.
وفي مراحل لاحقة، اختارت موسكو سياسة الإمساك بالعصا من الوسط، بغض نظر محسوب لإسرائيل في سماء سوريا مقابل ضبط التصعيد وتجنب ارتطام مباشر. أهمية هذا العامل لا تقتصر على تكتيكات الضربات الجوية ومساراتها، بل تمتد إلى أي ترتيبات جديدة في الجولان والجنوب اللبناني، حيث ستسعى موسكو إلى ضمان حصتها في أي هندسة اقتصادية لاحقة كي لا تتحول التسويات إلى منصة إقصاء لنفوذها.
يبقى أن مغالبة اقتصاد الحرب بفكرة الازدهار ليست ترفاً خطابياً. التجارب المقارنة تقول إن كثافة الفرص ووثوقيتها تقلّص دوافع الانضمام إلى المجموعات المسلحة وتخفف منسوب القابلية للتعبئة الأيديولوجية. لكن هذا يحدث فقط حين تتحرك قاطرة الاقتصاد داخل سكك سيادية صلبة.
والسيادة هنا ليست شعاراً وطنياً مكروراً، بل مجموعة قياسات يومية: وجود سلطة جباية واحدة، تماسك الولاية القضائية، ضبط المعابر الرسمية، ووضوح قواعد الاشتباك. أي ثغرة في هذه القياسات تتحول بسرعة إلى قناة لتسرب النفوذ الموازي، ويعود معها العنف إلى الواجهة عند أول اختبار.
ما العمل إذاً حتى لا ننزلق إلى إدارة صراع محسّنة. في شرق الفرات، يلزم تحويل تفاهم 10 آذار من صيغة سياسية عامة إلى آلية تنفيذية معلنة بمراحل وجداول زمنية، مع إدماج وحدات من قسد ضمن تشكيلات أمن محلي مرتبطة بوزارتي الدفاع والداخلية، واتفاقات خدمات تضمن تدفق الرواتب والوقود عبر قنوات رسمية، وخطة لتفكيك اقتصاد التهريب ومحاسبة المستفيدين منه.
وفي السويداء، بدا المطلوب ربط سلس للوجستيات والمساعدات بدمشق مع ممرات تجارية منظمة، وآلية مستقلة لملف المخطوفين بضمانات قضائية تمنع الاستثمار السياسي في المآسي، وإعادة بناء شرطة محلية تحت إمرة الدولة وتدقيق مالي دوري يمنع القيود غير الرسمية على حركة السلع.
أما في لبنان، فأي مشروع نمو جنوبي يجب أن يُقارب كمشروع دولة لا كمشروع مانحين. وبدأ الحديث عن إصدار قانون خاص يحدد الحوكمة، وإنشاء هيئة تنظيم مستقلة تخضع لرقابة ديوان المحاسبة، وحصر الجباية بوزارة المالية، ومنع أي تسويات أمنية خارج القوى الرسمية.
من هنا تتحرك المنطقة على حافة دقيقة بين انتظام وظيفي يحد التوتر وبين انفلات مستأنف يعيد تطييف الاقتصاد وتذويب الدولة. ما سيحسم الاتجاه ليس وفرة الوعود ولا ضخ الأموال في ذاته، بل القدرة على صياغة قواعد ملزمة تُطبَّق وتُقاس. حينها فقط قد ينجح منطق ما بعد الاشتباك: أمن مضبوط بالقانون، واقتصاد محكوم بالشفافية، وسيادة تُقاس بالكفاءة على الإنفاذ لا بارتفاع النبرة. من دون ذلك، سنبقى ندور حول أنفسنا بين تهدئة معلّقة وانفجار مؤجّل.
تلفزيون سوريا
———————————
هل النفوذ الإقليمي صناعة سورية؟/ عمر الشيخ
29 اغسطس 2025
الحريّة الفاحشة التي أعقبت سقوط نظام الأسد كانت ثمرة انكسارٍ كبيرٍ، لا نتيجة وعي وطني متراكمٍ. كانت حاصلَ ضربٍ للتنوّع السوري عرضَ الحائطِ، في رحلة محمومة للبحث عن تمثيل داخل سلطات محمولة على ضيق الانتماءاتِ، هدفُها قطعُ الطريقِ أمام أي محاولة لتأسيس المواطنة. الجهود العسكريّة غير الوطنيّة، والاستئثار الفردي لجماعة على حساب الجميع، حوّلت مفردات الحوار إلى لغة غريبة، ملوّثة بثقة مفقودة ونعراتٍ باطنيّة، نالت من نُبلِ العمق الديني في سورية، وجرّته إلى التخبّط والتهلكة، حيث تُخاضُ السياسة كمعركة مصالح، لا تعترفُ إلّا بالإقناع القسري لمواطنين فقدوا فرحتَهم بزوالِ النظامِ الشموليِّ، ليولدَ بدلاً منه طيفُ إداراتٍ ذاتيّة، بعضُها يحاربُ فكرة الدولة، وبعضُها الآخر يتغذّى على فشل الدعوات إلى رسم خريطة مشتركة، فيما يُموَّل الباقي من قبَل الدول اللاعبة ليكون ذراعَها في سورية، بعد ستّة عقودٍ من الطغيان وتوريث الديكتاتوريّة إلى أشكال مصغّرة تبدأ من الوعي الذاتي، وتنتهي بانفصالٍ كاملٍ عن طبيعة البلاد وإمكانات الحلّ السلميّ.
لقد كانت الاختبارات الماضية دامية، أنهكت السلطة الحالية وأفقدتها رصيدَها الشعبي بنسب متفاوتة، ورفعت منسوبَ الغضب، لا بين الثوّار التقليديين، بل لدى أصحاب رؤى مغلقة رأَوا في سورية انعكاساً لمقاساتهم فقط. وبينما تراجعت المهارات السياسية وانكفأ الأمن، تحوّلت القيادات الروحية وبعض القيادات القومية إلى بوصلة تحرّك اتجاهات القوة، في ظلّ صعود متشدّدين قبضوا على السلطة، وشرّعوا بانغلاقهم؛ نموّ نزعاتٍ طائفية وقومية تضعف البلاد، وتكاد تمزّق جغرافيتَها الثقافية الممتدة آلافَ السنين.
ثَمّة فرقٌ شاسعٌ بين الخصومة السياسية التي تدار بالعقل والحوار، والخصومة التي تتحوّل إلى كراهية حتى الموت، تدار بالغريزة وتفتح أبواب الخراب للجميع. هذا ما لم تدركه قوى ما بعد السقوط، وهي تعيد إنتاجَ الانقسام أداة حكمٍ، وتحتفظ بعقلية الإقصاء جزءاً من هوية السلطة. التصعيد والاستقطاب والانقسام ليستْ سوى تركات البعث وجيشه، لكنها اليومَ تعود بوجوه جديدة وشعارات ملوّنة، لتعيدَ إنتاج الدمار بأدواتٍ مختلفة.
والسؤال الأعمق يظلّ: أليست ممارسات اليوم، بكلّ ما تحمله من استقطابٍ وتجييشٍ، مجرّدَ إعادة إنتاجٍ لواقع الاستبداد، ولكن هذه المرة بوجوهٍ وشعاراتٍ جديدة؟ الانقسام الحادّ بين مؤيّدي السلطة الحاكمة في دمشق ومعارضيها، مقروناً بالأخطاء الفادحة التي ارتكبَها ويواصل ارتكابَها الطرفان سياسيّاً وعسكريّاً، يفتح البابَ واسعاً أمام هذا الاحتمال. فالتجارب السياسية للدول التي انهارت أنظمتها تقول إنّه لا توجد وصفة جاهزة لصناعة مشروع الدولة الجديدة، لكن هناك محدّداتٍ أساسية غائبة تجعل من الضروري التوقّفَ طويلاً أمام الواقع الأمني والمعيشيّ، وتحدّيات الأمن الغذائي والاقتصاد، وإعادة الإعمار، وصياغة اتفاقٍ سياسي بين المتخاصمين.
ما نشهده منذ الأسابيع الأخيرة ليس مناخاً صحيّاً للاختلاف السلميّ. التجييش الإعلامي يقابله تجييشٌ مضادٌّ داخل المجتمع، فيما “هيئة تحرير الشام”، التي وصلت إلى الحكم كحزبٍ ذي خلفية دينية، لا يمكن إعفاؤها من النقد، هي ومن يديرها من رجالات كانوا حتى وقتٍ قريبٍ ممنوعين من مغادرة سورية بسبب فكرهم المتطرّف. وبعد أكثر من سبعة أشهرٍ على استلام الحكم، تغلب المشكلات على المشهد أكثرَ مما تحضر الإنجازات، وفقَ شهادات مراقبين محليين. هذا لا يبرّر أن يطلبَ من السوريين الاصطفاف من جديدٍ خلفَ سلطة تستحضر نصوصاً من دستور 1950 الذي يقول: “الحكم للشعب وبالشعب من الشعب”، بينما تمارس واقعاً يقصي المختلفين عنها ويضيّق على حرياتهم.
من حقّ السوريين أن يختلفوا، ويرفضوا، ويحتجّوا، ويتنافسوا على تقديم الرؤى والوسائل التي يرونها أصلحَ لحكم البلاد، خصوصاً أن هيئة تحرير الشام، وسط ما تشهده البلاد من عنفٍ اجتماعي وسلوكياتٍ كارثية متصاعدة في الإعلام، تبدو ضعيفة سياسياً وعاجزة عن تمثيل الجميع. لذلك، الاعتراضَ على سياساتها يجب ألّا يقابل بالاستدعاءات والتضييق ومصادرة الكرامات. شيطنة الخلافات لا تكرّس إلا الانقسامَ الدموي، وتمهّد للتقسيم الاجتماعي وإضعاف البلاد، بينما التخوين الشامل الذي يتغذّى عليه الخطاب العامّ اليوم يغلق أبوابَ الحوار، حتى بات مجرّد انتقاد حكومة الرئيس أحمد الشرع كفيلاً بإثارة ردات فعلٍ عنيفة ومخيفة.
القياس الأخلاقي للأحداث لا ينبغي أن يحيد عن مبادئ حقوق الإنسان المتعارف عليها، ولا أن يتحوّل إلى ذريعة لتبرير الانتهاك تحت شعار “هكذا كنتم في زمن الأسد”. الانتماء يجب أن يكون للشعب باعتباره مصدرَ الشرعية، لا أداة تستخدم لتصفية الحسابات ضدَّ فئاتٍ بعينها. وفي المقابل، يواصل الإعلام تغييبَ الوعي العامّ، منصرفاً إلى تلميع السلطة وحمل رسائلها، دون أن يتيح مساحة حقيقية لتمثيل الأصوات الأخرى أو نقل رؤاها، فالنفوذ الإقليمي لم يهبط على سورية من السماء، بل تمدّد في الشقوق التي فتحتها الانقسامات الداخلية، وأقام لنفسه ركائزَ داخلَ كلّ اصطفافٍ مغلقٍ على ذاته. كلّ طرفٍ خارجي وجد في الجماعات المتناحرة حليفاً جاهزاً، يمنحه شرعية وهمية، ويتيح له أن يمرّر أجندته على أنها حماية أو دعمٌ أو شراكة. من هنا، لم تعد الحدود السياسية ترسمها الخرائط وحدَها، بل خطوط الولاء التي تشبك الداخل بالخارج، وتجعل القرار المحلي رهينة لموازين قوى إقليمية تغذّي الخصومة وتطيل عمرَها.
وما كان يمكن لهذه القوى أن تتجذّر لولا أنَّ الانقسام تحوّل إلى بيئة إنتاج دائمة للتبعية؛ الخلافات التي تبدأ بلغة الشعارات تنتهي بإملاءاتٍ من وراء البحار، والهويّات التي ولدت لتكون ثراءً ثقافياً صارت أدوات شدٍّ وجذبٍ في لعبة المحاور. وهكذا صار الخارج شريكاً في صياغة المشهد السوري، لا بسطوة احتلالٍ مباشر، بل بقدرة على التحكّم في إيقاع الانقسام، وضبط سقفه، وتحديد اللحظة التي تنفجر فيها خطوطه أو تجمَّد، وفق ما تقتضيه مصالحه.
ومع أنَّ النسيجَ الاجتماعي السوري كان، عبرَ تاريخه، أوسعَ من أن تحصره الهويّات الضيّقة، فإنَّ الانهيارَ المزدوجَ للأمن والثقة سمحَ للانتماءات الصغرى بأن تصعدَ على أنقاض الانتماء الوطني، وأن تتحوّلَ القرابة أو العقيدة أو الولاء المحلي إلى معيارٍ للحماية والفرصة. وفي غياب وعي إعلامي قادرٍ على تفكيك الخطاب الموجَّه، بقيت نسبة ضئيلة فقط من السوريين تتحقّق ممّا يتداول على الإنترنت، فيما تتضخّم المواقف والانحيازات على شائعاتٍ وأوهامٍ يصعب تصحيحها.
تنذر المؤشّرات الميدانيّة، من الجنوب إلى الشمال، بارتفاع مستوى التهديدات الأمنيّة، وتشي بأنَّ البلادَ مقبلة على مرحلة جديدة من الاضطراب، حيث يلتقي العجز عن إنتاج مشروعٍ وطني جامعٍ مع استعداد الخارج لملء الفراغ. والسؤال الأكثر إلحاحاً هنا: كيف يمكن ترميم الداخل قبل أن يتحوّل إلى ساحة مفتوحة لكلّ نفوذ؟ وكيف يمكن إقناع السوريين بأنَّ السيادة لا تعلَن، بل تمارَس، وأنَّها إن لم تمارس اليوم بإرادة جامعة، فسوف تنتزع غداً بأدواتٍ ناعمة لا تقلّ خطورة عن أي غزو مباشر؟
لا يزال خطر تنظيم الدولة الإسلاميّة قائماً، إذ يشهد التنظيم تفكيكاً غير مباشر لمعسكرات الاعتقال، سواء المعلَنة أو السرّية، ما يفتح الباب واسعاً أمام إعادة انتشاره وتنفيذ عمليات جديدة، خصوصاً في غياب الحذر تجاه عودة عناصره الساخطين على أداء الشرع. وفي الجنوب، تواصل إسرائيل توغّلاتها ومسحها الأمني، ما يعزّز من تكوّن بيئة اجتماعيّة قادرة على التعايش مع وجودها، وصولاً إلى احتمال الاحتلال غير المباشر. وفي موازاة ذلك، تفيد تقارير أمنيّة بوجود معسكرات لعناصر قوات الأسد في العراق، وأخرى داخل مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” في الشمال، لتكتمل بذلك خريطة تهديدات متشابكة. غير أن الأخطر بينها يبقى النفوذ الإقليمي، الذي يعيد ترتيب هذه الملفات جميعاً لضمان تمزيق النسيج السوري، وتثبيت واقع التجزئة على المدى البعيد.
لم تعد معركة السوريين اليوم مع سلطة واحدة يمكن إسقاطها، بل مع ثقافة حكمٍ ووعي مشوَّهٍ تراكمَ عقوداً، وها هو يجد لنفسه أشكالاً جديدة يطلّ بها من النوافذ التي تركت مفتوحة. أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو أن يصدّقَ الناس أنَّ الصراعَ على النفوذ الخارجي هو مشكلتهم الوحيدة، فيغفلوا عن أنَّ الانقسام الداخلي هو الوقود الذي يشعل هذه الصراعات ويطيل عمرَها. السيادة، حين لا تصان بإرادة مشتركة ومشروعٍ وطني واضح، تتحوّل إلى سلعة في مزاد المصالح، والمجتمع الذي لا يحرس تعدّدَه وانتماءَه الجامع، يصبح مستباحاً للخرائط التي ترسم في الخارج. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي: أن تستبدلَ بدولة الطغيان دول صغيرة متناحرة، وأن تتحوّل الجغرافيا إلى لوحات نفوذ، والثقافة إلى رصيدٍ يتاجر به في صفقات الآخرين.
العربي الجديد
—————————–
بين الطموح السياسي والواقع.. هل تستطيع السويداء العيش بنموذج حكم ذاتي؟/ باسل المحمد
2025.08.28
بعد أن هدأت نيران الاشتباكات الدامية التي شهدتها مدينة السويداء في شهر تموز الماضي بين فصائل درزية مسلحة وبين البدو وما تلاها من تدخل للقوات الحكومية لفض النزاع، وما تلاها من تدخل العشائر العربية في الأحداث، يبدو أن المحافظة تتجه اليوم نحو حالة توصف بأنها الأخطر في تاريخها الحديث، من خلال السعي لتأسيس كيان حكم ذاتي خاص، وقطع أي صلة مع حكومة دمشق.
فقد أعلنت ما تسمى اللجنة القانونية العليا في السويداء، والتي تم تشكيلها بإشراف مشيخة عقل الطائفة الدرزية في شهر تموز الفائت، عن تشكيل مكتب تنفيذي مؤقت بهدف إدارة الشؤون الخدمية في المحافظة، بالإضافة إلى تكليف قادة لجهاز الأمن الداخلي من أجل “تأمين الخدمات للمواطنين”.
هذه الخطوة وإن بدت في ظاهرها، استجابة لحاجة ملحة لملء فراغ تركته مؤسسات الدولة، لكنها سرعان ما تحولت إلى محور جدل واسع: هل تمثل هذه المبادرة ملامح مشروع حكم ذاتي يطمح أبناء الجبل إلى ترسيخه، أم أنها مجرد مرحلة عابرة سرعان ما تتبدد أمام تعقيدات الواقع السياسي والأمني؟ وبين الطموح الذي يطرق أبواب المستقبل، والقيود التي يفرضها الحاضر يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع السويداء العيش في ظل نموذج حكم ذاتي؟
لم تتوقف مؤشرات الحكم الذاتي في السويداء عند تشكيل الهيئات المحلية، بل تجلّت أيضاً في موقف صدامي واضح مع دمشق. فشيخ العقل حكمت الهجري لم يعترف بشرعية الحكومة السورية الحالية، وعبّر عن رفضه لأي اتفاق معها بوصفها “حكومة بلون واحد” تُقصي التنوع السياسي والاجتماعي، منذ الأيام الأولى لسقوط النظام.
وخلال أحداث تموز الدامية التي شهدتها السويداء، حال الهجري دون دخول أي وفود أو مساعدات من دمشق إلى المدينة، في موقف تحدٍّ صريح لسلطة المركز.
وقد منعت الفصائل الموالية للهجري قوافل حكومية من دخول المحافظة، إذ كان على رأسها محافظ السويداء ووزيرا الصحة والشؤون الاجتماعية والعمل، ولم يُسمح إلا لقوافل الهلال الأحمر السوري بالدخول تحت إشراف محايد. إذ وزعت جماعة الهجري تلك المساعدات بنفسها على الأهالي، في مشهد يعكس استبدال دور مؤسسات الدولة بدور سلطات محلية جديدة.
الأمر لم يقف عند المساعدات، بل تعدّاه إلى رفض الوجود العسكري والأمني لدمشق في السويداء. فبعد اشتباكات عنيفة اندلعت منتصف تموز، طالب الشيخ الهجري بشكل علني بانسحاب القوات الحكومية بالكامل من محافظة السويداء كشرط لوقف القتال، داعياً أبناء السويداء إلى مقاومة أي اعتداء بكل الوسائل.
وبعد تشكيل مشيخة العقل لما سمي “اللجنة القانونية” العليا لإدارة شؤون المحافظة، جاءت الخطوة الأكثر ترسيخاً لفكرة “الحكم الذاتي”، والمتمثلة باندماج عدد من الفصائل العسكرية في المدينة ضمن تشكيل أُطلق عليه “الحرس الوطني” كما جدّدت تلك الفصائل ولاءها للشيخ حكمت الهجري كمرجعية سياسية للكيان العسكري الجديد.
وكان حكمت الهجري قد طالب بشكل علني في 25 آب من سماهم شرفاء العالم ودوله الحرة بالوقوف إلى جانب الطائفة الدرزية لإعلان إقليم منفصل جنوبي سوريا.
قيود الجغرافيا والديموغرافيا
تقع محافظة السويداء في أقصى الجنوب السوري على سفوح جبل العرب، وهي منطقة جبلية بركانية ترتفع عن محيطها وتحيط بها البادية السورية شرقًا وجنوبًا، فيما تنفتح غربًا على سهول حوران، وتحدها القنيطرة وريف دمشق شمالًا.
هذا الموقع الجغرافي الذي يمنحها حصانة طبيعية، جعلها على تماس مباشر مع مناطق انتشار العشائر البدوية، وفي الوقت نفسه أبقى طرق الوصول إليها محدودة ومحكومة بطبيعتها الجبلية، ما يجعل أي إدارة سياسية منفردة معزولة عن عمقها السوري الأوسع.
المعطى الجغرافي يجعلها تحت رحمة العشائر المحيطة بها، وهو ما عكسته الأزمة الأخيرة، حين قطع مسلحو العشائر الطرق الرئيسية عن المحافظة ما خلق وضعًا إنسانيًا صعبًا. أما من الناحية الديموغرافية، فالغالبية في السويداء من طائفة المسلمين الموحدين الدروز، لكن المحافظة تضم أيضًا مكوّنات أخرى ذات حضور اجتماعي واقتصادي فاعل، منها العشائر العربية المنتشرة على تخوم البادية، ومجتمع مسيحي تاريخي في بعض البلدات والقرى.
وتشير العديد من الدراسات إلى أن هذا التنوع جعل المحافظة تاريخيًا بحاجة إلى صيغ إدارة توافقية تمنع احتكار القرار. وفي هذا السياق، يؤكد الأكاديمي السوري إبراهيم الجبين في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن السويداء “ليست منطقة مكوّنة من مجتمع واحد، بل فيها تعددية ثقافية وطائفية، وبالتالي كيف يمكن لفئة واحدة أن تحتكر قرار المحافظة وقيادتها دون الأخذ بعين الاعتبار توجهات بقية المكونات فيها من عشائر عربية مسلمة ومسيحيين وحتى دروز لديهم رأي آخر”.
ويرى باحثون أن الجغرافيا المحاطة بالصحراء إلى جانب التنوع الطائفي والعرقي، يشكلان معًا حاجزًا طبيعيًا وسياسيًا أمام إقامة حكم ذاتي تتفرد به قيادة دينية دون توافق شامل، ما يجعل أي مشروع من هذا النوع عرضة للاهتزاز والصدام الداخلي.
انعدام المقومات
رغم تصاعد الخطاب السياسي والميداني حول فكرة إقامة حكم ذاتي في السويداء، فإن الواقع الاقتصادي للمحافظة يكشف عن فجوة عميقة بين الطموحات والإمكانات. فالسويداء تعتمد بشكل شبه كامل على الزراعة التقليدية والإنتاج الحيواني؛ إذ يزرع مزارعوها القمح والشعير والخضروات، وتشتهر ببعض المحاصيل الموسمية كالعنب والتفاح، إضافة إلى إنتاج متواضع من الزيتون مقارنة بمناطق سورية أخرى.
هذا النشاط الزراعي المحدود، إلى جانب غياب أي ثروات باطنية كبرى من نفط أو غاز أو معادن، يجعل اقتصاد المحافظة ضعيف التأثير على النمو الوطني.
أما الصناعة فهي شبه غائبة عن المشهد، إذ لم تشهد المحافظة قيام صناعات تحويلية كبرى قادرة على خلق فرص عمل واسعة أو رفد الموازنة المحلية بإيرادات كافية. ومع شح الموارد المائية، تحتاج السويداء إلى مشاريع صيانة ضخمة لمحطات الضخ، وحفر آبار جديدة، وإصلاح شبكات الأنابيب لضمان وصول المياه لجميع الأحياء، وهي مشاريع تتطلب تمويلاً يفوق قدرة الإيرادات المحلية التي تأتي أساساً من ضرائب محدودة وعوائد زراعية موسمية.
تمثل الكهرباء بدورها تحدياً آخر، فالمحافظة تعتمد على الشبكة الوطنية، وتشهد انقطاعات متكررة بسبب أعطال التوليد أو تخريب خطوط الضغط العالي، إضافة إلى سرقة الكابلات النحاسية في السنوات الأخيرة.
لذا يبدو واضحاً أن أي انفصال أو حكم ذاتي، ستضطر السويداء لتمويل التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات الأساسية من مواردها الذاتية، وهو أمر يبدو شبه مستحيل في ظل غياب قاعدة اقتصادية صلبة.
انعدام مقومات الحكم الذاتي يوضحه الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة يمان زباد بالقول: إن السويداء لا تملك مقومات الحكم الذاتي، ولا حتى الإدارة اللامركزية لأسباب موضوعية؛ فهي محدودة الإمكانات، وتعاني من تضاريس جبلية حادة وشح المياه الجوفية، وستظل بحاجة إلى المركز في دمشق وبقية المحافظات لتأمين الكهرباء والغاز والطاقة والمواد الغذائية.
من ناحيته يضيف الأكاديمي الجبين أن فتح معبر مع الأردن – كما يتوهم البعض – لن يحل المشكلة، إذ يمكن أن يوفّر تدفق البضائع، لكن ما الذي يمكن للسويداء تصديره فعلاً؟ وما المنتج الذي تمتلكه بفائض يسمح لها بالتبادل التجاري الخارجي؟
وكان الشيخ حكمت الهجري قد ناشد الحكومة الأردنية لفتح معبر إنساني، مؤكداً أن لهذه الطرق أهمية إنسانية في هذه اللحظات الحرجة على حد قوله.
حكم ذاتي مستورد
يبدو أن النموذج الذي تسعى فئة من قيادات السويداء إلى تبنيه بقيادة حكمت الهجري ليس فكرة محلية خالصة، بل هو استلهام مباشر من تجربة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتعمل قسد منذ سنوات على تعميم نموذج إدارتها الذاتية في مناطق سورية متعددة، لتكسب شرعية أوسع وتبرر طريقة حكمها لمناطقها عبر الإيحاء بأنها ليست حالة استثنائية، بل صيغة يمكن فرضها على السلطة المركزية في دمشق.
لكن مقارنة الواقع في السويداء بالمناطق ذات الغالبية الكردية تكشف فوارق شاسعة، إذ تملك قسد غم الصعوبات مقومات اقتصادية واستراتيجية تساعدها على تسيير حكم ذاتي؛ من موارد نفطية ومائية، إضافة إلى دعم خارجي متعدد الأطراف من أكراد العراق وتركيا، ومن الولايات المتحدة وفرنسا.
في المقابل تفتقر السويداء إلى مقومات مماثلة، سواء على صعيد الموارد أو القدرة على تأمين الرواتب والخدمات والأمن بشكل مستقل، كما لا يمتلكون منافذ فعلية للحصول على دعم خارجي مستدام، باستثناء دعم إسرائيلي ظرفي يمكن أن يختفي في حال مضت القيادة السورية الجديدة نحو خيار التطبيع وبناء علاقات وثيقة مع تل أبيب.
وفي هذا السياق يوضح الباحث يمان زباد أن “الطرح الذي يجري بين قسد وبين السويداء قديم نسبيًا، ويعود جذره إلى تحالف تيار سوريا الفيدرالي وحزب اللواء في السويداء وتقربهم من قسد”، مشيرًا إلى أن هذا التقارب انعكس بوضوح يوم سقوط النظام في 8 ديسمبر، حين تم تأسيس المجلس العسكري في السويداء. وكانت قسد أول المباركين لهذه الخطوة.
ويضيف زباد لموقع تلفزيون سوريا أن قسد تسعى لتصدير نموذجها في الحكم لعدة مناطق سورية، حتى لا تبقى إدارتها الذاتية حالة منفردة، بل جزءًا من مشهد أوسع.
ويشار إلى أن هذا التوجه برز أيضًا في حضور حكمت الهجري لمؤتمر نظمته قسد تحت عنوان “وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سوريا”، إلى جانب شخصيات أخرى بينها غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا، حيث طالب المشاركون بإقامة دولة “مدنية علمانية تعددية ولا مركزية” في سوريا، وهي صيغة تكاد تتطابق مع المشروع السياسي الذي تطرحه قسد لمناطقها.
تلفزيون سوريا
———————————–
“تكريسُ الاستباحة” هدفُ إسرائيل الحقيقي في لبنان وسوريا
الجمعة 2025/08/29
إنها الاستباحة الإسرائيلية الشاملة لكل القواعد وفي كل المناطق أو “الأقاليم”. بمعزل عن نظرية “التوسع الجغرافي” أو نزعة “إسرائيل الكبرى” التي يتحدث عنها المسؤولون الإسرائيليون وانعدام قدرتهم على تحقيقها، إلا أن كل الممارسات التي يقدمون عليها سواء في غزة، الضفة الغربية، لبنان، أو سوريا تشير إلى أن تل أبيب تتعاطى وفق منطق إسرائيل الكبرى أو صاحبة اليد الطولى التي تطال طهران عسكرياً وأمنياً، كما تطال كل الدول الأخرى سياسياً، كما هو الحال بالنسبة إلى التصريحات أو التلميحات الإسرائيلية حول رسم خطوط حمر في سوريا أمام تركيا. عملياً تتحدى إسرائيل كل الدول أو “المجتمع الدولي”. فهي على خلاف من حيث الشكل بالحدّ الأدنى مع الولايات المتحدة الأميركية حول الملف السوري. وتختلف مع دول أوروبية كثيرة حول استمرار الحرب على غزة، وتضرب كل المنطق العربي القائم على حل الدولتين باستعدادها لمناقشة فرض سيادتها على الضفة الغربية ومواصلة الحرب، وتستمر في حال المواجهة مع إيران، وترسم الخطوط الحمر أمام تركيا في سوريا من خلال فرض شروط على دمشق بعدم الدخول في اتفاقيات عسكرية مع أنقرة ورسم حدود أمام النفوذ التركي على الأراضي السورية.
يؤشر الانزال الإسرائيلي في جبل المانع بريف دمشق إلى مدى الاستباحة الإسرائيلية لكل المنطقة، وهو يذكر بانزال أجراه الإسرائيليون أيام النظام السابق في منطقة مصياف قبل حوالى سنة، لتفكيك منشأة إيرانية. ولطالما اعتمدت إسرائيل أساليب الكوموندوس أو الانزال، ومثل هذه العمليات تحسَّب لبنان لحصولها أيام الحرب الأخيرة ولا يزال احتمالها قائماً، خصوصاً إذا ما وجدت أن ضرباتها الجوية غير قادرة على الوصول إلى مواقع ومخازن أساسية واستراتيجية بالنسبة إلى الحزب. وتزداد فرضية احتمال حصول انزالات أو عمليات كوموندوس أو توغل بالنظر إلى عمليات التوسع الإسرائيلية التي تجري في جنوب لبنان، إذ أصبحت إسرائيل تسيطر على ثماني نقاط بدلاً من خمس، وتتقدم باتجاه السيطرة على نقطة تاسعة.
عملياً، تسعى إسرائيل أيضاً إلى ربط بعض هذه المواقع بعضها ببعض من الناحية العسكرية أو “بالنار” إلى جانب عمليات التحصين التي تجريها، وتشير إلى أن احتلالها سيكون طويلاً، وذلك لا ينفصل عن التوغل المتواصل داخل الأراضي السورية منذ سقوط نظام الأسد والسعي إلى السيطرة على نقاط أساسية واستراتيجية أهمها نقطة مرصد جبل الشيخ والتي تشرف على دمشق وعلى مناطق واسعة من جنوب لبنان والبقاع. وفي الفترة الماضية توغلت القوات الإسرائيلية باتجاه قطنا في ريف دمشق، كما توغلت باتجاه بلدة رخلة وهي نقطة استراتيجية أيضاً تشرف على البقاع اللبناني وعلى طريق المصنع، من دون اغفال النقاط الإسرائيلية في بيت جن ومن خلالها يمكن جعل جنوب لبنان بين فكي كماشة.
تسعى إسرائيل إلى فرض قواعد جديدة عسكرياً وسياسياً، وخصوصاً في سوريا إذ تبدو وكأنها تريد رسم خرائط جديدة لحدود النفوذ ولا سيما لأنقرة. فالشروط الإسرائيلية التي تفرضها تل أبيب على دمشق بعدم التسلح من الجيش التركي، وعطفاً على ضربات إسرائيلية سابقة استهدفت نقاط عسكرية في وسط سوريا ولا سيما حمص وحماه كانت تريد من خلالها رسم الخط الأحمر أمام تركيا التي كانت تعتزم إقامة قواعد عسكرية في تلك المحافظتين، لكن الأهم يبقى بالنسبة إلى إسرائيل هو دمشق وريفها الجنوبي الذي لا تريد فيه نفوذاً واسعاً لتركيا ولا وجوداً عسكرياً قوياً وفعلياً للجيش السوري.
أما في لبنان، فإن أهداف إسرائيل تتضح أكثر فأكثر. فهي تسعى إلى تكريس منطقة عازلة بقوة النار حالياً، وباتفاق بالقوة وبالضغط الدولي على لبنان للرضوخ لمعادلة إقامة منطقة اقتصادية أو صناعية خالية من السكان في قرى الشريط الحدودي، إضافة الى احتفاظها بالنقاط التي تحتلها، واستمرار سيطرتها الجوية لمنع حزب الله من استعادة قوته من جهة، ولمنعه من القيام بأي عمليات صيانة لأسلحته في المخازن، إذ إنها ستستهدف أي حركة من جانب عناصر وكوادر الحزب باتجاه هذه المخازن والمواقع، وتريد للسلاح أن يتحلل داخلها. ذلك يقود إلى معادلة واضحة، وهي إصرار إسرائيل على إبقاء الوضع على حاله مع لبنان، لتكون فيه قادرة في أي لحظة على توجيه الضربة التي تريدها على الهدف الذي تريده، ولا تلقى أي ردة فعل لا من حزب الله ولا من غيره.
المدن
——————————
هل حان وقت المقاربات الجديدة؟/ صبا ياسر مدور
الخميس 2025/08/28
ليس من تفسير للإنزال الإسرائيلي في جنوب دمشق، غير أمر واحد هو أن تل أبيب تريد جر سوريا إلى منطقة قتل تقبل فيها بطلبات إسرائيلية متطرفة، أو أن تخوض معركة لم تختَر مكانها ولا زمانها ولم تستعد لها فتخسر المزيد من الأرض والرجال والفرص.
هذا الأمر ليس عصياً على الفهم، فكلما اعتدت إسرائيل على السيادة السورية بمثل هذه الطريقة، تبدّى أن وراء الأمر محاولة في دفع دمشق للخضوع لإملاءات تتعلق بسوريا ذاتها أو بما يراد منها تنفيذه لصالح إسرائيل تجاه أطراف أخرى في الإقليم، أي ان تكون مخلب قط لتل أبيب لا تكتفي بالصمت على أرضها المغتصبة بل تخوض حروباً وتحيك مؤامرات لصالحها هنا وهناك.
قد يكون السبب المباشر للغارات الإسرائيلية على موقع الكسوة، الثلاثاء الماضي، والإنزال الذي حدث ليل اليوم التالي، هو عثور قوات الجيش السوري على أجهزة مراقبة وتنصت، يبدو أن إسرائيل أو عملاء لها قد زرعوها في وقت ما، وربما حتى قبل سقوط الأسد، وهو الأمر الذي استفز الجيش الإسرائيلي، فقام بعملية القصف ثم الإنزال للتعامل مع الوضع بسحب أجهزة التجسس أو ربما تدميرها بدلاً من وقوعها بما فيها من تقنيات ومعلومات بيد القوات السورية.
إلى هنا يبدو الأمر كعملية عسكرية محض، لكن شنّ الغارات على موقع عسكري جنوب العاصمة وإنزال عشرات الجنود، لم يكن أصلاً ليحصل لولا قرار سياسي إسرائيلي لا يمكن التغافل عن سياقه بعد يومين من نشر تصريحات سابقة للرئيس أحمد الشرع قال فيها إن سوريا لن تستنسخ تجربة “اتفاقات أبراهام” بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان، فضلاً عن انتهاكها اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974.
لا يمكن إغفال تأثير مثل هذا الموقف على قرار إسرائيل تصعيد العدوان ليصل حد إنزال جنود قرب العاصمة قبل سحبهم من جديد. هذا العدوان ليس مجرد سلوك عسكري قد تكون له أهداف استخبارية، لكنه بهذه العلنية المباشرة، استهدف صورة الدولة السورية وهيبة السلطة، وتشجيع خصومها على التمرد، وترك رسالة واضحة تتجاوز قضية انتهاك السيادة إلى كسر الإرادات وتغيير أولويات الدولة السورية من البناء والتنمية وتعزيز وحدة التراب الوطني، إلى القبول باتفاق “معيب- غالِ الثمن” مع إسرائيل تحاشياً لمزيد الاعتداءات وربما قضم أراضٍ جديدة.
في حقيقة الأمر، لم يكُن من الممكن أبداً تصور “استرخاء” إسرائيل واكتفائها من الإشارات العلنية لدمشق بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، حول عدم الرغبة بأية مشكلات مع الدول الإقليمية بما فيها إسرائيل، تلك الإشارات المباشرة التي استخدمها بقايا نظام الأسد ومناصرو ايران لانتقاد قيادة سوريا الجديدة، لم تكن بدورها كافية لإسرائيل، فالأخيرة تدرك أن سوريا بذاتها هي المشكلة، وليس نظامها الحاكم أيا كانت هويته، سوريا الموحدة وشعبها المثابر المنتج هما سبب قلق إسرائيل الدائم ولذلك حاولت بكل وضوح نشر فكرة التقسيم، وغذّت إشكالية السويداء، واحتلت جبل الشيخ وأراضٍ أخرى، وشنت العديد من الاعتداءات المباشرة بما فيها قصف مواقع سيادية في دمشق، كل ذلك لإجبار القيادة الجديدة على توقيع اتفاقات تطبيع سريعة تتضمن التنازل عن الأراضي السورية المحتلة، وربما تتضمن مواداً أخرى أكثر إيلاماً وتطرفاً مما حصل في معاهدات سابقة مع دول عربية.
إسرائيل تدرك أن السيطرة على الجولان ستبقى مهددة وغير شرعية بالعرف الدولي ما لم تتنازل عنها دمشق رسمياً وبشكل معلن، وهو ما اعتقدت أن الوقت والظرف أصبحا مناسبين لفرضه على سوريا في فترة انتقالية صعبة ومعقدة، قد لا تحصل تل ابيب على ما يماثلها في المستقبل، وقد كان هدف اسرائيل الأساس أكثر تطرفاً يمتد لتقسيم سوريا وإغراقها في حرب أهلية، لولا أن حسابات القيادة السورية ودعم دول عربية أبرزها السعودية وقطر والامارات فضلاً بالطبع عن تركيا، قد هيأ لسوريا مبدئياً فرصة لعبور مرحلة خطرة في تاريخها – وما زالت – بعد معركة التحرير وإسقاط نظام الأسد، وسمح بإقناع إدارة ترامب بنمط من العلاقة قد يكون هو السبب الرئيس الذي دفع إسرائيل لتعديل خطتها الخاصة بسوريا لتكون أقل عدوانية وتطرفاً.
لكن قضية القبول بثنائية التطبيع والتفريط بالأرض، ليس السبب الوحيد الذي يقف وراء تعمّد إسرائيل القيام بهذا النمط من العمليات العسكرية، فهناك أيضاً رغبة الأخيرة بفرض “دور وظيفي” على سوريا تقوم بموجبه بتنفيذ مهام لصالح إسرائيل في لبنان وربما العراق، ولذلك ففي نفس الحديث للرئيس الشرع، لم يكن تأكيده على فكرة “تصفير المشاكل وحل الخلافات” مناسباً لإسرائيل، لا سيما حينما تحدث عن تحاشي حتى انتقاد “حزب الله” على جرائمه في سوريا تلافياً لإحراج الدولة اللبنانية أو تعزيز حدة الاستقطاب هناك. هذا موقف مفهوم في تأسيس العلاقات الجديدة مع لبنان وبقية دول المحيط والمؤثرة، لكن لا يناسب إسرائيل، ولا يرضي رغبتها الشديدة باستخدام سوريا لضرب الحزب وسيبدو الأمر حينها مجرد “ثأر” سوري لجرائم الحزب على مدى 12 عاماً، وهو ما تجاوزته دمشق التي كان هدفها بناء دولة لا الغوص في مستنقع انتقام داخلي او إقليمي.
لكن، حتى مع توافر القناعة بكل ذلك، فإن التعايش مع استمرار الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية ليس مقبولاً بل خطير، وقد يجعل من “الصبر” استراتيجية غير مناسبة، ويفرض مقاربات جديدة ربما يكون اختبارها مستقبلاً أمراً ضروري
المدن
———————
إنزال الكسوة… لا حدود للاعتداءات الإسرائيلية في سورية/ محمد أمين
29 اغسطس 2025
تأخذ الاعتداءات الإسرائيلية على سورية منحى تصاعدياً مع تنفيذ جيش الاحتلال، مساء أول من أمس الأربعاء، إنزالاً جوياً ترافق مع غارات مكثفة في منطقة الكسوة جنوبي دمشق، هو الأول من نوعه منذ إسقاط نظام بشار الأسد، في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وذلك على الرغم من عملية التفاوض الجارية ما بين دمشق وتل أبيب. ويشير إنزال الكسوة إلى أن إسرائيل تستخدم كل الطرق العسكرية للضغط والحصول على تنازلات تعزز نفوذها في جنوب سورية.
لم تعلق إسرائيل حتى عصر أمس الخميس، على إنزال الكسوة الذي استمر نحو ساعتين، بينما كان السوريون يتابعون وقائع حفل افتتاح معرض دمشق الدولي، غير بعيد عن منطقة الإنزال، فيما اكتفت وسائل الإعلام العبرية بنقل التفاصيل عن مواقع إخبارية عربية. لكن عقب ورود أنباء عن الإنزال الإسرائيلي، كتب وزير الأمن يسرائيل كاتس، على منصة إكس، أنّ “قواتنا تعمل في ساحات القتال كافة ليلاً ونهاراً من أجل أمن إسرائيل” من دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل. وجاءت العملية بعد يوم واحد من هجمات جوية بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع للجيش السوري بالقرب من منطقة الإنزال، أدت إلى مقتل ستة عناصر وإصابة آخرين. من جهة أخرى أكد مراسل “العربي الجديد”، بعد ظهر أمس الخميس، أنّ مُسيّرات إسرائيلية حلقت في أجواء العاصمة السورية.
وحول تفاصيل إنزال الكسوة مساء الأربعاء، أوضح “مصدر حكومي” لوكالة “سانا” السورية الرسمية، أمس، أن عناصر من الجيش السوري عثروا الثلاثاء الماضي، قرب جبل المانع في منطقة الكسوة بريف دمشق، على أجهزة مراقبة وتنصت، مشيراً إلى أنه أثناء التعامل معها تعرض الموقع لهجوم إسرائيلي جوي، أسفر عن قتلى وإصابات وتدمير آليات. وأضاف أن الاستهداف الإسرائيلي استمر حتى مساء الأربعاء، لمنع الوصول إلى المنطقة، مؤكداً أن “مجموعات من الجيش دمرت جزءاً من المنظومات عبر استهدافها بالسلاح المناسب، وسحبت جثامين الشهداء”. وبيّن أنه “لاحقاً (مساء الأربعاء)، شنت الطائرات الإسرائيلية عدة غارات على الموقع، أعقبها إنزال جوي لم تُعرف تفاصيله بعد وسط استمرار التحليق المكثف لطيران الاستطلاع”.
ونقلت وسائل إعلام سورية، أمس، عن مصدر عسكري قوله إنّ أربع مروحيات إسرائيلية نفذت إنزالاً جوياً على جنوب شرقي مدينة الكسوة في ريف دمشق، مشيراً إلى أنه “لم يحدث أي اشتباك مع عناصر وزارة الدفاع الموجودين بالقرب من المنطقة”. ولم تهدأ الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية منذ سقوط نظام الأسد، إلا أنها في الآونة الأخيرة أخذت منحى تصاعدياً يوقع خسائر كبيرة في صفوف الجيش السوري، الذي تحول تل أبيب حتى دون انتشاره في المواقع التي كانت تنتشر فيها قوات النظام السابق.
وتعد منطقة الكسوة وجبل المانع الجبل الذي كان يتمركز فيه اللواء 76 (دفاع جوي)، الذي كان يتبع للفرقة الأولى في قوات النظام السابق، من أكثر المناطق السورية التي كانت تستهدفها إسرائيل قبل سقوط النظام، إذ يُعتقد أن الفصائل الإيرانية التي كانت تساند ذاك النظام، كانت تستخدم هذه المواقع وربما تركت معدات عسكرية بعد انسحابها في الثامن من ديسمبر الماضي. ويعد إنزال الكسوة الإنزال الجوي الإسرائيلي الأول من نوعه في سورية منذ سقوط نظام الأسد، وهو الأكثر عمقاً في الأراضي السورية، فالجيش الإسرائيلي كان يكتفي بالتوغل البري في أرياف القنيطرة ودرعا وريف دمشق وبالقصف الجوي لأهداف عسكرية. ولكنه هذه المرة اقترب من تخوم العاصمة، فالمنطقة التي جرت فيها عملية الإنزال لا تبعد سوى 20 كيلومتراً عنها، ما عزز المخاوف لدى السوريين من تمادي الجيش الإسرائيلي الذي يستغل عدم قدرة الجيش السوري على التصدي له، سواء في الجو أو الأرض. في هذا السياق، ذكرت قناة “الإخبارية” السورية، أمس، أن “قوات الاحتلال الإسرائيلي توغلت في قرية رويحينة بريف القنيطرة واعتقلت شابين”.
هدف إنزال الكسوة
وبيّن الباحث في الشؤون العسكرية، رشيد حوراني أن “منطقة الكسوة وجبل المانع منطقة واسعة ومتنوعة التضاريس بين السهل والوديان والهضاب المتوسطة والمرتفعة”، مضيفاً في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “المليشيات الإيرانية كانت قبل الثامن من ديسمبر الماضي تنتشر فيها بكثافة بالتعاون مع وحدات النظام البائد، وخصوصاً الفرقة الرابعة والفرقة السابعة والفرقة الأولى”. وذكر أن الإنزال الجوي “ينفذ عادة للقيام بمهمة دقيقة ومحددة كتدمير سلاح نوعي أو الحصول على وثائق، أو اغتيال وتصفية شخصية مهمة ومؤثرة في صف الطرف الآخر”.
وفي رأيه فإن الهدف الرئيسي من إنزال الكسوة هو “إرباك الجيش السوري”، مضيفاً أن “هذا الإنزال يندرج في سياق الضغط على الإدارة السورية الجديدة للحصول على تنازلات في عملية التفاوض الجارية حالياً”. ولا شك، وفق حوراني، أن تل أبيب “تراقب عن كثب الدعم العربي والإقليمي والدولي للإدارة الجديدة، لإخراج سورية مما هي فيه، لكنها لا تريد الاستقرار لهذه الحكومة لعدم ثقتها بها”. من جهته وصف المحلل العسكري العميد، عبد الله الأسعد، إنزال الكسوة بـ”المفاجئ”، مضيفاً في حديث لـ”العربي الجديد”، أن الهدف منه “تقني”. وفي رأيه فإنه “ربما وضعت معدات عسكرية لها علاقة بالتنصت والإشارة في الموقع، أو سحبت معدات كانت موجودة بالفعل. كل شيء وارد سيما وأن الإنزال استمر لنحو ساعة ونصف الساعة”. ولا يخرج الإنزال، وفق الأسعد، عن هذا السياق “لأن إسرائيل قادرة على تدمير كل شيء بالموقع بالقصف الجوي”، مشيراً إلى “عناصر وزارة الدفاع الذين قتلوا قبل يوم من الإنزال، والذين عثروا على أجهزة وحاولوا سحبها إلا أن الطيران الإسرائيلي المسيّر قتلهم على الفور”.
واقع يفرضه الاحتلال
اللافت أن إنزال الكسوة جاء في خضم مفاوضات تجري بين سورية وإسرائيل، نقل عن الرئيس السوري أحمد الشرع، قوله قبل أيام، إنها وصلت إلى مراحل متقدمة. وأضاف، بحسب ما نقل عنه وفد إعلامي عربي التقى به، أن فرص إتمام الاتفاق مع إسرائيل أكبر من فرص فشله، بيد أنه أكد أن أي اتفاق مع إسرائيل سيكون فقط على أساس خط الهدنة لعام 1974. وكانت تل أبيب أطاحت اتفاقية فك الاشتباك الموقعة في ذاك العام، ولا تزال تضغط بكل الطرق العسكرية لإجبار الإدارة السورية على التوقيع على اتفاقية جديدة توسع المنطقة العازلة في جنوب سورية. ومن الواضح أن احتلال إسرائيل للمنطقة العازلة التي تفصل ما بين سورية وهضبة الجولان المحتلة والمحددة في اتفاقية 1974، الهدف منه توسيع هذه المنطقة لتصل إلى التخوم الجنوبية للعاصمة، تكون خالية من أي سلاح ثقيل للجيش السوري.
كما فرضت إسرائيل، خلال أحداث السويداء وبعدها، نفسها طرفا رئيسا في صياغة الترتيبات الأمنية في المحافظة. وأفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) في 19 أغسطس/آب الحالي بأن
وزير الخارجية والمغتربين، أسعد حسن الشيباني، التقى في اليوم نفسه في باريس وفداً إسرائيلياً لمناقشة عدد من الملفات المرتبطة بتعزيز الاستقرار في المنطقة والجنوب السوري، في أول اعتراف رسمي سوري بمفاوضات على المستوى السياسي بعد تسريبات عدة. وبحسب ما ذكرت “سانا” يومها “تركزت النقاشات حول خفض التصعيد وعدم التدخل بالشأن السوري الداخلي، والتوصل لتفاهمات تدعم الاستقرار في المنطقة، ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، وإعادة تفعيل اتفاق 1974”.
وتعليقاً على إنزال الكسوة وعلاقته بالعملية التفاوضية، رأى الباحث السياسي رضوان زيادة، في حديث مع “العربي الجديد”، أن العملية تعد “استهتاراً كاملاً بالسيادة السورية وتطبيقاً لمبدأ القوة كما يردد (بنيامين) نتنياهو مراراً”. وأضاف أنها “تأكيد على أن إسرائيل لا تلتزم بالتعهدات فالاعتداءات مستمرة رغم المفاوضات مع دمشق”، لافتاً أن “هذا الاعتداء يطرح سؤالاً حول جدوى المفاوضات إذا لم تحترمها إسرائيل” وفي رأيه “الهدف من المفاوضات تفادي الشر الإسرائيلي، لكن في ما يبدو لن تقود إلى ردع إسرائيل بأي شكل”.
العربي الجديد
————————————
بين زلة لسان باراك وإنزال الكسوة..هل من صحوة في بيروت ودمشق؟/ رأيأنيس المهنا
الجمعة 2025/08/29
في مشهد يعكس الغطرسة الاستعمارية بأبشع صورها، يتجلى التناقض الصارخ بين عنف الخطاب الأميركي في بيروت، وعنف السلاح الإسرائيلي في ريف دمشق. فبينما كان الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث عن مشاريع التنمية في معرض دمشق الدولي، كانت الطائرات الإسرائيلية تنفذ إنزالاً جوياً في جبل المانع على بعد عشرين كيلومتراً فقط، وكأنما يرسل بنيامين نتنياهو رسالة واضحة، أن سوريا “الجديدة” لن تُترك لتحتفل بقيامتها “المفترضة” بسلام.
وفي قصر بعبدا في بيروت، كان المبعوث الأميركي توماس باراك، يوجه إهاناته للصحافيين اللبنانيين، واصفاً سلوكهم بـ”الحيواني”. هي عقلية متعالية لا تختلف كثيراً عن عقلية الجندي الإسرائيلي الذي ينزل من مروحيته في الأراضي السورية، كما لو كان يدخل أرضاً لجديّه البولنديَين.
من بيروت إلى الكسوة..عنف
ما حدث في بيروت ليس مجرد “زلة لسان”، هو تعبير صريح عن النظرة الدونية التي تكرسها الإدارة الأميركية تجاه العرب. فـباراك لم يكتفِ بتهديد الصحافيين بمغادرة القاعة إذا استمروا في “الفوضى”، بل أتبعَ ذلك بدرس لهم في “التحضر” و”الأخلاق”. هذه السلطة الأبوية نفسها تتجلى في الميدان العسكري، حيث تعامل إسرائيل الأراضي السورية كما لو كانت ساحة مفتوحة للتدريب العسكري.
في تفاصيل المشهد، فإن الإنزال الجوي الإسرائيلي في منطقة الكسوة لم يكن عملاً عشوائياً، بل كان مُخططاً له بدقة. فقد أنزلت أربع مروحيات عشرات الجنود، الذين بَقوا لأكثر من ساعتين في منطقة عسكرية قرب العاصمة دمشق . واللافت أن العملية تمت دون أي اشتباك مع القوات السورية، مما يثير تساؤلات حول طبيعة التنسيق الأمني بين القوى المتداخلة في سوريا والذي يعيد الى الأذهان التنسيق الأمني بين الإسرائيليين وقاعدة حميميم الروسية، في عهد الرئيس المخلوع.
ما الذي تريده واشنطن؟
خلف هذه الأحداث، هناك سؤال أكبر: ما الذي تريده إدارة دونالد ترامب من دمشق وبيروت؟ يبدو أن الإجابة تكمن في سعي واشنطن لفرض هيمنتها عبر سياسة القوة المفرطة، سواء عبر الخطاب الاستعلائي أو عبر عمليات عسكرية مباشرة.
ما وراء المشهد، تتحدث تقارير عن مفاوضات سريّة بين إسرائيل وسوريا، قد تقضي بتنازل دمشق عن المطالبة بالجولان مقابل استعادة مزارع شبعا. ربما صحت هذه التسريبات، الأمر الذي سيشكل صفعة أخرى للبنان، الذي يطالب بحقه في مزارع شبعا، ويعمّق الشرخ بين الجارين.
لعبة الأمم
اليوم تقفز مقولة هنري كيسنجر الشهيرة الى السطح: “في الشرق الأوسط، عندما لا يكون هناك خيارات واضحة، فإن القوة تصبح الخيار الوحيد”. لكن يبدو أن واشنطن وتل أبيب لم تفهما هذه المقولة إلا بطريقة منفردة، لتتحول القوة لديهما إلى غطرسة مفرطة، والخطاب الدبلوماسي إلى إهانات على الهواء.
ما يحدث اليوم في سوريا ولبنان وغزة هو جزء من نفس اللعبة: لعبة فرض الوقائع على الأرض، وإخضاع الشعوب عبر القوة والعسكر. ولكن التاريخ يفرض ذاته بأن هذه الغطرسة لن تدوم طويلاً. فكما قال الوزير كيسنجر أيضاً: “الشرق الأوسط لم يكن أبداً أرضاً سهلة للغرباء”.
من غزة إلى دمشق.. نفس المعركة
ما بين غطرسة الخطاب الأميركي في بيروت وصلف السلاح الإسرائيلي في الكسوة، تبرز حقيقة واحدة: إن المعركة هي معركة وجودية ضد مشروع الهيمنة الذي لا يحترم الشعوب ولا الكلمات أو السيادة. فإذا كان توم باراك يرى أن سلوك الصحافيين اللبنانيين “حيواني”، وإذا كانت إسرائيل ترى أن الأراضي السورية ساحة مفتوحة لاستعراض قوتها العسكرية، فإن على شعوب المنطقة أن تدرك أن معركتها واحدة.
فهل سيتمكن سوريا ولبنان من التعامل مع هذا التحدي؟ الإجابة تكمن في قدرتهما على تحويل غطرسة القوة إلى أوهام، وهذا بالطبع يستدعي مراجعة واضحة وصريحة بين بيروت ودمشق، لا يعكسها تأجيل اجتماع سُمّي “أمنياً” قبل يومين كان مقرراً في بيروت أمس، لكن هذه الهواجس بين الشقيقتين ستزيلها بالطبع تسريبات بزيارة متوقعه للرئيس السوري إلى بيروت بعد عودته من اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، بأيلول/سبتمبر المقبل.
————————–
هل تتسبب إسرائيل في إنعاش العلاقات السورية الإيرانية؟/ فراس فحام
29 آب 2025
أدلى الرئيس السوري أحمد الشرع بتصريحات لافتة خلال لقائه مجموعة من الصحفيين العرب في دمشق، يوم الأربعاء 27 أغسطس/آب، حيث تحدث عن “التنازل عن الجرح الذي سببه حزب الله اللبناني” والاكتفاء بخطوة إخراجه من سوريا، من دون المضي نحو استهداف معاقل الحزب، رغم ما يحظى به ذلك من تأييد إقليمي ودولي.
هذه التصريحات، وإن وردت في سياق تأكيد الشرع على عدم الرغبة بالتدخل في الشأن اللبناني، لكنها تحمل رسائل لأكثر من اتجاه بما في ذلك إسرائيل، كونها صدرت بعد قرابة أسبوع من انعقاد جولة مفاوضات جديدة بين تل أبيب ودمشق في العاصمة الفرنسية باريس، وما تبعها من تسريبات تشير إلى عدم حصول توافق نهائي.
مطالب إسرائيلية تعجيزية وتصعيد ميداني مستمر
بعد جولة المفاوضات الأخيرة مع سوريا، تحدثت مصادر بوزارة الدفاع الإسرائيلية لوسائل إعلام عبرية عن المطالب من دمشق، وأبرزها نزع السلاح من جنوب سوريا، والبقاء في قمة جبل الشيخ التي سيطرت عليها إسرائيل بعيد سقوط نظام الأسد، وأشارت التصريحات الإسرائيلية إلى أن عدم موافقة دمشق على هذه المطالب هو من يحول دون التوصل إلى تفاهمات.
وسبق هذه التصريحات تسريب وسائل إعلام إسرائيلية تفاصيل إضافية حول عملية التفاوض مع سوريا، وأشارت التسريبات إلى أن تل أبيب تريد أن يتضمن الاتفاق الأمني الجديد عدم امتلاك سوريا لمنظومات صواريخ أو دفاع جوي.
وفي 27 أغسطس/آب عاد التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد سوريا، حيث نفذت وحدات عسكرية إسرائيلية عملية إنزال جوي على جبل المانع بريف دمشق، بالإضافة إلى قصف مواقع للجيش السوري في منطقة الكسوة مما أدى لسقوط قتلى وجرحى.
وسبق التصعيد الإسرائيلي بيومين تصريحات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني التي أدلى بها خلال مشاركته في الاجتماع الطارئ لمنظمة التعاون الإسلامي، حيث هاجم إسرائيل بسبب ارتكابها جرائم في فلسطين، وأدان ما وصفه بـ”الحرب الإجرامية” في غزة.
انعكاسات على العلاقة بين دمشق وحزب الله
أظهر حزب الله اللبناني نية بالاستثمار في التصعيد الإسرائيلي المتكرر ضد الحكومة السورية الجديدة قبل عدة أشهر، فقد أكد الأمين العام الجديد للحزب نعيم القاسم، في مارس/ آذار الماضي، تمنيه الاستقرار في سوريا من أجل بناء دولة قوية قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية، نافيا رغبة الحزب بالتدخل في الشأن السوري، ومشيرا إلى ضرورة وضع حد للتوسع الإسرائيلي في المنطقة.
ومنذ الإطاحة بنظام الأسد، وتشكيل حكومة ومؤسستي الجيش والأمن من الفصائل التي أطاحت بالأسد، يتم الإعلان بشكل متكرر عن ضبط شحنات أسلحة على الحدود السورية في طريقها إلى لبنان، مما يعكس التزاما من الحكومة السورية الجديدة بمنع استخدام الأراضي السورية معبرا لتمرير السلاح إلى الحزب.
وهذا السلوك حظي بشكل مستمر بإشادة من مسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن لم يرتق الموقف الأميركي لدرجة منع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا، التي تستهدف في الغالب مواقع للجيش السوري الجديد.
في ضوء ما سبق، من غير المستبعد أن تكون تصريحات الرئيس السوري حول “التنازل عن جرح حزب الله” هدفها توجيه رسائل للإدارة الأميركية وإسرائيل بأن دمشق قد تراجع سياساتها تجاه الحزب في ظل استمرار الخطر الإسرائيلي، خاصة أن تصريحات الشرع أتت بعد قرار حصر السلاح في لبنان بيد الدولة.
مصالح أمنية واقتصادية تجمع سوريا والعراق
أبدت كل من بغداد ودمشق رغبة بالتقارب بعد سقوط الأسد، رغم الدعم الذي قدمته الفصائل العراقية شبه الرسمية للأسد على مدار سنوات سابقة، وتمثلت هذه الرغبة بلقاءات متتالية بين مسؤولين عراقيين وسوريين، وزيارات متكررة لرئيس المخابرات العراقي حمد الشطري إلى دمشق.
وناقشت الزيارات واللقاءات قضايا أمنية أهمها أمن وسلامة الحدود بين الجانبين، والتهديدات المشتركة التي يشكلها تنظيم الدولة على سوريا والعراق، وكان أبرزها الزيارة التي أجراها وزير الطاقة السوري محمد البشير إلى العاصمة العراقية بغداد في أغسطس/آب الجاري، التي شهدت توافقا على إعادة تفعيل خط أنابيب من محافظة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس السوري بعد تأهيله، بالإضافة إلى نقاش الموارد المائية.
تفرض الاعتبارات الأمنية على الجانبين العراقي والسوري التنسيق، في ظل الحديث عن توجه الولايات المتحدة للانسحاب من سوريا والعراق بشكل تدريجي، حيث من المتوقع أن يترك هذا الانسحاب فراغا أمنيا يمكن أن يستغله تنظيم الدولة، خصوصا في ظل الشكوك التي تحوم حول تعمد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” إطلاق سراح قيادات في التنظيم محتجزين في سجون الحسكة من أجل خلط الأوراق على دمشق.
ويبدو أن العراق يفضل تفعيل خط كركوك بانياس النفطي بدلا من استمرار التصدير من كركوك باتجاه ميناء جيهان التركي لإحداث التوازن أمام إقليم كردستان من جهة، والجانب التركي من جهة أخرى، كما يطمح العراق لتنويع منافذ تصدير النفط وإيجاد منفذ جديد باتجاه البحر المتوسط، وتقليل تكلفته، وبالتالي العمل تدريجيا على رفع قدرة الإنتاج.
ومن المستبعد أن تقدم الحكومة العراقية على إجراء تنسيق أمني أو مباحثات اقتصادية دون موافقة قوى الإطار التنسيقي التي تعتبر بمثابة التحالف الحاكم، وهذه القوى لديها تحالف وثيق مع إيران، مما يعطي خطوات التقارب الأولية بين دمشق وبغداد أيضا أبعادا سياسية في ظل عدم إخفاء إيران رغبتها بإعادة علاقتها مع سوريا.
رسائل إيرانية إلى دمشق
في منتصف يوليو/تموز الماضي، نددت إيران بشكل رسمي بالهجمات التي نفذتها إسرائيل على العاصمة السورية دمشق، واستهدفت مقر رئاسة الأركان، بالإضافة إلى قصف قوات حكومية دخلت محافظة السويداء للسيطرة عليها.
مرر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسائل لدمشق بعد الهجمات الإسرائيلية، حيث أكد أن على دول المنطقة أن تتحرك لوضع حد للعدوان الإسرائيلي “المجنون”، مؤكدا دعم بلاده لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، والاستعداد للوقوف إلى جانب الشعب السوري.
ومن الواضح أن طهران تعول على سياسة إسرائيل التي باتت تهدد دول المنطقة بما فيها سوريا من أجل استعادة شيء من حضورها وتأثيرها الذي فقدت منه الكثير إثر سقوط نظام الأسد.
وإثر الهجوم الإسرائيلي على دمشق الذي نفذته بذريعة دعم الدروز، تناولت صحف إيرانية محسوبة على الحرس الثوري الإيراني الأحداث في سوريا، واعتبرت أن تصعيد إسرائيل ضد سوريا هدفه خلق بؤر منفصلة بغض النظر عن الجهة التي تمسك بالحكومة المركزية، كما اعتبرت التحليلات التي صدرت عن هذه الصحف وأبرزها صحيفة “جوان” أن هدف إسرائيل هو “تقسيم المجتمعات الإسلامية وتدميرها”.
على الأرجح، فإن إيران لا تستبعد موجة تصعيد جديدة ضدها في ظل عدم التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي مع الولايات المتحدة والغرب، ومن ثم قد تحاول استعادة الحضور في ساحات مؤثرة ضمن صراعها طويل الأمد مع إسرائيل، حيث افتقدت نفوذها في سوريا بشكل واضح خلال الهجمات الإسرائيلية في يونيو/حزيران الماضي عليها.
معوقات عودة العلاقات بين سوريا ومحور إيران
رغم كل المؤشرات التي سبقت الإشارة إليها، فإن هناك معوقات تحول دون عودة العلاقات إلى شكل طبيعي بين سوريا ومحور إيران، أبرزها الحرص على عدم استفزاز الحكومة السورية لإدارة ترامب، التي تتبنى نهجا متشددا ضد النفوذ الإيراني، وتعمل على تقويضه في المنطقة عموما وليس في سوريا فقط.
وتركز دمشق على استكمال مسار إلغاء كل العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا سابقا، والتي بقي منها تلك التي تحتاج إلى تشريع في مجلس النواب من أجل إبطالها على غرار عقوبات قانون قيصر.
من جهة أخرى، تحاول الحكومة السورية أيضا عدم استفزاز إسرائيل إلى الحد الأقصى، بالإضافة إلى أن المزاج الشعبي من غير المتوقع أن يتقبل خطوة عودة العلاقة مع إيران.
السيناريو المتوقع
من المتوقع أن تحرص سوريا على إبداء التوازن في سياساتها الخارجية بحكم موقعها الجغرافي ومصالحها، وطبيعة التهديدات التي تعاني منها بعد سقوط الأسد، إذ قفزت إسرائيل إلى رأس قائمة التهديدات بسلوكها العدواني تجاه دمشق رغم كل التطمينات التي عملت الحكومة السورية على تقديمها والتأكيد على أن سوريا لن تشكل تهديدا لأي جهة.
كما أن إسرائيل جنحت إلى التدخل بشكل سافر في الملفات الداخلية السورية، فيما يظهر أنه تحريض لبعض المكونات وفي مقدمتهم الدروز على المطالبة بحكم ذاتي.
وتتموضع سوريا ضمن محور إقليمي لديه هو الآخر قلق من سياسات إسرائيل العدوانية في المنطقة، والحديث هنا عن تركيا والسعودية وقطر والأردن، وهذه الدول سبق أن أدانت الهجوم الإسرائيلي على إيران في يونيو/حزيران الماضي، رغم أنها عانت في السابق من السياسات الإيرانية.
ومما يعزز الاعتقاد بأن سوريا ستعمل على الحفاظ على التوازن وإبقاء الخيارات مفتوحة مستقبلا هو تجنب الحكومة السورية الجديدة الخطاب العدائي والتصعيدي ضد إيران في ظل تصاعد الخطر الإسرائيلي.
ومن المحتمل أن تجري دمشق مراجعة لخياراتها إذا ما أدركت أن الولايات المتحدة لن تمارس ضغوطات كافية على إسرائيل لوقف هجماتها العدائية على سوريا، والتي باتت تهدد بالفعل وحدة واستقرار البلاد، فمن المحتمل أن واشنطن تريد من الحكومة السورية الحالية فقط استمرار قطع طريق إيران باتجاه لبنان لحين استكمال تقويض نفوذ إيران في المنطقة، وبالتالي الالتزام فقط بما يخدم المصالح الإسرائيلية.
المصدر: الجزيرة
————————-
حلم توسيع الاتفاقات الإبراهيمية: سوريا المفتاح والمعضلة/ بلال التليدي
هناك دبلوماسية كثيفة تجري على ثلاث ساحات رئيسية، ساحة التفاوض لوقف الحرب الإسرائيلية على غزة، وساحة التفاوض لتجريد حزب الله من السلاح في لبنان، وساحة التفاوض على اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا.
الفلسفة الأمريكية والإسرائيلية بنيت من وحي استلهام وقراءة معمقة لتجربة وحدة الساحات في مقاومة المشروع الإسرائيلي التوسعي في المنطقة، ولذلك يلاحظ المراقبون أن دينامية التفاوض على ساحتي لبنان وسوريا أسرع مقارنة مع ترددها وبطئها في غزة (الساحة الرئيسية للصراع)، لأن الاستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية تقوم اليوم على مبدأ فرض حصار إقليمي مطوق على المقاومة في غزة باتفاقات أمنية بين دول المنطقة وتل أبيب، وذلك حتى يتسنى خلق إدارة فلسطينية أو حتى عربية للقطاع يضمن بها تجريد الفصائل الفلسطينية من سلاحها.
في الحالة اللبنانية هناك استعصاء كبير لإنجاز الاتفاق، وذلك لسببين اثنين، الأول مبدئي واستراتيجي، يتعلق برفض حزب الله القاطع لتجريده من السلاح، حتى ولو تم انسحاب الاحتلال من النقاط الخمس التي يحتفظ بالسيطرة عليها في جنوب لبنان. والثاني، سياسي، لأن المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط توم براك، في رده على مطالب الجانب اللبناني، اقترح ما يسمى في عملية التفاوض بالالتزام المتوازي، أي أن يتم الانسحاب الإسرائيلي من النقاط الخمس بشكل متدرج، بتزامن مع إجراءات عملية مقابلة لتجريد حزب الله من سلاحه، بينما تركز رؤية حزب الله على فصل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، عن قضية السلاح، التي تعتبر قضية داخلية مرتبطة بالاستراتيجية الدفاعية الوطنية.
في حالة غزة، يبدو الاستعصاء أكبر، على الأقل من جهة الاحتلال الإسرائيلي، الذي وضع خمسة شروط لوقف الحرب، من بينها نزع المقاومة، وجعل قطاع غزة منطقة منزوعة السلاح مع إبقائها تحت السيطرة الأمنية وتشكيل إدارة مدنية غير ذات علاقة بالمقاومة ولا بالسلطة الفلسطينية، وهي الشروط التي لا يتصور تحقيقها سوى مخطط التهجير والإبادة.
في حالة سوريا، يراهن الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكية على إحداث اختراق كبير في منطقة الشرق الأوسط، يقوم على مبدأ استغلال ضعف الجيش السوري، وحاجة سوريا الجديدة لرفع العقوبات الاقتصادية عنها، بل وحاجتها إلى تأمين وحدة واستقلال أراضيها وبناء اقتصادها واستتباب الأمن والاستقرار بها لجرها إلى اتفاق أمني، يمنح إسرائيل سيطرة على جزء مهم من الجنوب السوري (منطقة أمنية عازلة بعمق 80 كيلو مترا)، مع تحريك الطائفة الدرزية بالسويداء، وقوات سوريا الديمقراطية في الشمال، وتشغيل ورقة الانفصال أو الإدارة المحلية.
وسائل الإعلام تحدثت عن مفاوضات جرت في باريس بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، بحضور المبعوث الأمريكي توم براك، لكن لا شيء إلى حد الآن رشح عن مضمون هذا التفاوض، وما إذا كان قد حقق تقدما أم لا، لكن من المؤكد أن الإنزال العسكري الذي قام به الجيش الإسرائيلي في ثكنة الكسوة والقصف الجوي على جبل المانع، يوحي بوجود ممانعة قوية من قبل سوريا، وأن الاحتلال الإسرائيلي يمارس بالهجوم العسكري ضغطا سياسيا قويا عليها لجرها إلى توقيع اتفاق يخدم الجانب الإسرائيلي.
تل أبيب تريد من سوريا على وجه التحديد ثلاثة مطالب، الأول إدخالها في مربع الاتفاقات الإبراهيمية أو على الأقل إبرام اتفاق أمني يحيدها بالمطلق في قضية الصراع الإسرائيلي العربي، والثاني، هو قطع الإمداد العسكري والمالي على حزب الله أو المشاركة في حربه، والثالث، هو انتزاع منطقة أمنية بعمق 80 كيلو مترا في الجنوب اللبناني، لإعادة ترسيم جدار الأمن القومي الإسرائيلي.
أما مطالب سوريا، فهي تأمين وحدة واستقلال أراضيها والالتزام بعدم الهجوم العسكري عليها، والالتزام باتفاقية فك الاشتباك التي أبرمت سنة 1974 بخصوص منطقة الجولان، أو في الحد الأقصى استرجاع جزء مهم من أراضي الجولان المحتل، مع الكف عن استعمال الدروز كحجة للتدخل العسكري.
تبدو سوريا من خلال جدل مطالبها بمطالب الاحتلال الإسرائيلي هي مفتاح الخريطة، وفي الآن ذاته معضلتها الرئيسية. فخلافا، لما قد يتصوره البعض من كون القيادة السورية، تميل إلى إنهاء الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي والانخراط في اتفاق أمني من غير ثمن، إلا ما كان من رفع ما تبقى من العقوبات على دمشق وتأمين وحدة أراضيها، فإنه بدأ يلعب بأوراق مهمة، أضحت تطرح تحديات على الجانب الإسرائيلي، فقد صرح الرئيس السوري أحمد الشرع بتزامن مع حركية التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، بأن سوريا لن تخوض حربا على حزب الله، رافضا الاستقواء بسوريا الجديدة لتصفيته، بل إنه ذهب أبعد من ذلك، ووضع الأسس والمبادئ التي يفترض أن تؤطر العلاقة بين سوريا ولبنان، معربا عن أمله أن تتحرر ذاكرة البلدين من الإرث الماضي، معتبرا أن الاستقطاب المذهبي والسياسي خطأ كبير بحق البلدين ولا يجب أن يتكرر، وشدد على أنه يسعى إلى علاقة بين لبنان وسوريا تقوم على أساس دولة لدولة، ترتكز على معالجات اقتصادية واستقرار ومصلحة مشتركة.
الكثيرون تساءلوا عن دلالات تصريحات أحمد الشرع هذه، والتي جاءت عقب الجولة الأولى من التفاوض بين دمشق وتل أبيب في باريس، وبتزامن مع تأجيل الجولة الثانية بقرار سوري، وبعدها جاء الإنزال العسكري الإسرائيلي على ثكنة الكسوة وقصف جبل المانع، وهل يتعلق الأمر بلعب دمشق أوراقا جديدة في التفاوض، واضطرار تل أبيب إلى ممارسة الضغط العسكري عليها لجرها إلى مفاوضات أقرب إلى منطق الاستسلام؟
التفاصيل العسكرية التي كشف عنها الجانب السوري، تقول بأن وحدة من الجيش السوري اكتشفت وجود تجهيزات استخبارية إسرائيلية في جبل المانع، وأنها قامت بالتعامل معها، ولم تستكمل مهمتها حتى تعرضت للهجوم، لكن السياق السياسي والدبلوماسي، يبين بأن استعمال الطرفين لهذين النوعين من التدخل العسكري (تفكيك تجهيزات استخبارية إسرائيلية ثم إنزال إسرائيلي على ثكنة الكسوة وقصف على جبل المانع كرد فعل) إنما هو نوع من استعمال أوراق تفاوضية جديدة، ينضاف إليها ورقتان اثنتان، أولهما، ورقة حزب الله، ثم ورقة العلاقات السورية اللبنانية.
دمشق تريد توجيه رسالة إلى الاحتلال الإسرائيلي بأنها تملك خيارات مؤلمة بما في ذلك إقامة علاقات جدية مع إيران، والانتقال من مربع رفض الاصطفاف لتصفية حزب الله إلى مربع آخر مزعج لتل أبيب لا تريد أن تنتهي إليه، وتريد أيضا أن توجه رسالة أخرى، أكثر إيلاما، وهي أن سوريا لن تكون طرفا في ترتيب أي واقع سياسي في لبنان، يضر باستقلال ووحدة أراضيه، ولا بتأجيج أي استقطاب مذهبي يضر بتوازنه الطائفي.
في نهاية المطاف، تبدو دمشق مفتاحا ومعضلة في الآن ذاته، ومشكلة تل أبيب أنها تعتقد أن الإنجازات الاستراتيجية التي حققتها، تجعلها قادرة على فرض الأمر الواقع على المنطقة، بحيث تجردها كلية من أي سلاح للمقاومة، وتقيم مناطق أمنية عازلة تعزز أمنها القومي، وتقيم حكومات وإدارات محلية تدعم سيطرتها الأمنية، وهي بعد لا تستطيع أن تضمن أي شيء من المطالب الجوهرية للحالات الثلاث سوريا ولبنان وغزة.
كاتب وباحث مغربي
القدس العربي
————————
«عملية غامضة» إسرائيلية قرب العاصمة السورية؟
رأي القدس
29 آب 2025
نفّذ الجيش الإسرائيلي ليل الأربعاء الماضي إنزالا جويا في موقع عسكري قرب منطقة الكسوة يقع على بعد نحو 30 كلم جنوب العاصمة السورية دمشق، وكان الموقع نفسه قد تعرّض لقصف متكرر في اليومين السابقين على الإنزال.
بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود الإدارة السورية الجديدة التي يقودها الرئيس أحمد الشرع، أخذت إسرائيل تعلن مسؤوليتها عن هجماتها على البلاد، وتتباهى أحيانا بكشف تفاصيلها، كما فعلت بعد عملية «طرق متعددة» التي شن خلالها مقاتلو كوماندوز غارة على مصنع صواريخ في مدينة مصياف شمال وسط سوريا، كما أعلنت عن عملية «سهم باشان» التي أدت عبر ضربات جوية وبحرية إلى تدمير القوات الاستراتيجية العسكرية التي كانت ما تزال موجودة بعد سقوط الأسد، ثم بقيامها بسلسلة هجمات استهدفت مواقع رادار وأنظمة مراقبة ومقرات عسكرية تابعة للنظام الجديد.
في نيسان/ ابريل الماضي ومع اندلاع اشتباكات في محافظة السويداء، المعقل الرئيسي لطائفة الدروز، تدخّلت إسرائيل علنا لتهديد نظام الشرع بهجوم واسع تضمّن قصف موقع قرب القصر الرئاسي، وقصف مبنى رئاسة الأركان، وقرابة 90 غارة استهدفت آليات عسكرية بينها دبابات ومدرعات، وترافقت مع تصريحات لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس، الذي نشر مقطعا مصورا يظهر مذيعة في قناة الأخبار السورية وخلفها مبنى الأركان المتضرر معلقا: «بدأت الضربات المؤلمة».
على عكس التصريحات والتهديدات الواضحة التي اعتاد مسؤولو إسرائيل الكبار على بثها فإن وزير الحرب كاتس، اكتفى في تعليقه حول عملية الإنزال الأخيرة بالقول، أمس الخميس، إن قواته تعمل «في جميع ميادين القتال ليل نهار من أجل أمن إسرائيل»، كما أن القوات الإسرائيلية رفضت الرد على أسئلة وكالة الأنباء الفرنسية حول العملية.
حسب موقع «واينت» الإسرائيلي فإن هذا يعكس «تحولا لافتا» في السياسة الإسرائيلية تعود فيه تل أبيب إلى «نهج الغموض في التعاطي مع نشاطها العسكري في سوريا» بعد سنوات من الإعلان العلني عن تفاصيل عملياتها.
على عكس كاتس، فقد تعمّد نتنياهو، بعد «العملية الغامضة»، تحويل الأنظار نحو اتجاه آخر، حيث توجّه أمس الخميس إلى قرية جولس، ليلتقي بالرئيس الروحي لطائفة الدروز في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، حيث شبّه الانتهاكات التي ارتكبت بحق الدروز في السويداء جنوب سوريا بـ»المحرقة»، مطمئنا طريف بأنه يقوم بدوره في «لفت انتباه العالم» إلى هذه القضية، مؤكدا أنه «ليس ساذجا» وأنه يفهم «مع من نتعامل» (في إشارة إلى حكام سوريا الجدد).
يحمل الهجوم الأخير عناصر استخبارية يشير إليها، من ناحية، الغموض الذي اتبعه كاتس، والتهويل المنافق الذي اتبعه نتنياهو (بالتلميح لعلاقة ما لهجوم الكسوة باشتباكات السويداء)، كما يشير إليها، من ناحية أخرى، كما أشار خبير عسكري، تحركات الاحتلال في مثلث حرجلة – الكسوة – جبل المانع، الذي تعرّض لإنزال في شهر تموز/ يوليو الماضي.
كانت المنطقة المذكورة (الكسوة) تتمركز فيها ميليشيات شيعية في زمن نظام الأسد السابق، وكان فيها موقع اللواء 79 دفاع جوي التابع للفرقة الأولى، ويرتفع جبل المانع ألف متر عن سطح البحر، مما يجعله مناسبا، على ما يبدو، كمنصة للجهد الاستخباراتي المسؤولة عنه الوحدة 8200 الشهيرة، وهي وحدة الاستخبارات المسؤولة عن التجسس الالكتروني عن طريق جمع الإشارة وفك الشيفرة والحرب الالكترونية، والتي نسّقت، على ما يظهر، عملية الإنزال مع وحدة «سبيرت متكال» التابعة لرئاسة الأركان، والتي نفذت عملية مصياف في أيلول/ سبتمبر الماضي ضد «مركز البحوث العلمية» التابع للنظام السابق.
يحمل الخبر الذي نشرته وكالة الأنباء السورية حول العملية الأخيرة تأكيدا لهذا التحليل فقد نقلت عن مصدر حكومي قوله إن قوات سورية عثرت في موقع جبل المانع الثلاثاء «على أجهزة مراقبة وتنصّت»، وأنه «أثناء محاولة التعامل معها تعرّض الموقع لهجوم إسرائيلي جوي أسفر عن ارتقاء عدد من الشهداء وإصابات وتدمير آليات، وهو ما عادت محللة إسرائيلية، تدعى كارميت فالينسي، تأكيده لوكالة «فرانس برس» بالقول: «ما نعرفه هو أن القوات السورية اكتشفت أجهزة مراقبة واستخبارات يرجح أنها إسرائيلية».
تؤكد العملية الأهمية التي توليها إسرائيل للسيطرة الاستخبارية على المجال السوريّ، لكنّها تشير أيضا إلى خبث نتنياهو السياسي الذي قام بـ»بيع» حدث الهجوم للشيخ طريف وأنصاره، في الوقت الذي كان فيه وزير حربه يرفض التعليق لأن لا مصلحة لإسرائيل في إعلان انكشاف منصّتها التجسسية في جبل المانع.
———————
توغل إسرائيلي في ريف القنيطرة السورية: مداهمة وتفتيش منازل/ محمد كركص
29 اغسطس 2025
شهد ريف محافظة القنيطرة، جنوبي سورية، صباح اليوم الجمعة، توغلات جديدة لجيش الاحتلال الإسرائيلي ترافقها عمليات دهم وتفتيش، في وقت كثّفت طائرات الاستطلاع الإسرائيلية تحليقها فوق أجواء الجنوب السوري، لا سيما في محافظتي درعا والقنيطرة.
وقال يوسف المصلح، مسؤول التحرير في “تجمع أحرار حوران”، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن قوات إسرائيلية توغلت بدبابتين وعدد من المركبات العسكرية في بلدة الصمدانية الشرقية في ريف القنيطرة الأوسط، وأجرت عمليات دهم وتفتيش لعدد من المنازل، بعدما سبقت العملية حملة تمشيط شاملة عبر طائرات الاستطلاع المسيّرة.
وأضاف المصلح أن قوة إسرائيلية مؤلفة من عدة مركبات كانت قد توغلت يوم أمس الخميس في قرية رويحينة بالريف نفسه، واعتقلت الشابين أحمد حسين وبشار جاسم، قبل أن تنسحب من المنطقة. وأوضح أن هذه التوغلات باتت شبه يومية منذ سقوط نظام بشار الأسد المخلوع، غير أن وتيرتها تصاعدت أخيراً، في ظل الحديث عن مفاوضات بين الجانبين السوري والإسرائيلي للتوصل إلى اتفاق أمني يهدف إلى خفض التصعيد جنوبي البلاد، مشيراً إلى أن “هذا التصعيد هو بمثابة ضغط إسرائيلي على الحكومة السورية كلما وصلت المفاوضات إلى نقاط خلافية”.
وبالتزامن مع ذلك، ذكرت قناة “الإخبارية” السورية الرسمية، بعد منتصف ليل الخميس، أن “عدداً كبيراً من آليات الاحتلال الإسرائيلي المحمّلة بالجنود توغل غرب قرية عين زيوان في ريف القنيطرة الجنوبي”، من دون أن تكشف مزيداً من التفاصيل حول العملية. وفي سياق متصل، شهدت المنطقة خلال الأيام الماضية تصعيداً لافتاً، إذ نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي ليل الأربعاء الماضي عملية إنزال جوي في منطقة جبل المانع ضمن منطقة الكسوة بريف دمشق، بهدف سحب أجهزة تجسس وتنصت تابعة له. وجاء ذلك بعد محاولة وحدة من الجيش السوري تفكيك تلك الأجهزة، وهو ما دفع طائرات استطلاع إسرائيلية لاستهداف المجموعة، ما أسفر عن مقتل ستة عناصر من الجيش السوري بينهم مدرب عسكري.
نواب أميركيون يطالبون إسرائيل بوقف ضرباتها على سورية
وفي السياق نفسه، طالب أعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب الأميركي، أمس الخميس، إسرائيل بوقف ضرباتها ضد سورية فوراً، مؤكدين أن استمرارها يعرقل جهود تحقيق الاستقرار. وجاء في بيان مشترك صادر عن السيناتور الديمقراطية جين شاهين، عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، والسيناتور الجمهورية جوني إرنست، وعضو مجلس النواب جو ويلسون، أنهم عادوا أخيراً من زيارة إلى سورية، التقوا خلالها الرئيس أحمد الشرع وعدداً من الوزراء وممثلين عن مختلف المكونات الاجتماعية والدينية، حيث لمسوا رسالة واضحة بأن سورية تحتاج إلى فرصة للنجاح وتجاوز أكثر من أربعة عشر عاماً من الصراع.
وقال البيان: “ندعو إسرائيل إلى اغتنام اللحظة ووقف الأعمال العدائية فوراً حتى يتمكن السوريون والمبعوث الخاص برّاك من مواصلة التقدم المحرز. إن سورية المستقرة والآمنة هي السبيل الوحيد للانعتاق من النفوذ الإيراني واحتواء تهديد تنظيم داعش”.
————–
إنزال إسرائيلي قرب دمشق… ونتنياهو: أفهم مع من نتعامل في سوريا
هبة محمد
29 آب 2025
دمشق ـ «القدس العربي»: نفّذت إسرائيل إنزالا جويا في موقع عسكري يقع على بعد نحو 30 كلم جنوب دمشق، تعرّض لقصف متكرر في اليومين الماضيين، فيما قال رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو :”لست شخصاً ساذجاً، وأفهم تماماً مع من نتعامل في سوريا، ولهذا السبب استخدمنا القوة”.
«في جميع الميادين»
وفي حين لم تؤكد إسرائيل رسمياً تنفيذ قواتها هذا الإنزال، قال وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس إن قواته تعمل “في جميع ميادين القتال ليل نهار، من أجل أمن إسرائيل”.
التحرك الإسرائيلي جاء بهدف “سرقة أجهزة ومنظومات حرب إلكترونية”، قالت مصادر عسكرية لـ “القدس العربي” إنها كانت مخزّنة منذ نظام الأسد السابق، حيث كانت إيران تفرض سيطرتها على المنطقة، فيما أشار مصدر إسرائيلي إلى أنها أجهزة “تركية الصنع” زُرعت للتجسس على إسرائيل، ما دفعها إلى تنفيذ إنزال جوي نادر لاستعادة معدات وصفت بـ “السرّية والخطيرة”.وحسب ما قال مصدر عسكري لـ “القدس العربي” فإن سلاح الجو الإسرائيلي شنّ موجة من الغارات الجوية استهدفت تسعة أهداف، محددة بدقة في محيط جبل المانع جنوب دمشق، مركّزا على مستودعات “584” التابعة لإدارة التسليح، إلى جانب اللواءين 76 و41.
وأوضح أن الغارات ركزت على مواقع تخزين الأسلحة، بهدف سرقة معدات نوعية، مضيفا أن طائرات من طراز أف 16 استهدفت محيط منطقة الإنزال في الجبل، حيث استخدم جيش الاحتلال مروحيات من طراز “يسعور” و”سيكورسكي أباتشي” المخصصة للإنزال والنقل.
و قامت هذه الطائرات “بإنزال خبراء مختصين عملوا على تفكيك ونقل منظومات كانت مخزنة في الموقع” .
وأشار إلى أن القصف الجوي المكثف جاء بهدف تأمين منطقة الإنزال ومنع أي تحرك نحو الجبل، وذلك ضمن عملية تغطية مباشرة لحماية القوات الإسرائيلية المنفذة للعملية.
وأضاف: يضم جبل المانع الذي استهدفه جيش الاحتلال الإسرائيلي بموجة من الغارات على مدار اليومين الماضيين، عددا من القطع العسكرية على رأسها اللواء 76 فرقة أولى، وفوج حرب الإلكترونية، وفوج الدير علي 141 مدفعية، والرحبة 16.
ولفت إلى أن موجة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت المواقع العسكرية في الجبل مساء الأربعاء، هي الثانية خلال الـ 24 ساعة الماضية. وحسب المصدر، فإن المنطقة شهدت تحليقا مكثفا لطائرات الاستطلاع خلال عملية الإنزال الجوي.
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا) عن مصدر حكومي قوله إن قوات سورية عثرت في موقع جبل المانع الثلاثاء “على أجهزة مراقبة وتنصّت”، مضيفا أنه “أثناء محاولة التعامل معها، تعرّض الموقع لهجوم إسرائيلي جوي أسفر عن ارتقاء عدد من الشهداء وإصابات وتدمير آليات” .
وأفادت وزارة الخارجية السورية حينها بمقتل ستة عناصر من القوات السورية بالقصف الاسرائيلي لهذا الموقع القريب من مدينة الكسوة في ريف دمشق.
وكان مسؤول في وزارة الدفاع السورية أكّد لـ”فرانس برس” الثلاثاء، طالبا عدم نشر اسمه، أنّ الموقع المستهدف في تلّ المانع كان قاعدة عسكرية سابقة.
وجدّدت إسرائيل قصف الموقع مساء الأربعاء وفقا للتلفزيون الرسمي السوري، وأعقب ذلك “إنزال جوّي لم تُعرف تفاصيله بعد، وسط استمرار التحليق المكثف لطيران الاستطلاع”، حسب سانا. وأضافت سانا نقلا عن المصدر الحكومي أن “الاستهدافات الجوية والطائرات المسيّرة استمرت في منع الوصول إلى المنطقة حتى مساء 27 آب/أغسطس” حيث قامت “بتدمير جزء من المنظومات عبر استهدافها بالسلاح المناسب، وسحب جثامين الشهداء”. ووفق “المرصد السوري لحقوق الإنسان” الموقع، عبارة عن “مستودع ضخم للصواريخ، كان يُستخدم سابقا من قبل “حزب الله” اللبناني المدعوم من إيران”.
وأضاف أنّه مساء الأربعاء “حلّقت أربع مروحيات إسرائيلية على ارتفاع منخفض في منطقة الكسوة في ريف دمشق، وهبطت مظلات لمباشرة عملية إنزال وتفتيش في الموقع” .
وحسب المرصد فإنّ هذا الإنزال الجوي الإسرائيلي هو الأول من نوعه في سوريا منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد.
أجهزة تركية
فيما نقلت قناة “الحدث”، عن مسؤول أمني إسرائيلي، تأكيده تفكيك أجهزة تركية تمت زراعتها في ريف دمشق للتجسس على إسرائيل.وشدد المصدر الذي لم يذكر اسمه، على أن الإنزال قرب دمشق كان ضروريا جدا لأمن إسرائيل، موضحاً أنه تمت خلاله استعادة معدات سرية وخطيرة.
وقال: لقد حذرنا إدارة الشرع من اللعب بالنار والاستماع لأوامر تركيا، مضيفاً إلى أن تركيا تحاول الاقتراب منهم أكثر مما ينبغي، وفقا لتصريحاته.
وأشار إلى أنه تم تحذير الإدارة السورية سابقاً بعدم اختبار صبر إسرائيل أو محاولة اختبار حدود العمليات الإسرائيلية.
وأوضح في نهاية تصريحاته أن الأجهزة التي تمت استعادتها من ريف دمشق توجد في تلك المواقع منذ أكثر من 10 أعوام. إلا أن المحللة الإسرائيلية، كارميت فالينسي قالت لـ “فرانس برس” في القدس “ما نعرفه هو أن القوات السورية اكتشفت أجهزة مراقبة واستخبارات يُرجَّح أنها إسرائيلية”.
وأوضحت أن “القوات الإسرائيلية كانت تحاول أساسا تفكيك أجهزة الاستخبارات التي كانت قد نُصبت، وذلك لمنع وقوعها في أيدي مختلف القوات السورية”.
إلى ذلك اعتقلت القوات الإسرائيلية شابين بعد توغلها في ريف القنيطرة جنوب سوريا، وفق وسائل إعلام محلية.
وذكرت قناة “الإخبارية” السورية أن “قوات الاحتلال الإسرائيلي توغلت في قرية رويحينة في ريف القنيطرة واعتقلت شابين”.ووفق المرصد “هذا التوغل يعد من أبرز الخروقات الإسرائيلية الأخيرة في المنطقة الحدودية، ما أثار حالة من القلق بين الأهالي وسط مخاوف من تكرار عمليات مشابهة”. وعقب الانزال والتوغلات، زار رئيسُ حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، الرّئيس الرّوحيّ للطّائفة الدّرزيّة في إسرائيل، موفق طريف في جولس.
ونقلت “القناة 12” عن نتنياهو قوله إن “الحكومة لا تخدع نفسها بشأن من يسيطر على سوريا”، دون مزيد من التوضيح.
وأضاف: “لست شخصاً ساذجاً، وأفهم تماماً مع من نتعامل في سوريا، ولهذا السبب استخدمنا القوة”، وفق تعبيره.
ووفق قناة أي 24 العبرية فإن نتنياهو شبّه الانتهاكات التي ارتكبت بحق الدروز في السويداء جنوب سوريا بالمحرقة. وقال: “عندما طلب اليهود المساعدة، لم يأتِ أحد. وعندما أدركتُ حجم الكارثة في سوريا، تحركنا على الفور”.
وشدد نتنياهو الذي يرتكب جيشه إبادة جماعية في قطاع غزة، على أن “فظائع المجزرة تتضح يومًا بعد يوم بفضل الطاقم الكفوء هنا، وكذلك بفضل قواتنا. معًا، نلفت انتباه العالم إلى هذه القضية، أو على الأقل إلى أهمّ المجتمعات والشخصيات في العالم. لقد فعلتُ ذلك بالأمس مع سيناتور بارز حضر الى إسرائيل. يكاد لا يمرّ يوم دون أن أتحدث عنها أمام وسائل إعلام تتجاهلها كثيرا أو معادية، لكن من المهم أن تصل إلى أصحاب القرار المهمين”.
ووفق بيان لطريف، فخلال الزّيارة “استمع رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى شرح موسّع عن غرفة المتابعة والتّقييم الّتي أُقيمت لتتابع الأوضاع الميدانيّة في محافظة السّويداء على مدار السّاعة”.
نقاط وطلبات
وتطرق طريف إلى “نقاط أساسيّة وطلبات فوريّة”، وهي “تثبيت وقف إطلاق النّار في السّويداء بشكل شامل ومستدام، وفتح ممرّ برّي آمن وبضمانات أمريكيّة ودوليّة لتمرير المساعدات الإنسانيّة إلى محافظة السّويداء، ورفع الحصار عن محافظة السّويداء وتحرير المُختَطَفين والمختَطَفات وعودة السكّان النازحين إلى القرى الدُّرزيّة المهجّرة وترميم وتعويض السكّان والبلدات الدُّرزيّة في المحافظة عن الأذى والضرر الّذي لحق بهم، وإقامة تحقيق دوليّ أمميّ مستقلّ لبحث الجرائم والأحداث”.
كما تطرّق إلى المفاوضات الأخيرة الجارية حول ملفّ الجنوب السّوريّ، مُؤكّدًا على ضرورة “حفظ كلّ اتّفاق مستقبليّ لأمن وأمان أبناء الطّائفة في محافظة السّويداء”.
وأكّد نتنياهو، وفق بيان طريف، أنّه “على درايةٍ جيّدة بشخصيّات وقيادات النّظام السّوريّ”، واصفًا المجازر ضدّ الدّروز في السّويداء بالأفعال “البربريّة والإجراميّة”، مؤكّدًا أنّ إسرائيل ستضمن فتح ممرات إنسانيّة، مع وجود عدّة خيارات قيد الدّراسة، مُضافةً إلى الإعلان عن جنوب سوريا كمنطقة منزوعة السّلاح.
في مجمل كلامه، أكّد رئيس الحكومة أيضًا أنّه “على العالم أن يعرف ما يحدث في السّويداء”، مُشيرًا إلى كونه “يقوم بذلك شخصيًّا ويوميًّا خلال لقاءاته مع شخصيّات سياسيّة وعالميّة مركزيّة”.
إلى ذلك، نفى نتنياهو صحة أنباء عن دراسة حكومته الانسحاب من مزارع شبعا مقابل استمرار احتلالها هضبة الجولان السورية.
وقال مكتبه في بيان مساء الأربعاء، إن “التقرير الذي يزعم أن إسرائيل تدرس التنازل عن جبل دوف (جبل الروس في مزارع شبعا) هو خبر كاذب تماما” .
كذلك نقل “التلفزيون العربي” عن مصدر حكومي سوري قوله لا صحة للأخبار المتداولة حول هذا الأمر.
والأربعاء، ذكرت هيئة البث العبرية الرسمية أن “إسرائيل درست بجدية التنازل عن منطقة جبل دوف مقابل تنازل سوريا عن مطالبتها بمرتفعات الجولان، وذلك في محادثات أمنية مع دمشق قبل أسابيع” .
و”جبل الرّوس” المعروف وفق التسمية الإسرائيلية بـ”جبل دوف”، هو قمة جبلية في مزارع شبعا الواقعة في منطقة مختلف عليها لم يتم ترسيم حدودها بين لبنان ومرتفعات الجولان السورية المحتلة.
وأضافت هيئة البث أن “إسرائيل درست نقل جبل دوف ومزارع شبعا إلى سوريا مقابل تنازل دمشق عن سيادتها على مرتفعات الجولان” المحتلة منذ عام 1967.
وتابعت أن المسؤولين الإسرائيليين “بحثوا الجدوى السياسية لهذه الخطوة، التي تتطلب موافقة 80 عضوا في الكنيست” من أصل 120.
الهيئة لفتت إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع صرّح لصحافيين قبل أيام بأن دمشق لا تستطيع الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم (للتطبيع مع تل أبيب)، ما دام الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية.
لكن الشرع “أكد في الوقت نفسه أن حكومته تُجري محادثات متقدمة مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني قائم على خطوط فك الاشتباك التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 1974 عقب حرب 1973″، وفق الهيئة.
ومنذ عقود تحتل إسرائيل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وتعتبرها الأمم المتحدة أراضي سورية، وتطالب باعتراف رسمي من دمشق بأنها لبنانية كي تعيد النظر في ترسيم الحدود بناء على مطالبات بيروت.
وإضافة إلى هذه الأراضي في الجارتين سوريا ولبنان، تحتل إسرائيل منذ عقود فلسطين، وترفض الانسحاب منها وقيام دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، على حدود ما قبل حرب 1967.
—————————-
لقاءٌ درزيّ في بيروت لتفعيل حملة دعم السّويداء إغاثيّاً
الجمعة 2025/08/29
عقد لقاءٌ خاصٌّ في دار طائفة الموحّدين الدّروز في بيروت، بدعوةٍ من شيخ العقل لطائفة الموحّدين الدّروز الشيخ سامي أبي المنى، وبالتّنسيق مع الرئيس السّابق للحزب التّقدّميّ الاشتراكيّ وليد جنبلاط، لتفعيل حملة التبرّع للصندوق الخيريّ والإنمائيّ في مشيخة العقل والمجلس المذهبيّ، المخصّصة لدعم أهل السّويداء.
حضر اللقاء رئيس كتلة “اللقاء الدّيمقراطيّ” النائب تيمور جنبلاط، والنوّاب مروان حمادة، ووائل أبو فاعور، وهادي أبو الحسن، وفيصل الصّايغ، والنائب السّابق أيمن شقير، إضافةً إلى نخبةٍ من الشّخصيّات المؤسّساتيّة ورجال الأعمال من أبناء الطّائفة المقيمين والمغتربين، وأعضاءٍ من مجلس الإدارة في المجلس المذهبيّ، وإلى باسم غانم وخضر الغضبان المتابعيْن من جانب وليد جنبلاط للشّأن الإنسانيّ المتعلّق بتأمين المساعدات الصحّيّة والغذائيّة وغيرها إلى السّويداء.
كلمة شيخ العقل
افتتح اللقاء أمين السّرّ المحامي رائد النّجّار بكلمة تقديم، ثمّ ألقى شيخ العقل ورئيس المجلس المذهبيّ الشيخ سامي أبي المنى كلمةً شدّد فيها على ثوابت الانتماء والوقوف إلى جانب أهالي السّويداء، فقال: “نلتقي لنؤكّد رسوخ هويّتنا التّوحيديّة العربيّة الأصيلة رغم التّحدّيات، ولنعلن استعدادنا للوقوف مع أهلنا في السّويداء وقفةً معروفيّةً إنسانيّةً تتجاوز التّجاذبات والسّياسة.”
وأضاف: “نلتقي بكم اليوم كوكبةً في الرّيادة والعطاء للعمل معًا على تحمّل المسؤوليّة الإنسانيّة تجاه أهلنا في السّويداء والنازحين منهم إلى لبنان، ولرفع مستوى “حملة دعم أهلنا في السّويداء” التي أطلقت من هذه الدّار بتاريخ 24 تمّوز، تأكيدًا على وحدة الطّائفة المعروفيّة وترابطها الرّوحيّ والاجتماعيّ.”
وأشار إلى خطورة ما شهدته المحافظة، وقال: “كشف الواقع الكارثيّ عن مؤامرةٍ كبيرةٍ رسمت بدماء الأبرياء وبخسائر فادحةٍ في الأرواح والممتلكات، ما يستدعي تحقيقًا شفافًا ودقيقًا لتحديد المحرّضين والمرتكبين ومحاسبتهم.” واستذكر في هذا السّياق موقفًا لوليد بك جنبلاط بوصفه تعبيرًا حازمًا عن المطالبة بالمحاسبة.
وأعلن شيخ العقل تواصل الجهود الإغاثيّة والإنسانيّة على مسارين: احتواء المشهد الأمنيّ والسّياسيّ، وملاقاة الحاجات الملحّة للسكّان، موضحًا أنّ اللجنة الصحّيّة في المجلس المذهبيّ باشرت عملها بالتعاون مع “جمعيّة دعم المريض Patient Care” وبالتّنسيق مع مستشفيات محافظة السّويداء لإعداد لوائح الحاجات الطّبيّة وإرسالها تباعًا، وذلك بعد التفاهم مع الصليب الأحمر اللّبنانيّ والهلال الأحمر السّوريّ والمنظّمات الدّوليّة. كما انطلقت اللّجنة الاجتماعيّة بحركةٍ واسعةٍ لجمع المساعدات العينيّة بالتعاون مع جمعيّات التّجّار والبلديّات وتجمّع الهيئات النّسائيّة.
وشدّد على أنّ “ما نقوم به يغطّي جزءًا من حاجات أهل السّويداء إلى جانب ما يصلهم من مساعداتٍ دوليّةٍ وعربيّةٍ وأهليّة، وهو واجبٌ لن نتخلّى عنه”، مجدّدًا المناشدة بفكّ الحصار وفتح الممرّات الإنسانيّة وتأمين مستلزمات الحياة وإعادة الإعمار.
وخاطب المحسنين قائلًا: “أيّها الكرماء، ليكنْ إيماننا قويًّا وتبرّعنا سخيًّا؛ ننصر أهلنا بموقف التّضامن قبل المال، وليكن التبرّع بالغًا يوازي الجرح البليغ.” وختم مستشهدًا بقوله تعالى: “الّذين ينْفقون أمْوالهمْ باللّيْل والنّهار سرًّا وعلانيةً فلهمْ أجْرهمْ عنْد ربّهمْ ولا خوْفٌ عليْهمْ ولا همْ يحْزنون”.
نقاشاتٌ وآليّاتٌ معلنة
بعد الكلمة، فتح باب المداخلات، حيث طرحت تساؤلاتٌ واقتراحاتٌ تتعلّق بالجوانب الإنسانيّة واللّوجستيّة، وقد قدّمت إيضاحاتٌ حول طرق جمع المساعدات وتأمينها بالتعاون مع الصليب الأحمر اللّبنانيّ والهلال الأحمر السّوريّ.
وفي ختام اللقاء، أعلن استمرار حملة التبرّع ضمن آليّاتٍ مدروسةٍ مرتبطةٍ بعمل لجنة المتابعة في المجلس المذهبيّ، بما يشمل تشكيل لجنةٍ موثوقةٍ لتنظيم تسليم المساعدات وتوزيعها على المستحقّين، ونشر لوائح المتبرّعين على موقعي مشيخة العقل والمجلس المذهبيّ، ولاحقًا نشر التقارير الخاصّة بعمليّات التوزيع.
وختامًا، توجّه الشيخ سامي أبي المنى بالشّكر والدّعاء إلى كلّ من تكرّم بالتبرّع، متمنّيًا استمرار لقاءاتٍ مماثلةٍ مع مجموعاتٍ أخرى من أصحاب الأيادي البيضاء والقادرين على الدّعم والمساندة
———————————–
لهذه الأسباب تركيا ستكسب معركتها مع إسرائيل/ محمود سلطان
29 آب 2025
في حين يجري النفخ إعلاميا، في البروباغندا الإسرائيلية، وادعاءاتها بأنها تعيد تشكيل الشرق الأوسط، وذلك لرسم صورة مزيفة، بوصفها “دولة عظمى”، أو الإقليم الذي يعيد تشكيل صلصال المنطقة، تعمل تركيا برصانة، وبلا ضجيج ـ فعلاـ على إعادة هيبتها التاريخية، في منطقة الشرق الأوسط، ليس بوصفها قوة إمبريالية، وإنما كإقليم رائد، له مشروعه الحضاري والإنساني، يقوم على “المشاركة لا المغالبة”، وله قبوله في منطقة يشغل الإسلام فيها، المساحة الكبرى من خريطتها السياسية.
في 18 ديسمبر/كانون الأول 2024، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: ” إن كل حادثة وقعت مؤخرا في منطقتنا ـ لا سيما في سورياـ تذكرنا بالحقيقة التالية: أن تركيا أكبر من تركيا. ولا يمكننا كشعب أن نحصر آفاقنا”. وزاد :”لا تستطيع الأمة التركية الهروب من مصيرها”.
بعدها بأربعة أيام ـ 22 ديسمبر/كانون الأول ـ قال زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي: “إن “التاريخ علمنا أن المحطة الأولى نحو فتح القدس هي دمشق، وإذا كانت دمشق آمنة فعندها سيحين الوقت لتكون القدس آمنة أيضا”.
وهدد تل أبيب “التي تتجه أنظارها إلى دمشق”، بأنها “ستتلقى صفعة من العثمانيين في القدس”.
ولفت مختصون في الشأن التركي، إلى أن التصريحين ـ أردوغان ومن بعده بهتشلي ـ وُضعا في إطار حضاري، يحيل “تركيا الجديدة” إلى موقع استئناف إرثها العثماني، عصر الإمبراطوريات الكبرى، عندما حكمت العالم لأكثر من ستة قرون، وهي الفكرة التي ما انفكت تثير القلق ـ ليس فقط في إسرائيل ـ وإنما في الولايات المتحدة الأميركية.
فيما تلقى سياسات أنقرة ـ في نسختها الإسلامية ـ صدى لدى شريحة واسعة، من المسلمين السنة والإسلاميين السياسيين، وتقدم نموذجا قد يكون ملهما كما يُعتقد، لتطلعات الإصلاحيين السياسيين في الحاضنة الجغرافية من حولها.
يقول ياروسلاف تروفيموف كبير مراسلي الشؤون الخارجية في صحيفة وول ستريت جورنال: “ومن الواضح أن تركيا سوف يكون لها الصوت الأكثر أهمية في دمشق في الفترة المقبلة، وسوف يزداد نفوذها بشكل متزايد في أماكن أخرى أبعد من ذلك”.
ويضيف تروفيموف: “هذا يجعل أردوغان أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق طموحاته في مجال نفوذ يمتد عبر الأراضي العثمانية السابقة، وصولا إلى ليبيا والصومال”.
وفي حين راوحت إسرائيل مكانها الجغرافي، وظلت عالقة في بضعة مخيمات بالضفة والقطاع، وشريط حدودي لبناني انسحبت منه لاحقا، فإن تركيا تتمدد مظلتها بهدوء وتؤدة، إلى ما بعد حدودها العثمانية القديمة.
لقد سجلت صوفي سيبان بيكاش وسيمون سيروسي، على سبيل المثال، في مقال لهما على موقع “المجلس الأطلسي” Atlantic Council، ما يشبه انهيار الحضور الإسرائيلي في القارة الأفريقية، وتراجعه ـ بعد عدوانها البربري والهمجي على قطاع غزة ـ إلى أقل من 40%، حيث يقولان:” إنه اعتبارا من 2024 افتقرت إسرائيل إلى سياسات اقتصادية ودبلوماسية طموحة لتطويرعلاقاتها مع أفريقيا.
وبينما كان لديها ثلاثة وثلاثون سفيرا في القارة في الستينيات، فإن الدولة اليهودية لديها اليوم 13 بعثة دبلوماسية و3 تمثيلات اقتصادية وملحق عسكري واحد فقط في أفريقيا، وذلك بالتزامن مع إدراجها ـ على الصعيد الدولي ـ كدولة منبوذة، لأول مرة منذ تأسيسها، بفضل جهود أفريقية، ناضلت بشجاعة ونجحت في إدانتها، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وفي المقابل عززت تركيا حضورها الدبلوماسي والأمني في أفريقيا، فتاريخيا كان نفوذها مقتصرا في الأغلب على شمال أفريقيا والقرن الأفريقي؛ بسبب الروابط الجغرافية والدينية، بيد أنه قد توسع هذا النفوذ في دول غرب أفريقيا، مثل نيجيريا والسنغال، وكذلك دول الساحل.
تقول الأرقام إنه حتى 2002 كان عدد السفارات التركية في أفريقيا لا يتجاوز 12 سفارة، ومع بداية 2022 ارتفع إلى 44 سفارة، وخلال العقدين السابقين ارتفع حجم التجارة بين تركيا وأفريقيا من 5.4 مليارات دولار إلى أكثر من 40 مليار دولار 2022.
وذلك بالتزامن مع تحولها إلى لاعب رئيسي في المشهد الأمني المتغير في القارة السمراء، من خلال إبرامها اتفاقات دفاعية مع دول غرب أفريقيا وشرق أفريقيا، بما في ذلك إثيوبيا، وكينيا، وغانا، ونيجيريا، ورواندا، وعقود مبيعات أسلحة بالمليارات.
وفي 2011 لعبت دورا محوريا في الصومال بتقديم المساعدات الإنسانية خلال المجاعة، وأنشأت عام 2017 قاعدة توركسوم العسكرية في مقديشو، وهي أكبر منشأة تدريب عسكري لها بالخارج.
وفي 2019 تدخلت عسكريا في الحرب الأهلية في ليبيا، من خلال دعم إدارة طرابلس ضد الجنرال خليفة حفتر.
فضلا عن أن النظام العالمي المتفكك، جعل من الصعب على الاتحاد الأوروبي، أن يصمم سياسة أفريقية متماسكة، كما فشلت ـ كذلك ـ معظم المبادرات التي أطلقتها الولايات المتحدة في القارة، ما أدى إلى تقارب “تركي ـ أفريقي” على حساب مصالح المنافسين التقليديين: فرنسا ـ بطبيعة الحال ـ وإسرائيل المتوثبة منذ ستينيات القرن الماضي.
لقد أصبحت تركيا مؤخرا ـ على سبيل المثال ـ أقرب إلى مصر، ويرجع ذلك في الغالب، إلى تقارب المواقف بشأن الصراعات في السودان وغزة، كما تدير أنقرة بمهارة علاقاتها، مع كل من المغرب والجزائر، وهما من المنافسين الإقليميين.
وفي منطقة الساحل والقرن الأفريقي، ينظر إلى تركيا على أنها أقل إشكالية من موسكو، ومن مجموعات فاغنر، وأكثر شعبية من القوى الاستعمارية السابقة.
وفي آسيا ـ التي يشكل المسلمون 40% من سكان مناطق شاسعة منها ـ باتت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، منطقة عصية على الاختراق الناعم أو الأمني الإسرائيلي، وفي المقابل تنظر دول آسيا الوسطى إلى تركيا، باعتبارها نموذجا يمكنها أن تقتدي به، وهو النموذج الذي حقق نجاحا رغم ما يتردد من مآخذ بشأنه!
وتتفوق تركيا على إسرائيل في أنها كدولة، تندرج ضمن العديد من الفئات: فهي اقتصاد أوروبي، وقوة كبرى في الشرق الأوسط، ومركز بحري في البحر الأبيض المتوسط، وهي أيضا أمة إسلامية.
وليس بوسع أي مراقب، أن يتجاهل حقيقة الهوية الجيوسياسية لتركيا، التي تحتوي على عنصر مهم آخر: كونها تركية، وتعتمد أنقرة بشكل متزايد على ذلك، لتوسيع علاقاتها الاقتصادية مع الدول التركية، التي يدرجها الأتراك ـ على المستويين الشعبي والرسمي ـ كدول شقيقة، والتي يقع معظمها في آسيا الوسطى.
خاصة أن روسيا كانت تقليديا، القوة الإقليمية صاحبة اليد العليا في تلك المنطقة، ولكن مع طردها بشكل متزايد من الاقتصاد العالمي، بعد حربها على أوكرانيا، شغلت تركيا مكانها بدون أي معوقات أو تكلفة سياسية.
حتى على مستوى الوزن، في العلاقات الأوسع بما فيها أوروبا، فإن تركيا هي “الشريك الأثقل” من الدولة اليهودية، فلا يمكن بحال أن تكون الأخيرة، كتفا بكتف مع الأولى في هذا الإطار.
ففي حين تعد تركيا، أكبر الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي، حيث تخطت صادراتها للاتحاد 93 مليار دولار في 2021، فقد بلغت قيمة الصادرات، من إسرائيل إلى الاتحاد الأوروبي، ما يقرب من 18 مليار دولار أميركي، في العام ذاته.
فالمشروع التركي ـ لحمولته التارخية والدينية ووفقا للأرقام والواقع على الأرض ـ هو المشروع “الإنساني” الأوفر حظا، ليتبوأ منزلة المركز في منطقة الشرق الأوسط، بوصفه النموذج الملهِم، الذي يعيد تشكيلها بالتراضي والقبول، وليس إسرائيل “المتعجرفة، التي دفنت كل أشواقها في المنطقة، تحت أنقاض غزة المدمرة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب وصحفي مصري
الجزيرة
————————-
الخيارات الإجبارية.. أطراف الصراع السوري والسباق إلى تل أبيب/ عبد القادر المنلا
2025.08.29
سجّل الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري إحدى التناقضات الصارخة في التاريخ القريب عندما هرب من العراق إلى سوريا في أثناء حكم صدام حسين، واحتمى برئيس النظام السوري حافظ الأسد. حدّد الشاعر حينها موقفه – من دون أن يقصد – وفق مقياس التوازنات المضطربة التي تقنع متبنيها بصوابية ما يفعله، في حين تبدو للمراقب المحايد أمرًا فاقدًا للانسجام إلى درجة تثير السخرية.
فالهروب من ديكتاتور إلى آخر للاحتماء به هو بحد ذاته فكرة كاريكاتورية لا تصلح أن تكون شيئًا آخر مهما كانت المبررات والأسباب.
امتدح الجواهري حافظ الأسد بقصائد كثيرة، وميّزها الغلو في التقديس، وربما التأليه، وكان جوهر ذلك المديح مشروطًا بإبراز مساوئ صدام حسين أو شيطنته شعريًا، لتكتمل حلقة النفاق والتناقض الصارخ.
تتكرر هذه الصورة اليوم في الحالة السورية مع إضافة بعد أكثر سوادًا للمشهد المظلم أصلًا، حيث تتسابق بعض أطراف الصراع في سوريا للتقرب من تل أبيب وطلب حمايتها، معلنة الولاء لها في مقابل إعلان العداء للسلطة القائمة.
إذا اتفقنا مع الأطراف المناوئة لسلطة دمشق والرافضة لوجودها، على دكتاتورية تلك السلطة والانتهاكات التي ارتكبتها بعد استلامها زمام الأمور في سوريا، وإذا سلّمنا بمخاوف تلك الأطراف على وجودها ومستقبلها، فإن اعتبار تل أبيب طريق النجاة سيبدو، في كل الأحوال، طريقًا أشد وعورة وأكثر خطرًا. وستبدو الأطراف التي تطلب حماية الاحتلال الإسرائيلي كمن يستجير من الرمضاء بالنار، بل بالجحيم في حقيقة الأمر، وسيبدو موقفها أكثر كاريكاتورية من موقف الجواهري إذا اتفقنا على أن سلطة دمشق دكتاتورية أو تمارس القمع ضد فئة من السوريين.
بعد أحداث الساحل في آذار الماضي، طالبت بعض الأصوات بالحماية الدولية، وحتى الإسرائيلية، لكن تلك الدعوات لم تلقَ ترحيبًا شعبيًا واسعًا من أهالي الساحل، واقتصرت على أصوات فردية سرعان ما تلاشت، رغم حجم المعاناة.
في السياق ذاته، بدت “قوات سوريا الديمقراطية” منفتحة وغير معترضة على مثل هذه الدعوات، وربما لمّحت إلى استعداد ضمني للتعامل مع إسرائيل بدلًا من النظام. ثم انطلقت لاحقًا دعوات صريحة من السويداء تطلب الحماية الإسرائيلية مباشرة.
في سباق التقرب من تل أبيب، تبدو “الحكومة السورية المؤقتة” إحدى تلك الأطراف التي حاولت تجنب العداء مع إسرائيل وخطب ودها، رغم كل الاستهدافات الإسرائيلية التي تنفذها متى شاءت، سواء بذريعة حماية مصالحها أو لحماية الأقليات، وعلى وجه التحديد “الدروز”.
وإذا كانت هناك تبريرات لطلب الحماية الإسرائيلية لدى الأطراف المعارضة لسلطة دمشق، فإن تبريرات تلك السلطة، من وجهة نظرها، تبدو “حتمية” في هذه المرحلة. ربما كانت هناك خيارات أخرى للرافضين لسلطة النظام، غير اللجوء إلى تل أبيب، أما بالنسبة للنظام، فإن أي خيار آخر لا يبدو واقعيًا. وتبدو مشاركته في هذا السباق إطارًا سياسيًا بين دولتين، رغم هشاشة الدولة السورية وضعف أوراقها الإقليمية، خاصة في علاقتها مع إسرائيل، لكن الصدام المباشر سيعيد سوريا إلى ما قبل نقطة الصفر، وتبدو السلطة هنا هي الأكثر حاجة للتعامل الدبلوماسي مع تل أبيب، رغم ما لذلك من أثر على هيبتها.
هذا واقع محرج للجميع. لكن دخول بعض القوى في السويداء على خط السباق وبتلك الطريقة الصارخة والمباشرة، يبدو الأكثر مأساوية. ولسنا هنا بصدد تقييم هذا السلوك، لكن سوء حظ السويداء أنها طلبت حماية تل أبيب في حين الأخيرة غارقة في دماء أهالي غزة، ومدانة بجرائم حرب حتى من أصدقائها. وتبدو السويداء وكأنها فرّطت بمظلوميتها من خلال الاستقواء بسلطة ترتكب أضعاف ما ترتكبه سلطة دمشق التي ترفضها.
إذا سلّمنا بصحة الرواية بأن السلطات السورية قتلت ما يقارب 1500 شخص، وأحرقت ودمرت المنازل وارتكبت انتهاكات ومجازر، فإن جرائم إسرائيل في غزة يجب أن تمنع أي مظلوم من اللجوء إليها. فمن يُقتلون في غزة بشر أيضًا، ولا يمكن لضحية أن تلجأ إلى جلاد وتعتبره مخلصًا. وإذا فعلت، فإنها تُفقد مظلوميتها مصداقيتها، وتعيد رسم الحكاية كاصطفافات وصفقات سياسية لا علاقة لها بالبعد الإنساني.
تبدو السويداء أسوأ حظًا من الجواهري، لأنه طلب الحماية من دكتاتور يشبه الآخر، أما تل أبيب، فتتفوق على النظام في حجم الجرائم ونوعيتها وتعمدها، وفق ما يراه ناشطو السويداء أنفسهم.
عندما كانت سوريا ترفع شعار “المقاومة والممانعة” في عهد الأسد، استهدفت إسرائيل ميليشيات إيرانية أو مواقع مرتبطة بحزب الله، ولم تستهدف جيش النظام السوري إلا في حالات محدودة. لكن بعد سقوط النظام الممانع، ومجيء حكومة أعلنت منذ اليوم الأول نيتها السلمية وعدم خوض الحروب، بدأت إسرائيل تستهدف الإمكانات العسكرية السورية المتبقية.
بدت إسرائيل متصالحة مع نظام الأسد الذي رفع شعار “الممانعة”، وبدأت حربًا حقيقية بعد سقوطه ضد حكومة أعلنت استعدادها للسلام معها. وهذا يجب أن تتنبه له الأطراف التي تطلب الدعم الإسرائيلي، لأن إسرائيل لا تساعد، بل تستثمر وتستخدم تلك الأطراف.
طلب بشار الأسد الحماية من إيران وروسيا، وهما حليفان له، لكنهما لم يترددا في تقويض سلطته في نهاية المطاف.
في ممارساتها، تعيد إسرائيل فرض حالة العداء المباشر مع سوريا، وتخوض حربًا من طرف واحد، مستغلة الضعف الذي سببه النظام، واستكملت هي تدميره بعد سقوطه. ويجب على الأطراف التي تطلب الحماية من إسرائيل أن تراجع حساباتها. فإن لم تجد سبيلًا للتفاهم مع السلطة، فعليها البحث عن مسارات أخرى، ويجب ألا يكون من بينها الاستقواء بالاحتلال الإسرائيلي.
فهذا الاستقواء سيمكن إسرائيل من تعديل استراتيجيتها في سوريا، وربما استخدام السويداء كأداة، وخلق بؤر توتر جديدة، قد تصل حتى إلى التحرش بمصر. وعندها، سيُسجل التاريخ بقعة سوداء في تاريخ السويداء، وهو ما لا يريده أي سوري يرى في أهالي السويداء جزءًا أصيلًا من نسيج الوطن، ورافضًا لأي محاولة لتوظيفهم في مشروع الاحتلال الإسرائيلي الذي يستغل تناقضات المنظومة الحالية لتحقيق مصالحه.
تلفزيون سوريا
————————–
إسرائيل تتوغل ثانية جنوب سوريا.. وتحتجز “وسائل قتالية“
الرياض- العربية.نت
29 أغسطس ,2025
شهدت محافظتا القنيطرة ودرعا جنوب سوريا تحليقاً مكثفاً للطيران الإسرائيلي، وفق ما أفاد مراسل العربية/الحدث اليوم الجمعة.
كما توغلت عدة آليات عسكرية إسرائيلية في قرية الصمدانية الشرقية بريف القنيطرة، وقامت بمداهمة أحد المنازل وتفتيشه، حسب ما نقل التلفزيون السوري.
فيما أعلن الجيش الإسرائيلي لاحقا العثور على وسائل قتالية في مواقع جنوبي سوريا. وأوضح في بيان، أنه “خلال سلسلة من العمليات الليلية في الجنوب السوري، أنهت قوات اللواء 226 بقيادة فرقة 210 وبمشاركة محققي الميدان من الوحدة 504، في الأيام الأخيرة اعتقال عدد من المشتبه بهم الذين انخرطوا في ترويج نشاطات إرهابية ضد قواتنا”.
كما أضاف أنه “خلال عمليات التمشيط تم العثور على وسائل قتالية “.
إنزال عسكري
وكانت القوات الإسرائيلية نفّذت ليل الأربعاء إنزالا جويا في موقع عسكري يقع على بعد نحو 30 كلم جنوب دمشق، تعرّض لقصف متكرر في الأيام الماضية.
فيما ذكر مصدر سوري حكومي أن قوات سورية عثرت في موقع جبل المانع يوم الثلاثاء الماضي “على أجهزة مراقبة وتنصّت”، مضيفا أنه “أثناء محاولة التعامل معها، تعرّض الموقع لهجوم إسرائيلي جوي أسفر عن مقتل وإصابة عدة جنود وتدمير آليات”.
كما شنت الطائرات الإسرائيلية لاحقا عدة غارات، أعقبها إنزال جوي، وسط استمرار التحليق المكثف لطيران الاستطلاع.
يشار إلى أنه منذ سقوط النظام السابق، صعدت إسرائيل توغلاتها في الجنوب السوري، واستمرت ضرباتها وغاراتها على مواقع عدة.
فيما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده عازمة على إنشاء منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، بما فيها محافظة السويداء، ذات الأغلبية الدرزية.
————————-
نتنياهو: لست ساذجا وأفهم مع من نتعامل في سوريا
قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الخميس، إن حكومته تستخدم القوة بسوريا بدعوى أنها “لا تخدع نفسها بشأن من يسيطر على البلد العربي”.
وجاءت تصريحات نتنياهو خلال جلسة خاصة في غرفة العمليات الدرزية، في قرية جولس شمال إسرائيل، وفق ما ذكرت القناة 12 الإسرائيلية، وسبق أن حاولت إسرائيل تبرير عدوانها المتكرر على سوريا بسعيها إلى تحويل جنوبها إلى منطقة منزوعة السلاح، فضلا عن تدخلاتها المتكررة تحت ذريعة حماية الدروز.
وأضاف نتنياهو “لست شخصا ساذجا، وأفهم تماما مع من نتعامل في سوريا، ولهذا السبب استخدمنا القوة” وفق تعبيره.
وفي 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 بسطت فصائل سورية سيطرتها على البلاد، منهية 61 عاما من حكم حزب البعث، بينها 53 عاما من سيطرة أسرة الأسد.
ومساء الأربعاء، شنت إسرائيل غارات جوية على موقع قرب مدينة الكسوة في ريف دمشق الجنوبي، في ثالث عدوان على المحافظة خلال أقل من 24 ساعة، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وجاءت الغارات الإسرائيلية على محيط الكسوة، غداة قصف استهدف المدينة، وقتل 6 جنود سوريين، تزامنا مع تنفيذ قوات إسرائيلية توغلات متكررة بمحافظة القنيطرة.
ومنذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول الماضي، تنتهك إسرائيل سيادة سوريا، رغم مساعي الإدارة السورية الجديدة لترسيخ الأمن والتعافي من آثار الحرب والتركيز على التنمية الاقتصادية.
وفي تصريحات سابقة، أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق لا تسعى إلى حرب مع إسرائيل، وجدد الدعوة إلى تطبيق اتفاقية فصل القوات لعام 1974.
وفي 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلنت إسرائيل انهيار الاتفاقية واحتلال جيشها المنطقة العازلة منزوعة السلاح بهضبة الجولان، التي تحتل معظم مساحتها منذ عقود.
واتفاقية فصل القوات جرى توقيعها بين إسرائيل وسوريا في 31 مايو/أيار 1974، وأنهت حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973 وفترة استنزاف أعقبتها على الجبهة السورية.
المصدر: وكالة الأناضول
———————-
هبوط إسرائيلي في السويداء يورّط الدروز… وفتح خط دمشق بديلاً من ممرّين آخرين
تسأل “النهار” المصادر عن إرسال إسرائيل السلاح إلى السويداء.
لم تُستثن السويداء من المشهدية العسكرية الاستثنائية التي شهدها الجنوب السوري ليل الأربعاء، وفي ظل التوغلات والإنزالات التي حصلت في القنيطرة وريف دمشق الغربي. فقد هبطت مروحيات إسرائيلية في السويداء، ما فتح الباب على أسئلة كثيرة حول الهدف من هذا الهبوط وتداعياته، خصوصاً أنه استبق اجتماع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الهيئة الروحية الدرزية في إسرائيل موفق طريف.
مصادر في السويداء تتحدّث عن الهبوط الذي حصل وتؤكّده، وتقول إنه يتكرّر كل فترة، وتشدّد المصادر على وجوب التمييز بين إسقاط المساعدات وهبوط المروحيات، فتشير إلى أن الهبوط عادة كان يحصل لنقل جرحى من السويداء إلى إسرائيل لعلاجهم، وأعدادهم قليلة، فيما إسقاط المساعدات يحصل جواً من دون الهبوط، مع ضرورة الإشارة إلى أن كمّيات المساعدات ضئيلة وفق المصادر.
لا تعرف المصادر هدف هبوط المروحيات ليل الأربعاء في السويداء، لكنها تقول إن التبعات سلبية وتصعيدية، خصوصاً أن سياقها يتزامن مع الهجمات على القنيطرة ودمشق، فرسم الهبوط صورة وكأن إسرائيل تهاجم السلطات السورية وتهبط في السويداء، فتربط الأخيرة بالاشتباك الحاصل دون أن تكون السويداء مشاركة فيه، وتعمّق الشرخ بين الدروز والسنّة.
إلى ذلك، تتحدّث المصادر عن المساعدات التي ترميها إسرائيل في السويداء، وتقول إن مروحيات رمت يوم الثلاثاء 220 سلّة غذائية فقط لأكثر من 100 ألف نازح، وهو رقم قليل جداً، ولا يقارن بأرقام المساعدات القادمة من الهلال الأحمر السوري، لكن التغطية الإعلامية الإسرائيلية والبروباغندا الحاصلة تضخّم من حجم المساعدة الإسرائيلية للمحافظة الدرزية.
وتسأل “النهار” المصادر عن إرسال إسرائيل السلاح إلى السويداء، فتقول المصادر إنه في آخر مرّة رمت إسرائيل سلاحاً كان عبارة عن 30 بندقية قنّاصة لكن دون مناظير ولا مخازن رصاص، وبالتالي هي ماكينات لا يمكن استخدامها. وتعود المصادر إلى البروباغندا التي تقودها إسرائيل والتي تشير بموجبها إلى أنها تمد السويداء بالسلاح والغذاء، لكنها “لا ترسل إلّا الفتات”، وفق تعبير المصادر.
يتحدّث المصدر عن واقع إنساني “مأسوي” في مراكز الإيواء في السويداء، ويصف مشاهداته، ويشير إلى امرأة حامل رصدها وهي تشرب كميات كبيرة من المياه لتتفادى شعور الجوع، لأنه لا مواد غذائية كافية.
وفي سياق إرسال المساعدات، المستجد الذي وجب الحديث عنه كان فتح طريق دمشق – السويداء المقفل منذ أحداث تمّوز الماضي بعد تأمينه. ووفق مصدر آخر، فإن الطريق هو بديل لممر بصرى الشام الذي تمر من خلاله المساعدات، وحيث تشكّل العشائر ضغطاً على مرور القافلات وتحاول استهدافها، وهو أيضاً محاولة سورية لتأمين الممرات والمساعدات وقطع الطريق على أي ممر من إسرائيل.
إلى ذلك، عقد نتنياهو اجتماعاً مع طريف في الجليل، وكان مضمون الاجتماع مستجدات السويداء وموقف إسرائيل منها، لكن لا معلومات رشحت عن اللقاء وتفاصيله.
————————-
=====================
تحديث 28 آب 2025
—————————-
إمارة السويداء خريطة الطريق/ غازي دحمان
28 اغسطس 2025
تتشكّل في السويداء إمارة بالمعنى الذي شهدناه لدى التنظيمات الإسلامية، ولاسيما من حيث الأدوات والأيديولوجيا، تنظيم عسكري يشكل العنوان الأساسي للإمارة، فكر رافض للآخر ومتطرّف يقوم على بعث هوية وسردية موازية، ووجود أمير، مرجع روحي وفكري، وهيكلية عسكرية ومدنية تعمل لتنفيذ أوامره التي تأتي غالباً في سياق تعزيز السردية.
ومثل نظيراتها الإسلامية، يغيب التفكير الاستراتيجي عميق المدى عن القائمين على إمارة السويداء، حيث لا وجود لإجابات واضحة عن مسائل من نوع: ما هي فرص إقامة هذه الإمارة، وهل الظروف الدولية والإقليمية مناسبة، وكيف يمكن الحصول على الموارد اللازمة لإدارة هذه الإمارة. وبدل ذلك، يجري استثمار البعد العاطفي وتضخيمه بدرجة كبيرة، واتكاء علني على رهاناتٍ ليست واضحة وغير مفهومة.
في الإمارة، تكون السيطرة للأقوى، لنخبة مسلّحة متطرّفة، في أحيان كثيرة تضع قائداً واجهة لها، وتفرض على بقية المجتمع الواقع تحت سيطرتها تأييدها بالقوة، مستثمرةً، في أحيان كثيرة، حدثاً تأسيسياً، لتضعه مرتكزاً لشرعيّتها وسيطرتها، لكنها تستند، بدرجة كبيرة، على مخاوف الفئة التي تهدف إلى السيطرة عليها، والتي تكون بالطبع مخاوف وجودية تدفع هذه الفئة إلى استساغة السيطرة ورفض كل من يخالف هذا التوجّه، واعتباره خارجاً عن الإجماع وخطراً يتوجب التصدي له.
تاريخياً، للسويداء تجربة مديدة مع الإمارة والأمراء، ثمة عائلات في السويداء ما زالت تُعرف باسم الإمارة، في البداية كانت الإمارة تحت سلطة آل حمدان، إلى أن قضت عليها عائلة الأطرش سنة 1877 وسيطرت على دار الإمارة في ناحية عرى، وظلت دار الإمارة باسمهم وما زالوا يلقّبون بالأمراء. وفي التاريخ أيضاً، استفادت عائلة الأطرش من التوازنات القائمة في ذلك الوقت، حيث ضمنت سيطرتها على جبل العرب نتيجة دعم العثمانيين لها في مواجهة ما سمّيت في حينه “ثورة الفلاحين”، وفي مرحلة لاحقة استفادت العائلة من الصراع الفرنسي الإنكليزي في المشرق العربي.
يأتي خيار الإمارة في السويداء اليوم بوصفه أحد إفرازات التغيير الذي شهدته سورية، بعد سقوط نظام الأسد ووصول إسلاميين إلى السلطة، ما يوفّر شرطاً موضوعياَ لتشكيل الإمارة، يقوم على اعتبار أن البيئة المحيطة تحتّم اللجوء إلى هذا الخيار، باعتبار أن وصول الإسلاميين يشكّل خطراً على المجتمع الدرزي، يكاد يكون وجودياً، لكن خطوط هذا الخيار ترجع إلى بدايات الثورة السورية والتحوّطات التي قامت بها السويداء، وتمثلت بتأسيس تشكيلات عسكرية من أجل الحماية الذاتية وشراء الأسلحة. وهنا يمكن الإشارة إلى الضابط في الحرس الجمهوري، عصام زهر الدين، الذي كان له دور مهم في التأثير بالرأي العام في السويداء عبر تركيزه على مخاطر الإسلاميين والتحذير منهم على أمن السويداء ووجود الدروز.
ومثل أي إمارة، لا يمكن أن تستمر أو تقوى بدون دعم خارجي، فإن، الإمارة قيد التأسيس في السويداء تجد فرصة في تقاطع مصالح قيادتها مع رغبات دول إقليمية لم يعجبها وصول الإسلاميين، وتلقى دعماً واحتضاناً منهم، عبر المساعدة في ترشيد سلوكهم السياسي، ودعمهم إيصال صوتهم إلى مراكز القرار في الخارج، وتوفير مساحات إعلامية لدعم سرديّتهم وإبرازهم طرفاً حضارياً ومدنياً في مواجهة قوى متطرّفة قادمة من خارج منطق العصر وقيمه.
لكن الداعم الأساسي، الصريح والعلني للإمارة، هو حكومة نتنياهو المتطرّفة، حيث تلتقي فكرتها مع مشروع إسرائيل الكبرى وقد تكون أحد روافده الذي يضم دمشق، أو جزءاً من هيكليته القائمة على تشكيل كيانات ضعيفة تحت هيمنة إسرائيل. لذا ليس مستغرباً نهوض فكرة استقلال السويداء بالتزامن مع الحديث الإسرائيلي عن خرائط جديدة وشرق أوسط مختلف وحدود بعيدة لإسرائيل. ومن الواضح أن جرأة قادة الإمارة في السويداء ورفع سقفهم عالياً تتغذّى من قوة إسرائيل وتحدّيها العالم وقدرتها على جعل كل شيء ممكناً.
واضح أن خريطة إمارة السويداء ستشمل مناطق واسعة من جنوب سورية، فالسويداء، التي تشكّل عاصمة الإمارة، لا تملك أي مخزونات استراتيجية غذائية أو مائية تكفيها للعيش لأسبوع، ماؤها وقمحها وخضارها من حوران، وحوران تشكل وفق ذلك المساحة الحيوية التي بدونها لن تكون للإمارة أي قدرة على البقاء والاستمرار.
السؤال هنا كيف سيتم تأمين السيطرة على المقلب الحوراني الذي سيكون بالأصل معادياً للإمارة وخطراً وجودياً على مصيرها؟، من الواضح وجود مخطّط إسرائيلي لتفكيك هذه المشكلة، يقوم على عمليات القضم البطيء، ولكن الحثيث والتدرجي، في الوقت نفسه، لمناطق في درعا والقنيطرة، وإيجاد فراغ سلطوي في المحافظتين المحيطتين بالسويداء، يشكّل ذريعة لإسرائيل لحماية حدودها، والتمدّد في هذه المناطق. وتؤكّد شهادات مواطني القرى الحدودية والواقعة في الشريط الحدودي الذي باتت تسيطر عليه إسرائيل، أن سكان تلك المناطق يواجهون عربدة إسرائيلية تدفع إلى استفزازهم، لتكون ذريعة لتهجيرهم. والمفارقة أن أغلب الضباط والعناصر الذين كلفتهم إسرائيل التعامل مع سكان هذه المناطق عرب، وقد لوحظ أن كثافة استفزازاتهم زادت بعد أحداث السويداء!.
لم يعد الحديث عن إمارة السويداء افتراضياً ولا يندرج ضمن سياق تحليلات نظرية المؤامرة، ثمّة من باشر بصناعة الحيثيات والركائز لتأسيس هذه الإمارة، ويبدو أن هذا النمط سيكون إحدى أدوات تأسيس مشروع إسرائيل الكبرى الذي يجد اليمين الإسرائيلي الفرصة سانحة لإقامته.
العربي الجديد
————————-
السويداء: فخّ إسرائيل الذي ارتدّ عليها وقوّى الشرع/ بشر كناكري
2025.08.28
ما إن وصل أحمد الشرع إلى دمشق حتى استعجلت صحف ومراكز دراسات إسرائيلية القراءة وقدمت الزعيم الشاب كفرصة تاريخية ستقود دمشق إلى التطبيع مع تل أبيب، مستندةً إلى براغماتيته وجذوره الجولانية وخلفيته الإسلامية التي تمنحه شرعية شعبية تكفي لتسويق أي اتفاق.
وبعد توليه السلطة تصاعدت الضغوط الإقليمية على الشرع “الضعيف” لإبرام صفقة سلام شامل والانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية مقابل الدعم الاقتصادي ورفع العقوبات عن بلاده. لكن ما لم تدركه تل أبيب وحلفاؤها آنذاك هو أن الشرع كان لديه خطط أخرى.
قواعد اشتباك جديدة
منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل ستعني انهيار النظام الجديد. لذلك اختار الشرع طريقًا غير متوقع: المهادنة الدبلوماسية مع التحرش الميداني غير المباشر عبر ضرب الأذرع واستخدام التكتيكات الرمادية حتى تحقيق غاية في نفس أحمد.
إسرائيل، التي حسبت أنها أمام قيادة ضعيفة، اكتشفت سريعًا أنها أمام رجل يعرف كيف يناور وكيف يحوّل نقاط ضعفه إلى أوراق قوة. في شباط 2025 قال لي معارض سوري مرتبط بإسرائيل ويقيم في الخارج:“ثبت لإسرائيل أنه لا ينبغي لها الثقة بالشرع.. لن تثق به ولن تسمح بوجوده على حدودها.”
السويداء وانهيار سقف أبراهام
ارتكبت القوات الحكومية والمقاتلون المحسوبون عليها انتهاكات واسعة النطاق في السويداء، أقرت الحكومة بحدوثها في حين بدا وكأنه تجسيد حرفي لسياسة “اليدان المتسختان”،
أي القيام أو غضّ النظر عن القيام بممارسات غير قانونية وغير أخلاقية لهدف سياسي كبير، ثم الاعتراف بالأخطاء وعدم تبريرها بل ومحاسبة مرتكبيها.
سياسيًا، فإن ما حسبته إسرائيل فخًا محكمًا للشرع في السويداء انقلب إلى كارثة استراتيجية عليها، إذ اضطرت إلى التدخل لحماية أذرعها وتمادت حتى قصفت هيئة الأركان وقصر الشعب للمرة الأولى في تاريخها.
لكنها، في الواقع، كانت تمنح الرئيس السوري فرصة قلب الطاولة، إذ نفذ الشرع مناورة حاسمة تجسدت في خطاب 17 يوليو، حين استخدم لأول مرة مصطلح “الكيان الإسرائيلي” واضح الدلالات في الأدبيات العربية.
كما لوّح بالحرب ووضع الإسرائيليين أمام أكبر مخاوفهم: “الحرب المفتوحة”. نجا الشرع من وصمة سلام منفرد تاريخية، وأعلن مسارًا حصريًا وواضحًا: لا سلام ولا إبراهام، سقف تفاوضنا محدود بتفاهمات أمنية وفضّ للاشتباك لا أكثر.
مكاسب جانبية: وحدة والتفاف
في خطابه الذي لم يتجاوز السبع دقائق، كرر الشرع لفظ “الوحدة” سبع مرات حتى بدا أنه الثيمة الرئيسية للخطاب.
وتلك ليست صدفة، فلا شيء وحّد السوريين منذ قيام دولتهم كما وحّدهم العداء لـ”الكيان”.
وإسرائيل، التي أصبحت قبل عقد بالنسبة لبعض السوريين “عدوًا مفيدًا” يضعف نظام الأسد، عادت بما اقترفت إلى صورتها الكلاسيكية كعدو وجودي. والوحدة ضد إسرائيل هنا هي بالضرورة مزيد من الالتفاف حول أحمد الشرع.
العلويون وتبديد الاحتقان
العلويون، الذين ارتبط اسمهم بالنظام البائد، وجدوا في الاعتداء الإسرائيلي سببًا للعودة إلى الفضاء الوطني، إذ برزت أصوات وازنة من الساحل تعلن وقوفها مع الدولة الجديدة ضد “الغطرسة الإسرائيلية”. تبع ذلك صدور تقريري اللجنتين الوطنية والدولية للتحقيق في انتهاكات الساحل ووعود حكومية بمحاسبة المتورطين فيها. هذان التطوران خرقا الاحتقان الشعبي المزمن نسبيًا، وأدّيا إلى ما يشبه التسوية الضمنية التي قد تشكل خطوة كبيرة على طريق عزل الفلول والذهاب إلى مصالحة شاملة بين حكومة الشرع وجمهورها من جهة، والمكوّن العلوي من جهة أخرى.
العشائر وسحب البساط من تحت “قسد”
الحدث الأخطر، الذي تسبب به انسحاب القوات الحكومية تحت الضغط الإسرائيلي من السويداء، كان زحف عشرات آلاف مقاتلي العشائر نحوها بهدف معلن هو كسر الحصار عن أبناء عمومتهم فيها.
وبغضّ النظر عن وجود دور مباشر للحكومة في حشدهم من عدمه، فإن الشرع أثنى على “فزعتهم” وقدمها كرسالة حاسمة:
فحين ضُغطت دمشق هبّوا، وحين أمرهم بالانسحاب انسحبوا، مثبتين أن ولاءهم للدولة الجديدة يتجاوز أي ارتباطات سابقة. وبطبيعة الحال، فإن نسبة كبيرة من مقاتلي العشائر المقصودين كانوا من محافظات الجزيرة السورية.
التقطت “قسد”، التي ما زالت تستولي على المنطقة هناك، الرسالة وأدركت خطورة الموقف، فسارعت إلى عقد مؤتمر الحسكة لـ”المكونات”، لكنها فشلت في استقطاب معظم زعماء العشائر الذين يشكل مقاتلوهم عماد قوتها البشرية.
الإقليم يعيد الحسابات
السويداء لم تغيّر الداخل السوري فقط، بل حركت الإقليم كله. فالسعودية وتركيا رأتا في المشروع الإسرائيلي في الجنوب السوري خطرًا مباشرًا على أمنهما القومي، إذ إنه لا يعزل سوريا عن عمقها العربي فحسب، بل يمنح إسرائيل وعملاءها السيطرة على معظم الحدود السورية–الأردنية وتحويلها إلى منصة انطلاق باتجاه مدينة الأزرق الأردنية القريبة من الحدود السعودية، والتي تقطنها أقلية درزية.
كما أنه سيمهد الطريق أمام ما يسمى “ممر داوود”، الذي يتيح لإسرائيل الوصول إلى الجزيرة السورية ويكرّس الحالة الانفصالية “القَسَدية” على الحدود التركية. هذه المخاوف الجدية دفعت السعودية وتركيا للإسراع في تكثيف الدعم لدمشق، فسارعت المملكة إلى دعم دمشق سياسيًا بغطاء اقتصادي، وانخرطت تركيا في دعم وتدريب والمساعدة في إعادة هيكلة الجيش والقوى الأمنية السورية.
قلب الطاولة
إسرائيل أرادت جرّ الشرع إلى سلام إذعان، لكنه قلب الطاولة وخرج من فخها بالمزيد من الصلابة السياسية والوحدة الداخلية والاحتضان الإقليمي. فهمت إسرائيل المعادلة الجديدة وأعادت تقييم سلوكها على أساسها، لكن التقدير الصحيح للموقف ما زال غائبًا عن أطراف محلية ما زالت تعتقد أن بإمكانها الاستقواء بها.
تلفزيون سوريا
————————-
9 غارات إسرائيلية تستهدف جبل المانع..والمضادات السورية تتصدى
الأربعاء 2025/08/27
شنّت طائرات إسرائيلية غارات على مواقع الجيش السوري في مدينة الكسوة، جنوب العاصمة دمشق، وذلك لليوم الثاني على التوالي.
استهداف طائرة إسرائيلية
وقالت مصادر متابعة لـ”المدن”، إن القصف استهدف مواقع عسكرية للجيش السوري في جبل المانع وجبال الحرجلة على أطراف مدينة الكسوة، مضيفةً أن القصف تم عبر جولتين، بنحو 9 غارات جوية.
وذكرت المصادر أن المضادات الأرضية السورية استهدف طائرة إسرائيلية خلال عملية القصف، بعد أن حلقت على علوٍ منخفض في أجواء مدينة الكسوة، ما دفع بالطائرة إلى إلقاء بوالين حرارية.
ولفتت إلى سماع أصوات طائرات مروحية في أجواء مدينة الكسوة، وذلك بالتزامن مع الغارات الجوية على محيط المنطقة.
ويقع في منطقة الاستهداف، ألوية وثكنات عسكرية كانت تابعة لجيش نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، قبل أن يتمركز فيها الجيش السوري الجديد، بما في ذلك الموقع الأعلى الموجود على قمة جبل المانع، والذي كان في السابق مخصصاً للدفاع الجوي والرادار.
مقتل 6 جنود سوريين
القصف الإسرائيلي هو الثاني على التوالي، الذي يستهدف مواقع عسكرية للجيش السوري على أطراف مدينة الكسوة، والتي تبعد نحو 20 كيلومتراً جنوب العاصمة دمشق.
وأدانت وزارة الخارجية السورية في بيان، اليوم الأربعاء، القصف الإسرائيلي الذي استهدف موقعاً الجيش السوري في الكسوة، أمس الثلاثاء، وأدى إلى مقتل 6 جنود، معتبرةً أن الاعتداء يشكّل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وانتهاكاً مباشراً لسيادة سوريا.
وأضاف البيان أن هذه الهجمات تأتي ضمن سياسة التصعيد التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، كما أنها تهدد السلم والاستقرار الإقليمي والدولي، فيما حمّلت الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن التداعيات المترتبة على هذه الاعتداءات.
وطالب البيان، المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته والضغط على إسرائيل لوقف هجماتها المتكررة ضد الأراضي السورية، مؤكداً تمسك سوريا بحق الدفاع المشروع عن أرضها وشعبها بكافة الوسائل التي يقرّها القانون الدولي، مؤكدة أن الاعتداءات الإسرائيلية لن تثني سوريا عن مواقفها الوطنية ومواصلة الدفاع عن سيادتها.
———————-
هدف دائم للغارات الإسرائيلية.. ماذا نعرف عن جبل المانع؟
28 أغسطس 2025
شنّت طائرات الاحتلال الإسرائيلي، ليلة الأربعاء، سلسلة غارات عنيفة استهدفت منطقة جبل المانع في ريف دمشق الجنوبي، تبعها عملية إنزال جوي نفذتها قوات الاحتلال، وقالت وسائل إعلام إسرائيلية إنها الأولى من نوعها منذ سقوط نظام الأسد.
استهدفت العملية، وفق هيئة البث الإسرائيلية، قاعدة للدفاع الجوي في المنطقة، دون أن تتضح حتى اللحظة طبيعة العملية وأهدافها، لا سيما أنها جاءت في أعقاب هجمات مماثلة استهدفت المنطقة قبل أيام، وأسفرت عن مقتل 6 جنود من الجيش السوري.
وكانت الوكالة السورية للأنباء “سانا” قد أفادت، منتصف ليل الأربعاء – الخميس، نقلًا عن مصدر حكومي، بأن الهجمات الإسرائيلية على جبل المانع في محيط مدينة الكسوة بريف دمشق الجنوبي، أعقبت عثور وحدات من الجيش على أجهزة مراقبة وتنصّت في المنطقة.
وقال المصدر إن عناصر من الجيش عثروا خلال جولة ميدانية قرب جبل المانع بتاريخ 26 آب/أغسطس الجاري على أجهزة مراقبة وتنصّت، مشيرًا إلى أن الموقع تعرض لهجوم جوي إسرائيلي أثناء محاولة التعامل معها.
ولفت إلى أن الهجوم أسفر عن استشهاد عدد من العناصر وإصابة آخرين وتدمير آليات، موضحًا أن الاستهدافات الجوية والمسيّرة استمرت في منع الوصول إلى المنطقة حتى مساء الأربعاء 27 آب/أغسطس.
وأضاف أن مجموعات من الجيش تمكنت من تدمير جزء من المنظومات عبر استهدافها بالسلاح المناسب، مشيرًا إلى أن الطائرات الإسرائيلية شنت لاحقًا عدة غارات على الموقع، أعقبها إنزال جوي لم تتضح تفاصيله بعد.
ماذا نعرف عن جبل المانع؟
يقع جبل المانع في الريف الجنوبي للعاصمة دمشق، ويبعد نحو 20 كيلومترًا عن مركز المدينة، ويُعد بمثابة خط طبيعي يفصل بين غوطتي دمشق الشرقي والغربية، ومن أبرز المرتفعات التي تطل عليهما، إذ يبلغ ارتفاعه 1100 متر فوق سطح البحر. كما يطل الجبل على مطار دمشق الدولي، وطريق الـM5، والطرق التي تؤدي إلى محافظة درعا.
تحيط بالجبل مجموعة من المدن والبلدات والقرى المهمة استراتيجيًا، أبرزها مدينة الكسوة، وبلدة دير علي، وقرية الحرجلة التي تقع بمحاذاته تقريبًا، مما جعله موقعًا مهمًا على المستويين الجغرافي والعسكري، وكان هدفًا دائمًا لغارات الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في عهد النظام السابق.
تعرضت المنطقة خلال السنوات السابقة لضربات إسرائيلية متكررة لكونها تحتضن مواقع عسكرية عديدة تابعة لقوات النظام السابق، إضافةً إلى ثكنات ومواقع عسكرية لميليشيات موالية له، أبرزها “حزب الله” اللبناني، والميليشيات المدعومة من إيران.
من أبرز ما يضمّه جبل المانع ومحيطه منشآت عسكرية متقدمة، تشمل قواعد لمنظومات الدفاع الجوي، ومستودعات صواريخ بعيدة المدى من طراز “سكود”، فضلًا عن محطات للرادار ومراكز للاتصالات.
وتؤكد تقارير أن الموقع شهد نشاطًا مشتركًا بين قوات النظام ومجموعات حليفة أبرزها حزب الله والمستشارون الإيرانيون، الأمر الذي جعله هدفًا ثابتًا للهجمات الإسرائيلية على سوريا.
————————
بعد أكثر من شهر على إغلاقه.. إعادة فتح طريق دمشق – السويداء
طريق دمشق السويداء كان قبل اندلاع الأحداث الأخيرة يستخدم لإيصال المواد الأساسية والغذاء للمحافظة
2025-08-28
أعادت وزارة الداخلية السورية اليوم الخميس، فتح طريق دمشق – السويداء، وسيرت عبره أول قافلة مساعدات منذ أكثر من شهر.
وقال مراسل “963+”، إن وزارة الداخلية أعادت فتح الطريق اليوم، وأدخلت عبر شاحنات تحمل مواد غذائية إلى المحافظة الجنوبية.
ومن جانبها، أفادت قناة “الإخبارية” السورية، بدخول أول قافلة مساعدات تابعة للهلال الأحمر السوري ومنظمات دولية إلى السويداء بعد إعادة فتح طريق دمشق – السويداء.
وذكرت، أن القافلة المؤلفة من 18 شاحنة تحمل سلالاً غذائية ومواد تنظيف ومصابيح تعمل بالطاقة الشمسية.
وأعلن الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية السورية، عن إغلاق طريق دمشق – السويداء منذ منتصف الشهر الماضي، بعد اندلاع أعمال عسكرية واشتباكات في المنطقة.
وكان الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا حكمت الهجري، قد طالب يوم الإثنين الماضي، الدول بالوقوف إلى جانب الطائفة الدرزية لإعلان إقليم منفصل في محافظة السويداء.
وقال الهجري في كلمة خلال استقباله لوفد من “حركة رجال الكرامة” بقيادة مزيد خداج: “نطالب شرفاء العالم والدول والشعوب الحرة، بالوقوف إلى جانبنا لإعلان إقليم منفصل بالسويداء”.
وأضاف: “نبارك للطائفة الدرزية تشكيل الحرس الوطني واللجنة القانونية في محافظة السويداء، بعد المحنة التي تعرضت لها المحافظة والتي كانت الغاية منها إبادة الطائفة وعلى مرأى من العالم”.
وتابع: “نحن سلام ولسنا دعاة ولسنا دعاة شر ونرفض بأن نكون معتدين على أحد، وما حدث في المحافظة يدل على وحشية الوسط الذي نعيش فيه”، معرباً عن “شكره للولايات المتحدة وإسرائيل لوقوفهما إلى جانب الطائفة الدرزية”.
وسبق ذلك، إعلان فصائل محلية في محافظة السويداء، عن اندماجها في تشكيل عسكري جديد يحمل اسم “الحرس الوطني”.
وقالت الفصائل في بيان نشرته صفحات محلية في السويداء، إن “الهدف من تشكيل الحرس الوطني توحيد القوى المحلية ضمن إطار مؤسساتي منظّم وتعزيز الأمن في المنطقة، وسط مباركة من الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز والفعاليات الدينية والاجتماعية”.
وشهدت محافظة السويداء منتصف الشهر الماضي، عمليات عسكرية وأعمال عنف، أعقبت دخول قوات من الجيش السوري ووزارة الداخلية إلى المحافظة، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى.
————————–
سوريا مكبلة أمام الاستهدافات الإسرائيلية
تركيا، ورغم موقفها الرمزي المتحفظ على الضربات ضد سوريا، تحرص على عدم الإضرار بعلاقاتها مع إسرائيل.
الخميس 2025/08/28
تدخلات تحت غطاء “حماية الأقليات”
دمشق- تواصل إسرائيل توجيه ضربات عسكرية لمواقع سورية كان آخرها هجوما استهدف منطقة كسوة جنوب دمشق بطائرات مسيّرة، وأسفر عن مقتل ستة جنود سوريين.
ويأتي الهجوم وسط تصاعد التوترات في الجنوب السوري، خصوصا في محافظة السويداء، حيث تحتدم الأزمة بين السلطة المركزية ومسلحين دروز يطالبون بحكم محلي موسع، وسط دعم إسرائيلي لهذه التحركات.
وإسرائيل، التي لطالما وجدت في الجنوب السوري ساحة رخوة، بدأت تبرّر بعض تحركاتها العسكرية تحت غطاء “حماية الأقليات”، وخصوصًا الدروز، ما يضفي بعدا جديدا على عملياتها داخل سوريا، والذي لا يقتصر فقط على ضرب النفوذ الإيراني بل يمتد إلى التدخل في معادلات داخلية حساسة تحت عنوان “الاستقرار المجتمعي”.
ويعقّد التدخل الإسرائيلي مهمة الحكومة السورية الجديدة التي تحاول بسط سيادتها على الجنوب دون أن تظهر بمظهر المعتدي على مكون اجتماعي له خصوصية سياسية وطائفية.
في ظل هذا التراخي، تواصل إسرائيل تكريس واقع ميداني جديد قائم على الاستهداف المتكرر للمواقع العسكرية السورية، متى شاءت، وكيفما شاءت
ورغم تغير النظام وسقوط بشار الأسد، إلا أن النهج الرسمي تجاه الغارات الإسرائيلية لم يتبدل كثيرا. فلا يزال الصمت هو القاعدة، وردود الفعل تقتصر على بيانات مقتضبة تدين وتشجب دون أن يقترن ذلك بأيّ تحرك ميداني أو دبلوماسي فعّال.
ويواجه النظام الجديد تركة ثقيلة من الضعف العسكري والانكشاف الأمني، ويبدو أنه لا يرى في المواجهة مع إسرائيل أولوية في هذه المرحلة الانتقالية المعقدة، بل يسعى إلى تجنّب التصعيد والانكفاء نحو ملفات الداخل المزدحم بالتحديات.
و لا يبدو أن التعاون الأخير بين دمشق وأنقرة قد انعكس بأي شكل على ملف الاستهدافات الإسرائيلية. فرغم التحول اللافت في العلاقة بين الحكومتين، بعد إبرام اتفاقية التعاون العسكري وتبادل الزيارات الأمنية والتفاهم حول قضايا الشمال والحدود الكردية، إلا أن هذا التقارب لا يترجم حتى الآن إلى شراكة إستراتيجية شاملة يمكن أن تفرض توازنًا جديدًا في وجه الغارات الإسرائيلية.
ويقول مراقبون إن تركيا، ورغم موقفها الرمزي المتحفظ على هذه الضربات، تحرص على عدم الإضرار بعلاقاتها مع إسرائيل، وتتعامل مع ملف الجنوب السوري كأمر ثانوي لا يدخل ضمن أولوياتها المباشرة.
وفي ظل هذا التراخي، تواصل إسرائيل تكريس واقع ميداني جديد قائم على الاستهداف المتكرر للمواقع العسكرية السورية، متى شاءت، وكيفما شاءت.
وتعزز هذه الاعتداءات المتكررة قناعة بأن سوريا ما زالت مكبّلة لا تملك أدوات الردع أو القرار السيادي الكامل لفرض خطوط حمراء. بل إن بعض القراءات تذهب إلى أن إسرائيل اختارت التصعيد تحديدا في هذه المرحلة الانتقالية لاختبار جاهزية النظام الجديد، وقياس مدى استعداده للمواجهة أو التنازل.
ولم يغادر الخطاب الرسمي السوري مربع التنديد والإنكار، رغم أن الشارع، خصوصا في المناطق المتضررة، بدأ يتساءل علنا عن جدوى هذا الصمت، وعن دور الدولة الجديدة في حماية حدود البلاد.
فالسكوت الطويل لم يعد يبدو خيارا تكتيكيا بقدر ما أصبح تعبيرا صريحا عن عجز مزمن لا تستطيع الشعارات السياسية وحدها التستر عليه.
وقتل ستة جنود سوريين في ضربات نفذتها طائرات إسرائيلية قرب دمشق الثلاثاء، وفق حصيلة جديدة أوردها التلفزيون الرسمي السوري صباح الأربعاء.
وأفادت قناة الإخبارية الرسمية بسقوط “ستة شهداء من عناصر الجيش العربي السوري جراء استهدافات بالطائرات المسيّرة التابعة للاحتلال الإسرائيلي” قرب مدينة الكسوة في ريف دمشق.
وأعربت الخارجية السورية في بيان الأربعاء عن “بالغ إدانتها واستنكارها للاعتداء،” مؤكدة أنه “يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وخرقاً فاضحاً لسيادة سوريا.”
التدخل الإسرائيلي يعقّد مهمة الحكومة السورية الجديدة التي تحاول بسط سيادتها على الجنوب دون أن تظهر بمظهر المعتدي على مكون اجتماعي له خصوصية سياسية وطائفية
ودعت دمشق “المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية في وضع حد لهذه الاعتداءات المتكررة.”
وكان مسؤول في وزارة الدفاع السورية قال في وقت سابق إنّ ثلاثة جنود قتلوا في ضربات الطيران الإسرائيلي عند أطراف العاصمة.
وأتت الضربات في الكسوة بعد ساعات على إعلان وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا) عن “استشهاد شاب جراء قصف الاحتلال الإسرائيلي منزلا في قرية طرنجة بريف القنيطرة الشمالي.”
ومنذ الإطاحة بحكم بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، شنّت إسرائيل المئات من الضربات على مواقع عسكرية في سوريا، مبررة ذلك برغبتها في الحؤول دون وقوع الترسانة العسكرية في أيدي السلطات الجديدة.
وتوغّل الجيش الإسرائيلي داخل المنطقة العازلة منزوعة السلاح في الجولان، والواقعة على أطراف الجزء الذي تحتله إسرائيل من الهضبة السورية.
وتتقدم قوات إسرائيلية بين الحين والآخر إلى مناطق في عمق الجنوب السوري. ولا تزال سوريا وإسرائيل في حالة حرب رسميا منذ العام 1948.
وأكد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع منذ توليه الحكم أنّ سوريا لا ترغب بتصعيد مع جيرانها، ودعا المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها.
العرب
————————-
قصف وإنزال جوي إسرائيلي في تل مرتفع جنوبيّ دمشق بعد العثور على أجهزة تجسس/ عبد الله البشير
27 اغسطس 2025
نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي، مساء الأربعاء، إنزالاً جوياً في جبل المانع جنوبيّ دمشق، بعد قصفه على مدار اليومين الماضيين. وقال مصدران في الجيش السوري لوكالة رويترز إن وحدة من الجيش الإسرائيلي “نفذت إنزالا جويا” على منطقة مرتفعة استراتيجية جنوب غرب دمشق، ونفذت عملية استمرت ساعتين قبل أن تغادر المنطقة.
وأضاف المصدران أن الإنزال جرى قرب جبل المانع، الذي كان في السابق موقعا لقاعدة رئيسية للدفاع الجوي تشغلها إيران قبل أن تدمرها إسرائيل قبل سقوط حكم بشار الأسد.
وفي السياق، نقلت الإخبارية السورية عن مصدر مطلع قوله إنه خلال جولة ميدانية لعناصر من الجيش قرب جبل المانع جنوب دمشق بتاريخ 26 أغسطس/ آب عُثِر على أجهزة مراقبة وتنصّت، وأثناء محاولة التعامل معها تعرّض الموقع لهجوم إسرائيلي جوي أسفر عن سقوط عدد من القتلى والإصابات وتدمير آليات.
وذكر المصدر أن “الاستهدافات الجوية الإسرائيلية كانت لمنع الوصول إلى المنطقة حتى مساء يوم 27 أغسطس/ آب”، مشيرا أن مجموعات من الجيش “دمرت جزءاً من المنظومات عبر استهدافها بالسلاح المناسب، وتم سحب جثامين الشهداء”، مؤكدا أن الطائرات الاسرائيلية شنت عدة غارات على الموقع، أعقبها إنزال جوي لم تعرف تفاصيله.
وشنّ طيران الاحتلال الإسرائيلي، مساء الأربعاء، غارات استهدفت عدداً من المواقع في ريف دمشق. وطاولت الضربات تل المانع ومحيطه جنوبي شرق مدينة الكسوة، إلى جانب منطقتي الحرجلة والمطلة، بحسب ما أفاد الإعلامي فادي الأصمعي لـ”العربي الجديد”، موضحاً أن ثلاث مروحيات إسرائيلية أقلعت من الجولان المحتل شاركت في استهداف التل ومواقع محيطة به.
بدوره، أكد تجمع “أحرار حوران” أن طائرات حربية ومروحيات إسرائيلية حلّقت في أجواء محافظتي القنيطرة ودرعا، بالتوازي مع عمليات القصف على ريف دمشق. ويقع تل المانع في محافظة ريف دمشق، على بعد نحو 20 كيلومتراً من العاصمة، ويرتفع أكثر من 1000 متر عن سطح البحر. وكان التل يتبع للفرقة الأولى في جيش النظام السابق، ويتعرض باستمرار للقصف الإسرائيلي.
واستهدف قصف يوم أمس قرية المطلة على طريق دمشق – السويداء، وهي تُعد موقعاً استراتيجياً نظراً لانتشار قوات الجيش فيها، ووجود مواقع عسكرية كانت تستخدمها قوات النظام السابق، فضلاً عن أهميتها بوصفها ممرا رئيسيا يربط العاصمة بالمناطق الجنوبية لسورية.
إلى ذلك، توغلت قوة برية تابعة لجيش الاحتلال في سرية الجاموس قرب بلدة الناصرة في ريف القنيطرة، قبل أن تعود الدورية الإسرائيلية إلى قاعدة تل أحمر بعد عملية التوغّل. وأوضح الأصمعي أن الدورية، المكوّنة من عربات ثقيلة، قطعت ريف المحافظة الجنوبي قرب بلدة أبو غارة في طريق عودتها إلى القاعدة.
————————-
مصدر سوري يكشف تفاصيل الإنزال الجوي الإسرائيلي قرب دمشق
دمشق: قالت وكالة الأنباء السورية “سانا” نقلا عن مصدر حكومي، إن عناصر من الجيش السوري عثرت بتاريخ الـ26 من آب الجاري، خلال جولة ميدانية قرب جبل المانع جنوبي دمشق، على أجهزة مراقبة وتنصّت في المنطقة.
وأوضح المصدر أنه أثناء محاولة التعامل مع الأجهزة، تعرض الموقع لهجوم إسرائيلي جوي أسفر عن ارتقاء عدد من الشهداء وإصابة آخرين وتدمير آليات.
وأضاف أن الاستهدافات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة استمرت في منع الوصول إلى المنطقة حتى مساء الـ27 من آب. في المقابل، قامت مجموعات من الجيش بتدمير جزء من المنظومات عبر استهدافها بالسلاح المناسب، وسحب جثامين الشهداء.
وبيّن المصدر أن الطائرات الإسرائيلية شنت لاحقاً غارات عدة على الموقع، أعقبها إنزال جوي لم تُعرف تفاصيله بعد، وسط استمرار التحليق المكثف لطيران الاستطلاع.
وكانت قناة الإخبارية الرسمية السورية، أفادت باستشهاد ثمانية جنود سوريين في ضربات نفذتها طائرات إسرائيلية قرب دمشق الثلاثاء، وفق حصيلة جديدة أوردها التلفزيون الرسمي السوري الذي أعلن عن غارات جديدة مساء الأربعاء.
وأفادت قناة الإخبارية الرسمية بسقوط “ثمانية شهداء من عناصر الجيش العربي السوري جراء استهدافات بالطائرات المسيرة التابعة للاحتلال الإسرائيلي” قرب مدينة الكسوة في ريف دمشق.
ومساء الأربعاء، كشف مصدر في وزارة الدفاع عن “ثلاث غارات” جديدة “مع سماع أصوات طيران حربي في أجواء” منطقة تل مانع بالكسوة بالقرب من حرجلة بريف دمشق التي كانت “سابقا نقطة
———————————-
إنزال إسرائيلي وأجهزة تنصت ومراقبة.. ما الذي يجري في الكسوة؟
الخميس 2025/08/28
نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية إنزال جوي داخل موقع عسكري في منطقة الكسوة، بريف دمشق، وذلك بالتزامن مع شنّ طائراته سلسلة من الغارات الجوية لقطع الحركة إلى موقع الإنزال، في حين أفاد مصدر حكومي سوري، بالعثور على أجهزة تنصت ومراقبة في جبل المانع.
ساعتان في الموقع
ونقلت قناة “الجزيرة” عن مصدر عسكري سوري، قوله إن 4 مروحيات إسرائيلية شاركت في عملية الإنزال في منطقة الكسوة، مضيفاً أن الجيش الإسرائيلي أمضى أكثر من ساعتين في منطقة الإنزال.
وذكر المصدر أن الجيش الإسرائيلي استقدم عشرات الجنود وعدداً من معدات البحث إلى موقع الإنزال، مؤكداً عدم وقوع اشتباك بين القوات الإسرائيلية المشاركة بالإنزال وقوات الجيش السوري.
ونقلت وكالة “سانا” عن مصدر حكومي، قوله إن جنوداً من الجيش السوري عثروا على أجهزة تنصت ومراقبة قرب تل المانع خلال جولة ميدانية، الثلاثاء الماضي، مضيفاً أنه خلال التعامل معها، تعرض الموقع لهجوم إسرائيلي جوي أسفر عن ارتقاء عدد من الشهداء وإصابات وتدمير آليات.
وذكر المصدر أن الاستهدافات الجوية والطائرات المسيّرة استمرت في منع الوصول إلى المنطقة حتى مساء الأربعاء، في حين قامت مجموعات من الجيش السوري بتدمير جزء من المنظومات عبر استهدافها بالسلاح المناسب، وسحب جثامين القتلى.
وأكد أن الجيش الإسرائيلي نفذ إنزالاً جوياً في الكسوة “لم تعرف تفاصيله بعد”، بعدها شن عدداً من الغارات الجوية من الطائرات الإسرائيلية.
15 غارة
وأفاد ناشطون بتنفيذ الطائرات الإسرائيلية نحو 15 غارة جوية في محيط منطقة الإنزال، الذي استهدف موقعاً عسكرياً لجيش نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، في جبل المانع على أطراف مدينة الكسوة.
وسبق أن تعرضت مواقع عسكرية للنظام المخلوع في منطقة الكسوة بما في ذلك جبل المانع، لغارات إسرائيلية، بينها موقع كان يسيطر عليه الإيرانيون بالقرب من منطقة الديرعلي جنوب مدينة الكسوة.
وتضم الكسوة عدداً كبيراً من المواقع العسكرية للنظام المخلوع، بينها ألوية دبابات وكتائب للدفاع الجوي للرادار في جبل المانع والتلال المرتفعة المحيطة به في الحرجلة والديرعلي، إلى جانب الفرقة الأولى مدرعة على مدخل مدينة الكسوة الشمالي، من جهة العاصمة دمشق.
هبوط طائرات في السويداء
وأفادت مصادر محلية بهبوط طائرات مروحية في مدينة السويداء، كما لفتت إلى سقوط قتلى من الجيش السوري خلال الغارات الجوية على منطقة الكسوة.
وأضافت المصادر أن أجواء منطقة الكسوة، شهدت تحليقاُ مكثفاُ للطائرات الحربية والمسيّرات الإسرائيلية، بالتزامن مع جولات القصف الثلاث التي استهدفت جبل المانع ومحيطه.
ويعد الهجوم على منطقة الكسوة، هو الثاني خلال الساعات الـ24 الماضية، إذ أدى الاستهداف الأول إلى مقتل 6 جنود سوريين، خلال دورة عسكرية للتدريب على الدبابات في موقع عسكري على أطراف بلدة الحرجلة.
————————
——————————-
=====================
تحديث 27 آب 2025
—————————–
هذه مخاوفنا من المفاوضات السورية مع إسرائيل/ مروان قبلان
27 اغسطس 2025
تثير توجّهات السلطة السورية الجديدة نحو إسرائيل، وتسارع مسار التفاوض معها؛ خصوصاً بعد أحداث السويداء، قلقاً متزايداً في أوساط سورية عديدة، في ضوء أول إقرار رسمي من دمشق بحصول اجتماعات بين وزير خارجية الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، وذيوع تقارير تفيد باحتمال ترتيب اجتماع في نيويورك الشهر المقبل بين الرئيس أحمد الشرع ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، على هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قد يتخلّله، أو يسبقه، توقيع اتفاق أمني بين الجانبين، يكون بمثابة خطوة أولى نحو انضمام سورية إلى مسار “الاتفاقات الابراهيمية”. نميل إلى تكذيب الجزء المرتبط بالتطبيع من التسريبات، لكن غياب الشفافية من الجانب السوري بشأن ماهية الاتفاق الأمني الذي يجري التفاوض بشأنه، في مقابل تقارير إسرائيلية عن اتفاق ينزع حرفيّاً سيادة الدولة السورية عن الجنوب، يعزّز مخاوفنا من وجود “طبخةٍ” ما، تفضحها تحركات المبعوث الأميركي، توماس برّاك، ولهفته لإنجازها قبل اجتماعات نيويورك.
يمكن للمرء أن يتفهّم حصول اتصالات على المستوى الأمني، بهدف وقف الاعتداءات الإسرائيلية التي تكثفت على الأراضي السورية بعد سقوط نظام الأسد، ورغبة السلطة الجديدة في دمشق في تحييد التدخّلات الإسرائيلية في الشأن السوري، لكن العكس تماماً يحصل، إذ نجحت إسرائيل في فرض نفسها طرفاً، وشريكاً، في أزمة داخلية سورية بحتة، حتى أن اتفاق وقف إطلاق النار في السويداء جرى ترتيبه بين سورية وإسرائيل، بوساطة أميركية، وكأن إسرائيل باتت صاحبة الوصاية في الجنوب. كما صار، فوق ذلك، واضحاً أن محاولات السلطة الجديدة في دمشق، وتعهّداتها، لم تفلح، حتى الآن، في إقناع الجانب الإسرائيلي بالاعتراف بها، أو الاطمئنان إليها، والكفّ، من ثم، عن مساعي تقويضها. وقد تضمن ذلك، بحسب ما نقلته وفود أميركية زائرة، إشارة الشرع إلى أن “سورية وإسرائيل تواجهان عدوّاً مشتركاً”(!).
تعتقد إدارة الشرع أن لا سبيل أمامها لمواجهة التحدّيات الداخلية، وتعزيز قبضتها على السلطة، إلا عبر تفاهماتٍ خارجية، مع إسرائيل، خصوصاً، وهذا يتقاطع مع نصائح تتلقاها دمشق من الجانب الأميركي الذي يسعى رئيسُه إلى ضم سورية إلى قائمة “إنجازاته” للترشّح لجائزة نوبل للسلام، ومن الطرف التركي الذي يشجّع دمشق على التفاهم مع إسرائيل، من أجل أن يضمن حصّته في سورية، ومن بعض حكومات الخليج التي تريد أن تطوي نهائياً صفحة الصراع مع إسرائيل. … هذه قراءة خاطئة تماما للنيات الإسرائيلية، لا تحقّق مصالح سورية، وتجلب، فوق ذلك، نتائج عكسية لإدارة أحمد الشرع، بضرب صميم الشرعية التي حازتها لحظة سقوط نظام الأسد. فحكومة نتنياهو تسعى إلى استغلال تعثّر هيئة تحرير الشام في ترتيب أوضاع البلاد، وتجذّر الانقسامات حول مشروعها في الحكم، لانتزاع اعتراف منها بالواقع الجديد الذي تحاول فرضه في الجنوب، بما في ذلك اشتراط العودة إلى اتفاق فصل القوات لعام 1974 باعتراف دمشق، في مرحلةٍ ما، بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان المحتلة عام 1967، والقبول باحتفاظها، “إلى حين”، بقمّة جبل الشيخ وأجزاء من المنطقة العازلة التي احتلتها أخيراً، والموافقة على تحويل كامل الجنوب السوري إلى منطقة منزوعة السلاح (نزع سيادة الدولة السورية تماما عنها تمهيداً لإنشاء مليشيات محلية مرتبطة بها، كما يحصل حالياً في السويداء)، وحظر امتلاك الجيش السوري صواريخ، ووسائل دفاع جوي، وكل ما من شأنه أن يشكّل تحدّيّاً للسيطرة الإسرائيلية المطلقة على المسرح السوري.
لا تملك السلطة السورية، مقارنة بإدارة الرئيس الأوكراني، فلوديمير زيلينسكي، التمثيل الكافي، أو الشرعية اللازمة، للتنازل عن أي شبرٍ من الأرض السورية، أو توقيع اتفاقٍ يقود إلى ذلك، أمني أو خلافه. مع ذلك، يرفض زيلينسكي كل ضغوط ترامب للتنازل عن الدونباس لروسيا، وهو يدرك أنه قد يدفع الثمن رئاسته في لعبة القوى الكبرى. وعدا عن أنها غير منتخبة، لا ينبغي للحكومة الانتقالية الخوض في قضايا مصيرية من دون إجماع وطني حولها. استسهال التعامل مع قضايا وطنية كبرى، باعتباره “تفكيراً من خارج الصندوق”، لا يؤدّي إلا إلى تعميق الشروخ في النسيج الاجتماعي والوطني السوري الممزّق أصلًا. ترجمة هذا الكلام أن جزءاً معتبراً من “السنة”، الذين تدّعي السلطة الجديدة تمثيلهم، وتحكم باسمهم، لن يقبلوا أن يكون ثمن الاستبداد بالسلطة التضحية بالأرض والسيادة السوريتيْن، بزعم أن الأولوية الآن هي لبقاء الأغلبية في الحكم. ماذا سيكتب التاريخ عن ذلك؟ وبماذا يختلف هذا السلوك عن نظام “البعث” الذي ضحى بالجولان عام 1967 من أجل الاحتفاظ بالسلطة؟ إذا حصل هذا سنقول بعالي الصوت: هذه السلطة لا تمثّلنا، ولن تفعل هذا باسمنا.
العربي الجديد
——————————-
باراك مستاء من الهجري لمطالبته بالانفصال وتشكيل الحرس الوطني
الأربعاء 2025/08/27
كشفت مصادر متابعة لـ”المدن”، أن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك، أعرب أمام سياسيين لبنانيين عن استيائه الشديد من مواقف الشيخ حكمت الهجري، أحد مشايخ العقل في السويداء، بسبب إعلانه تشكيل الحرس الوطني، ومطالبته بانفصال المحافظة.
طريق دمشق- السويداء
وأفادت المصادر بأن الأميركيين أصبحوا على قناعة بأن بعض القيادات والمسؤولين في السويداء هم الذين يتحملون مسؤولية استمرار إغلاق طريق دمشق- السويداء.
وأضافت أن باراك أبلغ أن دمشق أنهت الاستعدادات لفتح الطريق، ولكن قيادات السويداء ترفض فتح الطريق، أملاً بإقليم منفصل.
طريق دمشق- السويداء، هو الطريق الحيوي والتجاري الذي يربط المحافظة الجنوبية مع العاصمة السورية، ويعتبر الشريان الحيوي الرابط بينهما.
وقبل أيام، أعلن أكثر من 30 فصيلاً من السويداء، تشكيل “الحرس الوطني” واعتبارها المؤسسة العسكرية الممثلة للدروز في السويداء، مؤكدة التزامها الكامل بقرارات الهجري.
وطالب الهجري خلال لقاء مع الفصائل، المجتمع الدولي بـ”الوقوف إلى جانب دروز سوريا لإعلان إقليم منفصل في الجنوب”.
إغلاق الطريق
وكان الطريق الحيوي قد أًغلق أمام القوافل التجارية في 13 تموز/يوليو، على خلفية الاشتباكات التي اندلعت بين مجموعات مسلحة من الدروز وعشائر البدو، والتي تطورت إلى اشتباكات دامية، تدخلت على إثرها القوات السورية كقوات فض اشتباك، قبل أن تدخل إسرائيل على خط المواجهات، وتقصف القوات السورية، إلى أن تم التوصل إلى اتفاق يقضي بوقف إطلاق نار، بوساطة أميركية، وانسحاب الجيش السوري.
وكانت مصادر سورية، أبلغت “المدن” قبل أيام، أنه سيتم فتح طريق دمشق السويداء خلال 48 ساعة. ويتم رصد قوة عسكرية قوامها ألفي عنصر، بهدف تأمين الطريق وضمان سلامة الجميع.
وكشفت المصادر أن المفاوضات مستمرة لإطلاق سراح عدد من الأسرى والمختطفين، لافتة إلى أن الزعيم الروحي للدروز الشيخ حكمت الهجري، اعترف بوجود 19 عنصراً مختطفاً لديه من الأمن العام.
وقد عرضت الحكومة السورية ممثلة بقائد الأمن الداخلي في محافظة السويداء أحمد الدالاتي، أن يتم إطلاق سراح 38 معتقلاً لدى دمشق من المحسوبين على الهجري، إلا أن الأخير لم يوافق على العرض حتى الآن، بحسب المصادر.
المدن
———————————-
السويداء.. ماذا بعد مظاهرة “الاستقلال”/ موفق الخوجة | وسيم العدوي | أمير حقوق
24 آب 2025
أطلت الناشطة الأردنية نيفين الخطيب، من ساحة “الكرامة” وسط مدينة السويداء، في 16 من آب الحالي، على جمع من المتظاهرين، يحملون علم الطائفة الدرزية، إلى جانب علم إسرائيل، بمظاهرة “حق تقرير المصير” المطالبة بـ”الاستقلال” مهددة بـ”طلاق الدروز”.
“طلاق الدروز” الذي يعني طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه، ألمحت فيه الخطيب إلى الانفصال عن البلد الأم، سوريا، والاستقلال بالمحافظة لتشكيل دولة جديدة.
دعوات الانفصال، التي أطلقها المتظاهرون، شكلت صدمة لدى بعض السوريين، وبالرغم من أن المطالب لم تكن جديدة على الساحة، فإن مظاهرة “حق تقرير المصير” كانت منعطفًا وصف بـ”الخطير” للأزمة في السويداء، وأدت إلى شرخ جديد أمام أي حل سياسي أو مجتمعي.
بالمقابل، يرى ناشطون وباحثون من السويداء، أن مظاهرة “الاستقلال” كانت “صرخة غضب” أمام الانتهاكات التي مارستها القوات الحكومية و”فزعات” العشائر، التي هبّت من مختلف المحافظات السورية، ما تسبب بمخاوف من ارتكاب إبادة وتطهير عرقي بحق الطائفة الدرزية، التي تشكل أغلبية المحافظة، ولا تعبر عن رأيها.
تبحث عنب بلدي في هذا الملف، أسباب مظاهرة “الاستقلال” وتداعياتها على المشهد السوري السياسي، مع باحثين وخبراء، وتناقش “حق تقرير المصير” على مستوى القانون الدستوري السوري والدولي، واحتمالية التدخل الإسرائيلي، والحلول الممكنة للخروج من الأزمة.
التقسيم أو الحل السياسي
كسائر الدول التي خضعت للاستعمارين، الفرنسي والبريطاني، ظلّت وحدة الجغرافيا في الدولة السورية من الهواجس الكبرى التي تؤثر في السياسة الداخلية والخارجية لها، حتى أصبح المسّ بهذه الوحدة نيلًا من هيبة الدولة وجرمًا، وأحيانًا مجرد ذريعة لتخوين أي معارضة، وأحيانًا أخرى خطرًا حقيقيًا يتهدد الدولة كلها.
وخلال 14 عامًا من الحرب، عاشت سوريا منعطفات عدة، اتسمت بالميل إلى المطالبة بالحماية الدولية والحظر الجوي، ثم صارت مشاريع مناطق آمنة لا سيما في الشمال والجنوب، حيث تركيا وإسرائيل.
وظلت السياسة السورية متأثرة بهاجس التقسيم أو بإعادة رسم خطوط الخرائط، ولكنها المرة الأولى التي يصل فيها التصعيد حد مطالبة محافظة ما بالاستقلال.
بين اللامركزية والفيدرالية
تعيش محافظة السويداء واقعًا خاصًا، أمنيًا وسياسيًا، منذ أعوام، بدأ على زمن النظام السوري السابق، وتعزز مع الحراك الذي انطلق ضده في عام 2023، والذي ترافق مع أصوات تنادي حينها بكم ذاتي ولامركزي، الأمر الذي لاقى حينها معارضة من الحراك نفسه.
بقيت الأصوات التي تنادي باللامركزية بعد سقوط النظام، وكان أبرز الداعين لها، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، حكمت الهجري، الذي يعتبر تياره اليوم بمثابة الإدارة السياسية والاجتماعية والعسكرية في المحافظة.
على الأرض، تتجه خطوات الهجري نحو طريق حكم لامركزي، في ظل غياب للمؤسسات الحكومية مثل “اللجنة القانونية العليا” لإدارة شؤون المحافظة خدميًا وأمنيًا، و”الجيش الموحد” الذي ضم أبرز الفصائل (لواء الجبل) في سبيل توحيدها ضمن هيكل عسكري واحد.
حدث غير مسبوق أعقبه “تدويل”
هذه المرة الأولى، منذ عام 1936 أي قبل الاستقلال بعشر سنوات (تاريخ المعاهدة مع فرنسا)، التي نسمع فيها مواطنين في محافظة سورية يطالبون علنًا بالاستقلال الكامل عن الدولة السورية، بحسب الكاتب المختص بالشأن السوري في صحيفة “النهار” اللبنانية عبد الله علي.
وهذه المطالبة بقدر ما تشير إلى أن هاجس التقسيم يكاد يصبح “خطرًا ناجزًا” للمرة الأولى وليس مجرد مخاوف وتهديدات، تدل على عمق الأزمة التي خلّفها اقتحام السويداء منذ منتصف تموز الماضي.
ويعتبر علي أن المشكلة بين السويداء ودمشق كانت، منذ سقوط النظام، قضية سياسية يمكن حلها بالمفاوضات، لكن الفرص العديدة لم تُغتنم، و”عندما اتخذ قرار اقتحام السويداء ووقعت المجازر والانتهاكات والممارسات المهينة، أصبحت السويداء قضية كرامة وانعدام الثقة”، وتقدم هذا البعد على الجانب السياسي الذي كانت تتسم به في البداية.
والمشكلة أن هذه الجراح المعنوية “العميقة” التي أصيبت بها السويداء إذا لم تتم معالجتها بإجراءات قائمة على أساس وطني من شأنها إعادة الثقة وتضميد جرح الكرامة ستظل تشكل ثغرة لعبور الأجندات السياسية، وفقًا للكاتب السوري.
وأشار علي إلى أنه كلما تمكنت الأجندات السياسية المنفردة من تكريس نفسها من خلال الجراح المفتوحة في السويداء، ستصبح معالجة هذه الجراح أكثر صعوبة.
ما ينبغي عدم تجاهله، يتمثل بأن أحداث تموز لم تتوقف إلا بعد تدويل قضية السويداء عبر اتفاق اعترف بالدور الإسرائيلي فيه وجاء الاتفاق بضمانة كل من الولايات المتحدة وتركيا والأردن، والتدويل في أحد معانيه هو خروج القضية من تحت سقف الحلول الوطنية والاعتراف بأدوار جهات خارجية. وهو كذلك يحمل وجهًا من أوجه تهميش العلاقة بين السويداء ودمشق وجعل الطريق للوصول إلى أي حل أطول وأشد صعوبة، بمعنى أنه مهّد لما نعيشه اليوم، أضاف الكاتب.
التقسيم والانفصال ثم الاستقلال
بعد عام 2020 كان هناك حزب واحد صغير في السويداء يدعى حزب “اللواء” برئاسة مالك أبو الخير، ويحمل أجندة انفصالية واضحة، أما اليوم بعد ثمانية أشهر من سقوط النظام وبعد مجازر تموز في السويداء، انقلبت الآية وأصبحت الأغلبية في المدينة تؤيد التقسيم والاستقلال بحسب ما شاهدنا في المظاهرة الأخيرة، وتحول الصوت “الوحدوي” إلى أقلية غير مسموعة، بحسب ما قاله الكاتب عبد الله علي.
ويلاحظ علي وجود تدرج في مسير السويداء نحو المطالبة بالتقسيم بالتوازي مع تدهور علاقتها مع دمشق، وبلغ الأمر ذروته بعد المجازر الأخيرة، مضيفًا، “رأينا للمرة الأولى اجتماع شيوخ العقل الثلاثة على موقف واحد من السلطة الانتقالية، بينما قبل ذلك كان الشيخ حكمت الهجري هو وحده من يطالب باللامركزية وإعادة إجراءات المرحلة الانتقالية كمؤتمر الحوار والإعلان الدستوري لتكون أكثر تشاركية وتمثيلًا”.
وكان هناك تيار واسع لا يتبنى مطالب الشيخ الهجري يضم فصائل عسكرية كانت انخرطت في مفاوضات للانضمام إلى وزارة الدفاع، غير أن أحداث تموز غيرت المعادلة وقلبتها رأسًا على عقب.
ما مواجهات السويداء؟
أحداث السويداء، بدأت في 12 من تموز الماضي، بعد عمليات خطف متبادل بين سكان حي المقوس في السويداء، ذي الأغلبية البدوية وعدد من أبناء الطائفة الدرزية، تطورت في اليوم التالي إلى اشتباكات متبادلة.
تدخلت الحكومة السورية في 14 من تموز، تحت عنوان فض النزاع، إلا أن تدخلها ترافق مع انتهاكات بحق مدنيين من الطائفة الدرزية، وتصرفات مهينة، ما دفع فصائل محلية للمقاومة، بما فيها التي كانت تتعاون مع وزارتي الدفاع والداخلية.
في 16 من تموز، خرجت القوات الحكومية من السويداء، ما أعقبه انتهاكات وأعمال انتقامية بحق سكان البدو في المحافظة، بحسب شهادات حصلت عليها عنب بلدي، الأمر الذي أدى إلى أرتال عسكرية على شكل “فزعات عشائرية” نصرة لهم.
مقاتلون من العشائر والبدو في الحي الغربي من مدينة السويداء – 19 تموز 2025 (AFP/ عبد العزيز كيتاز)
مقاتلون من العشائر والبدو في الحي الغربي من مدينة السويداء – 19 تموز 2025 (AFP/ عبد العزيز كيتاز)
القانون يجرم الانفصال..
شروط أممية لتقرير المصير
تجرم القوانين السورية والإعلان الدستوري المؤقت دعوات الانفصال والتقسيم، وتفرض عقوبات على المطالبين بها.
المحامي والناشط الحقوقي عبد الناصر حوشان، قال لعنب بلدي، إن الإعلان الدستوري في سوريا لا يحمل أي إشارة إلى الحكم الذاتي أو الفيدرالية، وليس في أي من نصوص المواد ما يُشعر بالسماح بهذه الدعوات الانفصالية عن الدولة السورية، لأن ذلك يعني تقسيم البلاد.
والقانون الوطني السوري يعد التقسيم والفيدرالية والحكم الذاتي أو السعي إليه من الجرائم الجنائية التي تعاقب عليها أحكام قانون العقوبات العام في فصل الجرائم الواقعة على أمن الدولة، وتصل العقوبة فيه إلى الإعدام.
ولا يمكن، وفقًا لحوشان، تعديل الإعلان الدستوري، وتضمينه أيًا من المضامين المتعلقة بأشكال الحكم المتناقضة مع الدولة السورية الواحدة ذات السيادة الكاملة على جميع أراضيها، لأن ذلك يحتاج إلى دستور دائم.
كما أن حالة الاستقرار هي البيئة الآمنة التي تبدأ بعد انتهاء المرحلة الانتقالية في سوريا.
المادة “304” من قانون العقوبات السوري:
“يعاقب كل من ارتكب أفعالًا تسعى إلى الاستيلاء على أراضٍ من الجمهورية العربية السورية، أو فصل جزء من أراضيها عن جسد الدولة، أو العمل على إضعاف وحدة أراضيها، بالسجن من سبع سنوات إلى 15 سنة”.
المادة “305” من قانون العقوبات السوري:
“تُشدد العقوبة إلى السجن المؤبد أو الإعدام، إذا كان ارتكاب هذه الجرائم يهدف إلى فصل جزء من الأراضي السورية”.
الاستفتاء على التقسيم باطل
أكد المحامي السوري أن “حق تقرير المصير” يكون للشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو الاستعمار، وليس لكل مكوّن في سوريا الحق بذلك على حدة أو انفراد، بعيدًا عن بقية مكوّنات الشعب السوري، لأن هذا يؤدي إلى تشكيل دويلات داخل الدولة، وغالبًا ما تنتهي إلى صراعات داخلية أو تتطور إلى حرب أهلية.
ويعد أي استفتاء على التقسيم أو الانفصال في سوريا باطلًا، وفقًا للمحامي حوشان، لأنه يشكل جريمة من الجرائم الواقعة على أمن الدول، وكذلك أي دعم لأي مشروع انفصالي يعتبر تدخلًا سافرًا في الشؤون الداخلية للبلاد ويتعارض مع المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، ويعتبر من أعمال العدوان المجرّم بموجب القانون الدولي.
وترى الأمم المتحدة، التي قبلت بحق تقرير المصير كجزء من ميثاق الأمم المتحدة في “تعديل عام 1951”، إضافة إلى الدول الأعضاء فيها، أن تطبيق حق تقرير المصير هو داخل الحدود القائمة، مما أدى إلى إقامة دول متعددة القوميات تواجه صعوبة في تطبيق حكم مشترك، ولذلك عدلت الأمم المتحدة عن ذلك بالنسبة للأقاليم داخل الدولة الواحدة المستقلة.
وتؤكد الأمم المتحدة مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مما يعني أن حق تقرير المصير لا يمنح حقًا تلقائيًا في الانفصال عن دولة قائمة، لا سيما إذا كان الانفصال يهدد استقرارها ووحدتها الإقليمية.
ويعتبر حق تقرير المصير، بحسب ما جاء في نص ميثاق الأمم المتحدة المعدل لعام 1951، “حقًا جماعيًا وليس فرديًا”، بمعنى أن هذا الحق لا يمكن أن يمارس فقط من خلال فرد واحد أو مجموعة أفراد، بل هو خاص بعدد كبير من الناس توجد بينهم روابط مشتركة، مثل اللغة والتاريخ والثقافة.
وقيّد القانون الدولي هذا الحق بعدة قيود، حتى لا يؤدي إلى تفتيت الدول وزعزعة سيادتها، فلو أن كل الأقليات في الدول ستقول إن لها لغة وتاريخًا مشتركًا كأقلية، وبالتالي تطالب بالانفصال عن الدولة الأم، فإن هذا يعني تفتيت الدول.
لا يذكر ميثاق الأمم المتحدة حقًا في الانفصال، بل ينص على مبدأ سلامة أراضي الدولة واستقلالها السياسي، ويحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضدها وفق المادة “2/4” من الميثاق.
بينما يقر القانون الدولي الحديث بمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، إلا أن هذا الحق لا ينطبق دائمًا على الانفصال عن الدولة القائمة، بل يرتبط عادة بالحالات الاستعمارية أو الإقليمية الخاضعة للاستعمار.
تنص المادة “2/4” من الميثاق على أنه “يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة”.
من ممر إنساني إلى “ممر داوود”..
إسرائيل تلعب بالأوراق
أثار مطلب فتح ممر إنساني بين السويداء وإسرائيل جدلًا في الأوساط السياسية حول أهداف الطرح ومنطقيته.
واعتبر محللون أنه طرح “غير قابل للتطبيق” تدعمه إسرائيل لأهداف سياسية وعسكرية داخل سوريا، مستغلة التوترات التي شهدتها مدينة السويداء، لتغطي تلك الأهداف بذريعة إنسانية.
الطرح الذي طالبت به أوساط محلية في السويداء، ترافق مع معلومات غير مؤكد، نقلتها “أكسيوس”، تشير إلى مساعٍ لإدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للتوسط بهدف الوصول لاتفاق يتضمن إنشاء ممر إنساني بين مدينة السويداء والجانب الإسرائيلي، بهدف إيصال مساعدات إنسانية مباشرة إلى المدنيين في الجنوب السوري.
لقاء باريس الذي رعته الولايات المتحدة واحتضنته باريس، بين وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، في 19 من آب، لم يعلن عقبه عن فتح ممر بين إسرائيل والسويداء، وكل ما رشح عنه أشار إلى ترتيبات أعمق على مستوى التهدئة والإجراءات الأمنية بين دمشق وتل أبيب.
فخ سياسي غير قابل للتطبيق
الممر الإنساني بين السويداء وإسرائيل هو طرح إسرائيلي، يهدف لتعميق الاختراق الإسرائيلي للحالة الدرزية في سوريا، ولتعزيز الاستراتيجية الإسرائيلية في الجنوب السوري، وبالتالي هذا الطرح مصمم لأهداف سياسية إسرائيلية بدرجة أساسية، وفق ما قاله الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش، لعنب بلدي.
ويعتقد علوش أن “طرح الممر غير قابل للتطبيق”، ولكن الأمر يتوقف بدرجة أساسية على الحدود التي يمكن أن تصل إليها حكومة الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في التعامل مع هذا الملف.
بدوره، يرى الكاتب السياسي درويش خليفة، أنه رغم عدم واقعية الطرح المتداول حول فتح ما يسمى بـ”ممر إنساني” بين الجليل في إسرائيل ومحافظة السويداء في سوريا، لغياب حدود مباشرة بين الجانبين، فإن خطورة الطرح تكمن في كونه فخًا سياسيًا، تحاول تل أبيب من خلاله إيقاع السلطة السورية، عبر الترويج لرواية الشيخ حكمت الهجري وأتباعه بأن السويداء “محاصرة”.
التغلغل وتسليح فصائل
لا يوجد ما يبرر إنشاء “ممر إنساني” بين إسرائيل والسويداء لمجموعة من الأسباب، يلخصها الباحث محمود علوش، بأن إسرائيل تعتدي على سوريا، وتحاول أن تتدخل في شؤونها، وهي التي تطرح هذا الممر، وبالتالي لا يوجد ما يدعو إلى أخذ هذا المطلب على محمل الجد، كما أن “الأزمة الإنسانية في السويداء جانب منها مفتعل”، من أجل المزيد من التدخل الإسرائيلي في ملف السويداء.
وتوقع أن الهدف من الطرح هو استغلال سياسي و”تعميق ارتباط إسرائيل بالحالة الدرزية”، ومن جانب آخر، “استغلال هذا الممر من أجل تسليح الفصائل التي تدعمها إسرائيل، وبالتالي تشكيل حالة عسكرية تعقّد من قدرة سوريا على فرض سيطرتها في السويداء”.
تناقض إسرائيلي
التجربة مع الجانب الإسرائيلي لا تمنح أي مساحة للثقة، بحسب الكاتب درويش خليفة، ففي الوقت الذي تفرض فيه إسرائيل حصارًا خانقًا على قطاع غزة وتمنع عنه الغذاء والدواء، تضغط لفتح ممر إنساني مع السويداء.
وقال خليفة، إن ما يجري “يثير تساؤلات جدية حول الدوافع الحقيقية وراء هذه الطروحات”، خاصة في المرحلة الحساسة التي تمر بها سوريا بعد سقوط النظام السابق، و”دخول أطراف محلية على خطوط النزاعات المذهبية والقومية”.
يرى خليفة أن المسؤولية تقع اليوم على عاتق المكوّنات الوطنية السورية للعمل معًا على ترميم الثقة الداخلية، بما يقطع الطريق أمام التدخلات الخارجية، وفي مقدمتها إسرائيل، التي تحركها أهداف توسعية واضحة، عبّر عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مؤخرًا بالحديث عن “إسرائيل الكبرى”.
ماذا يعني قبول الممر
الحكومة السورية رفضت فكرة إنشاء ممر يصل السويداء بإسرائيل، وأكدت أنه لن يكون هناك ممر إنساني عبر الحدود، وتقديم المساعدات الإنسانية يتم حصرًا بالتنسيق المباشر مع مؤسسات الدولة في العاصمة دمشق.
الباحث محمود علوش، قال إنه لا يوجد ما يشير إلى أن دمشق مستعدة للقبول بهذا الطرح، ومن الطبيعي أن ترفض الممر، لأنه من جهة يعمق الجانب الإسرائيلي بالحالة الدرزية في السويداء.
ومن جهة أخرى، سيعني إقرارها بدور إسرائيل في الجنوب السوري، وهذا الأمر يجلب مخاطر كبيرة بالنسبة لها، ليس فقط في الحالة الدرزية، وإنما على مستوى سيادة سوريا في الجنوب السوري.
واعتبر أن الدولة السورية ستكون عرضة لضغط كبير من جانب إسرائيل في الفترة المقبلة من أجل الموافقة على هذا الطرح، لكن سوريا تدرك مخاطر مشروع الممر الإنساني من إسرائيل للسويداء.
اتهامات بارتكاب “جريمة حرب”
الكاتب السياسي درويش خليفة، يرى أن مثل هذا الطرح يضع الدولة السورية في مواجهة اتهامات بارتكاب “جريمة حرب”، لأن القانون الدولي يميز بين حصار يستهدف مقاتلين مسلحين، ويعد جائزًا عسكريًا، بشرط السماح بإدخال المساعدات الإنسانية للمدنيين، وبين حصار يؤدي إلى تجويع المدنيين، أو حرمانهم من الغذاء والدواء والماء، وهو ما يصنف كجريمة حرب.
من هنا جاء رفض الحكومة السورية لهذه الفكرة، مع التشديد على أن أي تنسيق يجب أن يتم عبر مؤسساتها الرسمية، الأمر الذي يضعها خارج دائرة الاتهامات التي تحاول بعض الأطراف المحلية والإقليمية إلصاقها بها.
كما أن دمشق تقلق من احتمال “استغلال الممر المزعوم من قبل كتائب الهجري لتهريب السلاح”، أو تحويله إلى منفذ جديد لشبكات تهريب المخدرات نحو دول الجوار، بحسب خليفة.
وتتهم أوساط في محافظة السويداء الحكومة بفرض حصار إنساني وعسكري، إلا أن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، نفى حصار السويداء، وأكد أن الحكومة فتحت ممرات إنسانية لإدخال المساعدات إلى المدنيين بالتعاون مع منظمات محلية ودولية.
“ممر داوود”.. حلم إسرائيل الكبرى يمر من السويداء
مطلب الممر الإنساني إلى السويداء ترافق بتسريبات حول “ممر داوود” الإسرائيلي الذي يصل جنوبي سوريا بشمالها الشرقي، وهو يرتبط بحلم قديم لإسرائيل.
قال الكاتب المختص بالشأن السوري في صحيفة “النهار” اللبنانية عبد الله علي، إن كل ذلك يأتي ضمن إعادة هندسة الشرق الأوسط التي لم يعد رئيس الوزراء الإسرائيلي يخفي حديثه عنها، بل أصبح أكثر اندفاعًا وصار يتكلم بـ”إسرائيل الكبرى”.
وأضاف علي، “نحن أمام خطر التقسيم وجهًا لوجه وما سيناريو السويداء إلا البداية”، وتابع أن المخطط الأرجح الذي يجري الحديث عنه هو إنشاء “ممر داوود” بين السويداء ومناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) حتى سرير نهر الفرات، لأن إسرائيل تريد السيطرة على المياه في المنطقة.
بالمقابل، هناك من يتحدث عن مسارات أخرى لهذا المخطط كإنشاء ممر يصل إلى عفرين شمالًا أيضًا، وفق الكاتب، ولكن هذا متوقف على طبيعة التطورات ومعادلات القوة وموازينها خلال الفترة المقبلة لا سيما بين إسرائيل وتركيا.
ولفت علي إلى أن ذلك متوقف بطبيعة الحال على مآلات الأمور في شمال شرقي سوريا والعلاقة بين “قسد” ودمشق، وهل الأمور ذاهبة إلى تطبيق اتفاق 10 من آذار الماضي، الذي “انخفضت أسهمه كثيرًا” أم ستتجه نحو الانفجار وكيف سترسو خرائط السيطرة بعد ذلك.
احتمالات التدخل الإسرائيلي العسكري
لعب التدخل الإسرائيلي دورًا حاسمًا في المعركة بين القوات الحكومية، ومسلحي العشائر من جهة، والفصائل المحلية من جهة أخرى، إذ أدى تدخلها، عسكريًا، إلى انسحاب وزارتي الدفاع والداخلية إلى خارج حدود المدينة.
سياسيًا، بات التفاوض على شؤون السويداء، بين الحكومة من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، برعاية دولية وإقليمية، ما يثير التساؤلات حول إمكانية دعم تل أبيب لمشروع انفصال المحافظة عسكريًا.
من جهته، يستبعد الباحث الأمني والعسكري في مركز “حرمون للدراسات المعاصرة” نوار شعبان، تدخل إسرائيل عسكريًا لدعم انفصال السويداء لعاملين، الأول بسبب الحالة الإشكالية داخل المحافظة، جراء وقوعها تحت سيطرة ميليشيات، ويتمثل العامل الثاني باستنزاف إسرائيل لقوتها من حربها مع “حزب الله” اللبناني و”حماس” في قطاع غزة، ثم حربها مع إيران.
ضغط على الحكومة
الباحث نوار شعبان، قال لعنب بلدي، إن إسرائيل تتدخل في ملف السويداء لتستفيد من هذا الملف للضغط على الحكومة السورية وإضافته إلى طاولة المفاوضات، وليس لحماية أبناء الطائفة الدرزية.
وأضاف أن إسرائيل شرعنت تدخلها بحجة حماية الأقليات، مشيرًا إلى أن هذا التدخل غاب بعد انسحاب القوات الحكومية ودخول مسلحي العشائر.
وتلوح إسرائيل بورقة حماية الطائفة الدرزية، منذ الأشهر الأولى التي تلت سقوط النظام السوري السابق، ظهر ذلك جليًا خلال توترات عديدة، أولها في مدينتي جرمانا وصحنايا، خلال شهري تموز ونيسان الماضيين.
حافلات تقل رجالًا من الدروز زائرين من سوريا تصل إلى قرية مجدل شمس في مرتفعات الجولان المحتل – 14 آذار 2025 (AP)
عتب من السويداء.. أين التعاطف؟
لبنى عبد الباسط، إحدى ناشطات حراك السويداء، الذي بدأ في آب 2023 ضد النظام السوري السابق، قالت إن مظاهرة “الاستقلال” كانت بدافع البحث عن غريزة البقاء بعد التعرض لما وصفته بـ”الإبادة” بمقتل أكثر من 1500 شخص خلال 48 ساعة على أساس طائفي.
ونفت الحكومة السورية أي “خطة أو نية لإبادة الدروز”، بحسب تعبير وزير الخارجية، أسعد الشيباني، مؤكدًا أن حماية من ينتمون لهذه الطائفة “مسؤولية الدولة السورية”.
وقال الشيباني في مؤتمر صحفي مع نظيره الروسي، سيرغي لافروف، خلال زيارة إلى موسكو نهاية تموز الماضي، “هناك استغلال لمسمى هذه الطائفة للتدخل في الشؤون الداخلية وخاصة من قبل إسرائيل، وهناك مجموعات مسلحة تنتمي للسويداء تريد أن تثبت هذا الواقع أن الحكومة لا تستطيع أن تضبط الأمن وتبث الفوضى”.
الناشطة عبد الباسط ترى أن اتهامات الانفصال تصبح محقة عندما يكون أمن الوطن وجيشه مبنيًا على المهنية والإخلاص وتقديس فكرة المواطنة.
من جانبها، وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل 814 شخصًا وإصابة 903 آخرين، خلال الفترة ما بين 13 و24 من تموز الماضي.
شملت الإحصائية ضحايا من المدنيين ومقاتلين من مجموعات عشائرية، وأخرى محلية خارجة عن سيطرة الدولة من أبناء المحافظة، إلى جانب عناصر من قوى الأمن الداخلي ووزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية.
مخاوف أهل السويداء اليوم هي من أفكار عقائدية وأيديولوجية قتلوا بسببها، بحسب الناشطة لبنى، معتبرة أن الشرخ المجتمعي كوّن حالة نفسية نتجت عنها، لدى بعض أهالي المحافظة، رغبة في الانفصال أو المطالبة بحقهم في تقرير مصيرهم.
واعتبرت أن الثورة التي امتدت لـ14 عامًا هدفت للوصول إلى وطن يحرم القتل ويقدس كرامة الشعب، إلا أن ذلك لم يحصل في سوريا الآن.
الناشطة وصفت هجوم القوات الحكومية والعشائر بـ”الهمجي والإرهابي” بسبب ما لمسته من مجازر قتل على أساس طائفي، وإهانة طالت كبارًا في السن عبر حلق شواربهم، التي تعتبر رمزًا تقدسه الطائفة الدرزية.
وأشارت الناشطة إلى أعمال سرقة وحرق طالت أكثر من 30 قرية في السويداء، لأسباب انتقامية، وتهجير نحو 150,000 شخص من أبناء الريف الغربي والشمالي للمحافظة.
بدورها، تكرر الحكومة أن تدخل قوات الأمن والجيش جاء لفك الاشتباك بين فصائل محلية وأبناء العشائر في السويداء، ولا تنفي حصول انتهاكات من قبل قواتها، مع تعهد بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات عبر لجنة تحقيق جرى تشكيلها لهذا الغرض.
الباحث والأكاديمي من محافظة السويداء، الدكتور فايز القنطار، قال إن ما جرى في السويداء، والهجوم الذي وصفه بـ”البربري” و”غير المسبوق”، خلق شعورًا بوجود تهديد حقيقي، دفعهم للمطالبة بالانفصال ورفع العلم الإسرائيلي.
وأضاف، لعنب بلدي، أن هذه الشعارات لا تعبر عن موقف السويداء، بل هي “صرخة غضب”، وفق تعبيره.
ويعتقد أن الانتهاكات التي مارستها القوات الحكومية، كان لها وقع شديد الوطأة، مما جعل الجميع يلتفون حول قطع أي صلة مع السلطة الحالية في دمشق.
واتهم القنطار الحكومة بتنفيذ أجندات إسرائيلية، وتسهيل فتح ممرات من تل أبيب إلى السويداء، وإخراج الأخيرة من الوطنية السورية.
ويرى أن السلطة الحالية في دمشق، جاءت لتفكيك الوطن السوري والإجهاز على ما تبقى منه بعد رحيل النظام السابق.
“خيبة أمل”
الباحث القنطار أشار إلى خيبة أمل لدى أهالي السويداء، جراء تعاطي باقي المكونات السورية مع أحداث السويداء، بسبب عدم التعاطف معهم، باستثناء الأصوات القليلة.
وبحسب الناشطة لبنى عبد الباسط، انتظر أهالي السويداء صوت السوريين في الشوارع للتنديد بـ”حرمة دم السوري على السوري” والوقفات التضامنية وصرخات غضب ترفض تكرار الأفعال التي مارسها جيش النظام السوري السابق من قتل للمدنيين وأعمال سرقة.
لبنى عبد الباسط، قالت إن أهالي السويداء تشكل لديهم شعور بنوع من “الخذلان” تجاه ما رأوه من “تجييش” الإعلام الرسمي، وانتشار ثقافة إعلامية “ممنهجة” تحاول تبرير المجازر في السويداء تحت مسميات سياسية، وفق تعبيرها.
وبلغ “الخذلان” ذروته، وفق الناشطة، عند مقتل منير رجمة، بعد سؤال مسلح، يرجح تبعيته لوزارة الدفاع السورية، عن انتماء رجمة المذهبي، قبل أن يطلق الرصاص نحوه.
قالت لبنى، إن مقتل رجمة أوصل رسائل لأهالي السويداء، أن الجيش السوري في تكوينه العقائدي لا يعترف بالمواطنة ولا يهتم لسوريا كوطن.
وترجح وسائل إعلام وأوساط داخل السويداء، تبعية قاتل رجمة إلى المؤسسة العسكرية الحكومية، بينما تدور شكوك حول انتمائه إلى “فزعات” العشائر التي قدمت إلى السويداء.
ووثقت شبكات محلية في السويداء، ضلوع عناصر ينتمون إلى القوات الحكومية بانتهاكات وأعمال قتل تجاه مدنيين، أبرزها مقتل مدني يرتدي زي الفرق الطبية داخل مستشفى “السويداء الوطني” على يد مسلح يشتبه بانتمائه للأمن الداخلي.
من جانبها، وعدت وزارتا الدفاع والداخلية بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، من كل الأطراف، إلا أن هذا الإعلان لاقى رفضًا من ناشطين داخل السويداء.
خطوات لحل أزمة السويداء
يرى ناشطون وباحثون من السويداء أن أفق الحل مسدود، بسبب مقاطعة جهات داخل المدينة التعامل مع الحكومة بشكل نهائي، بعد أحداث منتصف تموز الماضي، معتقدين أن مفاتيح الحل بيد الحكومة، والأخيرة تمنعه.
الناشطة السياسية لبنى عبد الباسط، ترى أن الحكومة السورية تمنع الحل السياسي بسبب سماحها للقوى الخارجية بأن تفرض نفسها في الداخل السوري، ولجوئها إلى العسكرة وفرض طوق عسكري على المدينة.
وفي حين يعتقد الباحث والأكاديمي فايز القنطار، أن المصالحة بين السويداء والسلطة مستحيلة، يرى أن تدخلًا عربيًا من السعودية، أو إعادة طرح مؤتمر وطني أو تحقيق انتقال سياسي، وفق القرار الأممي “2254” يمكن أن يفتح أفقًا للحل.
الباحث السياسي الدكتور نادر الخليل، يرى أن الخطوات السياسية المطلوبة للخروج من الأزمة في السويداء، تتمثل بخمس نقاط هي:
فتح المعابر الإنسانية بشكل فوري، وضمان وصول المساعدات دون عوائق، وإعادة الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصحة
إصلاح سياسي ومؤسسي عبر ضمان تمثيل حقيقي لأبناء السويداء في مؤسسات الدولة، بما يعكس تنوع المجتمع السوري، وتبني نموذج لامركزي إداري يمنح صلاحيات موسعة للإدارة المحلية، دون المساس بوحدة الدولة.
فتح تحقيق مستقل وشفاف في أحداث تموز الماضي، مع إمكانية الإشراف الأممي، ومحاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات، وتعويض المتضررين، وإطلاق مشاريع لإعادة إعمار المناطق المنكوبة.
إطلاق حوار مجتمعي يضم الفعاليات المدنية والسياسية، وليس فقط الزعامات الدينية، والعمل على نزع سلاح الميليشيات، ودمج العناصر الراغبين في مؤسسات الدولة الأمنية.
مواجهة التدخل الخارجي والانفصالية، وكشف الحملات الدعائية التي تروّج للتقسيم، ومواجهتها بخطاب وطني جامع، وتعزيز الهوية الوطنية السورية عبر الإعلام والتعليم والمبادرات المجتمعية.
الإرادة السياسية للحل
يرى الكاتب السياسي عبد الله علي أن السلطة في دمشق لم تعد قادرة على الحل، في ظل تدويل الملف، وكذلك لم تعد قادرة على اللجوء إلى خيارات التفافية مثل “فزعة العشائر” لأن ذلك سيعتبر بمثابة “انتحار”، على حد قوله.
ويخشى علي أن تؤدي بعض الأخطاء الإعلامية أو السياسية سواء من جانب دمشق أو السويداء إلى جعل أقصى أماني السوريين أن يعيشوا ضمن فيدرالية وألا تتقسم سوريا بالفعل.
مبادرات أهلية
خرجت دعوات من ناشطين وسياسيين لحل الأزمة في السويداء، عبر مبادرات أهلية، أبرزها “لجنة المبادرة الأهلية لحل أزمة السويداء”، التي أسسها الشيخ مطيع البطين، المتحدث السابق باسم “المجلس الإسلامي السوري” (المنحل حاليًا).
رئيس اللجنة، البطين، قال لعنب بلدي، إن الأزمة في السويداء تحتاج إلى جهود جميع أبناء البلد، بما فيهم الدولة والجهات القائمة في السويداء والمؤثرون والفاعلون وممثلو العشائر والنخب الوطنية والمرجعيات الدينية والمجتمعية.
وأضاف أن الحل يكمن برفض التدخل الخارجي وجلوس الجميع على طاولة واحدة تحت سقف الوطن، إضافة إلى رسائل ومبادرات بين كل الأطراف الموجودة تمهد الجو للوصول لإنهاء هذه الأزمة.
ويرى البطين أن المبادرات الأهلية مسألة “مهمة جدًا”، لأن الأهالي هم الذين يتعايشون وهم المتضررون من أي أزمة، وهم المادة الأساسية والمعول عليها والمتأثرة بالحالة سلبًا أو إيجابًا.
عنب بلدي
—————————–
اعتداءات إسرائيل جنوب سورية لا يوقفها التفاوض مع دمشق/ محمد أمين و نايف زيداني
27 اغسطس 2025
لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب سورية لا بل إنها اتخذت في الآونة الأخيرة منحى تصاعدياً، رغم أن المفاوضات وصلت إلى مراحل “متقدمة” بين دمشق وتل أبيب للتوصل لترتيبات أمنية على أساس اتفاقية 1974، ما يطرح أسئلة تتعلق بمدى جدية الإسرائيليين حيال هذا الأمر، خصوصاً وأن التدخل في الشأن السوري تجاوز مسألة الهواجس الأمنية.
وقتل فجر أمس الثلاثاء شاب من جراء قصف منزله بطائرة مسيّرة إسرائيلية في قرية طرنجة بريف القنيطرة الشمالي، عقب توغل مجموعة من قوات جيش الاحتلال داخل بلدة سويسة بريف القنيطرة، حيث داهمت منازل واعتقلت شاباً من أبناء البلدة، واقتادته إلى داخل الجولان السوري المحتل، قبل أن تفرج عنه لاحقاً. وأكدت مصادر محلية، لـ”العربي الجديد”، أن القتيل “مدني لا ينتمي لأي جهة عسكرية”.
وأكدت وزارة الخارجية السورية، في بيان أمس الثلاثاء، أن “هذه الممارسات العدوانية تمثل خرقاً فاضحاً لميثاق الأمم المتحدة وللقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وتشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن في المنطقة”. وكررت “مطالبتها المجتمع الدولي، ولاسيما مجلس الأمن، بالتحرك العاجل لوضع حدّ لهذه الانتهاكات المستمرة”، مشددة “على حقها الثابت والمشروع في الدفاع عن أرضها وشعبها بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي”.
توغل في جنوب سورية
وكان جيش الاحتلال توغل، أول من أمس الاثنين، في منطقة بيت جن بريف دمشق، واستولى على تل باط الوردة في جبل الشيخ، في خطوة استفزازية جديدة اعتبرتها وزارة الخارجية السورية “تهديداً مباشراً للسلم والأمن الإقليميين”. وقد انسحبت القوات الإسرائيلية من التل ومنطقة بيت جن أمس الثلاثاء، بحسب مصادر محلية أكدت أن هذه القوات أرهبت السكان بإطلاق النار بالقرب منهم قبيل انسحابها. وهذه ليست المرة الأولى التي تتوغل فيها القوات الإسرائيلية إلى منطقة بيت جن، والتي لا تبعد 50 كيلومتراً عن مركز العاصمة السورية دمشق، وتتبع إدارياً لناحية قطنا. وكان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن، في بيان صادر عن مكتبه أمس الثلاثاء، أن إسرائيل “ستبقى في قمة جبل الشيخ (في إشارة إلى الجزء المحُتل حديثاً) والمنطقة الأمنية لحماية الجولان والجليل من التهديدات القادمة من الجانب السوري، وهذا بمثابة درس أساسي من أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول 2023)”. وأضاف: “سنواصل أيضاً حماية الدروز في سورية”.
وجاءت تصريحات كاتس غداة تقارير إسرائيلية، مساء أول من أمس الاثنين، تناولت تحديد مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى نهاية سبتمبر/أيلول المقبل موعداً للتوصّل إلى اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب. ونقلت القناة 11 العبرية عن مصادر إسرائيلية لم تسمّها قولها إن الحديث يدور حول “اتفاق عدم اعتداء” بين الطرفين (ما يعني عدم الاقتتال واستخدام القوة) يضمن للسوريين أن دولة الاحتلال الإسرائيلي لن تهاجم سورية، بينما تضمن إسرائيل، وفقاً للقناة، الحفاظ على حقوق الدروز في البلاد. وذكر المسؤولون أن الولايات المتحدة تضغط على إسرائيل لتسريع المحادثات مع سورية من أجل التوصل إلى اتفاق في أسرع وقت ممكن. وقالوا: “من المهم لـ(الرئيس الأميركي دونالد) ترامب الإعلان عن هذا الاتفاق بأسرع وقت، وهذا هو سبب تقدم المحادثات”.
وبحسب المصادر الإسرائيلية، فقد أعرب السوريون أمام الأميركيين عن خشيتهم من أن يقيم الدروز في سورية نوعاً من الحكم الذاتي تحت رعاية إسرائيل، بينما أكد الممثلون الأميركيون للسوريين أن هذه ليست نية تل أبيب. لكن بخلاف التقارير الإسرائيلية الاثنين الماضي حول وجود تقدّم في المحادثات، أفاد موقع والاه العبري، أمس الثلاثاء، بأن الأميركيين يرغبون في رؤية اتفاق ما بين سورية وإسرائيل بحلول نهاية سبتمبر المقبل، لكن مسؤولين إسرائيليين يُقدّرون أن احتمالات التوصّل إلى اتفاق أمني، وهو الحد الأدنى في سلّم الاتفاقات، قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، منخفضة.
ونقل الموقع تقديرات مصدر سياسي إسرائيلي لم يسمّه، بأن اتفاق سلام مع سورية لا يبدو في الأفق، وكذلك لا يُتوقع انضمامها إلى “اتفاقيات أبراهام” (اتفاقيات التطبيع)، مضيفاً أن الشيء الوحيد المطروح للنقاش هو “الترتيبات الأمنية في هضبة الجولان وفي الهضبة السورية”، أي كامل الجولان السوري المحتل. وأوضح المصدر أن نقطة الخلاف الرئيسية هي رفض تل أبيب مطلب دمشق بأن يستند الاتفاق إلى خطوط فصل القوات التي تم تحديدها عام 1974.
ولم تنقطع الاعتداءات الإسرائيلية براً وجواً على سورية منذ الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي، اليوم الذي سقط فيه نظام بشار الأسد الذي حافظ على هدوء الجبهات مع إسرائيل منذ العام 1974. واللافت أن الجانب الإسرائيلي صعّد من وتيرة تدخله في جنوب سورية رغم انخراطه في مفاوضات مع دمشق للتوصل لترتيبات أمنية جديدة على أساس اتفاقية فك الاشتباك الموقعة في العام 1974 وأطاحتها تل أبيب عقب سقوط نظام الأسد.
وأكد الرئيس السوري أحمد الشرع، أمام وفد إعلامي عربي زار دمشق الأحد الماضي، أن المفاوضات مع إسرائيل بلغت مرحلة متقدمة، مشيراً إلى أن فرص إتمام الاتفاق مع إسرائيل أكبر من فرص فشله، مضيفاً: “أي اتفاق مع إسرائيل سيكون فقط على أساس خط الهدنة لعام 1974”. وتشير الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة إلى أن الهواجس الأمنية التي تتحجج بها تل أبيب ما هي إلا ذريعة لتحقيق أهداف تتعلق بفرض نفوذ على جنوب سورية واحتلال المزيد من الأراضي وخلق وقائع على الأرض لنسف اتفاقية فك الاشتباك والتفاوض على اتفاق جديد يسمح لها بتوسيع المنطقة العازلة ما بين سورية وهضبة الجولان المحتلة. ودمّرت إسرائيل بعد أيام من سقوط الأسد أغلب المقدرات العسكرية السورية عبر حملة قصف جوي هي الأكبر في تاريخها وصلت إلى أقصى الشمال الشرقي من البلاد. كما احتلت المنطقة العازلة التي حددتها اتفاقية عام 1974، فضلاً عن مواقع متقدمة في ريف القنيطرة، وأعلى قمة في جبل الشيخ، ما يؤمن لها سيطرة استخباراتية ومراقبة استراتيجية لجنوب ووسط سورية.
ويبدو أن الإدارة السورية لم تجد وسيلة لإيقاف التوغل والتدخل الإسرائيليين في جنوب سورية إلا التفاوض بشكل مباشر مع الإسرائيليين للتوصل إلى ترتيبات أمنية جديدة وكف يد تل أبيب عن التدخل في جنوب سورية. ولا تملك دمشق في الوقت الراهن القوة العسكرية القادرة على الوقوف في وجه الجيش الإسرائيلي في جنوب سورية.
خوف إسرائيلي من الإدارة السورية
وأعرب الخبير العسكري والأمني ضياء قدور عن اعتقاده أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على سورية، رغم وصول المفاوضات إلى مراحل متقدمة بين دمشق وتل أبيب “مرده الخوف الإسرائيلي من الإدارة السورية الجديدة وطبيعة التحالفات الإقليمية لها”، مضيفاً أن تحالفات سورية المتماسكة والقوية مع العمق العربي ومع الجانب التركي تُقلق تل أبيب. وتابع: “إسرائيل تستخدم أدوات الضغط المختلفة على النظام الجديد في دمشق سواء عبر الاعتداءات الجوية والبرية أو عبر استخدام وكلاء لها، خصوصاً في محافظة السويداء لكسب أوراق تفاوضية”.
وتعليقاً على استمرار التوغلات البرية الإسرائيلية في جنوب سورية رأى المحلل السياسي عبد الكريم العمر، في حديث مع “العربي الجديد”، أن إسرائيل “لا تلتزم باتفاقيات السلام”، مضيفاً: “هي تريد سورية دولة هشة مقسمة. ولا يعزل العمر مطالبة شيخ عقل الطائفة الدرزية حكمت الهجري بإنشاء “إقليم” في محافظة السويداء عما يجري في جنوب سورية من اعتداءات متواصلة من الجانب الإسرائيلي”، مضيفاً: “لا شك أن إسرائيل ليست بعيدة عن هذا المطلب لأنه يصب في مصلحة هدفها بتحويل سورية إلى كانتونات متناحرة على أسس طائفية وعرقية”. وتابع: “رغم التفاوض الجاري بين دمشق وتل أبيب، لا تزال الأخيرة تعمل علناً على تقسيم سورية. حتى لو بلغت المفاوضات مراحل متقدمة ووصلت إلى مرحلة التوقيع ستظل إسرائيل تعمل ضد سورية، فهي تخشاها وتريدها هشة ومهدمة”.
العربي الجديد
———————————-
سوريا وإسرائيل: لا تطبيع ولا عودة لاتفاقية فض الاشتباك؟
الأربعاء 2025/08/27
أكد مسؤول إسرائيلي أن اتفاق التطبيع بين سوريا لايزال بعيد المنال، لأن تل أبيب لن تتنازل عن هضبة الجولان المحتلة، فيما حذر مصدر أمني رفيع من العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لسنة 1974، لأنه سيقيّد حرية عمل الجيش الإسرائيلي، ويحدّ من قدرة إسرائيل على حماية مستوطنات الجولان.
الشرع تحت الضغط
وقال “مركز القدس للشؤون العامة والسياسة”، في تقرير، إن الرئيس السوري أحمد الشرع يرزح تحت الضغط، على خلفية خروج تظاهرة في السويداء، الأسبوع الماضي، رفع خلالها الدروز أعلام إسرائيل، ودعوا إلى الحكم الذاتي، أو ضم المحافظة إلى إسرائيل، كما وأبدوا استعدادهم للتجنيد في صفوف الجيش الإسرائيلي.
ونقل عن مصادر في الإدارة الأميركية، قولها إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تعتزم الدفع في اتجاه اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا يشمل فتح “ممر إنساني” بين إسرائيل والسويداء لتقديم مساعدات مباشرة للمدنيين في جنوب سوريا، إلا الوكالة السورية للأنباء (سانا)، أعلنت أن مثل هذا الممر لن يُقام، وأن المساعدات الإنسانية إلى السويداء ستُنقل فقط بالتنسيق مع مؤسسات الدولة في دمشق.
وبحسب التقرير، فإن إدارة ترامب تسعى لتهدئة التوتر في جنوب سوريا، بعد احداث السويداء وكذلك إلى تعزيز حوار أمني بين إسرائيل وسوريا. وأوضح أن أحد عناصر هذا الحوار هو العودة المحتملة إلى اتفاق فض الاشتباك بين إسرائيل وسوريا لعام 1974.
وشكّل هذا الاتفاق على مدى عقود، أساساً لإدارة الحدود بين إسرائيل وسوريا، لاسيما في هضبة الجولان، وأنشأ مناطق منزوعة السلاح على جانبَي الحدود، تنتشر فيها قوات “أندوف” لمراقبة الالتزام وتوثيق الانتهاكات ومنع المواجهات العسكرية المباشرة.
خطاب الشرع
وقال مسؤول سياسي رفيع، إن إدارة ترامب قد تعمل على ترتيب خطاب للشرع في الجمعية العامة المقبلة للأمم المتحدة، وربما حتى “مصافحة غير رسمية في الممرات” بينه وبين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
ونقل التقرير عن مصدر سياسي رفيع، أن إسرائيل تصر على حماية الدروز في السويداء، خلال المحادثات مع الإدارة السورية الجديدة، إلى جانب إبعاد جميع القوات المسلحة عن الحدود مع إسرائيل.
وزعم المسؤول أن “الجماعات الجهادية” في المنطقة، تسعى لاستهداف المستوطنات الإسرائيلية في الجولان وارتكاب “مجازر” شبيهة بما حدث في 7 تشرين الأول/أكتوبر. وذلك بحسب قوله، يفرض تخطيطاً عسكرياً ودبلوماسياً دقيقاً، لافتاً إلى إسرائيل تتعامل بحذر مع المفاوضات مع دمشق.
الحفاظ على الوضع القائم
وادعى المسؤول أن الشرع لا يسيطر على سوريا بشكل كامل أمنياً، وأن قواته الأمنية كانت في بعض الأحيان شريكة، ولو بشكل خفي، في “مجازر” ضد العلويين والدروز.
وقال إن إسرائيل تسعى لاتفاق تطبيع مع سوريا، لكن مثل هذا الاتفاق لا يزال بعيد المنال، مضيفاً أن “إسرائيل لن تساوم على مصالحها الأمنية الحيوية، أو على سيادتها في هضبة الجولان، في مقابل أي اتفاق تطبيع” مع النظام السوري الجديد.
ووفق التقرير، فقد حذّر مصدر أمني رفيع المستوى القيادة السياسية من أن توقيع اتفاق أمني مع النظام الجديد، يتضمن العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لسنة 1974، سيقيّد حرية عمل الجيش الإسرائيلي، ويحدّ من قدرة إسرائيل على حماية مستوطنات الجولان والدروز في السويداء.
وأضاف “طالما أن نظاماً جهادياً يسيطر على سوريا، فمن الأفضل لإسرائيل ألّا توقع أيّ اتفاق، وأن تحافظ على الوضع القائم الذي لا تُفرض بموجبه أي قيود دولية على عملياتها الأمنية الحيوية”.
———————-
الحرس الوطني في السويداء.. معضلة الهوية وفوضى الحماية/ مهيب الرفاعي
الثلاثاء 2025/08/26
مثلت أحداث تموز/يوليو الماضي في السويداء، نقطة انعطاف في ديناميات الصراع السوري، إذا ما نظرنا إلى المواجهات التي اندلعت بين الفصائل المحلية من جهة، وقوات الأمن العام والعشائر السنية من جهة أخرى، وما تلاها من انسحاب للقوات النظامية من مركز المدينة، فتحت الباب أمام صعود سلطة بديلة تستند إلى المرجعية الروحية والاجتماعية للطائفة الدرزية.
هذه اللحظة كشفت بوضوح ما تشير إليه أدبيات العلاقات الدولية ودراسات النزاعات بـ”أزمة الدولة الضعيفة”، حيث تتراجع قدرة المركز على فرض سيطرته على جميع الأراضي الواقعة ضمن الحدود الجغرافية الطبيعية للدولة، فتبرز قوىً محلية تملأ الفراغ، غالباً في شكل فواعل ما دون الدولة. في هذا السياق، جاء إعلان تشكيل “الحرس الوطني” في 23 آب/أغسطس الماضي، ليس فقط كخطوة تنظيمية لتوحيد السلاح الدرزي، بل كمحاولة لتأسيس سلطة عسكرية-سياسية ترغب بإعادة رسم موازين القوة في الجنوب السوري. هذا التحوّل يعكس دينامية الانتقال من الدولة المركزية إلى أنماط من الحكم المحلي المسلح الذي يزاوج بين البعد الأهلي والدور السياسي.
الفواعل ما دون الدول
لفهم بنية “الحرس الوطني”، من الضروري العودة إلى التفريق النظري بين أنماط الفواعل ما دون الدولة في السياقات النزاعية. تشير الأدبيات إلى أن الفصائل غالباً ما تكون مجموعات ذات طبيعة محدودة، تنشأ بدافع محلي أو أيديولوجي، وتفتقر إلى البنية المؤسسية الصلبة. أما المليشيات فهي تشكيلات أكثر تنظيماً، تمتلك خطاباً سياسياً أو هوياتياً، وغالباً ما ترتبط بدولة راعية أو بجهات إقليمية تسعى إلى توظيفها. في المقابل، برز في سوريا نمط ثالث يمكن وصفه بـ”القوات المحلية”، وهي وحدات مسلحة تتشكل لحماية مجال جغرافي أو طائفي محدد، وتستمد شرعيتها من المجتمع المحلي، ولكنها تتمتع بدعم و تمويل خارجي، سواء من دول إقليمية أو من رجال أعمال محليين في خارج البلاد. منذ عام 2014، عرفت السويداء هذا الطيف بأشكاله المختلفة: فـ”لواء الجبل” و”قوات شيخ الكرامة” حملت سمات الفصائل ذات الطابع المحلي-الهوياتي، بينما “قوة مكافحة الإرهاب” بدت أقرب إلى مليشيا صغيرة ذات خطاب عابر للمنطقة. في المقابل، عشرات المجموعات الأصغر ارتبطت بالعائلات وشبكات التهريب، وهو ما يضعها في خانة الفاعلين الهجينيين بين المليشيا والعصابة المسلحة.
ما جاءت به أحداث تموز 2025، دفع هذه الكيانات المتباينة إلى لحظة تمايز بين موقفين يتمثل الأول باستمرارها في حالة التشظي وهذا يعني انهيار الأمن الأهلي واستدعاء تدخلات خارجية؛ أو حفاظها على مظلة أمنية عسكرية جامعة تطمح إلى ترقية هذه الفصائل المتناثرة إلى مستوى “قوات محلية” تحت مظلة الشيخ حكمت الهجري، أي إلى سلطة عسكرية ذات طابع أهلي-سياسي تسعى لاكتساب شرعية شبه رسمية كحارس لهوية الجبل. من هنا جاء “الحرس الوطني” الذي يضم ما بين أربعة إلى خمسة آلاف مقاتل، لكن أسئلة جوهرية لا تزال قائمة، من قبيل هل نحن أمام مليشيا درزية موحدة أم أمام نواة قوة محلية شبه مؤسساتية؟ من منظور نظري، المليشيا تُعرّف بكونها كياناً مسلحاً يحتكر القوة داخل مجتمع محدد، دون أن يخضع لمنطق الدولة. أما القوات المحلية، فترتبط أكثر بحاجات الأمن الأهلي، وتسعى إلى صياغة علاقة تفاوضية مع الدولة المركزية. الحرس الوطني يبدو حتى الآن ككيان هجين؛ بمعنى أنه بحسب البيان التأسيسي، يستمد شرعيته من المرجعية الروحية والاجتماعية، ويتبنى خطاباً دفاعياً عن الهوية الدرزية، لكنه يفتقر إلى تمويل مستدام وعقيدة عسكرية موحدة. الوعود المالية سرعان ما اصطدمت بعجز التمويل، ما قلّص من جاذبيته بين المقاتلين.
مشروع محلي بارتباطات إقليمية
جاء هذا التشكيل في سياق إعادة صياغة الوجود الأمني والعسكري للجبل بما يتجاوز منطق الفصائل المتناثرة نحو مشروع محلي ذي ارتباطات إقليمية، إذ ترافق الإعلان مع قطع شبه كامل لخطوط التواصل الأمني والعسكري مع حكومة دمشق، مقابل انفتاح متزايد على تنسيق استخباراتي وأمني مع دول الجوار، الأمر الذي يضعه في موقع حساس يتجاوز حدود الدفاع الذاتي ليصبح أداة في حسابات جيوسياسية أكبر.
في هذا السياق، جاء البيان التأسيسي ليمنح التشكيل غطاءً روحياً واجتماعياً، حيث انطلق من خطاب يركّز على “معروفيتنا” و”وحدة مصيرنا”، مؤكداً على الالتزام المطلق بقرارات الرئاسة الروحية الممثلة بالشيخ أبو سلمان (حكمت الهجري)، واعتباره الممثل الشرعي والوحيد للطائفة في الجبل. كما أعلن البيان “الاندماج التام بقوات الحرس الوطني باعتباره المؤسسة العسكرية الرسمية الممثلة للطائفة”، مجدداً العهد على “بذل الغالي والنفيس في سبيل حماية الجبل وهويته المعروفية التوحيدية”. وقد وقّعت على هذا البيان عشرات التشكيلات والفزعات المحلية، من بينها: قوات نسر الجبل، اللواء 146، فزعة فخر، قوات نشامى الجبل، قوات نسور الجبل، تجمع أبناء الجبل، سرايا الجبل، قوات مكافحة الإرهاب، قوات شيخ الكرامة، قوات العليا، القوى المحلية، قوات طود الجبل، القاهرون، قوات عرين الجبل، قوات فرسان حمزة، قوات شمس الجنوب، قوات ذياب حمزة، قوات الفهد، حماة الثغور، قوات السلطان، قوات سيف الحق، جيش الموحدين وغيرهم.
بدا الجمع بين المظلّة العسكرية الموحّدة والشرعية الروحية مقصوداً لإضفاء طابع رسمي وشامل على الحرس الوطني باعتباره التعبير المؤسسي عن هوية الجبل وقراره المستقل. لكن هذه الشرعية لا تلغي الطابع الإشكالي للتجربة، التي توازن بين خطاب الوحدة الداخلية وحماية الهوية المعروفية من جهة، وبين الارتهان لمعادلات إقليمية قد تعيد إنتاج سيناريو “جيش لحد” في الجنوب من جهة أخرى. وعليه، يظل الحرس الوطني مشروعاً مزدوج الوجه: بين كونه محاولة لترميم الأمن المحلي وتوحيد القرار العسكري، وبين كونه أداة محتملة في لعبة إقليمية أكبر قد تضع السويداء في قلب مقامرة تاريخية.
سياسياً، يشكّل الحرس الوطني إعلاناً عن نزعة استقلالية أمنية تسعى لإرساء صيغة الحكم الذاتي المحدود، ودمشق تعاملت مع هذا الواقع ببراغماتية، فاختارت الانسحاب التكتيكي مع إبقاء أدوات النفوذ غير المباشر عبر شبكات الأمن والعشائر. إقليمياً، تنظر إسرائيل إلى الكيان كحاجز أمام التمدد الإسلامي المتشدد وأمام المليشيات السنية العاملة كقوات رديفة، خصوصاً في معركة السويداء، فيما ترى الأردن أن استقرار السويداء شرط حيوي لأمنها الحدودي. بناءً على ذلك، فإن مستقبل الحرس الوطني يتوقف على نجاحه في التحول من مظلة فصائلية متشظية إلى قوة محلية منضبطة، قادرة على التوفيق بين شرعية الداخل وتفاهمات الخارج.
عقدة الخواجة ورهانات الخارج
إلا أن هذه النزعة الانفصالية والاستقلالية تنبئ بالتوتر البنيوي بين الخطاب المعلن حول الاستقلالية والاعتماد على الذات، وبين الحاجة الضمنية إلى اعتراف أو دعم خارجي يمنح الكيان شرعية وموارد. فعلى المستوى الخطابي، قدّم الحرس الوطني نفسه كقوة محلية صافية، منبثقة من المجتمع الدرزي ومرتبطة حصراً بمرجعياته الروحية، رافضاً الارتهان لمحاور النفوذ الإقليمي (إيران، إسرائيل، الأردن، الولايات المتحدة). لكن في العمق، ظل هناك إدراك جمعي بأن أي مشروع عسكري محلي في سوريا لا يستطيع الصمود دون شكل من أشكال الارتباط الخارجي، سواء عبر التمويل أو التسليح أو حتى الغطاء السياسي. هذا التناقض يعكس معضلة تاريخية عاشتها الأقليات السورية عموماً، والدروز خصوصاً، في محاولاتهم الموازنة بين الحفاظ على استقلاليتهم المحلية من جهة، واستدعاء “الخواجة” – أي القوة الكبرى أو الدولة الراعية – لتأمين الحماية من جهة ثانية. في الحالة الراهنة، يترجم ذلك في التوجس من إسرائيل التي تراقب الجبل بصفته منطقة عازلة، وفي الوقت نفسه التطلع غير المعلن إلى دعم لوجستي أو مالي قد يأتي من الأردن أو من شبكات المغتربين الدروز في المهجر. من هنا، فإن “عقدة الخواجة” ليست مجرد مسألة نفسية، بل هي معطىً بنيوياً في علاقة الفواعل ما دون الدولة مع محيطها: فالمليشيا أو القوة المحلية، مهما أعلنت رفضها للوصاية الخارجية، تبقى أسيرة حاجتها الدائمة لاعتراف “الآخر” القوي كي تتحول من كيان هش إلى مشروع قابل للاستمرار.
وُلدت فكرة الحرس الوطني في السويداء في فراغ أمني، لكنها قد تواجه إشكاليات تهدد تحول هذا الكيان إلى نسخة مطوّرة عن الفصائل السابقة؛ إذ يقتصر على حماية الدروز، ما يفقده الشرعية الوطنية، وسيعاني من هشاشة التمويل وفشل وعود الرواتب في حال جفاف مصادر التمويل، إضافةً إلى صعوبة توحيد عشرات الفصائل المتباينة. كما أن غياب عقيدة عسكرية واضحة يجعله محدود الفاعلية، فيما يربطه الاعتماد على المرجعية الدينية بصراعات الزعامات. وبذلك، قد ينزلق التشكيل إلى مسار الفوضى والارتهان للخارج كما حدث في تجارب سورية أخرى، ما يحوّل فرصة حماية الجبل إلى مصدر انقسام إذا لم يُضبط تنظيمياً ومالياً وسياسياً.
——————————
لا ممر إنساني من إسرائيل للسويداء.. رسالة إلى الهجري
l 26 أغسطس 2025
سكاي نيوز عربية – أبوظبي
أبلغ الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل، نظيره في سوريا، حكمت الهجري، إنه “لا توجد إمكانية لفتح أي ممر إنساني من إسرائيل باتجاه السويداء”.
وجاء ذلك حسب مصادر خاصة لسكاي نيوز عربية، أكدت أن الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، أبلغ الهجري، الإثنين، بعدم إمكانية فتح أي ممر إنساني من إسرائيل باتجاه السويداء، وذلك لأنّ أي ممر سيكون عبر درعا، وهو ما سيُعتبر جزءا من “مشروع تقسيم” لسوريا.
وقال المصدر إن الممر الإنساني سيكون عبر طريق دمشق-السويداء، والعمل جار لفتح الطريق في الفترة القادمة.
ومن المتوقع أن يتم تخصيص نحو ألفي جندي لتأمين الطريق وحمايته.
وكان الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا حكمت الهجري، قد دعا يوم الإثنين، إلى دعم دولي من أجل انفصال السويداء عن سوريا.
وفي فيديو انتشر عل مواقع التواصل الاجتماعي قال الهجري: “نطلب من العالم والدول الحرة أن تقف بجانب الطائفة الدرزية لإعلان إقليم منفصل لحمايتنا”.
وتابع: “مشوارنا بدأ بعنوان جديد بعد المحنة الأخيرة التي كان القصد منها إبادة الطائفة الدرزية”.
—————————-
سوريا وإسرائيل: بين التسريبات والنفي، تكهنات تُطرح حول مستقبل العلاقة بين الجانبين/ سوزانا قسوس
26 أغسطس/ آب 2025
في وقت تتزايد فيه التسريبات الإعلامية حول اقتراب اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، ولقاء حصل بالفعل بين وزير الخارجية السوري ووفد إسرائيلي في باريس، تنفي دمشق وجود أي مفاوضات أو اتفاق وشيك مع إسرائيل، مؤكدة أن الموقف السوري “ثابت ولم يتغير”. فماذا نعرف حتى الآن؟
في يونيو/ حزيران الماضي، نشرت وكالة الأنباء السورية الرسمية بياناً حكومياً ينفي “وجود أي اتصالات مباشرة أو اتفاقات سرية مع إسرائيل”. ووصف التسريبات الإعلامية بأنها “مفبركة”، كما قالت مصادر رسمية لوكالة الأنباء إن أي حديث عن سلام أو تطبيع مع إسرائيل “سابق لأوانه”.
بعد هذا النفي الحكومي، التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في 19 أغسطس/آب ، وفداً إسرائيلياً في باريس لمناقشة عدد من الملفات المرتبطة بتعزيز الاستقرار في المنطقة والجنوب السوري.
وركزت النقاشات على خفض التصعيد وعدم التدخل بالشأن السوري الداخلي، والتوصل لتفاهمات تدعم الاستقرار في المنطقة، ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، وإعادة تفعيل اتفاق 1974.
أما رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع فأكد خلال اجتماع مع وفد إعلامي عربي في 24 أغسطس/آب أن أي اتفاق مع إسرائيل سيُبنى على أساس خط الهدنة لعام 1974، وإن دمشق لن تتردد في اتخاذ أي قرار أو خطوة من شأنها خدمة مصلحة سوريا والمنطقة.
من الجانب الإسرائيلي تحدثت القناة 12 الإسرائيلية عن اتفاق أمني وشيك بين سوريا وإسرائيل بوساطة أمريكية – خليجية يتضمّن تنازلات سورية مقابل مساعدات وإعمار.
وتتصدّر في الإعلام الإسرائيلي تغطيات حول الاتصالات الجارية بين الجانبين، حيث نشرت صحف مثل “يديعوت أحرونوت” و”تايمز أوف إسرائيل” تقارير تتحدث عن محادثات سرية تديرها أطراف ثالثة، منها الإمارات والولايات المتحدة، لإشراك سوريا في مسار “الاتفاقيات الإبراهيمية”.
هل يوقّع أحمد الشرع على اتفاق تطبيع مع إسرائيل؟
فهل نحن أمام ملامح اتفاقية جديدة تعيد رسم خريطة الصراع في سوريا والمنطقة، أم أن ما يُطرح لا يتجاوز تسريبات عابرة في ظل واقع جيوسياسي متقلّب ومعقّد؟
الجيش الإسرائيلي في الجولان
يرى خبير العلاقات الدولية، الدكتور أشرف عُكة، أن ما يجري حتى الآن هو “حديث عن اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، وليس عن اتفاق شامل أو سلام كامل”، إذ أن “الحكومة السورية تُنكر وجود مسار نحو اتفاق شامل، وما يُطرح لا يتجاوز كونه محاولة للعودة إلى ترتيبات اتفاق وقف إطلاق النار لعام 1974، خصوصاً في الجولان وجنوب سوريا. أي صيغة أخرى، لن يكون اتفاقاً حقيقياً”، على حد قوله.
ويعتبر عُكة أن أي اتفاق أمني تُقدِم عليه الحكومة السورية دون أن يراعي مسألة الجولان أو السيادة بالحد الأدنى يُعتبر ضعيفاً.
وحول احتمالية توسط دول في المنطقة لجمع الجانبين السوري والإسرائيلي، يقول عكة إن السؤال الأهم هو: إلى أي مدى يمكن للوساطات الخليجية والأمريكية أن تلبي ما تسميه إسرائيل “متطلبات أمنها”، خاصة أن الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على إقامة مناطق عازلة ليست مجرد حائط صد، بل مناطق انتشار وسيطرة فعلية؟
ويرى عُكة أنه “علينا أن نُدرك أن الملف السوري لا ينفصل عن بقية ملفات المنطقة: لبنان وغزة والضفة الغربية، وحتى اليمن وإيران وتركيا. فكل المسارات مترابطة”.
ويضيف: “من هنا، فإن أي اتفاق أمني محتمل مع سوريا سيظل ناقصاً، مرهوناً بتطورات أكبر في المنطقة. وإن أقدمت دمشق على اتفاق لا يأخذ بعين الاعتبار مستقبل الجولان وسيادة البلاد، فسيكون ذلك اتفاقاً محفوفاً بالمخاطر على النظام والدولة السورية معاً”.
بينما يقول الخبير في المجال الجيوسياسي والأمني، الدكتور عامر السبايلة: “دعونا ننطلق من حقيقة أن التحولات في السنوات الأخيرة، خصوصاً منذ سقوط النظام في سوريا، أثبتت أن الدولة السورية لم تعد قائمة بالمعنى الحقيقي. وبالتالي، فإن إسرائيل لا ترى نفسها مضطرة للدخول في سلام مع كيان تعتبره منهاراً أو غير موجود. هذه نقطة أساسية لفهم ديناميكيات التحركات الإسرائيلية في المنطقة”.
ويرى السبايلة أن إسرائيل تنظر إلى الجغرافيا السورية على أنها مساحة مفتوحة “قد تتعرض للاستغلال”، وكانت قد حاولت فرض واقع جديد من خلال تدخلات عسكرية متكررة، وصولاً إلى تبني خطاب حماية مكونات سورية معينة.
ويضيف: “إذا تحدثنا عن اتفاقية أمنية محتملة، فالأمر بالنسبة لإسرائيل يقوم على عدة أسس واضحة: أولاً، الحفاظ على المكاسب التي حققتها على الأرض كجزء من استراتيجيتها الأمنية. ثانياً، تكريس فكرة حماية المكونات التي ترتبط بها، كالمسألة الدرزية أو الممرات الإنسانية. ثالثاً، تعزيز قدرتها على العمل داخل سوريا، وتحويل النظام القائم هناك إلى شريك في هذه المعادلة”.
يضيف، يجب أن نكون واضحين: التسريبات التي تطرح عن صفقة محتملة اليوم ليست اتفاق سلام بين طرفين متكافئين، بل اتفاق يفرضه طرف يملك اليد العليا، مقابل نظام مضطر للقبول به من أجل شرعنة بقائه. وبالنسبة لإسرائيل، لا توجد حاجة حقيقية لأي اتفاق، لكنها قد تراه مدخلاً للتطبيع الإجباري مع سوريا، ونموذجاً يُعلن لاحقاً، بحسب رأيه.
ويرى الخبير الجيوسياسي أنّه لهذا السبب، لا يمكن مقارنة أي اتفاق – إن كانت هناك محاولات في هذا الاتجاه – باتفاقية فض الاشتباك عام 1974؛ فالظروف مختلفة تماماً. باعتبار أن “إسرائيل تعتقد أن لديها اليوم مساحة واسعة لفرض شروطها ومعادلاتها على الحكومة السورية، دون الحاجة إلى اتفاقيات تقليدية بين جيوش نظامية كما كان في الماضي”، كما يقول.
ما هو اتفاق عام 1974؟
ينص اتفاق فصل القوات بين سوريا وإسرائيل عام 1974، الذي تمّ التوصل إليه بوساطة أمريكية بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول من عام 1973، على وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل من بعض المناطق، وإقامة منطقة فصل تحت إشراف الأمم المتحدة، مع قيود على التسليح العسكري.
وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق جَمّد القتال، إلاّ أنه لم يكن سلاماً سياسياً ولم ينهِ الاحتلال أو اعتراف أي طرف بالآخر بشكل رسمي.
أبرز التحليلات حول هذا الاتفاق خلال المرحلة الحالية:
الاهتمام المتجدد باتفاق 1974 ينبع أولاً من التصعيد الإقليمي المتزايد على الجبهة الشمالية لإسرائيل، خصوصاً مع تصاعد التوتر في الجنوب السوري، وتكثيف الغارات الإسرائيلية على مواقع عسكرية سورية.
إعادة طرح الاتفاق تأتي في إطار الترتيبات الإقليمية الأوسع، مع اتساع رقعة الاتفاقيات الإبراهيمية ومحاولة واشنطن تثبيت الاستقرار على الجبهة الشمالية لإسرائيل، في وقت تشهد فيه سوريا منذ أواخر 2024 تحوّلاً في موقعها الإقليمي، مع عودة تدريجية لاعتراف دبلوماسي عربي وغربي بها.
قد يُستخدم اتفاق 1974 كورقة ضغط على دمشق. فإما الالتزام بخطوطه الأمنية لضمان التهدئة، أو مواجهة احتمالات أكبر للتصعيد الإسرائيلي.
من زاوية قانونية ودبلوماسية، فإن اتفاق 1974 هو آخر وثيقة دولية مُعترف بها من الطرفين (ولو ضمنياً)، وهو ما يمنحه قيمة تفاوضية عالية الآن.
بينما لا تعترف سوريا بضم إسرائيل للجولان، لا تزال تعتبِر هذا الاتفاق هو القاعدة الوحيدة السارية ميدانياً، ويمكن البناء عليه كمخرج سياسي مقبول دولياً إذا ظهرت مبادرة جادة للتسوية أو التطبيع لاحقاً.
السويداء “نقطة مفصلية”
في ظل هذه التسريبات والتطورات على الأرض، دعا الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، إلى تدخل دولي لدعم مطالبتهم بـ”إقليم مستقل” في السويداء.
ففي مقطع فيديو نُشر يوم الاثنين 25 أغسطس آب، قال الهجري: “نناشد المجتمع الدولي والدول الحرة الوقوف إلى جانب الطائفة الدرزية لإعلان إقليم مستقل يضمن حمايتنا”.
وأضاف: “بدأنا مساراً جديداً بعد المحنة الأخيرة، التي كانت تهدف إلى القضاء على الطائفة الدرزية”، معرباً عن تقديره للدول التي ساندت الطائفة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل.
تحدثت تسريبات إعلامية إسرائيلية عن أن أي اتفاق أمني محتمل مع دمشق قد يتضمن إنشاء “ممر إنساني” يصل إلى محافظة السويداء، باعتبارها منطقة ذات حساسية خاصة بسبب وجود المكوّن الدرزي. هذا الممر يُطرح في سياق ما تراه إسرائيل “التزامات أمنية” مرتبطة بحماية الأقليات، وضمان تدفق المساعدات أو التسهيلات الإنسانية ويمكن أن تُستثمر سياسياً وأمنياً في المرحلة المقبلة.
في المقابل، ترى أوساط سورية أن إدخال بند “الممر الإنساني” قد يشكّل مدخلاً لتكريس “نفوذ إسرائيلي” في الجنوب السوري، وربطه مباشرة بالوضع الداخلي للسويداء، وهو ما يُخشى أن يُستخدم كورقة ضغط على الحكومة السورية، أو كأداة لفرض ترتيبات ميدانية جديدة تتجاوز اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يمنح إسرائيل “اليد العليا” في الجنوب السوري، بحسب خبير العلاقات الدولية أشرف عُكة.
وكانت محافظة السويداء قد شهدت منذ 13 يوليو تموز ولمدة أسبوع اشتباكات بين مسلحين دروز ومقاتلين من البدو، قبل أن تتصاعد الأحداث إلى مواجهات دموية مع تدخل القوات الحكومية وانضمام مسلحين من العشائر.
وتتواصل إدانات الخارجية السورية للهجمات الإسرائيلية على ريف القنيطرة، وتندد بتوغّل قوات إسرائيلية في بلدة سويسة الجنوبية واستمرار تمركزها في قمة جبل الشيخ والمنطقة العازلة، مؤكدة أن هذه الممارسات تشكل خرقاً للقانون الدولي وتهديداً للسلم الإقليمي، بحسب بيان حكومي نُشر يوم الثلاثاء 26 أغسطس آب.
ما مصير الجولان المحتل في حال الوصول لاتفاق؟
القيادة الإسرائيلية لا تزال حذرة في ما يتعلق بالعلاقات بين الجانبين، حيث صرّح وزير الخارجية جدعون ساعر أن التقدم مع سوريا مرهون باعترافها بـ”الواقع الجديد”، مؤكداً أن السيادة الإسرائيلية على الجولان “ليست مطروحة للنقاش”.
وركّزت تقارير إسرائيلية مؤخراً على تمسّك إسرائيل بالسيادة على الجولان كشرط غير قابل للتفاوض، مع تداول تسريبات حول مقترحات “حلول وسط”، مثل إقامة منطقة منزوعة السيادة أو “منتزه سلام” يُدار بشكل مشترك، مع بقاء السيطرة الأمنية والعسكرية لإسرائيل.
بحسب اتفاقية جنيف الرابعة وقرار مجلس الأمن 497 (1981)، يُعتبر ضم الجولان “باطلاً” بالقانون الدولي.
تشير دراسة قانونية نُشرت في يوليو تموز 2025، للباحث علي عثمان قراوغلو في “Law and Justice Review”، أن فرض إسرائيل قوانينها على الجولان يخالف مبدأ “عدم الاعتراف” في القانون الدولي، ويُشير الكاتب إلى أن سوريا “لا يمكنها قانونياً التنازل النهائي عن الجولان، حتى ضمن تسوية سياسية، لأن ذلك قد يُفسَّر كـ”شرعنة للاحتلال”.
ويقترح الباحث أن أي تسوية يجب أن تقوم إما على انسحاب إسرائيلي كامل، أو على حلول انتقالية بإشراف دولي (مثل الإدارة المشتركة أو التأجير المؤقت)، مع الحفاظ على السيادة القانونية لسوريا، كما يطرح خيار مطالبة سوريا بتعويضات عن سنوات الاحتلال.
بي بي سي
——————————-
قيادات السويداء تعرقل جهود واشنطن لفتح طريق دمشق – السويداء
2025.08.27
قالت مصادر خاصة لتلفزيون سوريا، اليوم الأربعاء، إن الوسيط الأميركي أكد بأن قيادات في السويداء تعمل على عرقلة الجهود الرامية إلى إعادة فتح طريق دمشق – السويداء.
وأوضحت المصادر أن واشنطن تسعى إلى فتح قنوات حوار لإعادة تشغيل الطريق الحيوي بعد انتهاء الحكومة السورية من التحضيرات اللازمة لفتحه، لكنها تواجه تعقيدات جدية بسبب رفض بعض القيادات المحلية التعاون مع المسار الأميركي.
وأضافت المصادر أن الوسيط الأميركي يواجه صعوبات في التعامل مع قيادات السويداء أثناء المفاوضات نتيجة رفضها التعاون، مشيرةً إلى أنه يحمل هذه القيادات مسؤولية استمرار إغلاق الطريق.
ويُعد طريق دمشق – السويداء من الطرق الحيوية التي تربط المحافظة بالعاصمة، ويأتي السعي الأميركي لفتحه ضمن جهود أوسع لتهدئة التوترات وتسهيل الحركة بين المحافظات.
الوضع الإنساني في السويداء “مقلق” رغم الهدوء
قبل أيام، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الوضع الإنساني في محافظة السويداء ما يزال “مقلقاً للغاية” رغم الهدوء النسبي الذي يسود المنطقة.
وبيّنت اللجنة أن أبرز التحديات تتمثل في صعوبة الوصول الآمن إلى المناطق المتضررة ونقص الدعم الدولي المقدم للقطاع الإنساني، مؤكدةً أنها تنسق مع جميع الأطراف لضمان وصول آمن ومحايد للمساعدات الإنسانية.
وتشهد السويداء وقفاً لإطلاق النار منذ مساء الـ19 من تموز الماضي، عقب اشتباكات مسلحة استمرت أسبوعاً بين فصائل محلية وعشائر بدوية، وأسفرت عن مقتل 426 شخصاً، وفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان.
من جانبه، نفى المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، الأنباء التي تتحدث عن فرض الحكومة حصاراً على محافظة السويداء، واصفاً إياها بأنها “كذب وتضليل”.
وقال البابا في تغريدة على منصة “إكس” إن مزاعم فرض الحكومة السورية حصاراً على السويداء “محض كذب وتضليل”، مؤكداً أن الحكومة فتحت ممرات إنسانية لإدخال المساعدات إلى المدنيين داخل المحافظة، بالتعاون مع المنظمات الإنسانية المحلية والدولية، و”لتسهيل الخروج المؤقت لمن شاء منهم من مناطق سيطرة المجموعات الخارجة عن القانون”.
—————————–
الاحتلال نفّذ حملة دهم في القنيطرة … وبرّاك: الاتفاق الأمني يحتاج وقتاً/ هبة محمد
27 آب 2025
استشهد سوري، أمس الثلاثاء، في بلدة طرنجة في ريف القنيطرة الشمالي، في استهداف مباشر من طائرة مسيّرة تابعة لقوات الاحتلال الإسرائيلي، التي نفذت أيضا عملية مداهمة عسكرية في بلدة سويسة، أسفرت عن اعتقال مواطن آخر.
مداهمات
مصادر محلية من القنيطرة قالت لـ «القدس العربي» إن مسيرة إسرائيلية استهدفت بعد منتصف الثلاثاء، منزل الشاب رامي غانم في قرية طرنجة، حيث لقي مصرعه نتيجة إصابة مباشرة، وسط تحليق لطائرات إسرائيلية في ساعات الليل المتأخرة.
وبينت الناشطة الميدانية، سلام هاروني، من سكان القنيطرة في اتصال مع «القدس العربي» إن مقتل الشاب تزامن مع تطور آخر، حيث اقتحمت قوة عسكرية إسرائيلية الثلاثاء، بلدة سويسة في ريف القنيطرة الجنوبي، واعتقلت رجلا آخر وهو «ضرار الكريان بعد مداهمة منزله فجرا».
وحسب المصدر، فإن قوة إسرائيلية مؤلفة من أكثر من 30 آلية عسكرية خرجت من قاعدة تل أحمر المحاذية، وتوغلت داخل بلدة سويسة بشكل مفاجئ، كما أطلقت نيرانا تحذيرية في الهواء، إضافة إلى استخدام قنابل مضيئة لتأمين غطاء للانتشار والمداهمة، قبل أن تنسحب بعد ساعة تقريبًا، مخلفة حالة من التوتر والخوف بين المدنيين.
وأدانت سوريا بأشد العبارات الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة التي أسفرت عن استشهاد شاب في قرية طرنجة في ريف القنيطرة الشمالي، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوضع حدّ لهذه الانتهاكات المستمرة.
وقالت وزارة الخارجية والمغتربين في بيان لها: «تدين الجمهورية العربية السورية بأشد العبارات الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على أراضيها، والتي أسفرت عن استشهاد شاب جراء قصف منزله في قرية طرنجة في ريف القنيطرة الشمالي، إضافة إلى توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي وشنّها حملات اعتقال بحق المدنيين في بلدة سويسة، وإعلانها الاستمرار في التمركز غير المشروع في قمة جبل الشيخ والمنطقة العازلة».
وأكدت الخارجية أن هذه الممارسات العدوانية تمثل خرقًا فاضحًا لميثاق الأمم المتحدة وللقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وتشكل تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن في المنطقة.
وجددت سوريا، وفق بيان الخارجية، مطالبتها المجتمع الدولي، ولا سيما مجلس الأمن بالتحرك العاجل لوضع حدّ لهذه الانتهاكات المستمرة، مشددة على حقها الثابت والمشروع في الدفاع عن أرضها وشعبها بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي.
وكانت وزارة الخارجية قد أدانت، مساء الإثنين، بشدة، «التوغل العسكري الذي نفذته قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة بيت جن في ريف دمشق»، مؤكدة أن العملية جرت «عبر قوة مؤلّفة من إحدى عشرة آلية عسكرية وما يقارب ستين جندياً»، وسيطرت خلالها على تل باط الوردة في سفح جبل الشيخ، فيما وصفته بـ«انتهاك سافر لسيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها».
وغداة الموقف السوري، قال وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الثلاثاء، إنّ الاحتلال الإسرائيلي «سيبقى في قمة جبل الشيخ (في إشارة إلى الجزء المحُتل حديثاً) والمنطقة الأمنية لحماية الجولان (السوري المحتل) والجليل من التهديدات القادمة من الجانب السوري، وهذا بمثابة درس أساسي من أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول 2023)». وأضاف «سنواصل أيضاً حماية الدروز في سوريا». وفي ظل التحديات التي تواجهها سوريا نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أراضيها، تتزايد مواقف التضامن العربي الداعمة لسيادتها ووحدة أراضيها، وتعبّر دول عربية عن دعمها الثابت لسوريا في مواجهة أي انتهاك يمس أمنها واستقرارها، ويعكس هذا التضامن التزاماً جماعياً بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وحرصاً على استقرار المنطقة.
وقد أدانت دولة قطر توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، ووصفته الخارجية القطرية في بيان، الثلاثاء، بأنه «تعدٍ سافر على سيادة سورية وانتهاك صارخ للقانون الدولي».
وقالت إنّ توغلات الاحتلال الإسرائيلي تعتبر «تحدياً للإرادة الدولية الداعمة لبنائها ونهضتها وإرساء دعائم السلام في المنطقة»، ودعت الوزارة «المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات حاسمة بحق الاحتلال الإسرائيلي، وإلزامه بوقف اعتداءاته المتكرّرة على الأراضي السورية وتصرفاته غير المسؤولة التي تشكل تهديداً خطيراً للأمن الإقليمي والدولي»، وأكدت دعم قطر الكامل لسيادة سوريا واستقلالها وسلامة أراضيها وتطلعات شعبها في الأمن والاستقرار.
كذلك أدان مجلس الوزراء السعودي بشدة استمرار انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي وتوغله داخل الأراضي السورية، إضافة إلى تدخله في شؤونها الداخلية.
وأكد المجلس، خلال اجتماعه أمس برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، دعم المملكة الكامل للإجراءات التي تتخذها الحكومة السورية للحفاظ على الأمن والاستقرار، وصون السلم الأهلي وسيادة الدولة، مجدداً رفضه القاطع لأي دعوات انفصالية تستهدف وحدة سوريا.
وشدد على أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية دون مساءلة أو عقاب يقوض النظام الدولي وقواعد القانون، ويهدد بتوسيع دائرة الصراع والاضطرابات على المستويين الإقليمي والدولي.
تزامنا، أدانت وزارة الخارجية الأردنية توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، مؤكدة أنه خرق للقانون الدولي وتصعيد خطير يهدد استقرار سوريا وسيادتها وأمنها. وشدّد الناطق الرسمي باسم الوزارة السفير سفيان القضاة في تصريح له، على ضرورة وقف إسرائيل هذه الاعتداءات المتكررة على الأراضي السورية، التي تُعدّ انتهاكاً صارخاً لاتفاقية فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل لعام 1974، واعتداءً على سيادة دولة عربية في خرق واضح لميثاق الأمم المتحدة.
وجدّد القضاة التأكيد على وقوف المملكة وتضامنها الكامل مع سوريا وأمنها واستقرارها وسيادتها وسلامة أراضيها ومواطنيها، مشدّداً على أن أمن سوريا واستقرارها يُعدّ ركيزةً لاستقرار المنطقة.
ودعا القضاة المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته القانونية والأخلاقية، وإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها على أراضي الجمهورية العربية السورية الشقيقة، وتصعيدها الخطير في المنطقة، والالتزام بقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وقرارات الشرعية الدولية.
كما عبرت وزارة الخارجية الكويتية، عن رفضها لـ «استمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في التوغل داخل الأراضي السورية»، معتبرةً ذلك انتهاكاً صارخاً لسيادة الجمهورية العربية السورية وللقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وقالت الوزارة في بيان رسمي: تعرب دولة الكويت عن إدانتها واستنكارها لاستمرار انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي وتوغلها في أراضي الجمهورية العربية السورية، في انتهاك واضح لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وللقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
وأكدت وقوف الكويت الكامل إلى جانب سوريا في مواجهة هذه الاعتداءات، ودعمها للإجراءات التي تتخذها الحكومة السورية للحفاظ على أمنها واستقرارها.
وأدانت تركيا بـ«أشد العبارات» الهجمات العسكرية الإسرائيلية التي تنتهك سيادة سوريا ووحدتها السياسية والجغرافية، والتي جرى توسيع نطاقها مؤخرا.
جاء ذلك في بيان صادر عن وزارة الخارجية، الثلاثاء، بخصوص الهجمات العسكرية الإسرائيلية على سوريا.
وأكدت الوزارة ضرورة ضمان وقف هذه الهجمات التي تقوض مساعي إرساء الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة.
كما شددت على أهمية مواصلة تقديم الدعم للحكومة السورية في جهودها الرامية لضمان السلام والرفاه في البلاد.
المزيد من العمل
إلى ذلك، أكد المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم برّاك، أن توقيع اتفاقية بين سوريا وإسرائيل لا يزال بعيداً حتى الآن، رغم مضي المحادثات التي تتوسط فيها الولايات المتحدة بين الجانبين بإيجابية.
وأوضح أن سوريا وإسرائيل تناقشان بـ «حسن نية» اتفاقية أمنية محتملة، ولديهما نية ورغبة متبادلة لذلك، مستدركاً بالقول: «لكن في الوقت الحالي، لا يزال هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به».
وأضاف: «أن الحوار البنّاء بين هاتين الدولتين هو الطريق نحو تفاهم طويل الأمد يُمهد للاستقرار والازدهار في المنطقة»، حسب ما نقل موقع «أكسيوس» عن براك.
القدس العربي
————————-
المجلس العسكري في السويداء يؤكد استعداده للانضمام إلى “الحرس الوطني”/ عبد الله البشير
27 اغسطس 2025
أعلن المجلس العسكري في السويداء عبر مكتبه الإعلامي، مساء أمس الثلاثاء، استعداده للانضمام إلى صفوف “الحرس الوطني”، استجابة لدعوة الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سورية. ورحب المجلس بالإعلان الصادر عن الرئاسة الروحية، الداعي إلى “توحيد الصفوف ضمن إطار عسكري منظم”، معتبراً أن المبادرة “خطوة حكيمة وتاريخية، تعبّر عن إرادة شعبنا في الصمود والدفاع عن أرضه وكرامته”. وأكد المجلس في بيانه أن هذه الخطوة تأتي في ظل التحديات الاستثنائية التي تمر بها المنطقة، و”إيماناً بوحدة المصير والهدف”.
وأكد البيان أن الاستجابة لدعوة الهجري خطوة نحو السعي لتعزيز القدرة الدفاعية لأبناء المنطقة، حيث وضع المجلس كل إمكاناته وقدراته في خدمة “الوحدة الوطنية”، مشيراً إلى أن “المعركة التي يخوضها معركة وجود ومصير”، بحسب البيان. وورد في الإعلان عن تشكيل “الحرس الوطني”، أن الهدف هو توحيد صفوف الفصائل المحلية تحت قيادة حكمت الهجري، وتنسيق الجهود في مواجهة ما وصفها بـ”العصابات السلفية المقيتة”. وأكد القائمون على الخطوة التزامهم المطلق بقرارات الرئاسة الروحية، واعتبار الهجري “الممثل الشرعي والمخول بتمثيل الطائفة الدرزية في الجبل (التسمية الأخرى للسويداء)”.
وفي السياق، يرى الباحث أنس الخطيب، في قراءة التطور الأخير، خلال حديثه مع “العربي الجديد”، أنه يعكس توجهاً متزايداً نحو الانفصال، ويقول إن “الكيانات الوليدة في سورية تستكمل استعدادها لمراحل جديدة”، مضيفاً أن الهجري تطرّق لدخول مرحلة جديدة. ويستبعد الخطيب أن تكون الدعوة إلى الانفصال مجرد تمهيد للتراجع أو طلب حكم ذاتي بارتباط شكلي بدمشق، موضحاً أن “النظم الفدرالية تقوم على وجود جيش موحد للبلاد، بينما ما يحدث حالياً في السويداء يبدو أقرب إلى خطوة نحو الانفصال الفعلي”.
ويتبنى المجلس العسكري الذي يقوده طارق الشوفي بالمطلق، قرارات الهجري، كما أكد في بيان صدر عنه في 13 مارس/ آذار، ومنه رفض أي تعاون مع الحكومة السورية، مطالباً وقتها باللامركزية، ورافضاً النظام المركزي في إدارة شؤون محافظة السويداء. ووفق المكتب الإعلامي لـ”الحرس الوطني”، تجاوز عدد الفصائل التي انضمت إليه 41 فصيلاً، من أبرزها ” حركة رجال الكرامة” التي يقودها مزيد خداج، ودرع التوحيد المكوّن من 24 مجموعة عسكرية، ولواء جبل الكرامة. يُذكر أن مجموعة فصائل محلية في السويداء أعلنت السبت، اندماجها تحت اسم “الحرس الوطني”، في خطوة تهدف إلى توحيد صفوفها تحت قيادة الشيخ حكمت الهجري، وسط تقارير عن خلافات بين الفصائل، ورفض بعضها الانضمام للتشكيل الجديد.
العربي الجديد
——————————
====================



