العدالة الانتقالية تحديث 31 آب 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
—————————–
خطر تحوّل العدالة الانتقالية في سوريا إلى ورقة سياسية: هل تعتقد السلطة أن وجودها كافٍ وحده لتحقيق العدالة؟/ جلال الحمد
27-08-2025
بعد تسعة أشهر من سقوط الأسد، تبدو مسيرة العدالة الانتقالية في سوريا ليست في أفضل حال، وتمضي في طريق انتقائية مشابهة لمنهجية بناء مؤسسات المرحلة الانتقالية كالحكومة ومجلس الشعب والجيش الجديد وقوى الأمن، في ظل توجيه متعمّد لبوصلة العدالة لتكون حساسةً أكثر للتقلّبات السياسية بدلاً عن حقوق الضحايا وذويهم.
في عودة لأصل حكاية العدالة بعد سقوط الأسد، أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع المرسوم رقم (20)، الذي قضى بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ويعتبر المرسوم الإجراء الرسمي الأول في مسار العدالة الانتقالية بعد التغيير السياسي في سوريا. فوّض المرسومُ الهيئةَ للتحقيق في «الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد، ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية». وبالتالي اختزل مهام الهيئة بجزء من الانتهاكات، وبناء على هذا التفويض، فإن النطاق الزماني لعمل الهيئة محدّد أيضاً، ولا يتجاوز فترة حكم الأسد ولا يشمل ما يُرتكب بعد ذلك. فيما ترك المرسوم بقية الجرائم خارج مهام الهيئة المُستحدثة، دون أن يشير إلى كيفية التعامل مع إرث الانتهاكات المُرتكَبة من سائر الأطراف المتورطة في النزاع السوري الدموي.
رموز النظام السابق: أوراق لتخفيف الضغط
تحت شعار «نحو العدالة.. تحقيقات تحت مظلة القضاء»، نشرت وزارة العدل مقطعاً مصوّراً يظهر فيه كل من محمد الشعار وإبراهيم حويجة وأحمد حسون وعاطف نجيب في مقطع مصوّر «تشويقي»، كما وصفته إحدى الفضائيات السورية، أمام قاضي تحقيق يعرض عليهم الاتهامات الموجهة إليهم، بعد أيام من إعلان النيابة العامة عن تحريك دعوى الحق العام ضدهم على خلفية اتهامهم بارتكاب انتهاكاتٍ إبّان شغلهم لمناصب قيادية في حكومة الأسد، وذلك وفقاً للإعلان الدستوري الذي أكد على تحقيق العدالة لضحايا نظام الأسد، وخاصةً المادة (49) منه، التي استثنت «جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وكل الجرائم التي ارتكبها النظام البائد من مبدأ عدم رجعية القوانين». وعبّر المقطع عن المسار الذي سعى، ولا يزال، تسعى إليه الحركة الحقوقية السورية، وضحايا الانتهاكات عموماً، لمحاسبة المتهمين بارتكاب الانتهاكات الواسعة. أهم ما في التحرك أنه جاء قبل أن تباشر الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عملها، ولم يشمل المقطع أي علامةٍ لدورٍ ما، ولو على سبيل الإشارة، للهيئة في عملية التحقيق، ولم تذكر وزارة العدل إن كان لتلك الهيئة دورٌ مستقبلي في قضية القيادات الأربعة.
بدا المقطع الموجز مساراً مستقلاً قُصَّ من النموذج الحكومي للعدالة بدون أدنى تفسير لذلك، الأمر الذي أثار الجدل ودفع الضحايا والمهتمين بالعدالة في داخل سوريا وخارجها لطرح السؤالين الأساسين التاليين: ما مصير العدالة الانتقالية برمتها في ظل هذا المشهد المرتبك؟ وهل ستكون العدالة الانتقالية ضحيّة الظرف السياسي الشائك الذي تعيشه سوريا؟
أظهرت هذه الخطوة حالة عدم وضوح دوافع صانع القرار في سوريا، خاصةً ما يرتبط بمسار العدالة. وكشفت، إضافةً لذلك، استخدام ملف العدالة في نطاق أوسع يهدف إلى الدفاع عن إدارة دمشق القائمة بوصفها سلطة نتجت عن انتصار الثورة السورية، وهي الوحيدة القادرة على استكمال تحقيق أهدافها وتتمتّع بالشعبية الكافية للاستمرار. وتمنح نفسها، بناءً على ما سبق، الحق في استخدام مختلف القضايا كأوراق سياسية لحماية شرعيتها واستكمال المرحلة الانتقالية التي رسمتها لنفسها.
نُشر المقطع المصّور في خضم أحداث السويداء، وقبل أيام من بيان مجلس الأمن الصادر بتاريخ 10 آب (أغسطس) 2025، الذي أدان أعمال العنف في المحافظة، فيما يبدو أنها محاولة من قبل السلطات السورية لاستباق التحرك الدولي تجاه التطورات في سوريا، خاصةً أن ما حدث في السويداء يتم توثيقه بشكل أكثر دقةً وبدون ضغوط، حيث ظهرت كثيرٌ من الصور والمقاطع المصورة عن عمليات قتل خارج نطاق القضاء على يد عناصر يتبعون للحكومة، عكس ما حدث في الساحل حيث واجه العاملون في التوثيق تضييقاً واسع النطاق وامتناع السلطات السورية عن التجاوب. ويأتي المقطع أيضاً بعد أيام من زيارة وفدٍ سوري رفيع المستوى، ضمّ وزيرَي الخارجية والدفاع والأمين العام لرئاسة الجمهورية ماهر الشرع، إلى موسكو ضمن مساعٍ لتوسيع مروحة الخيارات السياسية للسلطات المؤقتة، التي تخشى من تراجع الزخم السياسي الإقليمي والدولي الذي حظيت به منذ أشهر، خاصةً بعد لقاء الرياض بين الشرع وترامب برعاية ولي العهد السعودي.
الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية: تأخير متعمّد!
ما إن صدر المرسومان الرئاسيان: (19) الخاص بتشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين، و(20) الخاص بالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، حتى بدأت ورشات عمل سورية للمساهمة في استكمال تشكيل الهيئتين. وبعد ما يقارب الثلاثة أشهر خطَتْ هيئة المفقودين خطواتٍ مهمةً في التشكيل، بما في ذلك تعيين مجلس استشاري من مجموعة من الخبراء المشهود لهم بالمعرفة، فيما لم تخطُ هيئة العدالة الانتقالية – والتي نص مرسوم تشكيلها على استكمال فريق الهيئة ووضع نظامها الداخلي خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً – خطوةً واحدةً تجاه التشكيل.
وشهدت الفترة الماضية انحرافَين اثنين أساسيين عن مرسوم تشكيل هيئة العدالة الانتقالية، أولهما إعلان عضو اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي حسن صوفان، بعد أقل من شهر على تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عن أن السلطات السورية أعطت الأمان لعدد من رموز النظام السابق، بعضهم يُشتبه بتورطه في انتهاكات، وذلك كمقابل لدورهم في المرحلة الانتقالية، مُبرّراً ذلك بالقول: «نتفهّم الألم والغضب الذي تشعر به عائلات الشهداء، لكننا مضطرون لاتخاذ قرارات تؤمّن استقراراً نسبياً في هذه المرحلة». جاء الإعلان بعد أشهر من «العنف واسع النطاق في محافظتَي اللاذقية وطرطوس»، وفق وصف بيان مجلس الأمن الصادر في 14 آذار (مارس) الماضي بعد أحداث الساحل السوري. ومن بين هؤلاء فادي صقر الذي تتهمه منظمات حقوقية بالضلوع في انتهاكاتٍ ارتُكبت في مدينة دمشق. فالحكومة ترى فرصاً أكبر لشخصيات من الساحل السوري ومرتبطين في الوقت نفسه بالنظام السابق للمساهمة في تهدئة الضغوط القادمة من الساحل على الحكومة. ثاني الانحرافات، إحالة عدد من رموز النظام السوري السابق إلى المحاكمة، والذي تمّ أيضاً قبل إتمام تشكيل هيئة العدالة الانتقالية.
لم يوضّح السيد حسن صوفان، ولا رئيس الهيئة العليا للعدالة الانتقالية، ولا وزير العدل، ولا أيّ مسؤولٍ سوري الآلية التي تقرّر من خلالها العفو أو إحالة عناصر من النظام السابق إلى المحاكمة. كما أنّه من غير الواضح العلاقة بين اللجنة العليا للسلم الأهلي والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ولا علاقة وزارة العدل بهيئة العدالة الانتقالية، فالهيئة تتمتّع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري وفق نص المرسوم المُنشِئ لها، ومن غير الواضح حدوث أي تنسيق بين كل هذه الأطراف قبل اتخاذ تلك القرارات.
مع تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على السلطة الانتقالية بعد الهجوم على السويداء، تزايد الحديث عن قرب صدور مرسوم رئاسي لاستكمال تشكيل هيئة العدالة الانتقالية، في استخدامٍ إضافي لملف العدالة لمنع الدفع الدولي والمحلي نحو تصحيح الانتقال السياسي كمخرجٍ للاستعصاء السوري، ولإثبات أن السلطة الانتقالية تملك أدواتٍ للتصحيح ولا داعيَ لتغيير مسار الانتقال.
تثير هذه الانحرافات أسئلةً جوهرية: ما هي حدود صلاحيات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بعد إتمام تشكيلها؟ وهل ستتمكن من إعادة النظر مستقبلاً في القضايا التي تخصّ رموز النظام السابق؟ وهل ستكون قادرةً على التمايز عن التطورات السياسية وحاجة السلطة لملف العدالة لتحسين صورتها؟
التقرير الدولي حول الساحل: فرصة جديدة للحكومة
أصدرت اللجنة الدولية المستقلة المعنية بسوريا تقريراً مفصّلاً بتاريخ 11 آب (أغسطس) 2025 حول أحداث آذار في محافظتَي اللاذقية وطرطوس الساحليتين غرب سوريا، وجاء التقرير ليؤكد ارتكاب انتهاكاتٍ واسعة النطاق خلال مدّةٍ لم تتجاوز الأسبوع، كالقتل والتعذيب والنهب وحرق المنازل، قُتل خلالها ما يزيد على 1400 شخص وفق تقرير نشرته وكالة رويترز، وهذه الانتهاكات كانت قد وثّقتها تقارير منظماتٍ سورية قبل اللجنة الدولية.
ذكر التقرير الدولي عدداً من الفصائل بالاسم، تم دمجها في القوات الحكومية، ويُرجّح أنها مسؤولة عما حصل، واصفةً ما حدث في الساحل بـ«المُمنهج»، وأنه «قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب». وذكرت اللجنة بأن «حجم العنف الموثّق في تقريرنا يستدعي توسيع نطاق هذه الجهود»، في إشارةٍ إلى تحرّك السلطات السورية المؤقتة واعتقال عدد من المتهمين. وأكّدت اللجنة أنها لا تزال تتلقى معلوماتٍ عن انتهاكات في المناطق التي شملها التقرير، بما في ذلك اختطاف النساء والإخفاء القسري. وأضافت اللجنةُ توصيةً خاصةً بقطاع القضاء، بقولها: «لبذل الجهود لإعادة بناء النظام القضائي الجنائي بسرعة، بما يمكّن الدولةَ من إجراء محاكماتٍ عادلة ومحاسبة مرتكبي أخطر الانتهاكات والجرائم، بمن فيهم عناصر قوات الحكومة المؤقتة»، في إشارةٍ إلى أن النظام القضائي الحالي غير ملائم لاتخاذ خطوات قضائية نزيهة ومحايدة.
وفي خطوة تتلاقى مع مساعي المجتمع المدني السوري، دعت اللجنةُ الدولية اللجنةَ الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري لنشر تقريرها، حيث لم تنشر اللجنة الوطنية تقريرها حتى تاريخ كتابة هذا المقال، ودون أي تبرير، مُكتفيةً بالمؤتمر الصحفي الذي لخّص نتائجه، الأمر الذي أدّى إلى استمرار تغييب تفاصيل ما توصلت إليه اللجنة.
على الرغم من ذلك، شكر وزير الخارجية السوري اللجنةَ الدولية على تقريرها، وقال: «أخذنا بعين الاعتبار بجدّية ادعاءات الانتهاكات التي وردت في تقريركم عن تلك الفترة، والتي تبدو مُتّسقةً مع النتائج التي استعرضها ملخص تقرير ‘اللجنة الوطنية المستقلة’»، دون أن يتسنّى للجنة الدولية أو الضحايا الاطلاع على التقرير الوطني أصلاً. لكن، وبالاستناد إلى المؤتمر الصحفي الذي عقدته لجنة الساحل، فإن النتائج نفت تماماً مسؤولية القيادة السورية، وهو جوهر الموضوع، حيث خالف ذلك ما توصّلت إليه اللجنة الدولية، والتي تحدّثت عن جرائم الحرب، وهي إحدى الجرائم الدولية التي تفترض مسؤوليةَ القيادة وفق المادة (28) من نظام روما الأساسي المُنشِئ للمحكمة الجنائية الدولية.
رغم خلاصة التقرير الدولي غير القابلة للتأويل، فإن رد السلطة الانتقالية يظهر رغبةً حكوميةً واضحة للتوافق أو مسايرةَ المزاج الدولي الضاغط والراغب في انخراط حكومي فاعل لتنفيذ مبادئ القرار الدولي 2254، كما أشارت إلى ذلك عدّة بيانات لمجلس الأمن بعد سقوط النظام وآخرها البيان الخاص بأحداث السويداء الذي صدر قبل التقرير الدولي، وكذلك المطالب الدولية التي مهّدت لرفع العقوبات، بما في ذلك حماية الأقليات وإبعاد المقاتلين الأجانب.
تستخدم السلطة في كل مرّة حدثاً معيّناً، وهذه المرة التقرير الدولي حول الساحل، للقول بأنها تسعى فعلاً لتنفيذ المطالب الدولية، لكن بدون أن تنفّذ خطواتٍ جديّة على أرض الواقع. ويذكر في هذا السياق أنّها لجأت للاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية في خضم أحداث الساحل في آذار (مارس) الماضي، ووقّع الشرع مع مظلوم عبدي على اتفاق العاشر من آذار الذي تضمّن بنوداً كان قد رفضها (الشرع) لعدّة أشهر.
المجتمع المدني: محاولة لتصحيح المسار
أطلقت المنظمات المدنية السورية منذ أن سقط النظام السوري جهوداً واسعةً في الداخل السوري وفي الخارج لتثبيت مبادئ العدالة الانتقالية خلال المرحلة الجديدة، في ظل رغبة السلطات السورية الجامحة للالتفاف على مسار العدالة وتقديم سقوط النظام السوري كإنجازٍ يعادل في أهميته تحقيق العدالة. وفي هذا الإطار عقدت عشرات المنظمات السورية مؤتمراً واسعاً في دمشق بعد سقوط النظام السوري بحوالي شهر، كما التقى ممثلون عن روابط الضحايا بالشرع لعرض مطالبهم. رغم ذلك، صدر المرسوم (20) المَعيب، وكما ذكر العديد من ذوي الضحايا فإن التحرك الحكومي يجعل من العدالة الانتقالية أداةً تُغذّي الانقسام بدلاً من مساهمتها في بناء السلام، فالعديد من العوائل تضم ضحايا على يد داعش وآخرين على يد النظام السابق.
مع كل ما ذكرناه، ومع الوعي الكامل بأن السلطة تستخدم مسار العدالة أداةً للترويج أكثر منه مساراً يستحقُّ الاهتمام ويساهم في مستقبل سوريا، تعمل منظمات سورية اليوم على تقديم الدعم التقني للهيئة الوطنية للمفقودين وهيئة العدالة الانتقالية، كما قبلَ العديد من النشطاء الانضمام للمجلس الاستشاري الذي شكّله رئيس هيئة المفقودين. ومن جهةٍ أُخرى قدّمت روابط ضحايا ومنظمات حقوقية جملة من المذكرات التي تساعد في عمل الهيئتَين، وتكمل الآن مجموعةٌ واسعة من المنظمات السورية ما بدأته لدفع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والسلطة من خلفها للالتزام بمبادئ العدالة وعدم الانتقاص منها.
خاتمة
تقوم العدالة الانتقالية في جوهرها على ركيزتَين: الرضا المحلي بمسارات العدالة؛ والقبول بطرق التدخل، بما يشمل ضمان عدم التكرار. منذ الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، فإن الانتهاكات مستمرةٌ في مناطق سورية مختلفة، وإنْ كان التركيز على القتل الجماعي في كلٍّ من السويداء والساحل، إلا أن الحالة الأمنية غير المستقرة تنسحب على طول البلاد وعرضها، وتزداد سوءاً كلما ابتعدنا عن العاصمة. إذاً، تتراجع فرص العدالة في أجندة الحكومة الانتقالية، وتتحول إلى ملف ثانوي، ليس للقيادة الحالية فحسب، بل لكل من يسعى مستقبلاً لمكانٍ ما مع السلطة الحالية.
كل ما سبق يبيّن تعمّد السلطات السورية استخدام ملفاتٍ شديدة الحساسيّة لضمان استمرارها، وتتوجه السلطة في التفاوض حصريّاً مع أطراف دولية. بعض هذه الملفات أظهرت السلطة تعنّتاً تجاهها قبل أن تضعها على جدول التنازلات، ومن ذلك الاتفاق مع قسد الذي كان برعاية أميركية وهدَفَ لتخفيف الضغط الدولي على السلطة خلال أحداث الساحل، وكذلك الاتفاق مع الإسرائيليين حول السويداء الذي تضمّن فك الحصار عنها وانسحاب قوات الشرع وفصائل العشائر إلى خارج الحدود الإدارية. بالمقابل، لا مكسب للسلطة غير ترسيخ وجودها في دمشق وعدد من المحافظات، وتعزيز قيادتها للمؤسسات الأساسية كالأمن والجيش والعدل والاقتصاد، وتثبيت نهجها في إدارة البلاد.
تفترض السلطة أن وجودها، الذي يقنع شريحة مهمة في مناطق سيطرتها، كافٍ ويحقّق العدالة بطريقةٍ أو بأُخرى، فلا مانع لديها من تقديم التنازلات طالما أن تلك التنازلات بعيدة عن المركز ولا تشكل في المستقبل خطراً على استمراريتها. كذلك تبدي استعدادها لمقايضة قضايا أساسية، بما في ذلك العدالة الانتقالية، بضمان بقائها، ظنّاً منها أنها الطريقة الوحيدة في سبيل استعادة سوريا لعافيتها.
بالمقابل، فإن مواصلة نضال السوريين المؤمنين بالعدالة، لتكون حقوق الضحايا ملفاً غير قابل للمساومة، لا يشكّل الأمل الوحيد فحسب، بل أرقاً مستمراً لأطراف داخلية وخارجية مهتمة بسوريا، تسعى لإغلاق الملف السوري الذي أرهقها لسنوات وصدّر لها الأزمات. ومن أبرز الأمثلة الحديثة، ترحيب بعض الدول بتقرير اللجنة الدولية والتأكيد على أنه ينسجم مع التقرير السوري، غير المنشور، رغم التباينات الجوهرية التي ذكرناها آنفاً. فالعدالة، ببساطة، يجب أن تُسائل القادة الحاليين على ما ارتكبته فصائلهم قبل سقوط النظام، فضلاً عمّا اقترفوا وهم في سدّة الحكم.
موقع الجمهورية
———————————-
أموال التسويات وممتلكات “البعث”: بين الغنيمة والعدالة/ ميشال شماس
الخميس 2025/08/28
في أعقاب إسقاط النظام الأسدي، كان من المفترض أن تتولى الحكومة الانتقالية مهمة إعادة صياغة العلاقة بين مؤسسات الدولة والمجال السياسي، على أسس من الشفافية، والكفاءة، واحترام القانون. غير أن هذا المسار سرعان ما اصطدم بسؤال جوهري ما زال بلا إجابة واضحة: ما مصير الممتلكات المصادرة من حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية، التي قرر مؤتمر النصر في 29 كانون الأول 2024 حلّها وإعادة جميع ممتلكاتها وأموالها إلى الدولة السورية؟ وما مصير الأموال الناتجة عن التسويات مع رجال أعمال ومسؤولين متورطين في دعم النظام السابق؟
حتى الآن، لا تتوافر معلومات دقيقة حول حجم هذه الموارد أو وجهتها، ولا ما إذا كانت قد أُدرجت فعلياً ضمن ملكية الدولة، سوى ما أعلنه وزير الخارجية أسعد الشيباني في آذار الماضي، بشأن تأسيس “الأمانة العامة للشؤون السياسية” ضمن وزارة الخارجية، ومنحها صلاحية “توظيف أصول حزب البعث وأحزاب الجبهة والمنظمات التابعة لها بما يخدم المهام السياسية والوطنية”. هذا القرار الوزاري، الذي صدر بشكل منفرد، ما زال ينقصه تفويض تشريعي، ويبدو متعارضاً مع مقررات “مؤتمر النصر” التي شددت على إعادة الأصول إلى الدولة، لا إلى وزارة بعينها.
أما التسويات المالية التي أُبرمت مع رموز النظام السابق وداعميه المحليين من رجال أعمال وغيرهم، فقد اتسمت هي الأخرى بالغموض الأمني والسياسي. ورغم أنها من المفترض أن تكون جزءاً من مسار العدالة الانتقالية، إلا أنها تحولت فعلياً إلى صفقات مغلقة، ما أثار تساؤلات حول مدى التزام السلطة الجديدة بمبادئ الشفافية والمساءلة.
المسألة هنا لا تتعلق بتفصيل إداري، بل بجوهر الشرعية. فالأموال المصادرة ليست “مجهولة المالك”، ولا يجوز التعامل معها كغنيمة سياسية تُوزّع بقرارات حكومية. بل هي مِلك عام يجب أن يُدار بمنطق الدولة، عبر سلطة تشريعية وهيئات قضائية مستقلة تخضع للمساءلة. وأي انحراف في هذا الملف يعني إضاعة فرصة لترسيخ معيار أساسي: أن لا أحد فوق القانون. بل قد يفتح الباب لاتهامات بالمحاصصة، ويعمّق الشكوك الشعبية في جدية الانتقال.
ولا تقتصر خطورة هذا الملف على الداخل السوري. فمعظم أموال رموز النظام المهرّبة ما زال مجمّداً بقرارات دولية، بانتظار مسار قضائي شفاف يسمح بإعادتها للشعب السوري. وأي تلاعب داخلي أو استخدام اعتباطي للأموال المصادرة في الداخل سيضعف موقف سوريا أمام المحاكم الدولية، ويمنح حجة للدول الحاجزة لرفض إعادة تلك الأموال.
ولنا في تجارب دول أخرى مثالاً: ففي مصر مثلاً، أدى غياب الشفافية في ملف استرداد الأموال المنهوبة إلى فشل استرجاع مليارات الدولارات المجمّدة في سويسرا وبريطانيا. وفي ليبيا، أسهمت الانقسامات بين السلطات المتنافسة في تضييع فرصة استعادة أموال القذافي. وعلى العكس من ذلك، نجحت تونس جزئياً في بناء مسار مؤسسي عبر “الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد”، ما عزز موقفها أمام الشركاء الدوليين ومكّنها من استعادة جزء من ثروتها المنهوبة.
يتابع السوريون هذا الجدل بعيون مترقبة. ففي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، لا شيء يرمز إلى العدالة أكثر من رؤية ثروات المستبدين تعود إلى الشعب. وإدارة هذا الملف بمنطق الدولة – لا الغنيمة – سيكون بمثابة إعلان عملي عن نية بناء عقد اجتماعي جديد، يقوم على المشاركة والمساءلة. فما البديل؟
لتجاوز هذه الإشكاليات، يمكن الاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية في دول أخرى كتونس مثلاً، عبر خطوات عملية واضحة تشمل ممتلكات الأحزاب المنحلة وأموال رموز النظام السابق معاً:
إنشاء هيئة وطنية مستقلة لإدارة الممتلكات والأموال المصادرة، تضم قضاة وخبراء اقتصاديين وممثلين عن المجتمع المدني، وتخضع لرقابة البرلمان والقضاء.
تخصيص صندوق سيادي عام تُحوَّل إليه هذه الأموال لدعم التعليم والصحة وإعادة الإعمار وتعويض الضحايا، بدلًا من ذهابها إلى مجموعات بعينها.
إنشاء صندوق لدعم التعددية السياسية يُودع فيه جزء من عائدات هذه الأصول والأموال ويُخصص لتمويل الأحزاب الجديدة بعدالة وشفافية، بما يمنع تحويلها إلى أداة في يد السلطة.
تجميد التصرف في الممتلكات الكبرى إلى أن تستقر الدولة وتعيد بناء مؤسساتها الدستورية، منعًا لأي قرارات متسرعة أو ذات طابع انتقائي.
إشراف إعلامي ومدني واسع يضمن الشفافية ويعزز ثقة المواطنين، ويقطع الطريق أمام تكرار الفساد.
بهذه الخطوات، يمكن تحويل الأموال المصادرة من عبء سياسي إلى رافعة اقتصادية ورمز لبداية جديدة. فالعدالة الانتقالية ليست تصفية حسابات ولا انتقاماً، بل هي تأسيس لمعايير حكم جديدة. وأموال حزب البعث ورموز النظام السابق ومؤيديه، تمثل اختباراً حياً لهذه المعايير. فإذا جرى التعامل معها بمنطق الغنيمة، فإن النظام الجديد سيواجه خطر إعادة إنتاج الاستبداد. أما إذا أُديرت بمنطق الدولة، فستكون مدخلاً لترسيخ الشرعية وبناء الثقة.
إن الخيار الأفضل المطروح أمام السوريين هو إدارة هذه الأموال كرصيد وطني يساهم في بناء الدولة القائمة على القانون والمساواة، من أجل التأسيس فعلياً لسوريا جديدة. وإذا أرادت السلطة أن تؤسس لدولة وطنية مختلفة عن الدولة البعثية-الأسدية، فعليها أن تبدأ من احترام سيادة القانون، وفصل المؤسسات، وتفكيك منطق “السلطة الكلية” الذي حكم سوريا وشعبها لعقود.
المدن
————————
المواطن السياسي السوري والمرحلة الانتقالية/ فضل عبد الغني
30 اغسطس 2025
يمثّل مفهوم المواطنة السياسية إطاراً نظريّاً تأسيسيّاً يتجاوز الحدود القانونية للمواطنة، ليشمل الأبعاد الجوهرية للمشاركة المدنية والديمقراطية، فعلى خلاف المواطنة القانونية التي تشير إلى العضوية الرسمية في جماعة سياسية، وما يرتبط بها من حقوق وواجبات، تجسّد المواطنة السياسية ما تسمّيه حنّة أرندت «الحياة النشطة» (vita activa)، أي الانخراط الفعّال في المجال العام. وتكتسب هذه التفرقة المفاهيمية أهمية في فترات التحوّل السياسي؛ إذ لا يقتصر الانتقال من الحكم الاستبدادي إلى أنظمة ديمقراطية على الإصلاح المؤسّسي، بل يتطلّب أيضاً تنشئة مواطنين سياسيين فاعلين قادرين على استدامة الممارسات الديمقراطية. وفي السياق السوري الذي أعقب سقوط نظام الأسد، يغدو تطوير المواطنة السياسية أمراً أساسيّاً لتحقيق المشاركة السياسية الفاعلة، وإرساء الفصل بين السلطات، وترسيخ الحكم الديمقراطي وسيادة القانون.
تعود الأسس الفكرية للمواطنة السياسية إلى المفاهيم الأرسطية لـ”المدينة/ الدولة”، حيث كانت المواطنة بطبيعتها سياسية لا قانونية فحسب. وقد أسّس مفهوم أرسطو للإنسان بوصفه “حيواناً سياسيّاً” الفرضية القائلة إن الازدهار الإنساني الحقيقي يتحقق عبر المشاركة الفعّالة في الجماعة السياسية. ووضع هذا الفهم الكلاسيكي المواطن السياسي شخصاً يحكم ويُحكَم بالتناوب، مشاركاً في التحديد الجماعي للعدالة والصالح العام. ويختلف هذا الإطار عن المفاهيم الليبرالية الحديثة التي تشدّد على الحقوق الفردية والاستقلالية الخاصة، إذ يضع المشاركة السياسية في قلب الهوية الإنسانية والازدهار الاجتماعي.
طوّر التقليد الجمهوري هذا التصور عبر تركيزه على الفضيلة المدنية والصالح العام، وقد جادل منظّرو هذا التقليد بأن الحفاظ على مؤسّسات سياسية حرّة يتطلّب مواطنين يمتلكون الفضيلة المدنية ويمارسونها، أي الميل إلى ترجيح الصالح العام على المصالح الخاصة عند التعارض. ويؤكّد التصور الجمهوري أن المشاركة الفاعلة ليست حقاً يُمارَس فحسب، بل واجبٌ أساسي للحفاظ على مبدأ عدم الهيمنة الذي يميّز المجتمعات الحرة، وهكذا يتبدّى المواطن الجمهوري فاعلاً سياسيّاً وملتزمأً أخلاقيّاً، مدركاً أن الحرية تعتمد على العمل الجماعي لمنع تركّز السلطة التعسّفية.
أحدثت النظرية الديمقراطية الحديثة تحوّلات معتبرة في مفهوم المواطن السياسي، وقد وفّر التحليل الثلاثي المؤثر لتوماس همفري مارشال للمواطنة، المدنية والسياسية والاجتماعية، إطاراً لفهم التطوّر التاريخي للمواطنة السياسية عبر التوسّع التدريجي من الحماية المدنية الأساسية إلى حقوق المشاركة السياسية، وصولاً إلى المواطنة الاجتماعية التي تضمن شروط المشاركة الفاعلة. ومع ذلك، تشير الدراسات المعاصرة إلى أن إطار مارشال يحتاج إلى تحديثٍ لمواجهة تحديات الحاضر، ومنها العولمة والهجرة وتبدّل أنماط المشاركة السياسية؛ إذ تبيّن أن العلاقة بين الأبعاد المدنية والسياسية والاجتماعية للمواطنة أكثر تعقيداً وترابطاً مما يُفهم من النموذج التطوري لمارشال.
يقدّم التقليد الديمقراطي التداولي، المتأثر بنظرية يورغان هابرماس في الفعل التواصلي، تصوراً للمواطنة السياسية يقوم على المشاركة في خطاب عام عقلاني يروم التوصّل إلى اتفاقٍ مبرّر في الشأن المشترك، ولا يقتصر الفعل التداولي على التصويت أو غيره من أشكال المشاركة الإجرائية، بل يتميّز بالقدرة والاستعداد لخوض نقاشٍ عقلانيّ مفتوح في القضايا العامة. ويشدّد هذا النموذج على إمكان “تحويل التفضيلات” عبر المداولة العامة، بما يعني أن المواطنة السياسية لا تقتصر على تجميع تفضيلاتٍ سابقة، بل تشمل تهذيبها وتطويرها من خلال عمليات التفكير الجماعي.
تكشف المقاربات النظرية المعاصرة عن توتّر بين المفاهيم الليبرالية والجمهورية للمواطنة السياسية، فبينما تركّز المواطنة الليبرالية على حقوق الفرد واستقلاليته والحماية من تدخل الدولة، تُعطي المواطنة الجمهورية الأولوية للمشاركة الفعّالة والواجب المدني والحكم الذاتي الجمعي. ويتجلّى هذا التوتّر في الجدل حول ما إذا كان ينبغي للمواطنة السياسية أن تحمي الحرية الفردية في المقام الأول أم أن تعزّز المشاركة الديمقراطية الجماعية بما يضمن عدم الهيمنة واستدامة النظام الدستوري.
وتتجلّى أهمية المواطنة السياسية على نحوٍ خاص خلال فترات التحوّل السياسي، إذ يتطلّب الانتقال من الحكم الاستبدادي إلى الحكم الديمقراطي تغييراتٍ جذرية في كلٍّ من الهياكل المؤسّسية والثقافة المدنية. وتُظهر التحوّلات السياسية، كما في الحالة السورية عقب سقوط نظام الأسد، أنّ تعزيز الديمقراطية لا يعتمد على إنشاء مؤسّساتٍ رسمية فحسب، بل كذلك على تنشئة مواطنين قادرين على المشاركة السياسية الفاعلة وممارسة الحكم الذاتي الديمقراطي.
خلال المراحل الانتقالية، يبرُز التمييز بين المواطنة القانونية الرسمية والمواطنة السياسية بوضوح؛ فبينما قد يبقى وضع المواطنة الرسمي ثابتاً نسبيّاً عند تغيّر الأنظمة، يتطلّب تطوير المواطنة السياسية تحوّلات في القدرات المدنية والسلوكيات الديمقراطية والتوجّهات التشاركية. وتؤكّد تجارب انتقالٍ عدّة أنّ المؤسّسات وحدها لا تكفي لضمان الحوكمة الديمقراطية؛ إذ لا بدّ أن تُفعَّل من مواطنين يمتلكون المعرفة والمهارات والدافع للمشاركة السياسية الفاعلة. ويفيد ذلك بأنّ التحوّلات الديمقراطية الناجحة تحتاج، إلى جانب الإصلاح المؤسّسي، إلى تطوير سلوك المواطن بما في ذلك الالتزامات الديمقراطية والقدرات السياسية والتوجّهات التشاركية، وهي مقوّمات أساسية لعمل المؤسّسات الديمقراطية.
يغدو مفهوم الفاعلية السياسية محوريّاً في المراحل الانتقالية؛ إذ ينبغي للمواطنين تنمية قدرتهم على الفعل المؤثّر ضمن سياقاتٍ سياسية ناشئة، وتنطوي المواطنة السياسية، في جوهرها، على ممارسة هذه الفاعلية من خلال المشاركة الرسمية (التصويت والتمثيل) وأشكالٍ أوسع من المشاركة المدنية والمداولة والتعبئة السياسية. وفي السياقات الانتقالية، يقتضي ذلك تنمية القدرة على الانخراط الفعّال في تشكيل المؤسّسات والأحزاب والممارسات السياسية الجديدة.
ويُعدّ مبدأ الفصل بين السلطات ركيزةً للحكم الديمقراطي، ويتوقّف تعزيزه، بدرجة كبيرة، على تنمية المواطنة السياسية؛ إذ على المواطنين فهم توزيع السلطة بين فروع الحكومة ودعمه بفاعلية، إدراكاً لِما يشكّله تركّز السلطة من تهديدٍ للحكم الديمقراطي. وتفيد الدراسات المعاصرة في حقل الديمقراطية بأنّ المشاركة الفاعلة تُعزّز الشرعية وفعالية السياسات خلال المراحل الانتقالية، مع الكشف، في الوقت نفسه، عن تحدّياتٍ مستمرة تتّصل بالشمول والتمثيل وتصميم المؤسّسات. ويصوّر نموذج الديمقراطية التشاركية المواطن السياسي طرفاً فاعلاً في عملياتٍ تداولية تُسهم في تشكيل السياسات العامة، مستلهِماً المُثُل الديمقراطية الكلاسيكية، ومؤكّداً الوظيفة التعليمية للمشاركة السياسية؛ أي أنّ الانخراط في العمليات الديمقراطية يُنمّي قدرات المواطنين على الحكم الذاتي، ويعزّز الازدهار الفردي والجماعي.
وتطرح النظرية المعيارية للمواطنة السياسية، في فترات الانتقال، أسئلةً معقّدة بشأن العلاقة بين الحقوق والمسؤوليات داخل المجتمعات الديمقراطية الناشئة؛ فبينما تركّز النظرية الليبرالية على الحقوق والحريات الفردية، يتطلّب تعزيز الديمقراطية في هذه المراحل مواطنين يدركون أنّ مشاركتهم السياسية حقّ ومسؤولية في آنٍ معاً. ولا بدّ من التحذير من توظيف مفاهيم المواطنة السياسية آلياتٍ للإقصاء والتهميش، لا سيّما في الفترات الانتقالية التي يُعاد فيها تعريف حدود العضوية السياسية. ويُظهر التمييز بين المواطنة القانونية والمواطنة السياسية أنّ الوضع القانوني الرسمي قد لا يترجم إلى فاعليةٍ سياسية حقيقية، خصوصاً في المجتمعات المهمّشة أو المرتبطة بالنُّظُم السابقة، فقد يمتلك كثيرون صفة المواطنة قانوناً بينما يظلون مُستبعدين فعليّاً من الحياة السياسية، بسبب أوجه اللامساواة الهيكلية أو الممارسات التمييزية التي تستمرّ أو تظهر خلال المراحل الانتقالية، ما قد يفضي إلى تجدّد النزاع المسلّح.
… وخلال التحوّلات السياسية، كما في التحوّل الذي شهدته سورية عقب سقوط نظام الأسد، يغدو تعزيز المواطنة السياسية شرطاً لتحقيق المشاركة السياسية الفاعلة، وتعزيز الفصل بين السلطات وإرساء الحوكمة الديمقراطية. ويتطلّب الانتقال من الأنظمة الاستبدادية إلى الديمقراطية تنمية مواطنين قادرين على ممارسة أدوارهم السياسية والمشاركة في عمليات المداولة اللازمة للحؤول دون إعادة تركّز السلطة التعسّفية.
يتوقّف نجاح مسار الانتقال السياسي على ردم الفجوة بين المواطنة الرسمية والمشاركة السياسية الفعلية، وعلى إنشاء أطرٍ شاملة تمكّن من المشاركة السياسية الهادفة لمختلف فئات السكان. وتؤثّر جودة المواطنة السياسية في شرعية مؤسّسات الحكم الناشئة وفعاليتها؛ إذ تحتاج هذه المؤسّسات إلى مواطنين يمتلكون المعرفة والمهارات والدافع للمشاركة الفاعلة كي تنهض بوظائفها على نحوٍ مستدام.
العربي الجديد
——————
في “اليوم العالمي للاختفاء القسري”… نضال من أجل الحقيقة تتصدره النساء/ سوسن جميل حسن
غزة آخر ميادين ممارسته وأكثرها وحشية
آخر تحديث 29 أغسطس 2025
إذا كان القرن الماضي ممهورا بحربين عالميتين، وحرب باردة، ومشهورا بالأنظمة الديكتاتورية، فإنه لم يتوقف على أعتاب القرن الحادي والعشرين ليرمي حمولته من كل تلك الشرور ويبدأ مرحلة جديدة، بل تواصلت الحروب وولدت ديكتاتوريات جديدة، وإن بأشكال أعقد، في ظل ثورة التكنولوجيا والاتصالات، ومعهما تواصلت ظاهرة الاختفاء القسري الذي رصدت له الهيئة العامة للأمم المتحدة يوما للتذكير به هو الثلاثين من أغسطس/ آب من كل عام.
ما هو الاختفاء القسري؟
هو جريمة ضد الإنسانية ترتكبها دولة أو منظمة تتصرف بدعم أو تواطؤ من دولة، لجعل شخص أو أكثر يختفون من خلال القتل أو الاحتجاز، مع نفي اعتقال الشخص أو معرفة مصيره. فلا تصدر له شهادة وفاة، وبالتالي تترتب تبعات أخرى، على عائلته وحقوقه وحقوق أفراد هذه العائلات، تاليا هو مختلف عن الاعتقال غير القانوني أو الاحتجاز التعسفي أو الخطف.
وإذا كان المصطلح لم يظهر إلا في الربع الأخير من القرن العشرين، ضمن المنظمات غير الحكومية في أميركا الجنوبية مثل جمعية “أمهات وجدات ساحة مايو”، فإن الممارسة كانت قائمة من قبل، وميزت الديكتاتوريات الأوروبية، مثل الفرانكوية، والنازية، وفي أثناء التطهير الستاليني.
في سياق الحرب الباردة في القرن الماضي، شجعت الولايات المتحدة الأميركية على إقامة أنظمة ديكتاتورية في تلك القارة، من أجل مواجهة تقدم الشيوعية. فدربت تلك الديكتاتوريات العسكرية على تقنيات الحرب على يد ضباط فرنسيين أو نازيين سابقين. ومن ثم، تعاونت هذه المجالس العسكرية في البرازيل وباراغواي وتشيلي وأوروغواي وبوليفيا، بعضها مع بعض في إطار “عملية الكوندور” (نظام لتبادل المعلومات والتعاون بين أجهزة الشرطة السرية للديكتاتوريات في أميركا الجنوبية) لقمع معارضيها السياسيين، ففي تشيلي، اعتمد الجنرال أوغوستو بينوشيه على الجهاز الوطني للاستخبارات والجيش من أجل اختطاف نشطاء حركة المقاومة ثم محو الأدلة.
في نهاية السبعينات، بدأت الأمم المتحدة بالاهتمام بهذه الحالات الواسعة من الاختفاء القسري خارج النزاعات الدولية، واعترفت بخصوصية هذه الجرائم، واعتمدت قرارا أوليا غير ملزم، وأنشأت مجموعة عمل مكلفة التحقيق مع الدول المسؤولة عن هذه الاختفاءات. تتعاون هذه المجموعة من الخبراء مع المدافعين عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، وتعترف بوجود معاناة نفسية خاصة لأقارب المختفين وتمنحهم صفة ضحايا الاختفاء القسري. وصنف الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية في عام 1983 من قبل منظمة الدول الأميركية التي وافقت، في عام 1994، على أول آلية قانونية ملزمة في هذه القارة. ولكن، كان لا بد من الانتظار حتى عام 2002 ودخول نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية حيز التنفيذ ليُعترف بجرائم الاختفاء القسري على المستوى الدولي، في زمن السلم إذا كانت ارتكبت بعد دخول هذه المعاهدة حيز التنفيذ. وفي النهاية، لم تدخل الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري حيز التنفيذ إلا في عام 2010، واحتفلال باليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري لأول مرة في 30 أغسطس/ آب 2011.
ومع انتهاء الحكم العسكري في الدول الأميركية، وتطبيق بعض العقوبات حول الانتهاكات، إلا أن هذه الظاهرة استمرت في العديد من الدول في أواخر القرن العشرين (بيلاروسيا، كولومبيا، جمهورية الكونغو، إيران، العراق، أيرلندا، لبنان)، مثلما حدث في القرن الحادي والعشرين (سوريا، أفغانستان، الصين، الشيشان). ولقد استخدمت بعض الأنظمة هذه الطريقة لمكافحة الإرهاب، كما ادعت، مثال على ذلك الولايات المتحدة، أو تهريب المخدرات كما في المكسيك وكولومبيا.
أصل المصطلح
يشير المصطلح إلى ظاهرة قديمة في التاريخ، لكن هذا الاسم لم يظهر إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، خلال فعاليات المنظمات غير الحكومية في أميركا اللاتينية من أجل محاربة هذه الظاهرة، وخاصة في الأرجنتين حيث يُطلق على المفقودين اسم “لوس ديساباريسيدوس”، وهو تعبير روجته “الأمهات والجدات في ساحة مايو”، حيث يطالبن بلا انقطاع بأخبار عن أطفالهن وأحفادهن.
بعض الدارسين والمختصين يعدون مصطلح الاختفاء القسري تعبيرا ملطفا، لكنه في الواقع، ما دام يتعلق بخطف، أو حتى اغتيال أو احتجاز ضحية عاجزة، فهو شكل من أشكال انتهاك حقوق الإنسان الخطرة.
جهود مكافحة الاختفاء القسري
إلى جانب المنظمات النشطة في الدفاع عن حقوق الإنسان العامة، مثل منظمة العفو الدولية أو “هيومن رايتس ووتش”، التي تدين الاختفاء القسري، وتناضل من أجل احترام حقوق أخرى، أنشئت جمعيات متخصصة في هذه القضية الشائكة، منها:
“جمعية عائلات المعتقلين المفقودين” في تشيلي: تأسست عام 1974 عندما بدأت عائلات المعتقلين في الاجتماع للحصول على معلومات عن أحبائهم.
“أمهات وجدات ساحة مايو” في الأرجنتين: تأسست من دزينة من الأمهات الجدات في عام 1977، تحت قيادة أزوسينا فيلافلور، بداية بالسير كل يوم خميس حول هرم مايو، في الساحة الواقعة أمام مقر الحكومة الأرجنتينية في بوينس آيريس وتحمل الاسم نفسه “مايو” للعثور على أحفادهن المفقودين. وهن يتعاون مع مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة منذ عام 1980.
“كومادريس” في سلفادور: هي لجنة أمهات واقارب المسجونين والمفقودين و/أو القتلى السياسيين. أنشئت في ديسمبر/ كانون الأول 1977، بمساعدة الأبرشية الكاثوليكية في سان سلفادور والأسقف أوسكار روميرو، هدفها العمل معا ومساعدة عائلات المختفين في كشف الحقيقة.
“الاتحاد الأميركي اللاتيني لجمعيات عائلات السجناء المختفين” (أو فيدي فام): في سياق الاختفاء القسري في أميركا اللاتينية، بدأت النساء من دول مختلفة يدركن أن لديهن أشياء مشتركة من خلال البحث عن أحبائهن المفقودين، وكانت الرئيسة الأولى ليديا غاليتي عضوا في أمهات ساحة مايو. أبرزت “فيدي فام” مسألة الاختفاء القسري على الساحة الدولية من خلال العمل كمنصة مركزية لعائلات المفقودين وتشجيعهم على التوجه إلى الأمم المتحدة.
“جمعية أسر المفقودين” في الجزائر: تأسست عام 1998 من قبل جزائريين وفرنسيين جزائريين مقيمين في فرنسا، تدير إذاعة تشاركية على الإنترنت، إذاعة من لا صوت لهم، التي فرضت عليها رقابة من قبل الحكومة الجزائرية بعد فترة وجيزة من انطلاقها.
“عائلات من أجل الحرية” في سوريا: هي جمعية أسستها نساء سوريات، قريبات من أشخاص مفقودين، جمعية ناشطة وتقيم اعتصامات ووقفات احتجاجية في أكثر من مدينة، ولقد نظمت تظاهرة في باريس في يناير/ كانون الثاني 2018، بعد فشل المفاوضات لاستعادة المفقودين.
من النكبة إلى حرب غزة
هناك مفاصل أو محطات مهمة أسست لحاضر هذه المنطقة، وخلقت هواجس مستقبلية لدى شعوبها، لما نجم عنها من فبركة واقع يمهد لـ”فوضى خلاقة”، كما أشارت منذ سنوات وزيرة خارجية أميركا كونداليزا رايس، ليس منذ إعلان قيام دولة إسرائيل في 1948 في القرن الماضي فحسب، إنما بعد حرب يونيو/ حزيران 1967، وما نجم عن هزيمة العرب فيها من ترتيب الأنظمة الحاكمة والمجتمعات المتاخمة لحدود هذه الدولة المحتلة بشكل يضعفها إلى آماد ممتدة، مما يمنح إسرائيل، مدعومة من الغرب، فرصا مستمرة لتنمية قوتها على حساب هذه الشعوب.
إضافة إلى المجازر التي ترقى في معظمها إلى مصاف الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي، منذ أوائل المجازر في فلسطين المحتلة إلى اليوم في الحرب الشعواء على غزة، والتي أفاد حولها مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة منذ نوفمبر/ كانون الثاني الماضي بأن نحو 70٪ من ضحايا الحرب في غزة هم من الأطفال والنساء، مما يشهد على “انتهاك منهجي للمبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي”، فإن الاختفاء القسري من أكثر وأهم الممارسات والجرائم التي تعتمدها الحكومات الإسرائيلية في حق الفلسطينيين. كما أفاد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأن الرقابة والتحقق من الانتهاكات الجسيمة لا يزالان بالغي الصعوبة، لا سيما بسبب صعوبات الوصول، والمستوى العالي من انعدام الأمن، والتهديدات والهجمات المباشرة ضد موظفي الأمم المتحدة والمراقبين والعاملين في المجال الإنساني. هذا يرسخ ما هو واضح بالنسبة لمن يتابع هذه الحرب الوحشية في غزة، وما تقوم به إسرائيل من انتهاك للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني.
لكن الاختفاء القسري في فلسطين لا يقل حضورا وخطورة عما يُمارس في العلن، وأمام الكاميرات وعيون المجتمع الدولي وشعوب العالم من جرائم وتوحش، وهو يُمارس بطرائق عدة. فعندما يُترك السكان الى مصيرهم في الشوارع، وكثير منهم عالقون تحت الأنقاض دون أي إمكان لإنقاذهم، هذا وحده يعد إخفاء قسريا، ما دام أن الضحايا غير معروفي الهوية، ولا تاريخ الاختفاء، علاوة على أن اختفاءهم وقع بسبب العنف المفرط الممنهج. بل حتى استهداف المدنيين وهم يتجمعون لتلقي المساعدات، بعد تجويعهم الممنهج، هو بحد ذاته إخفاء قسري ومتعمد.
تحت عنوان “جرائم الإخفاء القسري: أبرز أوجه حرب الإبادة على قطاع غزة” في موقع “مؤسسة الدراسات الفلسطينية بتاريخ” 6/11/2024 كتب الأسير الفلسطيني المحرر عبد الناصر فروانة: “بات من غير المعلوم مصير من اعتُقلوا من غزة بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واختفوا قسرا، ولا يُعرف إذا ما كان جميعهم أحياء حتى الآن، أم إن هناك بينهم مَن أُعدم ميدانيا أو قُتل حين استخدم درعا بشرية، أو سقط شهيدا بفعل التعذيب في السجون السرية، وأخفي جثمانه، ولا سيما بعدما كشفت وسائل إعلام عبرية ودولية في وقت سابق عن استشهاد عشرات آخرين من معتقَلي غزة، من دون أن تذكر أسماءهم أو تكشف عن أوضاع استشهادهم، وبينها صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ الأميركية”.
تتابع الدراسة: “وقد مُورس الإخفاء القسري في مراحل سبقت حرب الإبادة على غزة، ففي سنة 2003، كُشف الستار عن السجن السري رقم 1391، الذي أطلق عليه الفلسطينيون غوانتانامو الإسرائيلي”. وما رد القائم بأعمال المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، شاي نيتسان، في العام 2009 على طلب لجنة الأمم المتحدة ضد التعذيب من إسرائيل بالكشف عن هذا السجن، بأنه أغلق عام 2006، سوى إقرار بوجوده.
في لبنان وسوريا
بعد نحو خمسين عاما من بداية الحرب الأهلية، لا يزال ملف المغيبين حارقا، يتوهج كل حين، ولم يُغلق رغم انتهاء الحرب، وعلى الرغم من صدور تقرير رسمي عام 2000 بوجوب اعتبار المختفين لمدة أكثر من 4 سنوات في عداد المتوفين. ولقد أقر البرلمان اللبناني “قانون المفقودين والمختفين قسرا” في العام 2018، اشتمل على حق أفراد الأسرة في معرفة مصير أفرادها المخفيين قسرا وأماكن وجودهم واحتجازهم أو اختطافهم. وشمل القانون أيضا الحق في معرفة مكان الرفات واستلامه، تحديد مواقع الدفن وجمع الرفات ونبشها وإجراء الكشف عليه والتعرف على هوياتهم. وهناك “لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان” التي أسستها الناشطة وداد حلواني عام 1982 عقب اختطاف زوجها عدنان حلواني القيادي في منظمة العمل الشيوعي.
وفي سوريا التي لا تزال الفوضى وعمليات الاختفاء القسري فيها مستمرة بأشكال متنوعة إلى اليوم، وبعد مرور نحو تسعة أشهر على سقوط نظام الطاغية بشار الأسد، فقد أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرها السنوي الثالث عشر حول ظاهرة الاختفاء القسري في سوريا، وبحسب قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان فإن “ما لا يقل عن 157634 شخصا، بينهم 5274 طفلا و10221 سيدة (أنثى بالغة)، لا يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا منذ مارس/ آذار2011 وحتى أغسطس/ آب 2024، وتتحمل قوات النظام السوري المسؤولية الكبرى عن ضحايا الاعتقال والاختفاء القسري”، ووثقت الشبكة، كما جاء في تقريرها، تورط جميع الأطراف، بما في ذلك قوات النظام السوري، وقوات سوريا الديمقراطية، وفصائل المعارضة المسلحة/ الجيش الوطني، وهيئة تحرير الشام، في تنفيذ عمليات اختفاء قسري ضد المدنيين، كما أشارت إلى أنه “لا أفق لإنهاء جريمة الاختفاء القسري في سوريا”.
دور ريادي للنساء
هناك أمثلة كثيرة لا يمكن حصرها في هذه الإضاءة على قضية عالمية ذات أهمية بالغة بالنسبة للمجتمع البشري، إنما من المفيد التركيز على أمر مهم أيضا وهو أن النساء والفتيات، وبقدر ما يقعن ضحايا للاختفاء القسري، إما مباشرة أو لقرابتهن بالضحايا، فإنهن لعبن، ولا يزلن يلعبن، أدوارا أساسية في النضال السلمي، وفي أن يكون نشاطهن وسيلة ضغط من أجل إبقاء قضية المختفين قسريا حاضرة في المحافل الدولية والهيئات الأممية لتأمين وتعزيز حقوق الضحايا، فقد كن رائدات في هذا المجال، على الرغم من استمرار التمييز تجاههن في مختلف الميادين، السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها، ولقد أشارت إلى هذا ندى الناشف نائبة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، في المؤتمر العالمي الأول حول الاختفاء القسري في يناير/ كانون الثاني 2025 بقولها: “النساء غالبا ما يُتركن لإدارة البحث عن الحقيقة وتحقيق العدالة، بصفتهن زوجات وأمهات وأخوات على الرغم من مواجهتهن تحديات نُظمية”.
أما عن الأدب والفنون الأخرى، فيمكن التذكير هنا بالكتاب السيري “ما زلت هنا” الذي حول فيلما سينمائيا فاز بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان البندقية 2024، وتلقى ثلاثة ترشيحات لجوائز الأوسكار 2025: أفضل فيلم، أفضل فيلم دولي وأفضل ممثلة لأداء فيرندا توريس. إنه أول فيلم برازيلي يحصل على أوسكار أفضل فيلم دولي. يتتبع رحلة أونيس بايفا (1929-2018) للحصول على الحقيقة حول اختفاء وقتل زوجها في يناير/كانون الثاني 1971، وهو اقتباس من رواية ابنها أونيس بايفا.
المجلة
—————————
“المتحري” يكشف مصير مليون سوري اعتقلهم نظام الأسد
تمكن برنامج “المتحري” من الوصول إلى وثائق تكشف مصير مليون سوري اعتقلهم نظام بشار الأسد وقتل آلافا منهم بشكل منهجي، ودفنهم في مقابر جماعية، وتحت مبان لا يتصورها أحد، لإخفاء آثار جريمته.
فقد استطاع البرنامج الذي أذيع على منصة “سوريا الآن”، الوصول إلى جهاز يمتلك أدلة توثق اعتقال وقتل آلاف السوريين على يد رجال الأسد وفي أقبيته، ودفنهم في مقابر جماعية.
ففي معتقل صيدنايا بريف دمشق، الذي عبر آلاف السوريين منه إلى المجهول ولم يعد منهم إلا القليل، في حين لا يزال ذوو البقية الغائبة يبحثون عنهم أو عن جثثهم في كل مكان دون جدوى.
إسلام لطيف، أحد من تم اعتقالهم في هذا السجن، روى للمتحري كيف كانت حياتهم في هذا المكان الذي قضى به 5 سنوات، تعرض خلالها لكثير من الإذلال على يد قوات الأسد.
كما تحدث لطيف عن شقيقه الذي قتل خلال الاحتفال بـ”عيد الشهداء” الذي كان السجانون يحيونه بضرب السجناء إلى حد كان ينتهي بموت عشرات منهم، حسب قوله.
جهاز “فاتح 115”
وتمكن المتحري من الوصول لمؤسس جهاز “فاتح 115” الذي شكله شباب سوريون بقصد اختراق نظام الأسد سيبرانيا، وتمكنوا من الوصول فعلا إلى معلومات أمنية كبيرة وكثيرة.
وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الكشف عن “فاتح 115″، الذي يمتلك تلالا من التقارير الأمنية التي تم الحصول عليها سيبرانيا، والتي تضم أسماء ومعلومات عن آلاف السوريين الذين اعتقلهم أو قتلهم الأسد.
وخلال عمله، استطاع الجهاز توثيق عمليات الاعتقال والتعذيب والقتل التي كانت تحدث في الفروع الأمنية للأسد، بشكل يومي منذ العام 2013. ووفقا لمؤسس هذا الجهاز، فقد قتل بعض المعتقلين فور اعتقالهم.
وعرض البرنامج جانبا من التقارير الأمنية التي تم الوصول إليها والتي تظهر بوضوح أسماء معتقلين والإجراءات التي اتخذت بحقهم، وحتى الأماكن التي دفنت بها جثث القتلى.
ووفقا لمؤسس “فاتح 115″، الذي تعهد بإتاحة ما لديه من معلومات للجميع، فقد تم توثيق كل الجرائم التي ارتكبها الأسد ضد المدنيين من اعتقال وتعذيب وقتل وتلفيق اتهامات مزيفة، وصولا إلى مواقع دفع الجثث منذ اندلاع الثورة في 2011.
وكانت التقارير الدولية قد وثقت مئات آلاف القتلى من السوريين نصفهم مخفون قسريا، لكن “فاتح 115” لديه على ما يبدو كل المعلومات المتعلقة بهؤلاء جميعا، وربما أكثر، وقد حصل عليها عبر اختراق مخابرات الأسد العسكرية.
كما التقى المتحري شخصا آخر عمل ضمن فريق للحصول على تسريبات بخصوص ابتزاز رجال الأسد لذوي المخفين من أجل الحصول على معلومات لتبرير موتهم.
المصدر: الجزيرة
————————–
العفو الدولية تطالب بتوسيع ولاية هيئة العدالة الانتقالية ودعم شامل لعائلات المخفيين في سوريا
29 أغسطس 2025
دعت منظمة العفو الدولية الحكومة الجديدة في سوريا إلى الالتزام بإرساء الحقيقة وتحقيق العدالة وجبر الضرر لعشرات الآلاف من الأشخاص المخفيين، وذلك من خلال إعطاء الأولوية للبحث الوطني الشامل عن أولئك الذين ما زالوا مفقودين وتحقيق المساءلة. وجاءت دعوة العفو الدولية قبل يوم واحد من اليوم الدولي للإخفاء القسري، والذي يُصادف يوم غد السبت 30 آب/أغسطس الجاري.
وأشارت العفو الدولي إلى أن تقرير “الحقيقة لا تزال مدفونة: نضال عائلات المخفيين في سوريا من أجل العدالة”، يصف كيف حاولت “العائلات اليائسة”، بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، الوصول إلى مراكز الاحتجاز السابقة والسجون والمشارح ومواقع المقابر الجماعية.
وأضافت أن التقرير يكشف عن الألم العميق والصدمة المتجددة التي عانت منها العديد من العائلات التي، بعد سنوات من الأمل في خروج أحبائها من مراكز الاحتجاز والسجون سيئة السمعة في سوريا، لا تزال بلا إجابات.
وأوضحت العفو الدولية أنها استندت في التقرير إلى مقابلات أُجريت مع 21 فردًا من أفراد العائلات والناجين وممثلي جمعيات الضحايا بين أيار/مايو وحزيران/يونيو 2025، مضيفة أن العديد من هذه المقابلات أُجري خلال زيارة إلى سوريا في أيار/مايو الماضي.
وبحسب العفو الدولية، يصف التقرير المعاناة العميقة التي عاناها المعتقلون السابقون وعائلات المخفيين مع فقدان أو إتلاف أدلة حاسمة بعد سقوط حكومة الأسد، ومع رؤية الجناة المزعومين يتجولون بحرية.
كما يُلقي التقرير الضوء على النضال المستمر الذي تخوضه عائلات المخفيين للدفاع عن حقوقهم، بما في ذلك من خلال إقامة “خيام الحقيقة” في جميع أنحاء سوريا، حيث يمكنهم التجمع علنًا وتكريم أحبائهم والمطالبة بالعدالة.
وقالت نائبة المدير الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، كريستين بيكرلي: “لقد عانت عائلات المخفيين في سوريا أكثر من عقد من معاناة وانعدام يقين لا يُصدق”، مضيفة “بينما قدّم سقوط الحكومة السابقة بصيص أمل، فإن الخوف من إفلات الجناة المزعومين من العقاب، ومن احتمال عدم شمولية البحث عن المفقودين، يُسهم في موجة جديدة من الصدمات النفسية”.
وأكدت بيكرلي على ضرورة “اعتبار الحقيقة والعدالة وجبر أضرار المخفيين في سوريا أولويةً مُلحة للدولة، بما في ذلك من خلال ضمان استقلالية اللجنة الوطنية للمفقودين المُنشأة حديثًا”، داعية إلى تزويد اللجنة “بالموارد الكافية، وأعلى مستويات التعاون بين جميع مؤسسات الدولة”، ومشيرة في الوقت نفسه إلى أنه “مع كل يوم يمر، يتفاقم عذاب العائلات التي تنتظر إجاباتٍ حول مصير أحبائها ومكان وجودهم”.
ونوّهت بيكرلي بـ”التحديات” التي تواجه الحكومة الحالية، والتي لخصتها بـ”ظروف اقتصادية مُزرية وتدهور أمني في ظلّ تصاعد العنف الطائفي”، مشيرةً إلى أن الحكومة الجديدة “لا يُمكنها المضي قدمًا في بناء مستقبلٍ قائمٍ على المساءلة وسيادة القانون دون اتخاذ إجراءاتٍ حاسمةٍ الآن لضمان عمليةٍ شاملةٍ نحو الحقيقة والعدالة وجبر أضرار المخفيين على يد جميع الأطراف المتحاربة في سوريا”.
ولفتت العفو الدولية إلى أن هذه الإحاطة تُسلّط الضوء على “المطالب الرئيسية التي قدّمتها عائلات المخفيين، وهي: كشف حقيقة مصير أحبائهم؛ وتحقيق العدالة، بما في ذلك محاسبة الجناة من جميع الأطراف؛ وتقديم التعويضات، سواءً كانت مالية أو من خلال الدعم النفسي والاجتماعي والصحي أو غيره”، مشددة على أهمية “الاعتراف بتجارب الضحايا”؛ وتقديم الحكومة الجديدة “ضمانات لعدم تكرار مثل هذه الاختفاءات في سوريا”.
وأعادت العفو الدولية التذكير بأن عدد المخفيين قسرًا في سوريا بين عامي 2011 – 2024 يقدر بمائة ألف شخص، مشيرة إلى أن الغالبية العظمى اختفت في سجون الأسد سيئة السمعة. ووصفت الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية للمفقودين في أيار/مايو الماضي بأنه “خطوةً أولى حاسمة نحو كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وتقديم التعويضات لمثل هذه الاختفاءات”.
كما دعت العفو الدولية إلى توسيع ولاية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بما يتجاوز الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها الحكومة السابقة، وحثّت على أن تشمل ولايتها “الجرائم المنصوص عليها في القانون الدولي التي ارتكبتها الجماعات المسلحة”.
وأشارت العفو الدولية إلى أنها وثّقت حالات اختطاف أشخاص خلال الأشهر التسعة التي انقضت منذ الإطاحة بحكومة الأسد، حيث فشلت الحكومة في التحقيق في الحالات بسرعة وشمولية وحيادية أو محاسبة الجناة.
وشددت بيكرلي على ضرورة أن تستجيب الحكومة الجديدة “لنداءات عائلات الضحايا لإعطاء الأولوية لحقوقهم في معرفة الحقيقة والعدالة والتعويضات”، مطالبة الحكومات المانحة حول العالم بـ”تقديم التمويل والدعم الشامل للجمعيات الأسرية والمجموعات التي يقودها الناجون، والتي تساعد ضحايا الإخفاء القسري على إعمال هذه الحقوق في سياق عملية شاملة”.
وختمت بيكرلي حديثها في تقرير العفو الدولية بالتأكيد على أنه “من دون الحقيقة والعدالة والتعويضات، لن يتعافى الشعب السوري أبدًا”، مطالبة الحكومة الجديدة بـ”إجراء تحقيقات سريعة وشاملة ومستقلة ونزيهة وشفافة في جميع الجرائم المنصوص عليها في القانون الدولي”.
وأضافت أنه “يجب عليها ضمان حصول جميع الضحايا وعائلاتهم على تعويضات كاملة ومناسبة وفعالة، بما في ذلك رد الحقوق والتعويض وإعادة التأهيل والترضية وضمانات عدم التكرار”.
وسبق أن أعلن رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين، محمد رضا جلخي، عن توثيق حوالي 63 مقبرة جماعية حتى هذه اللحظة، وذلك ضمن ولايتها الزمنية التي تغطي الفترة منذ عام 1970 وحتى اليوم، مشيرًا إلى أن أعداد المفقودين تُقدر بما بين 120 و300 ألف شخص، وقد يتجاوز هذا الرقم بسبب صعوبة الحصر.
وأشار جلخي إلى أن الهيئة تستعد لعقد مؤتمر وطني موسع حول حقوق واحتياجات عائلات المفقودين، مع التركيز على جمع بيانات DNA وبصمات وراثية لتسهيل التوثيق، لافتًا إلى أن الهيئة وضعت بروتوكولات لحماية الشهود واستلام وتسليم البيانات، وعقدت مشاورات مع جهات دولية في جنيف.
وكان الرئيس أحمد الشرع قد أصدر المرسوم الرئاسي رقم /19/ لعام 2025 الصادر في 17 أيار/مايو، والذي نص على تشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين، على أن تضع هيكلية مؤقتة تشمل مجلسًا استشاريًا وتنفيذيًا، مع خطة عمل من 6 مراحل تمتد بين 3 إلى 6 أشهر.
—————————————
مرسوم رئاسي بتشكيل لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية
29 أغسطس 2025
أعلنت رئاسة الجمهورية، يوم أمس الخميس، عن تشكيل لجنة “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، وذلك بموجب مرسوم رئاسي حمل الرقم 149، ووقعه الرئيس أحمد الشرع.
وتشكّل اللجنة، بحسب المرسوم الذي نشرته الوكالة السورية للأنباء “سانا”، برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف وزهرة نجيب البرازي (عضوًا ونائبًا)، وعضوية 11 آخرين.
وعينت اللجنة، كل من أحمد سيفو السيفو، جمانة رياض سيف، حسن محمد جبران، ياسمين علي مشعان، محمد خير محمد أيوب، محمد إبراهيم الدغيم، أحمد محمد حزرومة، رند مروان صباغ، فتاة محمد صقر، تركي عبد العزيز عبد الحميد، ورديف مصطفى أنور، كأعضاء.
ويباشر أعضاء اللجنة مهامهم، بإشراف رئيسها فور تبلّغهم المرسوم، على أن يتم توزيع المهام بينهم وفق النظام الداخلي الناظم لعمل الهيئة.
وأحدثت “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، في أيار/مايو الماضي، بموجب المرسوم الرئاسي رقم (20) لعام 2025، وحددت مهامها في كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب بها النظام السابق، ومساءلة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، إضافةً إلى تحقيق المصالحة الوطنية وترسيخ مبادئ عدم التكرار.
وتتمتع الهيئة، وفقًا للمرسوم، بـ”الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتمارس مهامها في جميع أنحاء الأراضي السورية”.
وتتألف الهيئة من ثلاث دوائر رئيسية، وهي اللجان المختصة التي تغطي مجالات التقصي والعدالة وجبر الضرر والمصالحة الوطنية، والمكاتب الفنية التي تشمل الدعم القانوني وحماية الشهود وإدارة البيانات، بالإضافة إلى الأقسام الإدارية الداعمة.
وجاء مرسوم تشكيل الهيئة “بناءً على الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية العربية السورية، واستنادًا إلى أحكام الإعلان الدستوري، وإيمانًا بضرورة تحقيق العدالة الانتقالية كركيزة أساسية لبناء دولة القانون، وضمانًا لحقوق الضحايا، وتحقيقًا للمصالحة الوطنية”.
وسمّى المرسوم عبد الباسط عبد اللطيف رئيسًا للهيئة، وكلّفه بتشكيل فريق العمل ووضع النظام الداخلي.
————————
موقع يتيح جولة افتراضية بغرف الإعدام ويوثق جرائم نظام الأسد
سلطت مجلة إيكونوميست البريطانية الضوء على مشروع رقمي بعنوان “متحف سجون سوريا” أنشأه صحفيون ونشطاء سوريون بهدف توثيق الفظائع التي ارتكبها نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
ويهدف الموقع -حسب التقرير- إلى توثيق تاريخ سجن صيدنايا القاتم، وهو أحد أكثر السجون العسكرية السورية تحصينا، ويطلق عليه “المسلخ البشري” بسبب التعذيب والحرمان والازدحام داخله.
وذكر التقرير أن الموقع التفاعلي “متحف سجون سوريا” (Syria Prisons Museum website) سينطلق يوم 15 سبتمبر/أيلول المقبل، ويعد أرشيفا جنائيا و”نصبا تذكاريا” لضحايا التعذيب، ويقدم للمستخدم تجربة توعوية ومروعة في الوقت ذاته.
ويوفر الموقع جولة افتراضية عبر غرف الإعدام والتعذيب، وشهادات مصورة لناجين من السجن يروون قسوة الحراس وإجرامهم، وقوائم بأسماء الضباط المشرفين، حسب التقرير.
كما يصف الموقع بالتفصيل رحلة المعتقلين الشاقة عبر شبكة مراكز التعذيب والاستجواب في سوريا، والتي غالبا ما كانت تنتهي في سجن صيدنايا بالنسبة لمعارضي النظام، وفق ما نقله التقرير.
وأشارت إيكونوميست إلى أن صيدنايا كان يُستخدم منذ عهد حافظ الأسد لاعتقال معارضين من مختلف التيارات، ولكن مع اندلاع الحرب تحوّل السجن إلى مركز للإعدامات الجماعية، حيث كان النزلاء يشنقون أو يضربون حتى الموت.
ووفق تقرير نشرته الجزيرة، كان سائدا أن يفرز المعتقلون داخل أقسام سجن صيدنايا حسب التهم السياسية الموجهة إليهم، فكان يضم معتقلي جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي وحركة التوحيد الطرابلسية.
كما ضم السجن معتقلين لبنانيين من أطراف عدة غير موالية لسوريا، وفلسطينيين متهمين بأن لهم علاقة جيدة مع المعارضة السورية، ومعتقلين شيوعيين ومن الأحزاب الكردية على اختلافها، إضافة إلى بعض العسكريين السوريين.
وأضافت إيكونوميست أن القائمين على المشروع سبق أن وثقوا نظام الاعتقال لدى تنظيم الدولة الإسلامية في موقع مماثل، واستُخدمت بياناته لاحقا كأدلة في محاكم أوروبية ضد عناصر النظام السوري.
وخلصت المجلة إلى أن الموقع سيتيح للحقوقيين والمؤرخين وعائلات المفقودين فرصة للحصول على معلومات جديدة، على أمل أن تسهم مبادرات التوثيق هذه مستقبلا في تحقيق قدر من العدالة والمساءلة.
المصدر: إيكونوميست
————————
تقرير حقوقي: أكثر من 177 ألف شخص لا يزالون قيد الاختفاء القسري في سوريا
الشبكة السورية لحقوق الإنسان: النظام المخلوع مسؤول عن معظم حالات الاختفاء القسري
2025-08-30
قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اليوم السبت، إن ما لا يقل عن 177,057 شخصاً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة في سوريا، لا يزالون قيد الاختفاء القسري حتى آب/ أغسطس الجاري.
وأضافت الشبكة، في تقرير سنوي نشرته على موقعها الرسمي، أن معظم حالات الاختفاء القسري وقعت على يد النظام المخلوع، الذي تبنّى سياسة ممنهجة للاعتقال التعسفي والإخفاء القسري بهدف ترهيب المجتمع السوري ومعاقبته جماعياً.
وأكد التقرير الذي نشرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن النظام المخلوع مسؤول عن نحو 90% من الحالات الموثقة للمختفين قسراً في سوريا.
وأشار، إلى أن سقوط النظام في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي كشف المزيد من تفاصيل المأساة، حيث أُخليت السجون والمراكز الأمنية التابعة له، وخرجت أعداد محدودة من المعتقلين أحياء بينما بقي مصير عشرات الآلاف مجهولاً.
وأوضح، أن إجمالي عدد المعتقلين والمختفين قسرياً بلغ 181,312 شخصاً، بينهم 5,332 طفلاً و9,201 سيدة، منذ آذار/ مارس 2011 وحتى أغسطس الجاري.
وقدمت الشبكة توصيات تشمل كشف الحقيقة، وتحديد أماكن الدفن، وضمان حقوق الضحايا وأسرهم، والتحقيق في المقابر الجماعية، وتأسيس آليات قضائية متخصصة لمحاسبة الجناة، إضافة إلى إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية لضمان عدم تكرار الانتهاكات.
واعتبرت، أن الاختفاء القسري يشكّل جريمة مستمرة وفق القانون الدولي، وقد يرقى في بعض الحالات إلى جريمة ضد الإنسانية.
كما دعت، إلى إشراك الضحايا والمجتمع المدني في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، وتعزيز التعاون الدولي لتحقيق العدالة وكشف الحقيقة ومنع الإفلات من العقاب.
وفي الـ18 من أغسطس الجاري، كشف رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا محمد رضا جلخي، عن خطة عمل شاملة لتوثيق حالات المفقودين في البلاد وتغطي الفترة الزمنية منذ عام 1970، دون تحديد مدة زمنية لإنجاز عملها.
وكان قد قال جلخي، إن خطة عمل الهيئة للانطلاق الفعلي على الأرض تتكون من ست مراحل تستمر بين 3 و6 أشهر، مشيراً إلى أن الهيئة تمتلك خريطة تتضمن أكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة في سوريا.
وذكر، أن تقديرات الهيئة لأعداد المفقودين في سوريا تتراوح بين 120 و300 ألف شخص، وقد يتجاوز ذلك الرقم بسبب صعوبة الحصر، وفقاً لما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وأشار، إلى أن عمل الهيئة يمثل حاجة أساسية لمسار العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، ويتم وفق ستة مبادئ أساسية تشمل التشاركية، الشفافية، والشمولية، مضيفاً أن الهيئة وضعت هيكلية مؤقتة تشمل مجلساً استشارياً وآخر تنفيذياً ضمن خمس قطاعات عمل.
ولفت جلخي، إلى أن الهيئة تعمل على إطلاق منصة رقمية وطنية لإنشاء بنك معلومات للمفقودين في سوريا، بالإضافة إلى مشروع بطاقة لدعم ذوي المفقودين قانونياً ونفسياً واجتماعياً.
كما أوضح أن هناك بروتوكولات لحماية الشهود واستلام وتسليم البيانات، مؤكداً أن ملف المفقودين يعد من أعقد الملفات وأكثرها إيلاماً في سوريا.
وأكد، أن الهيئة الوطنية للمفقودين أجرت مشاورات مع جهات دولية في جنيف، ويتم حالياً توقيع بروتوكولات تعاون مع مؤسسات دولية لدعم التوثيق القانوني والطب الشرعي، مع التشديد على أن مسار المفقودين يجب أن يقوده السوريون أنفسهم، مشيراً إلى استعداد الهيئة لعقد مؤتمر وطني موسع حول حقوق واحتياجات عائلات المفقودين.
وتنحصر المهام الأساسية للهيئة في محورين رئيسيين هما الدعم والتوثيق، ويتم جمع البيانات عبر وسائل متعددة تشمل جميع بيانات الحمض النووي (DNA) والبصمات الوراثية، بحسب ما ذكره جلخي.
وأضاف، أن الهيئة حصلت على موافقات للاستفادة من مخابر وزارة الصحة وهيئة الطاقة الذرية السورية، إضافة إلى منح لتدريب كوادر سورية في دول أوروبية بمجال الطب الشرعي والتوثيق.
————————-
رابطة معتقلي صيدنايا لـ”963+”: عمل هيئة المفقودين يشمل أي مفقود قبل وبعد سقوط النظام
الإعلان عن تأسيس منصة دعم الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا
2025-08-30
قال رئيس رابطة معتقلي صيدنايا دياب سرية لـ”963+”، اليوم السبت، إن عمل الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا يشمل أي مفقود على الأراضي السورية قبل وبعد سقوط النظام المخلوع.
وأضاف، أن منصة دعم الهيئة الوطنية للمفقودين التي أطلقت اليوم، هي تجمع من منظمات المجتمع المدني السوري العاملة على توثيق انتهاكات حقوق الانسان وتحديداً حالات الاختفاء القسري.
وأشار، إلى أن الهدف من المنصة هو دعم الهيئة الوطنية للمفقودين بالبيانات الموجودة و الخبرات المتراكمة للمنظمات السورية على مدار السنوات الماضية ومساعدتها بإنشاء بروتوكولات للبحث عن المفقودين في سوريا.
وأوضح رئيس رابطة معتقلي صيدنايا، أن المنصة تضم حالياً المنظمات السورية فقط ولا يوجد خطط لإدماج المنظمات الدولية فيها.
اقرأ أيضاً: إطلاق منصة لدعم هيئة المفقودين في سوريا بالتعاون مع ست منظمات حقوقية
وكانت قد أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، في وقت سابق اليوم السبت، عن إطلاق منصة “دعم الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا”، وفقاً لما أفاد به مراسل”963+”.
وقال المراسل، إن المنصة أُطلقت خلال مؤتمر صحفي عقد في العاصمة السورية دمشق بالتعاون مع ست منظمات مجتمع مدني متخصصة في توثيق حالات الاختفاء القسري للسوريين منذ عام 1970.
وأشار، إلى أن المنصة تهدف إلى تأسيس قاعدة بيانات شاملة عن المفقودين في سوريا، إلى جانب العمل على مشروع بطاقة خاصة لدعم أسرهم في المجالات القانونية والاجتماعية والنفسية.
ووفقاً لما ذكره المراسل، فإن المنصة ستعمل على وضع بروتوكولات دقيقة لحماية الشهود وضمان آليات آمنة لتبادل المعلومات بين الجهات المعنية بملف المفقودين.
وشارك في تأسيس المنصة، المركز السوري للعدالة والمساءلة، والمركز السوري لحرية الإعلام والتعبير، والأرشيف السوري، ورابطة معتقلي صيدنايا، إلى جانب منظمة محامون وأطباء من أجل حقوق الإنسان (LDHR)، ورابطة عائلات قيصر، بحسب ما ذكره المراسل.
——————————
=======================



