المظلومية القاتلة… الأسوأ ممكن دائماً/ سمير الزبن

27 اغسطس 2025
عندما يتم توظيفها من أجل قتل الآخرين، تتحوّل المظلومية إلى أخطر الهويات القاتلة، وكل مظلومية قاتلة كاذبة طالما لا تهدف إلى العدالة إنما يتم استخدامها أداة لقتل الآخر. وقد وجد التحشيد الهوياتي القاتل أنسب بيئة تحريضية في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث الجميع، من عقلانيين ومحرّضين وغوغاء ومجانين وقتلة… إلخ لهم القدرة نفسها على الوصول إلى هذه الوسائل، التي لا يحكمها ضابط قانوني أو أخلاقي. لذلك يتفوق فيها المحرّضون على القتل على العقلانيين، فهم أصحاب الصوت الأعلى والتحريض السوقي الذي يخسر فيه العقلانيون دائماً.
لم تعمل وسائل التواصل الاجتماعي في الصراعات على تقريب البشر، بقدر ما كانت أداة لتعزيز الانقسامات والعداوات بين المتصارعين. وقد زادت هذه الأدوات من عنف الصراعات الهوياتية والطائفية في بلدانٍ كثيرة، ونحن منهم. وكأن تحول العالم إلى قرية صغيرة زاد من حدّة الهويات المغلقة، بدل أن يعمل على تفكيكها. وباتت هذه الوسائل الأداة الأساسية لحشد الجمهور خلف هذه الهويات المغلقة، والتحريض على القتل. وهي أداة لم تعكس هوية انفتاحية تقبل التنوّع والاختلاف بين البشر، على اعتبار هذا التنوع والاختلاف غنى للتجربة الإنسانية. … ما زلنا نشهد العنف والصراع الطائفي في بلدانٍ كثيرة، وأصبح أكثر قسوة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تُستخدم في عرض قتل مشهدي مباشرة على هذه الوسائل التي لم تكن متوفرة من قبل، ما يجعل القتلة يتوغّلون أكثر في إنتاج مشاهد أكثر قسوة ودموية استعراضية، لردع من يعتبرونهم أعداء طائفيين لا يستحقّون الحياة، فالقاتل الطائفي الذي يقتل جاره بوحشية فظّة، لا يستطيع فعل ذلك من دون اختزال هذا الجار إلى بعد هوياتي واحد، البعد الذي يكرهه فيه، ويحذف من حياة هذا الجار كل التنوّعات الأخرى للهوية التي يشترك فيها معه. فلا أعتقد أن المذبحة التي شهدتها رواندا في منتصف التسعينيات وذهب ضحيتها حوالي مليون إنسان في أسابيع، وأغلبهم قتل بالسلاح الأبيض، لم يرَ القاتل في ضحيته شريكاً له في الهوية رواندياً أو إنساناً أو أفريقياً أو محبّاً لكرة القدم.. إلخ من تنوّعات الهوية. ولا يختلف القاتل الطائفي في الصراعات الأخرى، بما فيها القاتل الطائفي السوري عن هذه النظرة إلى الضحية السورية أمامه، فالقاتل، في هذه الحالات، يذهب إلى أكثر الهويات اختزالية في من يراه عدوّاً يستحق القتل.
وفي هذا الإطار، نستطيع أن نستعين بالهندي أمارتا صن، وبكتابه “الهوية والعنف” في هذه القضايا. يعتبر صن أن وراء دعم الوحشية الفظّة يوجد اختزال مفاهيمي حول هويات الناس، يحوّل البشر متعدّدي الأبعاد إلى مخلوقات ذات بُعد واحد. وأن نزاعات وأعمالاً وحشية عديدة في العالم تتغذّى على وهم هوية متفرّدة لا اختيار فيها. ويأخذ فن بناء الكراهية شكل إثارة القوى السحرية لهوية مزعومة السيادة والهيمنة، تحجب كل الانتماءات الأخرى. وعندما تُعطى هذه الهوية شكلًا ملائماً ميالاً إلى القتال، يمكن أيضاً أن تهزم أي تعاطف إنساني أو مشاعر شفقة فطرية قد تكون موجودة في نفوسنا بشكل طبيعي. والنتيجة يمكن أن تكون عنفاً عارماً مصنوعاً داخل الوطن.
يعتبر صن أن الشعور بالهوية يمكن أن يكون مصدراً للفخر والبهجة، بل والقوة والثقة. وليس من المدهش أن فكرة الهوية تلقى إعجاباً واسع الانتشار، من تلك الدعوة إلى أن أحِبَّ جارك، وصولاً إلى تلك النظريات الكبرى لرأس المال المجتمعي. ومن جانب آخر، يمكن للهوية أن تقتل بلا رحمة، حيث يمكن لشعور قوي ومطلق بانتماء إلى جماعة واحدة أن يصنع مسافة للبعد والاختلاف عن الجماعات الأخرى، فالتضامن الداخلي لجماعة ما يمكن أن يغذّي التنافر بينهما وبين الجماعات الأخرى، فالتحريض على العنف يحدُث بفرض هويات مفردة انعزالية وعدوانية، يناصرها ويؤيدها محترفون بارعون للإرهاب على ناس بسطاء وساذجين.
ويعتبر عزيز العظمة أن لفظة “الهوية” لم تظهر في المعجم السياسي والاجتماعي العربي إلا حديثاً. ولم يحتل مفهوم الهوية المشهد الأساسي إلا نتيجة ضروب الفشل والهزائم الداخلية والخارجية التي عرفتها القومية العربية والدول التي خرجت مهزومة على أثر حرب 1967. يقول العظمة: “أستطيع أن أزعم، بدون تخوف ولا مخاطرة ولا إثارة شبهة ما، أن الهوية في العالم العربي الراهن ليست شيئاً آخر غير الزيف والتدجيل، وقد رُفع إلى بلاغة الأيدولوجيا”. وعلى ذلك، ليس التبجّح بالهوية فعل تقدم في التاريخ يحدّث بفعله المجتمع، إنما هو شعار أو رمز يستخدم في النضال من أجل الهيمنة وإعادته إلى الوراء، إلى التشكيل السابق على الاختلالات التي أحدثتها قوى الحداثة. ونتيجة لذلك، الهوية منتزع منها وجه النمو والمطمح التاريخي. ولأن خطاب الهوية وهمي، فإن خطاب الهوية في العالم العربي، إسلاميّاً كان أو قومياً ثقافياً، يقوم على توهم حالة من الطهارة والبراءة السابقة على الوضع الملوّث الذي نعيشه.
رؤية شخص على أساس هوية واحدة من هويات متعدّدة هو بالطبع تصوّر شديدة الفجاجة. ومن المؤكّد أن وهم الانفرادية الذي يجري تعهده وتنميته من السهل أن يكتسب الأنصار والمؤيدين. يأخذ الدفاع عن هوية فريدة من أجل غرض عنيف شكل تفصيل هوية جمعية واحدة، تتصل مباشرة بغرض العنف المطلوب. يعتمد الدفع القتالي لتعزيز العنف على بعض الغرائز الأساسية، ويستخدمها للضغط على حرية التفكير والتأمل الهادئ. ما يحدُث لتحويل هذا إلى أداة قتل هو تجاهل أهمية الانتماءات الأخرى، وإعادة تحديد الهوية “الوحيدة” في قالب قتالي بشكل خاص.
لمقاومة هذا التداعي يجب التعامل مع فهم غير انفرادي أو انعزالي للهوية، ومقاومة رؤية الآخرين الذين يشبهوننا كأعداء. وحتى لا يتم تحطيم المجتمعات، وزيادة الخراب خراباً، يجب العمل، وعلى كل المستويات، على إنتاج خطاب أن الجميع شركاء في الوطن، وهو ما يدفع إلى إبراز المشتركات في الهوية التي يمكن أن تُبنى عليها الأوطان، بوصف الوطن مُلكاً وحقّاً للجميع على القدر ذاته، وما الهويات الجزئية سوى تنويع يُغني الهوية الوطنية الجامعة، لا متاريس حرب قاتلة مع هويات الآخرين، يجب سفك دمهم. وغير ذلك، سنذهب إلى حرب هوياتٍ قاتلة تدمّر ما تبقى من حطام الأوطان.
العربي الجديد



