تطور الأقتصاد السوري تحديث 31 آب 2025
لمراجعة الملف اتبع الرابط التالي
——————————–
الأَوْلَى في سوريا: عملة جديدة..أم حرية السحب من المصارف؟!/ إياد الجعفري
الأربعاء 2025/08/27
لو كان متاحاً إجراء استفتاء شعبي في سوريا اليوم، لسؤال الناس عن مدى قبولهم بخسارة نحو 250 إلى 300 مليون دولار من خزينة الدولة المقفِرة، بغية طباعة عملة جديدة، لا وجود لوجهَي حافظ الأسد وبشار الأسد عليها، قد نفاجأ بأن الغالبية ستؤيد ذلك، برغم الشح الكبير في إيرادات الخزينة العامة. وعلى غرار الضجيج الاحتفالي العام الذي رافق إطلاق الهوية البصرية للدولة السورية الجديدة، مطلع الشهر الفائت، بوصفها تعبيراً عن قطيعة رمزية مع عهد النظام البائد، روّج حاكم المصرف المركزي السوري، للعملة السورية الجديدة المرتقبة، بحمولة سياسية ورمزية، بوصفها المعادل النقدي ليوم التحرير في 8 كانون الأول/ ديسمبر الفائت.
وفي أول إطلالة متلفزة له عبر “الإخبارية السورية”، أطلق الدكتور عبد القادر حصرية، شعار “ليرتنا حتكون علامة حريتنا”، مشيراً إلى أنها ستكون رمز الجمهورية الثانية في سوريا التي بنتها الثورة. لكنه لم يقدّم أي مبرر اقتصادي موضوعي لاعتماد سيناريو طباعة عملة جديدة عبر حذف صفرَين، كما لم يحاول محاوره دفعه للحديث عن الأسباب الاقتصادية لاعتماد هذا السيناريو، لحل مشكلة التضخم النقدي في سوريا، بدلاً من سيناريو طباعة فئات نقدية أعلى مثلاً، كما طرح خبراء ومتخصصون.
فالسؤال المركزي في ذلك: أيهما أقل كلفة؟ طباعة عملة جديدة بتصميم جديد مع حذف صفرَين مقارنة بالعملة الحالية؟ أم طباعة فئات نقدية أعلى من الموجودة الآن؟ في الإجابة عن هذا السؤال، يميل معظم الخبراء إلى أن طباعة فئات نقدية أعلى، هو أقل كلفة. لكن ذلك يبقى وقفاً على الهدف المبتغى.
الهدف الأبرز الذي يجري الحديث عنه، هو تسهيل التعاملات اليومية، بحيث لا يضطر السوري لاصطحاب كيس مثقل بالرزم النقدية حين ذهابه لتناول الغداء في مطعمٍ، مثلاً. وهو هدف يتحقق بالإجراءين معاً، عملة جديدة مع حذف صفرَين، أو فئات نقدية أعلى. وفي هذه الحالة، يصبح سيناريو طباعة فئات نقدية أعلى، هو الأكثر واقعية، لأنه لا يتطلب استبدالاً كاملاً للعملة، ويجنّب السوريين أفراداً ومؤسسات، إرباكاً محاسبياً واقتصادياً مرتقباً في سيناريو حذف الصفرَين، كما أنه أقل كلفة. لكن طباعة فئات نقدية أعلى، لا يحقق هدفاً آخر، لم يُخفه حاكم المركزي، وهو القطيعة مع النظام البائد، عبر التخلص من ورقة الـ1000 ليرة التي تحمل وجه حافظ الأسد، وورقة الـ2000 ليرة التي تحمل وجه بشار الأسد. والأهم، تقديم هوية نقدية جديدة لسوريا “الجديدة”، على غرار هويتها البصرية الجديدة.
اللافت أن سوريا التي تواجه صعوبة في تسديد رواتب موظفي القطاع العام، حتى أنها احتاجت إلى منحة خارجية لتحقيق ذلك، لا تمتلك رفاهية إنفاق بضعة مئات من ملايين الدولارات، بغية التخلص من وجهَي حافظ وبشار، إلى الأبد. وبرغم أهمية التخلص من معضلة حمل كميات كبيرة من الأوراق النقدية لتسديد المعاملات اليومية، إلا أنه يمكن تأجيل ذلك لظروف أفضل، خصوصاً مع تكيّف السوريين مع هذه المعضلة، على غرار تكيّفهم مع معضلات قد تكون أثقل وطأة في حياتهم اليومية، من قبيل ساعات الوصل الكهربائي المحدودة. لكن، يبدو أن أصحاب القرار في دمشق، تعنيهم بشدة، تلك الخطوات ذات الحمولة السياسية – الرمزية، والتي يراهنون على تعبئة الشارع السوري لدعمها.
وفي الوقت الذي تذهب فيه السلطات النقدية السورية باتجاه سيناريو مُكلِف ومُربك محاسبياً، تبقى قضية أكثر إلحاحاً وأولوية، معلّقة. إنها معضلة الإيداعات المالية الضخمة المقيَّدة في المصارف السورية. تلك الودائع والحسابات التي تخضع لقيود سحب جائرة، منذ سقوط النظام البائد. وبرغم صدور التعميم الشهير عن المركزي، في 7 أيار الفائت، حين أطلق حرية السحب من الحسابات والودائع المودعة بعد هذا التاريخ، إلا أن تلك الخطوة لم تكن كافية لاستعادة ثقة السوريين في القطاع المصرفي الذي ابتلع أموالهم وقطّر قدرتهم على سحبها، على نحوٍ غير مسبوق. تُضاف إلى ذلك الأموال المجمدة في منصة تمويل المستوردات بالمركزي، والتي أُلغيت بعيد سقوط النظام، لكن التجار لم يستردوا ودائعهم فيها، حتى اليوم. ونحن هنا نتحدث عن تريليونات الليرات السورية المجمّدة، والتي لا سبيل لاستعادة الثقة في القطاع المصرفي السوري إلا بتحريرها.
في حديثه للإخبارية السورية، أقرّ حاكم المركزي السوري بأن القيود على السحوبات من المصارف السورية، أمر غير مقبول. وقال إن لدى إدارة المركزي هدفاً استراتيجياً بأن يكون هناك تاريخ محدد يمكن القول فيه، إنه “بالغ ما بلغت ودائعك، أنت قادر على سحبها”. لكن حصرية لم يحدد ذاك التاريخ الموعود، ولم يسأله محاوره عن سبب هذا التقييد الجائر للسحب من السيولة في المصارف. ربما لأن الجواب جلّي للكثيرين. فتحسّن سعر الصرف، ثم استقراره، والذي روّج له حصرية بأنه أحد إنجازات “العهد الجديد”، هو نتيجة سياسة حبس السيولة المعتمدة منذ عهد النظام البائد، والتي أصبحت أكثر جوراً وشدّة، بعد سقوطه، بغية منع الليرة من الانهيار. وتحرير تلك السيولة الضخمة من الحسابات والودائع المجمّدة والمقيّدة، يعني حكماً، ارتفاع الدولار على حساب الليرة، على نحوٍ كبير. ويذهب خبراء سوريون كثر إلى الإقرار بذلك، وإلى الحديث عن أن السعر الراهن للدولار، الذي يتحرك قرب 11000 ليرة، وهمي، جراء حبس السيولة. وأن السعر الحقيقي يتراوح بين 17000 إلى 20000 ليرة.
من دون إطلاق حرية السحب والتحويل للسيولة في المصارف السورية، لا يمكن التأسيس لبيئة جاذبة للاستثمار. لا المحلي، ولا الخارجي؛ إذ كيف يمكن لمستثمر أن يعمل في دولة يخشى فيها من تقييد قدرته على سحب أمواله في مصارفها؟ ولاستعادة الثقة في القطاع المصرفي السوري، يجب حل مشكلة السيولة المقيّدة فيه. هذه المعضلة، أكثر أولوية بكثير، من إنفاق بضع مئات من ملايين الدولارات، للتخلص من صور رموز النظام البائد، وإصدار هوية نقدية جديدة لسوريا. فإن توافر مبلغ 250 إلى 300 مليون دولار، لتمويل كلفة طباعة عملة جديدة مع حذف صفرَين، كان الأَوْلَى استخدامها لحل مشكلة حبس السيولة، واستعادة ثقة السوريين في قطاعهم المصرفي، كي تكون تلك صافرة البداية لوضع اقتصاد بلادهم على سكة الانتعاش مجدداً، بالرافعة المصرفية التي لا بد منها.
المدن
————————–
كيف قيّم خبراء إعلان مصرف سوريا المركزي إصدار عملة جديدة؟/ شام السبسبي
28 آب 2025
دمشق – في خطوة أثارت نقاشا واسعا في الأوساط الاقتصادية، أعلن مصرف سوريا المركزي عن خطة لطرح عملة جديدة قال إنها صُممت وفق أعلى المعايير الفنية المعتمدة لدى المصارف المركزية العالمية، وذلك ضمن مساع لتحديث البنية النقدية وتعزيز كفاءة أنظمة الدفع والتداول.
وأكد المصرف، في منشور على صفحته الرسمية في فيسبوك السبت الماضي، أن هذه الخطوة تمثل جزءا من برنامج إصلاحي أشمل يهدف إلى تعزيز الثقة بالعملة الوطنية، وتسهيل المعاملات اليومية، ودعم الاستقرار المالي في البلاد.
حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية جدّد ما جاء في تقرير لوكالة رويترز قبل أيام حول نية البلاد حذف صفرين من عملتها، معتبرا أن الأمر يمثل “خطوة ضرورية ومهمة وسبَق أن قامت بها 70 دولة حول العالم”. وأضاف في لقاء تلفزيوني أن تغيير العملة يعد “ركيزة محورية من ركائز إستراتيجية الإصلاح المالي والنقدي” وهو في الوقت ذاته “تعبير عن السيادة المالية وعلامة على الحرية”.
الرؤية الرسمية والفوائد المتوقعة
وأوضح المصرف أن العملة الجديدة ستُدخل للتداول “بشكل أصولي وفق أحكام قانون مصرف سورية المركزي رقم 23 لعام 2002″، مشيرا إلى أن الكميات المطبوعة مدروسة بعناية لتتلاءم مع حجم الاقتصاد الوطني وتبقى ضمن حدود السياسة النقدية.
وأضاف أن الطباعة ستتم لدى مصدرين أو 3 مصادر دولية موثوقة باستخدام أحدث التقنيات المضادة للتزوير لضمان موثوقية التداول وحماية حقوق المتعاملين.
وتوقع المركزي أن يسهم الطرح الجديد في تبسيط العمليات النقدية اليومية، وتحسين إدارة السيولة، وتسهيل الدفع والشراء، إضافة إلى تعزيز السيطرة على التضخم، ورفع مستوى الثقة بالنظام المصرفي، وحماية صغار المودعين، فضلا عن تمكين إصلاحات مالية أوسع وترسيخ الثقة بالليرة السورية.
جدل بين المؤيدين والمعارضين
ووصف الخبير الاقتصادي الدكتور حسن غرة القرار بأنه “إجراء فني وتنظيمي ضمن إطار السياسة النقدية الشاملة، يهدف أساسا إلى تحسين إدارة التداول النقدي وتسهيل عمليات الدفع والشراء”.
وأوضح أن هناك كتلة نقدية ضخمة تتجاوز 40 تريليون ليرة سورية (نحو 3.7 مليارات دولار) متداولة خارج النظام المصرفي، ما يجعل من الخطوة فرصة:
لتعزيز الرقابة على حركة النقد
الحد من التهريب
تقليص الفاقد
ويسهم حذف الأصفار في تخفيف العبء اليومي عن المواطنين.
في المقابل، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو أن التوقيت غير مناسب رغم إقراره بأهمية تغيير العملة. وقال إن “العملة مرآة للاقتصاد، ولا يمكن إصلاحها دون إصلاح البنية الاقتصادية أولا”، مشيرا إلى تراجع الناتج المحلي من 70 مليار دولار عام 2010 إلى حدود 7 مليارات فقط حاليا، مع انهيار القطاع المصرفي، وضعف الاحتياطات النقدية، واستمرار العقوبات.
واعتبر أن الفوائد المحتملة تكاد تقتصر على تسهيل التداول وحل مشكلة السيولة مؤقتا، معتبرا أن الخطوة قد تبدو أقرب إلى إجراء رمزي منها إلى إصلاح فعلي.
تقييم فني: إصلاح تقني مشروط
وأكد الخبير المصرفي الدكتور إبراهيم قوشجي أن تغيير العملة “إصلاح تقني بحت لا يخلق ثروة جديدة ولا يلغي الأزمات الاقتصادية”. وأوضح أن التضخم لا يرتبط مباشرة بحذف الأصفار، بل بأسباب هيكلية مثل عجز الموازنة وضعف الإنتاج المحلي وفقدان الاحتياطي الأجنبي. لكنه أشار إلى أن الخطوة قد تبعث برسالة إيجابية تبطئ تهافت المواطنين على العملات الأجنبية وتمنح سعر الصرف استقرارا مؤقتا.
وبيّن قوشجي أن معدل التضخم في سوريا يبلغ 150%، ولن ينخفض إلا إذا ترافق الإصدار الجديد مع ضبط تمويل العجز وتقليل الواردات، حيث يمكن أن يتراجع إلى ما بين 60% و70%.
أما إذا نفذت الحكومة إصلاحات هيكلية شاملة تشمل الإنتاج المحلي، الاستثمار، مكافحة الفساد، وإعادة الإعمار، فقد ينخفض التضخم إلى أقل من 20% خلال 3 سنوات. لكنه حذّر من أن “مصير العملة الجديدة سيكون كمصير سابقتها إذا لم تُعالج جذور الأزمة الاقتصادية”.
أبعاد رمزية وسياق تاريخي
الخبير حسن غرة لفت إلى أن طباعة العملة الجديدة وفق معايير دولية مضادة للتزوير من شأنه أن “يعزز ثقة المواطنين والمؤسسات بالعملة الوطنية ويحمي الاقتصاد من التضخم الناتج عن النقد المزيف”.
وأشار إلى أن اختيار 8 ديسمبر/كانون الأول المقبل، ذكرى سقوط نظام بشار الأسد المخلوع، موعدا لإطلاق العملة يحمل “دلالات رمزية وسياسية عميقة”، إذ يمثل قطيعة مع الماضي وبداية مرحلة جديدة، فضلا عن كونه أول إصدار تخلو أوراقه من صور عائلة الأسد منذ 5 عقود.
ووفق تقرير لرويترز، فإن العملة الجديدة ستدخل التداول مع الإبقاء على الإصدار القديم خلال فترة انتقالية.
ويأتي القرار بعد خسارة الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها منذ عام 2011، حيث تراجع سعر الصرف من نحو 50 ليرة مقابل الدولار قبل الحرب إلى حوالي 10 آلاف ليرة اليوم، ما انعكس مباشرة على أعباء المعاملات اليومية والتحويلات المالية وفاقم أزمة المعيشة.
المصدر: الجزيرة
——————————-
الليرة السورية مرآة لاقتصاد البلاد: بين تطورات وقعت وتحديات منظورة/ د. عبد المنعم حلبي
2025.08.28
تزايد الاهتمام بموضوع الليرة السورية خلال الأسابيع والأيام الماضية، حيث استمر انخفاض سعرها في السوق الموازي، وذلك على وقع الأحداث في السويداء والعدوان الإسرائيلي على دمشق، إضافة إلى عودة إطلالة قانون قيصر من جديد، في ظل تأخر الحيازة الكاملة على الموارد النفطية نتيجة تأرجح المفاوضات مع قسد، مروراً بتصريحات حاكم مصرف سورية المركزي بإمكانية تعويمها تعويماً مُداراً غير مرتبط بالدولار الأميركي، وتطبيق زيادة مقدارُها الضعفان في رواتب الموظفين، وأخيراً تَأكُّد طباعة أوراق لليرة سورية جديدة من دون صفرين من القديمة، مما طرح ويطرح مجموعة من الأسئلة عن مستقبل الوضع النقدي والاقتصادي بشكل عام في سوريا خلال الفترة المقبلة، ودور الليرة السورية “الموعودة” في الحياة الاقتصادية، ومدى القدرة على مواجهة استحقاقات تخفيض التضخم، وتحسين الوضع المعيشي للمواطن السوري، إضافة إلى مدى القدرة على تفعيل الجهاز المصرفي في تسهيل المعاملات الجارية والتجارية الداخلية والخارجية، ووضع سياسات فعالة لتحفيز الاستثمار الوطني بالتوازي مع الأجنبي، ولا سيما في قطاعي الزراعة والصناعة، لمواجهة واقع البطالة واستعادة النمو.
وإذا ما بدأنا بتفاصيل المجريات والعوامل التي أثَّرت في سعر صرف الليرة في السوق الموازي خلال الأشهر الماضية، فإن ما يجب البدء به، هو الملاحظة المؤكدة والواضحة المتمثلة بإصرار المصرف المركزي على إبقاء سعر صرف الليرة عند مستوى أحد عشر ألف ليرة للدولار الأميركي الواحد، وذلك على الرغم من الأجواء الإيجابية جداً التي رافقت تتالي تعليق ورفع العقوبات الأميركية والأوروبية وغيرها عن سوريا، ورغم وصوله في السوق الموازية إلى ما دون ثمانية آلاف ليرة للدولار الواحد في فترة سابقة، قبل أن يتصاعد مع التطورات المؤسفة فيما يمكن تسميته بـ” الملف الدرزي”، بدءاً من ريف دمشق في جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا، وبداية التدخل الإسرائيلي المباشر في الشؤون السورية تحت ستار حماية الدروز، وصولاً للأحداث الدامية في السويداء والعدوان الصهيوني على دمشق والقوات السورية الحكومية، وتجديد قانون عقوبات قيصر لعامين، واستمرار تأرجح المفاوضات مع قسد بخصوص تنفيذ اتفاق العاشر من آذار.
الأجواء الاستثمارية مع أطراف إقليمية، ولا سيما مع السعودية وتركيا زاحمت المشاهد الدامية، كما جاءت زيادة الرواتب بمقدار الضعفين لموظفي الدولة في وقتٍ حساسٍ للغاية، حيث شكلت رافداً مهماً لدعم الطلب الفعال في سوق السلع والخدمات، دون شكايات من ارتفاعات في الأسعار،
على غير ما تم اعتياده خلال حكم النظام البائد، مع توقع تأثير تلقائي لهذه الزيادة على مستوى الأسعار، يُرجى أن يكون محدوداً.
فمع استمرار غياب أي إحصاءات رسمية أو موثوقة عن حالة التضخم الاقتصادي في سوريا منذ آذار الماضي “على أساس شهري”، حيث كان شهر شباط شهر انخفاض معدل التضخم السنوي إلى الثلث، إلى جانب انخفاضها على أساس شهري بالمقارنة مع كانون الثاني، إلا أن سلة استهلاك الأسرة ما زالت تعاني، خاصة بالنسبة للأسر التي لا يتوفر لديها تنويع في مصادر الدخل، في حين شكّلت الارتفاعات الكبيرة “المنفلتة” في إيجارات العقارات مشكلة حقيقية للأسر السورية الراغبة في العودة إلى مواطنها من النزوح أو اللجوء، ولا سيما في الحواضر الكبرى في دمشق وحلب، حيث شكل ذلك في إطار “دولرة” قطاع العقارات واستبعاد الليرة السورية عامل ضغط إضافي على سعر صرفها في السوق.
في الوقت نفسه، تغيب أيضاً الدراسات والتقارير الرسمية عن واقع النمو الاقتصادي، وكذلك أي تحليلات موضوعية لمساره المستقبلي، وأثر السياسات الحكومية في ذلك كله. ومع استمرار أزمة السيولة النقدية وحالة عدم اليقين بالنسبة لعمل الجهاز المصرفي سواء العام منه أو الخاص، إضافة إلى غياب خطة واضحة المعالم لدعم استقرار الليرة السورية، ومواجهة الدولرة في المعاملات الجارية بقوة القانون، على الرغم من التشديد المعلن مؤخراً على أعمال مهنة الصرافة، تمتد حالة عدم اليقين لتشمل الاقتصاد الوطني برمته في المستقبل المنظور، خاصةً إذا افترضنا صحة التقارير التي تتحدث عن إحجام كبار رجال الأعمال والمستثمرين السوريين عن العودة لبلادهم، الأمر الذي كان يُعوّل عليه بتحقيق قيمة اقتصادية مؤثرة، عدا المشكلات والعوائق التي يعاني منها الصناعيون السوريون الموجودون فعلاً، نتيجة لاستمرار تدفق السلع المستوردة المنافسة، بما تستنزفه من الدولار، إضافة إلى واقع التصدير الذي ما زال يعاني نتيجة للارتفاع النسبي في تكاليف الطاقة وضعف التوسع الاستثماري الوطني القادر على تحقيق الوفرة الاقتصادية في التكاليف، واستمرار اللجوء للطرق غير الرسمية في تأمين الحركة المالية اللازمة عبر الجهاز المصرفي ونظام سويفت، بانتظار ما سيحدثه التطور المهم الأخير المتمثل بعودة مصرف سورية المركزي إلى نظام سويفت، ووقف الملاحقات الأميركية المتعلقة بحركة الأصول المالية السورية والخاصة به، والذي أقرته وزارة الخزينة الأميركية يوم الإثنين الماضي.
وإذا ما أدخلنا إلى المشهد استمرار غياب خطة اقتصادية معلنة من قبل الحكومة الانتقالية، بل غياب أي مبادئ استراتيجية لخطة اقتصادية انتقالية، واستمرار تصدر الحكومة الانتقالية في عقد الاتفاقات الاستثمارية الأجنبية، بالارتكاز إلى علاقات سياسية مع دول بعينها، وفي ظل مَركزة بارزة لإدارة اقتصاد البلاد في دمشق، فإن صورة سلبية بدأت تلوح في الأفق، بشأن ما تم إعلانه مراراً وتكراراً حول تحرير الاقتصاد الوطني، ومنح الريادة الفعلية للقطاع الخاص غير المرتبط بالتوجهات الحكومية، بمعنى منح القطاع الخاص الفضاء اللازم لعقد شراكات مبنية على أساس المصالح الاقتصادية ودراسات الجدوى والعائدية، ومنح الاستثمار الوطني الأولوية التي يستحقها، وعودة الحكومة للعب دورها الإرشادي والرقابي، وليس دوراً آخر، إذ يشير مراقبون إلى نوع من التوحّد بين السلطة الجديدة وقطاع خاص بها، مرتبط بمجالات ومصالح تجارية وريعية مع الخارج، مما يهدد بترسيخ صورة الاقتصاد الاستهلاكي- الريعي وفرض آليات عمله على واقع الاقتصاد السوري، الذي هو بأمسّ الحاجة إلى استعادة القدرات الإنتاجية الزراعية والصناعية لمواجهة واقع البطالة والدخول في حيّز النمو الاقتصادي المأمول.
وهكذا من السهل أن نجد ضرورة ملحة لاتخاذ إجراءات فعالة لتحسين ظروف الإنتاج والاستثمار الوطني الصناعي، والتركيز على استعادة القدرات الاستراتيجية الزراعية ومنحها الأولوية التي تستحقها، وحل مشكلة الموارد النفطية والزراعية في الجزيرة السورية مع قسد، وإلا فإن المتوقع هو أن يكون موقف الليرة السورية صعباً خلال الفترة المقبلة، بمعنى احتمال تعرض قيمتها السوقية “الاسمية” والحقيقية إلى الانخفاض، في سعر صرفها وقوتها الشرائية أيضاً، الأمر الذي قد يُقوِّضُ الإجراءات المعلنة بخصوص حذف الصفرين ضمن طباعة أوراق نقدية لليرة السورية الجديدة، وبالتالي استمرار مخاوف عودة محتملة لتلك الحلقة المفرغة السابقة: سعر صرف مستمر في انخفاضه وزيادة أسعار ترتكز إلى الدولرة الراسخة في الوعي الاقتصادي السوري، والتي يجب على مصرف سورية المركزي العمل على التخفيف منها بتفعيل أدوات السياسة النقدية التي تُظهر بوضوح رغبة وقدرة منه على دعم الليرة السورية، بصورة سياسة نقدية واضحة الأهداف والوسائل، في ظل مبادئ استراتيجية اقتصادية واضحة على الأقل، يمكن أن تنبثق عنها سياسات اقتصادية استثمارية ومالية ومصرفية شفافة شاملة لجغرافيا البلاد على أساس دعم المنتجات الوطنية، والتركيز على النمو الاقتصادي، وبناء قاعدة واسعة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة، والعادلة، تشمل المجتمعات الأكثر تضرراً من الحرب.
تلفزيون سوريا
——————————-
ليس بحذف الأصفار وحده تقوى العملة يا سورية/ عدنان عبد الرزاق
29 اغسطس 2025
قلما نالت عملة بالعالم ما طاول الليرة السورية من تضخم أفقدها أكثر من 90% من قيمتها مذ قام السوريون بثورتهم عام 2011، وقت لم يزد سعر تصريف الدولار عن 50 ليرة، لتتأرجح اليوم عند 11 ألف ليرة للدولار الواحد، رغم تحسن ما بعد التحرير وهروب الرئيس السابق في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بالإضافة إلى النفور والإساءة للعملة السورية التي ترمز، بشكل أو بآخر، لسيادة البلد، بعدما وضع المخلوع بشار الأسد صورته على الأوراق النقدية الكبيرة عام 2017 وباتت العملة موضوع تهكم وإثارة للنكات “كيلو البطاطا ببشارين”.
ليأتي تبديل العملة ومعها الصورة الذهنية المكونة عنها ضمن ضرورات مرحلة التغيير التي تشهدها سورية الجديدة، من خلال طرح أوراق بنكنوت جديدة تحمل صوراً ورموزاً وطنية جامعة لا صوراً وملامح جدلية وإشكالية، أوراق نقدية من فئات صغيرة ومتوسطة عصية على التزوير الذي شهدته الأوراق الكبيرة خلال حكم الأسد، أوراق ذات قيمة شرائية معقولة تبعد عن السوريين والمتعاملين بعملتهم أعباء حمل كتل نقدية كبيرة خلال التعاملات النقدية والتجارية اليومية، ما ينعكس نفسياً وربما عودة الثقة بالنقد السوري، اللهم إن ترافق حذف الصفرين، أو سبقه، مع إصلاح نقدي ومالي واقتصادي، يجعل من الليرة موضع ثقة وليس مصدر اضطراب ومخاوف للحائز والمكتنز والمدخرين.
وفعلاً، جاء الإعلان رسمياً عن تبديل العملة وحذف صفرين وصور آل الأسد (الأب والابن) والكشف عن توقيع عقود طباعة الليرة الجديدة خلال زيارة الوفد السوري روسيا في نهاية يوليو/ تموز الماضي، مع شركة غوزناك الروسية، لتدخل العملة الجديدة التداول في توقيت تحرير دمشق نفسه، الثامن من ديسمبر/ كانون الأول المقبل.
وتكون الأسواق السورية على موعد مع ورق نقدي جديد محمول باليد والمحفظة وليس بأكياس كبيرة خلال شراء أبسط الحاجات اليومية، والمسؤول السوري أمام فرصة لجمع وتبديل نحو 40 تريليون ليرة خارج النظام المالي الرسمي، بعد استعادة القدرة على ضبط، أو معرفة على الأقل، حجم التدفقات المالية والقدرة على منع التزوير. وليس أكثر من ذلك، كي لا يغرق السوريون بالأحلام ويغالي المسؤولون بالتصريحات والوعود، فالأمر حتى الآن عملية ضرورية فرضتها المرحلة، تحمل معاني رمزية سياسية وأبعاداً نفسية، لأن استعادة القيمة الشرائية لليرة السورية، أو أي عملة بالعالم، لا تتعلق البتة بحجمها أو ما عليها من عبارات وصور، بل ثمة محددات وشروط، وحزمة إصلاحات، اقتصادية أولاً ومن ثم إدارية وقانونية وسياسية، هي التي تحدد سعر صرف العملة ومدى الثقة بها والإقبال على اكتنازها.
قصارى القول: لنتفق أولاً على أن حذف صفرين أو أكثر وتبديل الصور والرموز عن أي عملة لم ولن يغيّر قيمتها الشرائية الحقيقية أو سعر صرفها المقيّم بسلة عملات أو بعملة رئيسية محددة، من دون أن نتنكّر طبعاً للدور النفسي للمتعاملين والرقابي والإداري للمسؤولين، جراء إمكانية ضبط المعروض النقدي وتقليل أخطاء المحاسبة والفوترة وحتى التسعير السلعي.
ولنا بذلك تجارب دولة عدة، منها ناجحة، كالتجربة التركية التي ألغت ستة أصفار عام 2005، وأخرى فاشلة كالتجربة الزيمبابوية التي لم يبعدها إلغاء الأصفار عن التضخم، وسرعان ما عادت الأصفار للعملة جراء استمرار الأزمة الاقتصادية، لتتلاشى الثقة بدولارها أكثر من ذي قبل. بمعنى آخر وبسيط، مشكلة تدهور سعر الليرة السورية نتجت عن مشاكل اقتصادية، من دون التقليل طبعاً من دور الحرب التي نتجت عنها أزمات سياسية ونفسية.
وتلك المشاكل أو محددات سعر وقوة الليرة تكمن أولاً بتبديد الاحتياطي النقدي الذي زاد عن 18 مليار دولار عام 2011، لتغدو الليرة بلا غطاء ولا حام يتدخل خلال اهتزازها والثقة بها. وتكمن ثانياً بتراجع الإنتاج والصادرات السورية التي تكفي السوق الداخلية فتقلل من استنزاف العملات الصعبة بالاستيراد، وتأتي بالدولار جراء التصدير، فيوازن المعروض النقدي بالسوق، ويستقر سعر الصرف إن لم نقل يقوى، أي ضبط الميزان التجاري. وتكمن ثالثاً بتراجع السياحة التي ترفد السوق بالعملات الأجنبية وتروّج، إلى جانب الجمال والمتعة، لإنتاج البلد وحتى لخططه وأنماط وسلوك مواطنيه…
وتكمن أخيراً بتلاشي الثقة ببلد شهد حرباً امتدت لأربع عشرة سنة، أتت في ما أتت على البنى والهياكل الاقتصادية، ونالت من الثقة بالعملة، بعد تراجع الثقة والتشكيك بالقطاع المالي والمصرفي برمته، الذي عجز عن جذب الإيداعات والتدخل بالسوق، أو ضبط السيولة لصونه من المضاربات ومزالق السوق الموازي. ما يعني، وكي لا يكون تبديل العملة السورية خطوة تقنية وردة فعل ذات دلالات سياسية على ما تحوي الأوراق النقدية من صور وتأريخ لمراحل سابقة، لا بد من بدء علاج استعادة قيمة وهيبة الليرة، من الأسباب الاقتصادية (إنتاج وتصدير واحتياطي)، إلى جانب تعزيز الثقة بسورية، اقتصادياً واستثمارياً وسياسياً، وأسباب أخرى، ستظهر خلال عملية استبدال العملة، من طرق وآلية سحب القديمة وضبط السيولة، من خلال إصلاح اقتصادي ومالي ومدة زمنية محددة.
أي بلغة مباشرة، إيجاد معادل نقدي وإنتاجي وخدمي يضمن ثبات سعر صرف العملة الجديدة كي لا يعود التضخم وتتصدر أصفار الليرة الجديدة من جديد. نهاية القول: ليس من قبيل الإحباط أو وضع عصيّ بعجلة تطلع سورية وآمالها جراء تبديل العملة وإلغاء الأصفار، بيد أن البداية ليست من هنا، وتحسين الواقع الاقتصادي والمعيشي والاستثماري ليس من هنا. بل البداية من دعم الإنتاج الزراعي والصناعي والصادرات، البداية من الإصلاح الاقتصادي والنظام المالي والمصرفي، البداية من ضبط الجغرافيا السورية واستعادتها، وضمان عدم استمرار استخدام العملة القديمة أو اعتماد الدولرة…
والبداية من ضبط السوق وقوننة الصيرفة عبر شركات محددة، تكون عوناً بتنفيذ خطط المصرف المركزي، لا عامل استنزاف ومضاربة وتهريب عملة. طبعاً وأولاً وأخيراً، مع الاعتراف بضرورة الخطوة زمنياً ونفسياً ومرحلياً، لأن بقاء صور الرئيس البائد ووارثه له مدلولات عجز واستكانة، ولكن من دون التمادي بالوعود والآمال، فحذف الأصفار وإزالة صور المستبدين هي عملية تجميل للاقتصاد، في حين التغيير والقوة التي ستنعكس على العملة، سعراً وثقة، تكمن في جوهر الاقتصاد نفسه وتحسين مؤشراته، من نمو وبطالة وإنتاج وتصدير، وسيطرة على التضخم.
كما لن يحسب حذف الأصفار إنجازاً لسورية الجديدة، إن لم تعرف كيف تثبت وتحسن سعر الصرف وتضبط التضخم، فتاريخ العملات الحديث يقول إن 70 حالة حذف أصفار شهدتها العملات، منذ عام 1960، منها ما نجح وانطلق بعد العملة الجديدة، كتركيا، ومنها ما لا يزال يعاني ويعيد تجربة حذف الأصفار، كما الأرجنتين التي أزالت الأصفار عن عملتها أربع مرات، ويوغسلافيا خمس مرات، والبرازيل، قبل أن تقوى ويستقر ريالها، ست مرات.
العربي الجديد
————————–
حذف صفرين… هل ينقذ الليرة السورية أم يكرر فشل السودان وفنزويلا؟/ كريم حمادي
بعد حذف صفرين من الليرة السورية، هل تنجح الورقة النقدية الجديدة في استعادة الثقة بالاقتصاد السوري الذي انكمش 1.5% عام 2024 بحسب بيانات البنك الدولي، وهل يمكن أن تساهم هذه الخطوة في كبح جماح التضخم، وما هي مزايا وعيوب ومخاطر إصدار ليرة جديدة؟
“حذف صفرين وصورة بشار الأسد” بهذه الخطوة بدأ مصرف سوريا المركزي مهمة إصدار أوراق نقدية جديدة، ضمن خطة مالية لإعادة الثقة في الليرة السورية التي فقدت أكثر من 98% من قيمتها أمام الدولار منذ اندلاع الثورة عام 2011، فهل تنجح الورقة النقدية الجديدة في استعادة الثقة بالاقتصاد السوري الذي انكمش 1.5% عام 2024 بحسب بيانات البنك الدولي، وهل يمكن أن تساهم هذه الخطوة في كبح جماح التضخم، وما هي مزايا وعيوب ومخاطر إصدار ليرة جديدة؟
ووقعت الحكومة السورية في تموز (يوليو) الماضي اتفاقية مع شركة “جوزناك” الروسية الحكومية، تتولى بموجبها الأخيرة مهمة طباعة الأوراق النقدية الجديدة التي تتميز بمواصفات فنية عالية وتقنيات حديثة تمنع التزوير، رغم أن “جوزناك” هي الشركة نفسها التي كانت تطبع العملة في عهد الأسد، بحسب رويترز.
ما معنى حذف صفرين من الليرة السورية؟
يقول حازم عوض، كبير المحررين الماليين في فورتشن العربية، لـ”النهار” إن الحكومات تلجأ لحذف أصفار من عملتها كإجراء فني وتنظيمي للنظام المصرفي مثلما فعلت تركيا عام 2005 والسودان عام 2007 وفنزويلا عام 2018 عندما حذفت 5 أصفار وعام 2021 عندما حذفت 6 أصفار، والهدف من ذلك الإجراء هو التحسن الظاهري في معدل التضخم (مثال من راتبه كانت 300 ألف ليرة أصبح 3 آلاف – ولكن القيمة لن تتغير فهي تشتري نفس السلع والخدمات)، وتيسير المعاملات اليومية وتحسين الإجراءات المحاسبية عند وضع موازنة الدولة وعند مراجعتها، بجانب القضاء على الاقتصاد الموازي وغسيل الأموال وظاهرة الدولرة التي انتشرت في سوريا مؤخراً؛ لأن كل من يريد دولار سواء للاستثمار أو الادخار سيصبح مجبراً على شرائه من البنوك الرسمية وليست السوق الموازية.
وأضاف عوض أن هذه الخطوة مثلما تُحدث تحسناً ظاهرياً لشكل العملة والتعاملات المصرفية اليومية، فهي أيضاً ستساهم بشكل غير مباشر في إحداث تحسناً جوهرياً في الاقتصاد ككل يظهر في تباطؤ معدلات التضخم وتعافي قيمة الليرة وتحسن الناتج المحلي، وهذا بناء على عوامل عدة منها الإصلاحات التي تجريها الحكومة السورية الحالية على النظام المصرفي، بجانب رفع الولايات المتحدة العقوبات عن سوريا، وتحسن العلاقة بين سوريا والاتحاد الأوروبي، وتراجع معدل التضخم العام خلال الفترة من آذار (مارس) 2024 إلى شباط (فبراير) 2025 ليهبط إلى 36.8% مقابل 120.6 خلال الفترة نفسها السابقة، وهذه المؤشرات جعلت البنك الدولي يتوقع في تقرير “تقييم الاقتصاد الكلي والمالية العامة في سوريا – 2025” الصادر في تموز (يوليو) الماضي نمواً في إجمالي الناتج المحلي السوري بنسبة 1% بنهاية عام 2025.
وبسؤاله عن سعر الليرة السورية بعد حذف صفرين، قال إن سعر الليرة السورية اليوم نحو 10,900 ليرة لكل دولار واحد، وبعد حذف صفرين من الليرة سيصبح سعر الدولار 109 ليرات.
خطة المركزي السوري للإصلاح
يسعى المركزي السوري إلى طرح العملة الجديدة على 3 مراحل، الأولى هي طرح العملة وتداولها بجانب الفئات الحالية خلال فترة متوقعة منتصف تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، والمرحلة الثانية هي بدء تبديل الفئات القديمة بالعملة الجديدة عبر البنوك خلال كانون الأول (ديسمبر) المقبل، وثالثاً تعميم العملة الجديدة ويصبح تبديلها حصراً على مصرف سوريا المركزي.
ولا تقتصر خطط مصرف سوريا المركزي لإصلاح النظام المصرفي على حذف صفرين من الليرة وإصدار ورقة نقدية جديدة لا تحمل صورة بشار الأسد أو والده (الرئيس السابق)، بل تتضمن الخطة إعادة هيكلة المصارف المحلية ومنح العديد من التراخيص لبنوك محلية وأجنبية جديدة، ورفع القيود المفروضة على حركة الأموال، والدخول في مفاوضات للانضمام إلى نظام سويفت (SWIFT) المالي العالمي لربط الليرة السورية بسلة العملات الدولية، وذلك بهدف استعادة الثقة في الاقتصاد السوري وجذب الاستثمارات، بحسب تصريحات عبد القادر حصرية حاكم مصرف سوريا المركزي.
مخاطر إصدار عملة جديدة
وعن مخاطر إصدار حذف صفرين من الليرة السورية قال عوض، إن الخطر الأول هو انفاق أموال طائلة على إصدار عملات نقدية جديدة من أجل الشعور بتحسن ظاهري في معدل التضخم، وكان الأولى هو توجيه هذا الإنفاق لمشروعات اقتصادية ذات أولوية، والخطر الثاني هو انعدام الثقة في الاقتصاد السوري إذا لم يقترن إصدار العملات النقدية بتحسن واقعي في جميع المؤشرات الاقتصادية مثل الناتج المحلي الإجمالي والتضخم وحجم الوظائف قائلاً “الثقة في العملة أهم من شكلها”، أما الخطر الثالث هو عودة الأصفار مثلما حدث مع تجربة السودان في عامي 1992 و2007 ومع فنزويلا في عامي 2018 و2021.
النهار العربي
—————————–
العملة السورية الجديدة: هل يكفي حذف الأصفار؟/ أيهم الشيخ
25 أغسطس 2025
تشهد سوريا منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 تحولات اقتصادية وسياسية جذرية تهدف إلى إعادة بناء الاقتصاد المنهار بعد حرب استمرت 14 عامًا. من بين هذه التحولات، تبرز خطط إصدار عملة سورية جديدة وحذف صفرين من الليرة السورية، وهي خطوة تهدف إلى استعادة الثقة بالعملة الوطنية، تسهيل المعاملات المالية، وتعزيز الاستقرار النقدي. وتأتي هذه الخطوة في سياق اقتصادي معقد، حيث خسرت الليرة أكثر من 99% من قيمتها منذ عام 2011، ليصل سعر الصرف إلى نحو 10,000 ليرة مقابل الدولار مقارنة بـ50 ليرة قبل الحرب. يتناول هذا التقرير تفاصيل هذا القرار، أهدافه، تحدياته، وآراء خبراء اقتصاديين حول تأثيراته المحتملة.
تفاصيل إصدار العملة الجديدة
أعلن مصرف سوريا المركزي، منذ أيام، عن خطط لإصدار أوراق نقدية جديدة مع حذف صفرين من الليرة السورية، ومن المتوقع طرحها في كانون الأول/ ديسمبر 2025 بالتزامن مع الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد. تهدف هذه الخطوة إلى معالجة عدة قضايا، منها أزمة السيولة، مكافحة التزوير، وتقليل المضاربة في السوق. كما تسعى لإزالة صور بشار الأسد ووالده حافظ الأسد من الأوراق النقدية، وهو ما يحمل دلالات سياسية ورمزية تعكس التغيير في النظام السياسي.
وأكد حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، أن إصدار العملة الجديدة جزء من خطة إصلاح مالي ونقدي شامل، يتضمن إصلاح القطاع المصرفي وترخيص مصارف جديدة. وأشار إلى أن العملية لا تزال قيد الدراسة، وتتطلب تحضيرات لوجستية واسعة، بما في ذلك اختيار مصادر طباعة دولية وفق معايير فنية ومالية صارمة. وفي حين تم التعاقد سابقًا مع شركة روسية لطباعة العملة، تشير تقارير إلى توجه سوريا نحو التعاون مع شركات في الإمارات وألمانيا، مما يعكس تحسن العلاقات مع دول الخليج والغرب بعد رفع العقوبات الأميركية والأوروبية.
أهداف إصدار العملة الجديدة
1. تعزيز الثقة بالليرة السورية: بعد انهيار قيمتها، تسعى السلطات إلى تحسين الصورة الذهنية للعملة من خلال تصميم جديد وتقنيات مضادة للتزوير.
2. تسهيل المعاملات: حذف صفرين سيقلل من حجم الأرقام في المعاملات اليومية، مما يبسط الحسابات التجارية والحكومية.
3. مكافحة التزوير وغسيل الأموال: العملة الجديدة ستساعد في سحب الكتلة النقدية الضخمة المتداولة خارج النظام المصرفي.
4. رمزية سياسية: إزالة صور الأسد من العملة تعكس قطع الارتباط بحقبة سابقة وتعزز السيادة المالية في “الجمهورية الجديدة”.
تحديات تنفيذ القرار
على الرغم من الأهداف الطموحة، تواجه هذه الخطوة تحديات كبيرة:
الاستقرار الاقتصادي: حذف الأصفار لن يكون فعالًا دون إصلاحات اقتصادية جذرية لمعالجة التضخم المرتفع وعدم استقرار قيمة الليرة.
تكاليف التنفيذ: عملية استبدال العملة تتطلب تمويلًا ضخمًا يصل إلى مئات الملايين من الدولارات، مما يشكل ضغطًا ماليًا على الحكومة.
البنية التحتية المصرفية: الجهاز المصرفي السوري يعاني من ضعف هيكلي، مما قد يعيق عملية سحب العملة القديمة وتوزيع الجديدة.
ارتباك السوق: فترة التداول المزدوج بين العملتين قد تسبب إرباكًا للمستهلكين، خاصة كبار السن، وتتطلب حملات توعية واسعة.
آراء الخبراء الاقتصاديين
يرى الخبير الاقتصادي، أسامة العبد الله، أن حذف صفرين من الليرة السورية لن يكون كافيًا لمعالجة الأزمة الاقتصادية المستمرة. ويؤكد أن النظام المصرفي السوري يعاني من انهيار هيكلي منذ عقود، وأن الليرة فقدت أكثر من 95% من قيمتها. ويعتبر أن طباعة عملة جديدة قد تحد من التزوير، لكنها لن تخفض الأسعار أو تعالج التضخم ما لم تترافق مع إصلاحات جذرية في السياسة النقدية والقطاع المصرفي.
أما نبال أحمد، ماجستير في علم الاقتصاد، فتعتقد أن إصدار العملة الجديدة قد يساهم في مواجهة ثلاث مشكلات رئيسية هي غسيل الأموال، تزوير العملة، وأزمة السيولة. وتشير إلى أن هذه الخطوة ستعزز الرقابة على الكتلة النقدية وتسهل المعاملات اليومية، لكنها تشدد على أن نجاحها يعتمد على سرية التنفيذ ووضوح خطة الاستبدال لتجنب إرباك السوق.
من جانبه، يرى أحمد عبيد، موظف في وزارة المالية، أن تغيير الأوراق النقدية التي تحمل صورة الأسد يمثل تحولًا سياسيًا ضروريًا، لكنه قد يسبب ارتباكًا لدى المستهلكين، خاصة كبار السن. ويضيف أن حذف الأصفار قد يحمل أثرًا نفسيًا إيجابيًا، ويدفع البعض للاعتقاد بتحسن الاقتصاد، إلا أن هذا الأثر لن يكون مستدامًا ما لم تُنفّذ إصلاحات اقتصادية شاملة لمحاربة التضخم واستعادة الاستقرار.
تجارب دولية
تشير التجارب الدولية إلى أن حذف الأصفار قد ينجح إذا اقترن بإصلاحات اقتصادية. على سبيل المثال، نجحت تركيا عام 2005 في إزالة ستة أصفار من الليرة بفضل إصلاحات هيكلية، بينما فشلت دول مثل زيمبابوي والأرجنتين بسبب غياب هذه الإصلاحات. في سوريا، يتطلب النجاح معالجة التضخم، تحسين البنية المصرفية، واستقرار سعر الصرف.
ومع استمرار التحضيرات لإصدار عملة سورية جديدة، يبقى السؤال المركزي: هل ستتمكن سوريا من تحقيق الاستقرار النقدي واستعادة الثقة بالليرة في ظل التحديات الحالية؟
الترا سوريا
———————–
رفع العقوبات الأميركية عن سوريا: فرصة مشروطة لإعادة الانطلاق/ أيهم الشيخ
27 أغسطس 2025
أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبي (OFAC)، إزالة جميع لوائح العقوبات المفروضة على سوريا من مدونة القوانين الفيدرالية، في قرار يبدأ تنفيذه في 26 آب/ أغسطس 2025. ينفذ هذا القرار الأمر التنفيذي رقم 14312 الصادر في 30 حزيران/ يونيو 2025 عن الرئيس دونالد ترامب، الذي أعلن في أيار/ مايو نيته رفع العقوبات بعد سقوط نظام بشار الأسد وتولي الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع.
يهدف القرار إلى تخفيف معاناة الشعب السوري ودعم إعادة الإعمار، مع استمرار العقوبات على الأسد وشبكاته، خاصة في تهريب الكبتاغون وجرائم الحرب. بدأت العقوبات الأميركية على سوريا عام 1979 بإدراجها في قائمة “الدول الراعية للإرهاب”، وتصاعدت مع قانون قيصر لعام 2019، الذي فرض عقوبات ثانوية تسببت في انهيار اقتصادي، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50%، وارتفع الفقر إلى 90%، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة. تسببت هذه العقوبات بخسائر اقتصادية تقدر بـ800 مليار دولار وعرقلت المساعدات الإنسانية. ويأتي القرار بدعم من السعودية وتركيا، مع تعهدات خليجية بتمويل الرواتب والبنية التحتية، لكنه أثار ارتباكًا داخليًا في واشنطن بسبب سرعته، وفقًا لوكالة رويترز.
السياق التاريخي والدبلوماسي
بدأت العقوبات كرد فعل على دعم النظام للجماعات المسلحة، وتكثفت بعد استخدام الأسلحة الكيميائية عام 2013. بعد سقوط الأسد، دعت محادثات الرياض في كانون الثاني/ يناير 2025 إلى تخفيف العقوبات، تلاها ترخيص أميركي في شباط/ فبراير 2025 لمعاملات محدودة. في أيار/ مايو 2025، أعلن ترامب رفع العقوبات خلال منتدى الاستثمار السعودي-الأميركي، متبوعًا بالرخصة العامة رقم 25، التي سمحت بمعاملات مع الحكومة الجديدة. الأمر التنفيذي 14312 ألغى ستة أوامر تنفيذية وشطب 518 فردًا وكيانًا من قائمة SDN .
زيارة وفد الكونغرس إلى دمشق عززت التأكيد على دعم دولة سوريا موحدة، رغم استمرار قانون قيصر وتصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب.
وأكد بكر غبيس، عضو منظمة “مواطنون لأجل أميركا آمنة”، في حديث لـ”الترا سوريا”، عدم وجود تضارب في تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا، موضحًا أن ما نشرته “واشنطن بوست” كان آراء حوارية وليست تصريحات رسمية. وقال: “ما نشرته صحيفة واشنطن بوست لم يكن تصريحات رسمية للمبعوث الأميركي، بل آراء طُرحت في جلسة حوارية مع صحفيين، وقد أُعطيت أكبر من حجمها بكثير. التصريحات الرسمية الصادرة عنه أكدت العكس تمامًا، خصوصًا بعد زيارة وفد من الكونغرس إلى دمشق، حيث شدّد المبعوث على أنّه لا مكان للعنف في حل النزاعات، وعلى دعم دولة سوريا موحّدة بمركزية دمشق، ورفض أي مشروع انفصال أو فيدرالية”. وأضاف أن بعض التصريحات رُبطت بتشكيل قوات محلية في السويداء، لكن الموقف الأميركي يدعم وحدة الأراضي السورية ويرفض منح شرعية لأي كيان منفصل. وأكد أن الخطاب الرسمي يركز على حماية جميع السوريين دون تمييز طائفي.
أكد الدكتور هشام نشواتي، مؤسس منظمة “سوريا طريق الحرية”، أن القانون الذي يدخل حيز التنفيذ في 26 آب/ أغسطس 2025، والمتعلق بإزالة حالة الطوارئ الوطنية المرتبطة بسوريا، يعد خطوة إيجابية رغم تأخرها. وقال: “القانون الجديد يأتي تنفيذًا للقرار التنفيذي رقم 14312 الصادر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 30 حزيران/يونيو 2025. ويشدّد على أنّ رفع حالة الطوارئ لا يعني مطلقًا إزالة العقوبات المفروضة على رأس النظام السوري بشار الأسد والمقرّبين منه من شبكات تجارة المخدرات (الكبتاغون)، والمتورطين بجرائم ضد الإنسانية أو بالهجمات الكيماوية، إضافة إلى استمرارية العقوبات على تنظيم القاعدة وداعش وإيران ووكلائها”. وأضاف أن هذه الخطوة “متأخرة قليلًا بسبب تطورات الجنوب السوري والساحل”، معربًا عن أمله بصدور قوانين لاحقة “تفتح الباب أمام رفع العقوبات تدريجيًا والعمل على تسويات أكبر”. وأوضح نشواتي أن الرؤية في واشنطن غير موحدة: “البيت الأبيض بقيادة ترامب يتبنى موقفًا إيجابيًا يمنح فرصة للحكومة السورية الناشئة ويشجع على التعاون معها، بينما يبدي الكونغرس تباينًا في المواقف؛ فهناك من يرفض كليًا فكرة رفع العقوبات، مقابل أعضاء يدعمون الرفع الجزئي، وآخرين يساندون ترامب في مسعاه لرفعها بالكامل”. وأشار إلى أن تطورات الجنوب السوري والساحل زادت من شكوك بعض أعضاء الكونغرس، مما جعل مواقفهم أقل إيجابية. وأكد أن واشنطن، سواء البيت الأبيض أو الكونغرس، لا تؤيد أي مشروع انفصالي عن دمشق.
وأعرب الباحث السياسي عبد الله الخبير، في تصريح خاص، عن تقديره لقرار رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، واصفًا إياه بـ”الخطوة الجريئة التي تعكس رؤية استراتيجية لدعم الاستقرار الاقتصادي والسياسي في سوريا خلال مرحلة انتقالية دقيقة”. وأوضح أن القرار يمثل فرصة للحكومة الانتقالية لإثبات التزامها ببناء دولة موحدة، لكنه حذر من أن “استمرار العقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بالنظام السابق، مثل شبكات الكبتاغون، قد يعقد جهود إعادة الإعمار إذا لم تُدار بعناية”. وأضاف: “القرار يعزز الثقة الدولية في الحكومة السورية الجديدة، لكنه يتطلب رقابة دولية صارمة لضمان الشفافية في استخدام الموارد الاقتصادية لصالح الشعب السوري، وليس لتعزيز نفوذ فصائل أو أفراد”. وأكد الخبير أن دعم الوحدة السورية هو جوهر الموقف الأميركي، مضيفًا: “رفض واشنطن لأي مشروع انفصالي يعكس حرصها على استقرار سوريا كدولة مركزية، وهو ما يتماشى مع طموحات الشعب السوري لدولة عادلة وشاملة”. وشدد على أن نجاح القرار يعتمد على التزام الحكومة السورية بمكافحة الإرهاب وضمان أمن الأقليات، محذرًا من أن “أي تراجع في هذه الالتزامات قد يدفع الولايات المتحدة لإعادة فرض عقوبات جزئية، مما يعرض التقدم للخطر”. وختم بالقول: “سوريا تقف على مفترق طرق، والقرار يمنحها فرصة ذهبية لإعادة البناء، شريطة التعاون الإقليمي والدولي ووضع مصلحة الشعب السوري فوق أي حسابات سياسية أو فئوية”.
يفتح القرار أبواب الاستثمار في النفط والبنوك، ويعيد سوريا إلى النظام المالي العالمي عبر الرخصة العامة 25. تعهدت السعودية وقطر بدعم الرواتب والبنية التحتية، مما يخفف نقص الطاقة والأدوية.
الترا سوريا
——————————–
القطاع الزراعي السوري خلال فترة بدء الخروج من الأزمة الوطنية – واقع التنمية وآفاقها/ معن دانيال داود و تيسير فؤاد حاتم
نشر في 27 آب/أغسطس ,2025
غاية الدراسة:
غاية هذه الدراسة إلقاء الضوء على واقع القطاع الزراعي، بشقّيه النباتي والحيواني، وعلى واقع الموارد المؤثرة في كفاءة هذا القطاع، وعلى علاقاته الأفقية والرأسية التي تحكم تكامله مع القطاعات الشريكة وطنيًا، وبيان وزن القطاع ضمن الاقتصاد الوطني، ودرجة اعتماد القطاعات الأخرى عليه في خططها التنموية، وصولًا إلى وضع خارطة طريق لتنمية اقتصادية قابلة للنمو، يكون القطاع الزراعي فيها قاطرة تنموية مجتمعية رئيسة، ولا سيما في مرحلة بدء الخروج من الأزمة البنيوية الوطنية، حتى يُحقّق رؤى معتمدة على منهجيات التخطيط الاستراتيجي بعيد الأمد، مستثمرًا المقدّرات المتاحة بالشكل الأمثل، ومؤكدًا العوائد المجتمعية وطنيًا، ومحدّدًا أقلّ السبل كلفة بيئيًا واقتصاديًا، خلال مراحل الانتعاش والتعافي، وصولًا إلى تنمية اقتصادية اجتماعية مستدامة قائمة على مخرجات العلم والمعرفة.
هدف الدراسة:
هدف الدراسة وضع رؤية تنمويّة للقطاع الزراعي السوري، تنطلق من واقع القطاع وإمكاناته، وتهدف إلى تلبية احتياجاته الإنتاجية وتعافي مكوناته كافة، ضمن خطّة متعددة المراحل وواضحة المرتكزات المكانية ومعلنة الأولويات بارتباطاتها ضمن القطاع وخارجه، وتكون ذات أهداف مرحلية مقننة. ويكون الوصول إلى ذلك من خلال جملة من الأمور:
تشخيص واقع القطاع الزراعي (بشقّيه النباتي والحيواني، والموارد الطبيعية المرتبطة به)، ودوره الوطني قبل 2011.
عرض ما تعرّض له القطاع، في شقيه النباتي والحيواني، وإدارة موارده الطبيعية وأنماط إنتاجه خلال الحرب.
تشخيص واقع القطاع الحالي، بمكوناته سابقة الذكر، على كامل الأراضي السورية.
وضع رؤى تنموية تنطلق من الإمكانات والاحتياجات، هدفها تعافي مكونات القطاع الزراعي، وبيان أولوياتها وأهدافها ضمن مراحل.
يمكنكم قراءة التقرير كاملًا من خلال الضغط على علامة التحميل أدناه.
تحميل الموضوع
مركز حرمون
——————————-
موجة الجفاف في سوريا تلقي بظلالها على الفلاحين ومالكي المواشي/ أيمن الدسوقي
تواجه سوريا أسوأ موجة جفاف منذ عقود، ويواجه الفلاحون ومربّو المواشي هذه الأزمة بين خياري إبداع الحلول الصعبة أو الاستسلام.
2025-08-25
في يونيو 2025 أطلقت منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” تحذيراً من موجة الجفاف الأخيرة التي تشهدها سوريا. وقد حذّرت المنظمة من تداعياتها السلبية، التي قد تسفر عن خسائر كبيرة في الناتج الزراعي وتشكل تهديداً للأمن الغذائي. ودعت المنظمة المجتمعَ الدولي والمنظمات الإنسانية إلى التحرك العاجل لدعم القطاع الزراعي في سوريا وتخفيف آثار هذه الأزمة. تأتي موجة الجفاف هذه ضغثاً على إبّالةٍ، إذ إن البلاد مثقَلةٌ أساساً بتركةٍ خلّفها نظام بشار الأسد على كاهل الدولة والمجتمع السوريَّيْن.
عايشَت سوريا بين سنتَيْ 1980 و2025 موجات جفافٍ عدّة، لكن الموجة الحالية تبدو أشدَّها بأساً. فقد كان الجفاف في السابق موسمياً ومتقطعاً زمانياً ومكانياً، ولكن موجات الجفاف الأخيرة أضحت متواترةً وشاملةً المحافظاتِ السورية. ونُسب هذا إلى التغير المناخي، الذي جعل درجات الحرارة العالية أكثر شيوعاً واستمراريةً مقارنةً بالعقود الماضية. ومع تصاعد درجات الحرارة، زادت نِسَب تبخّر المياه السطحية وما نتج عنها من فاقدٍ مائيٍ ملحوظٍ، طال أغلب الأنهار والسدود على الأرض السورية.
وخلف نقاشات التغير المناخي وإحصائياته، باتت آثارُه الفعلية على الأرض معيشةً ضنكاً لكثيرٍ من الناس. إذ تلقي موجة الجفاف في سوريا اليوم بظلالها على الفلاحين ومالكي المواشي. وإن اختار بعضهم التكيّف مع الأزمة والبحث عن حلولٍ ولو كانت غير مستدامةٍ، وصل الأمر ببعضهم الآخَر حدّ الاستسلام لسطوة الطبيعة. تهدد هذه الأزمة الأمن الغذائي والاقتصاد السوري، وتؤثر سلباً على استقرار المجتمعات المحلية التي يعتمد اقتصادها على الزراعة وتربية المواشي. وتتجلّى الكارثة مع أرقام العجز والتراجع المستمرة في الأمن المائي والغذائي والثروة الحيوانية، وتتعزز مع ضعف الدعم والاستجابة الحكومية أمام الأزمة الحالية، وعجز ميزانيتها عن تغطية آثار الدمار الممتدّ طيلة السنوات السابقة.
التغير المناخي من العوامل الرئيسة الكامنة وراء موجات الجفاف وتكرارها في سوريا والمنطقة. ذلك ما خلصت إليه دراسةٌ لمبادرة “إسناد الطقس العالمي” منشورةٌ سنة 2023. فموجات الجفاف الشديدة المتواصلة ثلاثَ سنواتٍ في منطقة الشرق الأوسط لم تعد حدثاً نادراً. ومع ارتفاع درجات الحرارة يتضاعف احتمال موجة الجفاف مرّةً كلَّ عقد. ويسهم ارتفاع درجات الحرارة في زيادة مستويات تبخّر الموارد المائية السطحية، وهو ما ظهر على هيئة فاقدٍ مائيٍ بالغٍ في سدود الطبقة وتشرين والبعث المُشادة على نهر الفرات، بمقدار 2.2 مليار مترٍ مكعبٍ من المياه، حسب إحصائية سنة 2022، بحسب ما ورد في الدراسة.
وحسب الدراسات المناخية، ومنها “دراوت فلنربلتي إن ذي أراب ريجن” ( قابلية الجفاف في المنطقة العربية) الصادرة سنة 2011، يقسَّم الجفاف إلى ثلاثة مستويات. الأول جفافٌ مناخيٌ، بمعنى كمّيات هطولاتٍ مطريةٍ أقلّ من المعدّلات الطبيعية. وقد انخفض معدّل الهطولات المطرية لموسم 2024 – 2025 مسجلاً أشدّ المواسم جفافاً منذ موسم 1958 – 1959، حسب ما أعلنت وزارة الزراعة السورية في مايو 2025. وتتضح قابلية سوريا للتعرض لأضرار الجفاف بسبب نقص الهطولات المطرية إذ علمنا أن المساحات الزراعية البعليَّة، أي المعتمدة حصراً على الأمطار، تقارب ثلاثة أضعاف المساحات الزراعية المروية. كذلك تمثل الهطولات المطرية الموردَ الرئيسَ من مصادر المياه المتاحة، ما يؤثر في وفرة سائر الموارد المائية الأخرى.
المستوى الثاني جفافٌ زراعيٌ مرتبطٌ برطوبة التربة اللازمة للزراعة، لا سيما مع ارتفاع درجات الحرارة وتبخر المياه واستنزاف التربة. وفي هذا السياق ذكرت مديرية الأرصاد الجويّة السورية في أبريل 2025 أن موسم 2025 يأتي في المرتبة الثالثة بعد موسمَيْ جفاف 2008 و2020 من حيث قلّة الغطاء النباتي، وهذا اعتماداً على مؤشر الاختلاف المعياري للغطاء النباتي. ويستخدم المؤشر لتحليل بيانات الاستشعار عن بعد، لا سيما التي تلتقطها الأقمار الصناعية، لتقييم حالة الغطاء النباتي وصحّته وكثافته في منطقةٍ ما.
أما المستوى الثالث فهو جفاف الموارد المائية على المدى الطويل، أو ما يعرف بالجفاف الهيدرولوجي. وينجم عن انخفاض الاحتياطات المائية الجوفية والسطحية إلى أقلّ من المتوسط الإحصائي. ساهم في ذلك ضخُّ السوريين حوالي 1.2 مليار قدمٍ مكعبٍ (34 مليون متر مكعب) من المياه الجوفية سنوياً، بمعدلٍ يتجاوز الكمية التي يمكن تجديدها، حسب تقريرٍ بعنوان “سيريا هاز أ واتر كرايسس” (أزمةٌ مائيةٌ في سوريا) للباحثَيْن أورورا سوتيمانو ونبيل سمّان، والذي نشره المجلس الأطلسي للبحوث سنة 2022. وقد تحدّث مدير الاقتصاد الزراعي في وزارة الزراعة السورية، سعيد إبراهيم، في مايو 2025 عن هذا الخطر، مشيراً إلى فقدان بعض المناطق نحو 70 بالمئة من مخزونها من المياه الجوفية.
وليس التغير المناخي العامل الأوحد، على ما فيه من جدّةٍ، في أزمة الجفاف بسوريا. فخَلْف سطوة الطبيعة يرزح مزيجٌ من فشل السياسات الحكومية، ونزاعٌ مائيٌ مع دول الجوار، ودمارٌ طال الموارد المائية ومنشآتها خلال سنوات الثورة والحرب بعد 2011، ممّا زاد من حدّة الأزمة.
اتبعت حكومات البعث المتتالية منذ توليها حكم سوريا في الستينيات سياسة تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الإستراتيجية، مثل القمح والشعير والقطن والذرة وبنجر السكّر (الشمندر السكري). وتختلف تأويلات محركات هذه السياسة، إن كانت مدفوعةً بأسبابٍ عقديةٍ مرتبطةٍ بفكر البعث وقاعدته الريفية، أم لغاياتٍ اقتصاديةٍ بغية تأمين النقد الأجنبي أو توفيره. وكانت العاقبة أن استُنزِفت الموارد المائية السطحية والجوفية بفعل أساليب الريّ غير الفعالة والتوسع غير المدروس في المساحات الزراعية المروية.
زادت هذه المساحة من 625 ألف هكتارٍ سنة 1985 إلى مليونٍ وستمئة ألف هكتارٍ سنة 2010، حسب دراسة الباحث الاقتصادي السوري جوزيف ضاهر بعنوان “ندرة المياه وسوء الإدارة والتلوث في سوريا” التي صدرت سنة 2022. وفي الوقت نفسه لم ترْقَ السياسات الحكومية في عهد نظام الأسد إلى مستوى الاستجابة الفعالة للتحديات المرتبطة بالجفاف. فكانت خططاً طموحةً تفتقر للتمويل، كما في خطّتَيْ تحديث البنية التحتية للريّ سنة 2006 وبناء حوالي ثلاثمئةٍ وخمسين محطةً لمعالجة مياه الصرف الصحّي بين سنتَيْ 2010 و2015، بتكلفةٍ إجماليةٍ تجاوزت ثلاثة مليارات دولارٍ أمريكي. ولم تجد تلك السياسات طريقها للتنفيذ، كما تشير دراسة ضاهر، بسبب تعدد الأطر المؤسساتية المسؤولة عن قطاع المياه والري والصرف الصحي، وغياب التنسيق بينها.
ولا ينتهي الأمر عند هذا، إذ تعاني سوريا من انكشاف أمنها المائي في ظلّ ارتفاع مؤشر التبعية المائية لديها مسجِّلاً 72.4 بالمئة. ويقيس هذا المؤشر نسبة الموارد المائية المتجددة النابعة من خارج البلد. على سبيل المثال، يعدّ نهر الفرات أهمَّ عصبٍ مائيٍ للبلاد، إذ يمثل حوالي 40 بالمئة من مجمل الموارد المائية السورية. ومع أن اتفاقية 1987 تنصّ على توفير تركيا، حيث منبع الفرات، ما لا يقلّ عن خمسمئة مترٍ مكعبٍ في الثانية من مياه الفرات للجانب السوري، لكن الكميات الفعلية المتدفقة في السنوات الأخيرة كانت أقلّ من نصف تلك الكمية المتفق عليها. ويبدو أن النهر سيبقى مساحةً للتفاوض أو مصدراً للنزاع، ما بين الادعاء بتقييد تركيا حصصَ جيرانها قصداً، والادعاء المضادّ أن انخفاض الكميات المتدفقة سببه الجفاف وانخفاض الهطولات المطرية، إلى جانب سوء الإدارة وأساليب الريّ القديمة.
ولم يسلم قطاع المياه والريّ والصرف الصحّي في سوريا من الدمار والتخريب عقب سنة 2011. إذ قدّر النظام السابق الخسائرَ بأكثر من مليار دولارٍ أمريكيٍ سنة 2023. هذا بالإضافة لتضرّر أكثر من 50 بالمئة من محطات معالجة المياه وأنظمة الصرف الصحّي، حسب ما ورد في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنة 2025 بعنوان “ذي إمباكت أوف ذا كونفليكت إن سيريا” (أثر الصراع في سوريا). وهو ما يَحرم أكثرَ من نصف سكان سوريا من المياه.
في يناير 2025، قدّرت حكومة تصريف الأعمال السورية، التي شكّلتها المعارضة بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، حجمَ الاستثمارات اللازمة لإعادة تأهيل شبكة توزيع المياه بمبلغٍ يتراوح بين خمسمئةٍ إلى سبعمئة مليون دولارٍ أمريكي. ولا يبدو أن هذا المبلغ متوفّرٌ لدى الحكومة السورية الحالية.
ومن منظورٍ أوسع، تُصنّف سوريا ضمن فئة الدول التي تعاني عجزاً مائياً، بسبب قصور الموارد المائية المتاحة. وفي دراسةٍ بعنوان “دراسة تحليلية لأسباب الاختلال في المسألة المائية السورية” نشرت سنة 2015، قدّر الباحثان حبيب محمود وكارول الصايغ العجز المائي في سوريا بين سنتَيْ 1992 و2012 بحوالي 1.256 مليار مترٍ مكعبٍ من المياه. سجّل العجز بعدها اتجاهاً تصاعدياً. وفي يونيو 2022 قدّر معاون وزير الزراعة في النظام السوري حينها أحمد قاديش العجزَ السنوي بحوالي ثلاثة مليارات مترٍ مكعبٍ من المياه.
ساهم ما سبق في انخفاضٍ حادٍّ في حصة الفرد السوري السنوية من الموارد المائية المتجددة. وبدءاً من سنة 2002 أمست سوريا من الدول التي تعاني الندرة المائية مع انخفاض حصة الفرد من المياه إلى أقل من ألف مترٍ مكعبٍ سنوياً. وفي يناير 2025، قال وزير الموارد المائية في حكومة تسيير الأعمال السورية أسامة أبو زيد إن حصة الفرد من المياه بلغت نحو ستمئةٍ وثمانين متراً مكعباً فقط.
أتت موجة الجفاف الأخيرة وتزايد عدد السوريين العائدين بعد سقوط النظام السابق، لتضيف عبئاً آخَر يهدد الأمن المائي والغذائي في سوريا، إلى جانب الضغط على البنية التحتية المدمّرة. ولكن التأثير الأشدّ كان على العاملين في قطاع الزراعة وتربية المواشي.
وجد المزارعون ومربّو المواشي أنفسَهم في وضعٍ صعب أمام أشدّ موجة جفافٍ منذ نحو سبعة عقود. ترافق هذا مع ضعف الاستجابة الحكومية لأسبابٍ قد يكون منها حداثة السلطة الجديدة وضعف قدراتها المالية والمؤسسية. اختار بعض هؤلاء التكيّف بما تيسّر لهم على أمل النجاة، في حين آثر آخرون الاستسلام.
أمّا من قرّر التكيّف، فقد تبنّى طيفاً من الخيارات والبدائل في التعامل مع موجة الجفاف، بعضها مستمدٌ من تجاربهم السابقة، والأخرى حصلوا عليها بما تيسر لهم من دعم المنظمات غير الحكومية. وقد التقى فريق الفِراتس رجالَ أعمالٍ ومزارعين ومربّي مواشٍ لاستكشاف طرقهم في مواجهة الأزمة.
يواصل عبد الرحمن، المزارع من جنوب إدلب، عملَه في الزراعة متّكئاً على دعمٍ وفّرته إحدى المنظمات غير الحكومية، ومكّنته من تخفيض النفقات بنسبة 30 بالمئة إثر توظيف تقنيات الطاقة البديلة والريّ الحديث. ومع ذلك لا يزال التحدي قائماً، فهو يضطرّ للحفر إلى عمقٍ يتجاوز خمسمئة مترٍ لضمان الوصول للمياه اللازمة لزراعته. ومع تراجع منسوب المياه الجوفية سيكون الوضع أعقد وأصعب للاستمرار، كما أشار.
لجأ بعض المزارعين إلى “تضمين” المحصول لأصحاب المواشي، ويعني ذلك السماحَ لأصحاب المواشي كي يُسِيموا مواشيهم في الأرض فترعى المحصولَ مقابل ثمنٍ مادّي. اختار هؤلاء المزارعون ترك الزراعة مؤقتاً لحين تحسّن الظروف المناخية أو توفّر الدعم اللازم، خصوصاً في مناطق مثل السهول الساحلية والهضبة الشرقية، وهي التي تقل فيها معدلات الأمطار عن مئتين وخمسين ميلمتراً سنوياً.
من هؤلاء المزارعين عبد الله، من الرقة، الذي لجأ إلى تضمين محصوله من القمح البعلي علفاً لمربّي المواشي مقابل عشرين دولاراً للدونم الواحد (الذي يساوي ألف متر مربع في بلاد الشام). في حين فضّل المزارع سعد في ريف إدلب الشرقي تركَ الزراعة مؤقتاً، فالموسم “مَحْلٌ لا خير فيه”، بعد خسارته ما يزيد عن أربعين مليون ليرةٍ سوريةٍ (نحو أربعة آلاف دولار أمريكي).
في المقابل لجأ المزارع حيّان من ريف حلب إلى زراعة مواسم متتاليةٍ على مدار السنة، بعد أن كان يزرع نصف أرضه ويترك الآخَر قبل سنة 2011. كانت هذه وسيلته للتكيّف وتعويض الخسائر التي قد تطال أحد المحاصيل. ومع أهمية تحليل التربة لمعرفة احتياجاتها وقدرتها على تحمل هذا النمط من الزراعة المكثفة، إلّا أنه لم يجد وحداتٍ إرشاديةً زراعيةً أو منشآتٍ تعمل على تحليل التربة، ولا قدرة مالية لديه لعمل هذه التحليلات بدون دعم. وما يشغل باله هو النجاة ولو آنيّاً من الجفاف، إذ يقول: “أنا مهتمٌ بتقليل خسائري لهذا الموسم، وغداً يفرجها الله”.
لجأ بعض المزارعين كذلك إلى الاستدانة لتأمين مستلزمات محاصيلهم الزراعية على أمل إنقاذ مشاريعهم الزراعية الكبيرة، كما أخبرنا أحمد ريان من ريف حلب الجنوبي عن تجربته. قال أحمد “كنت أمام خيارَيْن، إما خسارة المحصول أو الاستدانة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من محصول القمح المرويّ. كانت الاستدانة خياري لتأمين ما بين مرّتين إلى ثلاث مرّاتٍ من ريّ محصول القمح، بينما يحتاج ستَّ إلى سبع ريّاتٍ كيْ يعطي الهكتار [عشرة آلاف متر مربع] أفضلَ إنتاجية. ومع ذلك لم يكن الإنتاج على مستوى المأمول هذا العام”.
كان خيار آخَرين تغيير نوعية المحاصيل الزراعية، كما فعل المزارع عبد الرحمن في إدلب. إذ لجأ إلى زراعة الكمّون عوضاً عن القمح، باعتباره أقلّ استهلاكاً للمياه، وإن لم يُدِرّ ربحاً فعلى الأقلّ يغطي تكاليفه، كما قال.
أمّا مربّو المواشي فكانت قدرتهم على التكيّف أقلّ. فقد أدّى انخفاض الغطاء النباتي الذي يُستخدم مراعيَ طبيعيةً، إلى ازدياد اعتمادهم على الأعلاف الصناعية مرتفعة الأسعار. ومع ارتفاع أسعار الأدوية البيطرية الضرورية، كانوا أمام المفاضلة بين خسارة القطيع كاملاً أو بيع الجزء الأكبر منه لتأمين نفقات ما تبقّى من القطيع. قال لنا فراس المحمد، أحد مربّي الماشية في ريف إدلب، إنه لم يقدر على توفير احتياجات قطيعه البالغ ألفاً وخمسمئة رأسٍ من الغنم: “اضطررتُ إلى بيع ثلثي القطيع بسعرٍ منخفضٍ، أيْ مئتي دولارٍ للرأس الواحد، لتوفير رأسمالٍ كافٍ لتأمين مستلزمات الثلث المتبقي”. علماً بأن معدّل سعر الخروف الواحد في السوق كان مئتين وخمسين دولاراً حينئذ.
فرضت موجة الجفاف نفسها على المجتمعات الرعوية التي تكافح ما أمكنها للنجاة من الكارثة. يضطر الرعاة للتنقل مسافاتٍ بعيدةً بحثاً عن مراعٍ لمواشيهم. ومع انتشار مخلفات الحرب والألغام، ناهيك عن خلايا تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في منطقة البادية، أصبحت مهنة رعي الأغنام شاقّةً ومحفوفةً بالمخاطر. قال لنا الراعي عيسى الغنام من بادية البوحمد في ريف الرقة الشمالي: “لا نملك بدائل إلا البحث عن مراعٍ جديدةٍ، مع الخطر العالي لذلك”.
في مقابل محاولات النجاة، آثر آخرون الاستسلام بعد أن استنزفوا مواردهم والبدائل الممكنة للاستمرار في الزراعة وتربية المواشي. قال لنا أبو حيان، المزارع من ريف الرقة الجنوبي، “أصبحت الأرض عبئاً عليّ بعد أن كانت سندي، وبلغتْ ديوني المتراكمة حوالي مئةٍ وخمسين مليون ليرةٍ سوريةٍ (نحو خمسة عشر ألف دولار أمريكي) … لا يمكنني الصمود أكثر”.
اتجه آخرون للعمل في قطاع التشييد والبناء أو افتتاح أعمالٍ خاصةٍ أو العمل في المؤسسات الحكومية بحثاً عن راتبٍ قليلٍ لا يسمن ولا يغني من جوع، ولكنه الخيار الأخير المتاح. قال لنا المزارع أحمد من منطقة جبل الزاوية في إدلب، “مع صعوبة الزراعة وضعف جدواها الاقتصادية، لجأ الكثير من أبناء منطقتي في جبل الزاوية إلى العمل في المؤسسات الحكومية، وخصوصاً قوات الأمن العام”.
أدّى ترك كثيرٍ من المزارعين العملَ في قطاع الزراعة إلى زيادة الأعباء على الأفراد العاملين فيها، فضلاً عن تغيّر أنماط العمل داخل الأسرة مع اضطرار النساء للعمل إلى جانب أزواجهن لتأمين مصاريف العائلة، أو الاعتماد على أفرادٍ آخرين من العائلة. قال لنا موظفٌ في منظمةٍ غير حكوميةٍ في الشمال السوري فضّل عدم ذكر اسمه: “أصبحتُ المعيلَ لعائلة والديّ إلى جانب أسرتي، بعد فشل الموسم الزراعي لأهلي. لا أعلم مدى قدرتي على الاستمرار في هذه النفقات المضاعفة”.
كانت المدن الكبرى وجهة الباحثين عن فرصٍ أفضل بعد فشل مواسم الزراعة والرعي. تذكّر محمد من ريف الحسكة الجنوبي مشهد نزوح الآلاف من منطقته إلى المدن الكبرى خلال موجة الجفاف السابقة بين سنتي 2006 و2010، بعد أن اضطر إلى النزوح مع عائلته هذه السنة. قال محمد “يبدو أننا تُركنا نواجِه مصيرَنا وحدَنا مرّةً أخرى، ربما أجد فرصة عملٍ في حلب، أما في منطقتي فلَم يبْقَ سوى الفقر”.
وكما فعل مربّي الماشية من إدلب، فراس المحمد، فضّل بعض مربّي المواشي بيع أبقارهم وأغنامهم كلّها بسعرٍ أقلّ، مع ارتفاع أسعار العلف إلى حدٍّ غير مسبوق. على سبيل المثال، ارتفع سعر طنّ التبن من ستمئة ألف ليرةٍ سوريةٍ (نحو أربعين دولاراً) في صيف سنة 2024 ليصل إلى ثلاثة ملايين ليرةٍ سورية (نحو ثلاثمئة دولار) في ربيع سنة 2025. قال لنا عبد العزيز، أحد مربّي الأغنام في المنطقة الشرقية: “أصبحت تربية الأغنام خاسرةً، لم يعد بإمكاني تحمّل المزيد من الديون في مهنةٍ لم تعد مربحةً كما كانت”.
لا تقتصر تداعيات ترك هؤلاء المزارعين ومربّي المواشي أعمالَهم على اقتصادهم الفردي والعائلي، فهي تؤثّر أيضاً على الأمن الغذائي في سوريا، وعلى استقرار المجتمعات المحلية المعتمدة على الاقتصاد الزراعي والحيواني.
في يناير 2025، قال وزير الزراعة في حكومة تسيير الأعمال السورية محمد طه الأحمد في تصريحٍ لقناة “سي إن بي سي” العربية إن مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلّي الإجمالي انخفضت من 30 أو 35 بالمئة سنة 2010 إلى 12 بالمئة فقط سنة 2025. ساهم في ذلك تراجع نسبة الاستثمارات المتوسطة والكبيرة في القطاع الزراعي، إذ يشكّل المزارعون الصغار والفلاحون 96 بالمئة من إجمالي استثمار المساحات المزروعة. هذا ما أعلنه مدير الاقتصاد والتخطيط في وزارة الزراعة السورية سعيد إبراهيم في ورشة عملٍ في فبراير 2025 في دمشق عن إعداد الخطة الإستراتيجية لوزارة الزراعة بعنوان “من التحديات إلى الفرص”. أما حجم الخسائر التي طالت القطاع الزراعي، فقدّرتها منظمة الفاو بنحو ستة عشر مليار دولارٍ أمريكيٍ بين سنتي 2011 و2017.
تُبرِز هذه الأرقام حجمَ أزمة القطاع الزراعي، نتيجة قصور الاستجابة الحكومية، وانسحاب الدولة التدريجي من دعم هذا القطاع وما طاله من دمارٍ منذ سنة 2011. لتزيد موجات الجفاف المتلاحقة تحدّياتِ إنعاش الأمن الغذائي وصيانته في سوريا.
تحولت سوريا من دولةٍ مكتفيةٍ ومصدّرةٍ لعددٍ من المحاصيل الزراعية الإستراتيجية مثل القمح، إلى دولةٍ مستوردةٍ تواجه مخاطر حدوث مجاعة. ففي يونيو 2025 قالت الفاو إن عجز سوريا في إنتاج القمح بلغ 2.73 مليون طنٍّ، أيْ ما يعادل الاحتياجات الغذائية السنوية لنحو 16.25 مليون شخص. تعزّز المعطيات المتاحة التحذيراتِ التي أطلقتها المنظمة، إذ بلغت كميات القمح المحلية المسلَّمة للمؤسسة السورية للحبوب 372084 طناً لغاية نهاية شهر يوليو 2025، مقارنة مع 674976 طناً في السنة السابقة. أي بانخفاض أكثر من 50 بالمئة. يزداد المشهد قتامةً في ظلّ تراجع الثروة الحيوانية الحادّ، إذ تراجعت أعداد الأغنام والأبقار والدجاج بنسبة 50 بالمئة تقريباً بين سنتَيْ 2011 و2016، بحسب المنظمة الأممية.
لا تقتصر المسألة على الأمن الغذائي السوري، بل تتعدّاها للتأثير سلباً على الناتج المحلّي الإجمالي والانزياح السكاني والاستقرار السياسي. فقد أشارت دراسةٌ مشتركةٌ بعنوان “دراوتس إن سيريا” (موجات الجفاف في سوريا) نشرت في المجلة الزراعية الدولية سنة 2012، إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي بمقدار نقطة مئوية خلال سنوات الجفاف مقارنة بغيرها. كما ترتفع نسبة الفقر على المستوى الوطني بمقدار 0.64 نقطة مئوية خلال هذه السنوات، وهذه الأرقام أعلى في المناطق الريفية منها في المناطق الحضرية. وإذا ما كانت هذه الأرقام في سوريا قبل سنة 2011، فإن الواقع سيكون أسوأ بعدها، في ظلّ الخسائر الكبيرة التي حاقت بالاقتصاد السوري، فقد انخفض الناتج المحلّي السوري من نحو أربعةٍ وثلاثين مليار دولارٍ سنة 2010 إلى أقلّ من ستة عشر ملياراً سنة 2023، بحسب بيانات البنك الدولي.
وللجفاف أثرٌ محفّزٌ للانزياحات السكانية أيضاً، إذ نزح داخلياً 1.5 مليون شخصٍ خلال أزمة الجفاف بين سنتي 2007 و2011. وكان للاستياء الذي ولّدته أزمة الجفاف تجاه الحكومة، مصحوبةً بمستوياتٍ مرتفعةٍ من الفقر والبطالة وتزايد الضغط على المدن الكبرى، أثرٌ محفّزٌ لاندلاع الثورة السورية سنة 2011. وهو الاستنتاج الذي خلصت له دراسةٌ سنة 2023 عنوانها “سيريان فارمرز إن ذا ميدست أوف دراوت أند كونفليكت” (المزارعون السوريون في خضمّ الجفاف والصراع)، نفّذها الباحثان لينا إكلوند وبينار دينك. لكن البعض ينتقد اعتبار الجفاف سبباً مباشراً لاندلاع الثورة السورية، ويربطها بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية أوسع أخرى.
لا يبدو بأن هناك سياسةً متكاملةً ومتّسقةً لدى الحكومة السورية الحالية للتعامل مع أزمة الجفاف ودعم القطاع الزراعي. فقد تضمّنت كلمة وزير الزراعة أمجد بدر خلال جلسة الإعلان عن التشكيلة الوزارية في مارس 2025 أهدافاً طموحةً مثل تحقيق الأمن الغذائي والتوسع بالمساحات الزراعية وتوفير الدعم الحكومي لذلك. ولكن هذه الأهداف لا تتماشى مع التوجه الحكومي للاقتصاد الحرّ وفتح باب الاستيراد وتحرير أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي مثل الأسمدة والمازوت (الديزل)، بما يفوق قدرة المزارعين على تحمّلها كي يستمرّوا في الزراعة. .
قابلَت الفراتس الخبيرَ الزراعي منذر درويش، العامل في منظمة إحسان للإغاثة والتنمية، والذي انتقد عدم استجابة وزارة الزراعة لمقترحٍ مفصّلٍ قدّمه متخصصون سوريون مع منظماتٍ دوليةٍ يتضمّن إستراتيجيةً لقطاع الزراعة السوري والتعامل مع أزمة الجفاف. يقول درويش إن الحكومة لم تعلن إستراتيجيةً وطنيةً لمواجهة أزمة الجفاف، مع عدم وضوح الأطر المؤسساتية المسؤولة عنها. فقد أعلن في يوليو 2025 عن اجتماعٍ تنسيقيٍ في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بدمشق للاستجابة الوطنية لأزمة الجفاف في سوريا. أوحى ذلك بأن الملفّ قد أصبح بعهدة وزارة الطوارئ، دون توضيح دور الهياكل التي كانت قائمةً للتعامل مع أزمة الجفاف سابقاً ومنها صندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية التابع لوزارة الزراعة.
غياب الاستجابة الحكومية المعلَنة على مستوى الخطط أو المؤسسات المسؤولة أضاف عبئاً إضافياً على معاناة الفلاحين ومربي المواشي وترَكَهم مكشوفين أمام أزمة الجفاف، حسب درويش.
مع تأخر الفعل الحكومي وتدهور القطاع الزراعي وتنامي أزمة الجفاف، فإن أعداداً إضافيةً ستنضمّ إلى أولئك الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي وخطر الجوع، في ظلّ تراجعٍ في المساعدات الإنسانية المقدمة لسوريا. قد لا تمرّ الأزمة دون كلفةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ، مع العجز عن تأمين المتأثرين بالأزمة قوتَهم، وتزايد أعداد العاطلين عن العمل ممّن كانت الزراعة وتربية المواشي توفّر لهم مدخولاً، بَلْهَ موجاتٍ مستمرةٍ من النزوح الداخلي باتجاه المدن الكبرى. وكما كان لأزمة الجفاف التي سبقت سنة 2011 تأثيراتها الممتدّة، فإن الأزمة الحاليّة قد تبقى آثارها بعد ذلك، ممتدّةً من جفاف الأرض إلى المجتمع والاقتصاد والسياسة.
باحث في الاقتصاد السياسي
الفراتس
——————————
من سلة غذاء إلى ورقة استيراد.. هل تنقرض زراعة القمح في سوريا؟/ خالد الخطيب
2025.08.29
تواجه سوريا تحديات كبيرة تعيق عودتها إلى إنتاجيتها السابقة من مادة القمح والتي كانت تغطي احتياجاتها وتسمح لها بالتصدير، وتبدو العوامل المؤثرة متنوعة، وهي ما بين تدهور البنية التحتية الزراعية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتأثيرات تغير المناخ، فاليوم تواجه زراعة القمح أزمات متشابكة تهدد مكانتها كدعامة أساسية في استقرار الأمن الغذائي، أزمات حولت سوريا من منتج إلى مستورد، وبنهم عجيب، بسبب الإنتاجية المتواضعة في العام الزراعي المنصرم.
ثورة زراعية
ما أحوج سوريا بعد نجاح الثورة وتخليص البلاد من النظام المخلوع، ما أحوجها إلى ثورة زراعية، تعيد بناء القطاع الذي تدهور، حاله كحال مختلف القطاعات المتضررة بفعل الحرب التي شنها النظام المخلوع على الشعب ومقدراته، فالقطاع وبالأخص زراعة القمح فقد أكثر من 70 في المئة من إمكاناته وإنتاجيته، حيث تدنى متوسط إنتاج محصول القمح في سوريا إلى أقل من 700 ألف طن بعد أن كان في 2010 أكثر من 4 ملايين طن محققاً الاكتفاء الذاتي.
خلال جولة لموقع تلفزيون سوريا في أرياف حلب وإدلب، بدا معظم مزارعي القمح يرون بأن نجاح ثورة زراعية مفترضة لا بد أن تتوافر على شروط عديدة، أهمها الاهتمام الحكومي وإعطاء الأولوية لقطاع القمح، في تأمين مقومات الإنتاج ومستلزماته الأساسية وتقديمها على شكل قروض، والعمل على تأمين الطاقة البديلة، يضاف إلى ذلك تحديد سقف مرتفع للأسعار يشجع على زراعة القمح.
واقع وآمال
قال الباحث الزراعي علاء الجسري لموقع تلفزيون سوريا إن “محصول القمح يعتبر عصب الاقتصاد الزراعي في سوريا، كونه المحصول الأهم الذي ارتكز عليه الأمن الغذائي لعقود وخاصة في ظل الثورة السورية، وإنتاجه شهد تراجعاً كبيراً مقارنة بما قبل 2011، وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الجديدة إلى سد الفجوات ومنح العطايا للمزارع لتشجيعه على زراعته، إلا أنها تفكر ملياً بالنجاح بإدارة هذا الملف الذي يعد مركزياً”.
يرى الجسري أن أحد العوامل الأساسية التي أثرت على إنتاج القمح هو تأثير الاحتباس الحراري الذي بات يفرض تحديات على الواقع الزراعي في المنطقة، لافتاً إلى أن هذا التغير المناخي يتطلب دوراً أكثر فاعلية من مراكز البحوث الزراعية والتي غاب دورها خلال سنوات الثورة السورية، هذه المراكز عليها التفكير في إنتاج أصناف بذار جديدة تراعي الظروف البيئية المستجدة.
ويضيف الجسري أن من أسباب تراجع إنتاج القمح، انخفاض سعر المادة مقارنةً بتكاليف الزراعة، مما دفع كثيرا من المزارعين للتوجه نحو محاصيل بديلة أكثر ربحًا مثل الكمون والحبة السوداء، كما أسهم شح الأمطار في انخفاض الإنتاج، فضلًا عن استنزاف المياه الجوفية، خاصة في ظل أسعار المحروقات المرتفعة.
يضيف الجسري أن “تقلبات الأسعار من عام لآخر، واختلافها بين جهة حاكمة وأخرى، ما بين مؤقتة وإنقاذ وقسد ومناطق نظام سابقاً، زعزعت الثقة لدى الفلاحين، وأسهمت في الحدّ من توسع الرقعة المزروعة بالقمح، هذا الواقع أضعف من فرص تحقيق الاكتفاء الذاتي، وجعل مستقبل هذا المحصول رهينًا باستقرار السياسات الزراعية ووضوح آليات التسويق والدعم”.
وأوضح الجسري أن السعر الذي حددته الحكومة هذا العام وهو 330 دولاراً للطن مع منحة إضافية قدرها 130 دولاراً، يعتبر سعراً مقبولاً، لكن يفترض أن يكون أعلى، وأوضح أن الفلاح يتخذ قراراته بناءً على الربح، لا على القيمة الاستراتيجية للمحصول، ومع غياب الدعم الحقيقي يصبح القمح خياراً غير مجد اقتصادياً.
كما أشار محدثنا إلى أن أصناف البذار المحلية التي كانت متأقلمة مع مناخ المنطقة شبه مفقودة، ولا بد من ضرورة إعادة تفعيل مراكز إكثار البذار لإنتاج أصناف تتلاءم مع التغيرات البيئية، إضافة إلى تحسين تغذية السدود وشبكات الري، بما في ذلك القنوات المتضررة القادمة من الجانب التركي.
ويرى الجسري أنه لا بد لإنعاش زراعة القمح أن يتم توفير دعم مباشر للمزارعين، سواء عبر تخفيض أسعار مستلزمات الإنتاج، أو من خلال قروض زراعية، إضافة إلى شراء المحصول بأسعار تكسر احتكار التجار، وتعزيز ثقافة القمح كمحصول وطني استراتيجي عبر برامج إرشادية، والعمل على استثمار كافة المساحات الزراعية المتاحة، بما فيها مناطق الجزيرة السورية، وذلك ضمن تسوية بين الحكومة الجديدة وقسد تضمن الاستقرار الزراعي لتلك المناطق، مشدداً على أهمية تطوير البحوث الزراعية لإنتاج بذار متكيفة مع طبيعة كل منطقة ومعدلات هطول الأمطار فيها.
محصول 2024/2025.. حلب مثالاً
قال رئيس اتحاد الفلاحين في حلب، عبد الوهاب السيد إن إنتاج القمح في المحافظة في موسم 2024 ـ 2025 وصل إلى نحو 350 ألف طن تقريباً، مع نسبة لا تتجاوز 15% من المساحات المزروعة بالزراعة البعلية، في حين تعتمد الغالبية على الزراعة المروية.
وأوضح السيد لموقع تلفزيون سوريا أن أبرز التحديات التي أثرت على الموسم تمثلت في انحباس الأمطار، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، بالإضافة إلى إغلاق قنوات الري التي تروي أرياف حلب من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ما شكل ضغطاً إضافياً على الموارد المائية المتاحة للفلاحين.
وأشار السيد إلى أن لجنة تم تشكيلها بحضور ممثلين عن الفلاحين عملت على تقدير تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد، وتم التسعير بناءً على هذه التكلفة (0.33 $
وأشار إلى أن تحقيق الهدف باستعادة مكانة القمح السوري، يتطلب سنوات من الدعم المكثف للفلاحين ومقاومة الظروف المناخية المستجدة بسلالات مقاومة.
وبحسب السيد، فإن استمرار الفلاحين في زراعة القمح يعتمد على توفير دعم شامل، بدءًا من قروض ميسرة وتوفير البذار والأسمدة، وتسعير عادل يعكس تكاليف الإنتاج ويحقق فائضاً من الربح للمزارع، ففي مناطق الشمال السوري، الكثير توقفوا عن زراعة القمح بسبب الخسائر، ولا بد من ترغيبهم للعودة إلى هذه الزراعة الاستراتيجية.
يقول مفيد المحمد ـ مزارع من منطقة اعزاز شمالي حلب ـ لموقع تلفزيون سوريا، بأن موسم القمح في العام الزراعي المنصرم لم تشهده المنطقة منذ عقود من حيث انخفاض الإنتاجية، وأضاف: “أدت قلة هطول الأمطار التي لم نسمع عنها منذ 60 عاماً مضت إلى نقص المياه اللازمة للزراعة، على الرغم من استخدامنا للطاقة الشمسية في استجرار المياه”.
وأشار المحمد إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات، وتكاثف الغيوم دون هطول الأمطار بشكل يومي قلل من كفاءة الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة في نهاية الموسم، كانت من أكبر العوائق التي أثرت سلبًا على محصوله.
وفضل المحمد بيع محصوله في السوق الحر بسبب عدم وضوح آليات تسليم القمح للجهات الرسمية وتأخير في الدفع، مشيرًا إلى أن السعر المعلن جيد لكنه لا يعوض قلة الإنتاج، وأضاف أن استمرار زراعة القمح الموسم القادم مرتبط بشكل مباشر بوجود دعم حقيقي، خاصة في تأمين البذار الأصلي والمحروقات بأسعار مناسبة، بالإضافة إلى دعم المبيدات والأسمدة.
ويرى علاء المعري ـ مزارع من بلدة حزانو في ريف إدلب ـ أن تكلفة الدونم الواحد لزراعة القمح تصل إلى نحو 240 دولارا للزراعة البعلية، و270 دولارا للزراعة المروية، وتشمل كافة مراحل الزراعة من فلاحة الأرض وتسميدها إلى الحصاد والتعبئة والنقل.
واعتبر المعري أن نقص الأصناف السورية المعروفة بإنتاجيتها العالية وملاءمتها للمناخ، واعتمادهم الحالي على بذار مستورد غير ملائم، من أبرز المشكلات التي تواجههم، إضافة إلى غياب الدعم الرسمي في الموسم الحالي. وفيما يتعلق بتسليم المحصول، قال المعري لموقع تلفزيون سوريا: “فضلت التعامل مع الجهات الرسمية لضمان حقوقي، وبسبب وجود مكافآت وأسعار أفضل مقارنة بالسوق الحرة، سعر القمح الذي أعلن عنه كان جيدا نسبيًا، مع أهمية أن تكون الدولة هي الضامن الرئيس لتحديد السعر ومنع استغلال التجار”.
تلفزيون سوريا
———————————
الاقتصاد اليومي في سوريا.. السوق السوري الشعبي فضاء للتلاقي الاقتصادي والاجتماعي/ طالب الدغيم
2025.08.27
في قلب المدن السورية القديمة في دمشق وحلب وحماة وحمص ودير الزور والرقة وغيرهن، تمتد أسواق شعبية تعجّ بالحياة، تختلط فيها روائح التوابل مع أصوات الباعة، وحركة المتسوقين.
وقد غدت هذه الأسواق جزءاً حيّاً من الذاكرة الاجتماعية والتاريخية؛ إذ تعكس ملامح الحياة اليومية والاقتصاد المعيشي للسوريين عبر القرون. ومن سوق الحميدية الشهير في دمشق الذي يختزن قروناً من التاريخ، مروراً بسوق خان الحرير العريق في حلب، وصولاً إلى الأسواق الشعبية في دير الزور والرقة على ضفاف الفرات، لعبت هذه الأسواق التقليدية دوراً محورياً في بناء شبكات التبادل التجاري والاجتماعي والثقافي، كما أنها جمعت مختلف فئات المجتمع، وعايشت تقاطعات السياسة والاقتصاد المحلي والعالمي على مرّ العصور.
– الأسواق التقليدية في سوريا: معالم تجارية واجتماعية تاريخية
منذ سنين طويلة، شكّلت الأسواق السورية القديمة القلب النابض للمدينة، فهي فضاءات نابضة بالحياة تلتقي فيها الأيادي والعقول، وتتبادل فيها المصالح والسلع والأخبار، وتُعزَّز عبرها الروابط بين مختلف فئات المجتمع. ولقد كانت السوق ساحة يومية للتلاقي، ومرآةً تعكس نبض الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
يعد سوق الحميدية في دمشق نموذجاً بارزاً للأسواق التاريخية في المنطقة. ويتميز هذا السوق المغطى بسقف معدني تترقرق منه أشعة الشمس بأنه أشبه بمدينة تجارية داخل المدينة القديمة. وقد تأسس في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الأول عام 1780م، واكتسب اسمه “الحميدية” نسبةً إليه. ويمتد السوق بجوار قلعة دمشق وحتى ساحة الجامع الأموي، وتصطف على جانبيه مئات المحال التي تعرض مختلف البضائع. ويجد الزائر في الحميدية كل ما يخطر على البال من سلع تقليدية وحديثة، من المصوغات والنسيج اليدوي والعطور الشرقية إلى الألبسة الجاهزة والحلويات الشامية الشهيرة. ولطالما كان هذا السوق وجهة أساسية للقوافل التجارية قديماً، وما زال حتى اليوم نابضاً بالحياة يستقطب السوريين من كل المحافظات، والزائرين العرب والأجانب على حد سواء.
وفي شمال سوريا، برز خان الحرير في حلب كواحد من أهم الأسواق الأثرية في المدينة القديمة. وقد بُني في القرن السادس عشر ليكون مركزاً لتجارة المنسوجات الحريرية التي اشتهرت بها حلب لعصور. ويضم الخان ساحات واسعة وحوانيت حجرية تروي عراقة فن العمارة والتجارة ذلك الزمن. وقد كان محطة رئيسية على طريق الحرير، تلتقي فيه قوافل التجار القادمين من المناطق المجاورة ومختلف أنحاء الشرق. وظل خان الحرير عبر تاريخه ملتقى للتبادل التجاري بين الشرق والغرب، ومع جهود الترميم الحالية بعد أضرار الحرب، يعود تدريجياً لأداء دوره كمركز تجاري وتراثي نابض بالحياة.
وأما في شرق البلاد، فإن الأسواق الشعبية في دير الزور تجسّد تلاحم المدينة والريف في النشاط الاقتصادي. حيث تأسست أسواق دير الزور القديمة في أواخر العهد العثماني (نحو 1865) كمركز تجاري يخدم سكان المدينة والبادية في المنطقة الشرقية من سوريا. وقد تألفت من مجموعة أسواق متجاورة حمل كل منها اسم الحرفة أو البضاعة التي يختص بها (كالعطارين والحدادين والأقمشة وغيرها)، مما
جعلها عصب التجارة المحلية آنذاك. وكانت هذه الأسواق المسقوفة نقطة اِلتقاء يومية بين الفلاحين القادمين من القرى المجاورة لبيع منتجاتهم، وأهل المدينة الذين يقصدونها لتأمين احتياجاتهم من تلك البضائع والمواد المصنعة محلياً. وهكذا نشأت شبكة تبادل حيوية ربطت بين الريف والمدينة في دير الزور، وأسهمت في تعزيز التكافل الاقتصادي والاجتماعي ضمن المجتمع المحلي.
– السوق والطبقات الاجتماعية: لقاء وتفاعل بين فئات المجتمع
لطالما مثّلت الأسواق الشعبية ملتقى لمختلف الطبقات الاجتماعية في سوريا، فالتجار أصحاب المحلات الكبيرة شكّلوا عبر الزمن طبقة مرموقة لها وزنها الاقتصادي، إذ تناقلت بعض العائلات مهنة التجارة عبر الأجيال وراكمت خبرة وثروة جعلتها من وجهاء المدينة. وفي المقابل، يعمل في السوق أيضًا صغار الكَسَبة والحرفيين الذين يعرضون منتجاتهم المتواضعة على البسطات أو يصنعون البضائع في الورش التقليدية. وإن هؤلاء يشكّلون العمود الفقري لحركة السوق اليومية، من خبّازين وخيّاطين ونحّاسين إلى حمّالين ينقلون البضائع في الأزقة الضيقة. ويتعايش في ظل السوق البائع الثري الذي يملك دكانًا مترفًا إلى جانب البائع البسيط الذي يكسب قوت يومه من عربة أو بسطة متنقلة، مما يجعل السوق مساحة اقتصادية يتشارك فيها الجميع.
أما الزبائن، فيأتون من جميع الشرائح؛ فالأسواق ترحّب بالجميع بغض النظر عن مواقعهم الاجتماعية. فهناك ربّة المنزل التي تتبضّع الخضار والتوابل، ورجل الأعمال يبحث عن هدية تراثية فاخرة، والموظف البسيط يساوم للحصول على سعر مناسب لملابس أطفاله. وقد يلتقي في السوق الفلاح القادم من الريف ليشتري أداة زراعية بجانب صاحب متجر كبير جاء ليستطلع بضائع جديدة. وهذا الاختلاط اليومي يكسر الحواجز بين الفئات؛ فالجميع يتساوون في كونهم مشترين وبائعين تجمعهم حاجة متبادلة. وبمرور الوقت تنشأ علاقات خاصة في السوق؛ زبون معتاد يصبح أشبه بصديق للبائع، والتاجر يعرف أفراد عائلات زبائنه ويوفّر لهم ما يلزمهم خصيصًا. وكما أن ثقافة المساومة والتواصل المباشر في الأسواق السورية كرّست شعوراً مجتمعياً بأن السوق فضاءٌ مفتوح للجميع. ورغم التفاوت الاقتصادي خارج السوق، فإن أجواء السوق الشعبية تفرض نوعاً من التكافؤ؛ حيث يجتمع الغني والفقير في تجربة اجتماعية واحدة أساسها تبادل المنافع والتواصل الإنساني. وبالإضافة إلى ذلك، لطالما كان السوق الشعبي بمنزلة منبر يومي لتناقل الأخبار والقصص؛ فالقادمون من خارج المدينة يجلبون حكاياتهم وأخبارهم إلى أهل السوق، فتنتشر من هناك إلى أرجاء المدينة كصحيفة مفتوحة تنقل أحوال المجتمع واتجاهاته وآراءه.
– السياسة والاقتصاد: صدى التحولات التاريخية في الأسواق
لم تغب السياسة والاقتصاد الكلي عن أجواء الأسواق السورية تاريخياً، بل كانت تلك الأسواق مرآة تعكس التحولات السياسية والأمنية الكبرى في البلاد. وفي العهد العثماني كان ازدهار الأسواق نتيجة استقرار الحكم، واتساع رقعة التجارة في ظل سلطنة إسلامية مترامية الأطراف، وكما نظّمت السلطات العثمانية شؤون السوق عبر تعيين المحتسبين لضبط الأسعار والجودة، وتقسيم الأسواق إلى خانات وقطاعات بحسب الحرف لضمان حسن الإدارة. وكما انفتحت الأسواق على بضائع من أصقاع العالم، فوجدت السلع المستوردة
من الهند وفارس وأوروبا طريقها إلى رفوف الدكاكين جنبًا إلى جنب مع المنتجات المحلية، مما خلق تنوّعاً ثقافياً واقتصادياً انعكس في حياة الناس اليومية.
خلال فترة الانتداب الفرنسي بين الحربين العالميتين، دخلت تأثيرات جديدة إلى الأسواق السورية. وقد حاولت الإدارة الفرنسية إدخال أنماط حديثة إلى الاقتصاد والعمران، فانتشرت بعض المتاجر ذات الطراز الأوروبي في مراكز المدن. وكذلك تدفّقت البضائع الأوروبية المصنَّعة إلى الأسواق التقليدية، مثل الأقمشة والمواد الغذائية المعلبة والأدوات المنزلية، فازدحمت رفوف المحلات بالمنتج الأجنبي بجوار المحلي. في الوقت نفسه، شهدت الأسواق حراكاً وطنياً ضد المستعمر؛ إذ تحوّلت أماكن كسوق الحميدية إلى ساحات تظاهر وخطابة خلال الثورات الشعبية. ويذكر التاريخ أن طائرات فرنسية قصفت سوق الحميدية أثناء ثورة 1925، فثقبت رصاصاتها سقفه المعدني، لتبقى تلك الثقوب شاهداً صامتاً على تلاحم التجارة والسياسة في ذاكرة المكان.
شهدت الاقتصاديات العالمية بدورها انعكاساً واضحاً في الأسواق الشعبية السورية. فالكساد الكبير والأزمات العالمية والحروب كانت تؤدي إلى ارتفاع الأسعار أو نقصان بعض السلع في الأسواق، بينما فترات الرخاء وانفتاح التجارة جلبت وفرة في البضائع ورواجاً في الحركة التجارية. وبعد الاستقلال، استطاعت الأسواق السورية الشعبية التكيّف مع موجات التحديث والعولمة الاقتصادية؛ فاستمرت جنباً إلى جنب مع ظهور المتاجر العصرية، واستوعبت السلع الجديدة من غير أن تفقد هويتها الأصلية. وحتى خلال الثورة السورية، وما تبعها من دمار لعدد من الأسواق التاريخية (كما حدث في أجزاء من سوق حلب القديم وسوق دير الزور وأسواق حمص القديمة وغيرها)، لم يغب الأمل في إعادة إعمارها، وافتتاح الحوانيت من جديد. وبعد سقوط النظام السوري في ديسمبر عام 2024م، وخلال فترة الأشهر التي تلت سقوطه، بدأت تظهر مبادرات محلية وعربية وأممية حثيثة لعمارة وإحياء تلك الأسواق كرمز للهوية التاريخية للشام، وبدأ العديد من التجار العودة لمزاولة أعمالهم بين الأزقة المدمرة، وهو بداية لعودة السوق الشعبي لدور الاقتصادي والاجتماعي.
تمثل الأسواق الشعبية في سوريا جزءاً أصيلاً من تاريخ المجتمع السوري وثقافته الاقتصادية. فهذه الأسواق هي أماكن للبيع والشراء، وذاكرة حية تنطق بقصص الناس، وأنماط عيشهم عبر الزمن؛ تحت سقوفها القديمة تقاسمت أجيال من السوريين لقمة العيش، وتبادلوا السلع والأحاديث، وفي جنباتها تفاعلت طبقات المجتمع، وتكيّفت مع ظروف متغيرة من رخاء أو شدة. وحين نسير اليوم في سوق تقليدي كسوق الحميدية، أو نتجوّل في خانات حلب رغم صدمة الدمار، فإننا نلامس تراثاً اجتماعياً ينبض في الحاضر. وهذا الاقتصاد اليومي البسيط الذي يدور في السوق هو مرآة للتاريخ الاجتماعي والثقافي ذاته، فهو يعكس تقاليد راسخة، وترابط اجتماعي، وقدرة على مجاراة التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية الكبرى. وهكذا ستبقى الأسواق الشعبية السورية كما حال الأسواق العربية في القاهرة وبغداد وصنعاء والقيروان والجزائر والرباط ومكة المكرمة، بما تحمله من روح أصيلة رمزاً حياً لذاكرة البلد الاجتماعية، ومرآة تعكس ماضيه وحاضره في آن واحد.
تلفزيون سوريا
————————–
اقتصاد “السوق الحر” في سوريا تُديره غرف واتساب.. من يسعّر المواد الأساسية؟
2025.08.29
في كل مرة يتحرك فيها سعر صرف الدولار، تتأهب الأسواق السورية لسيناريو بات مألوفاً: ارتفاع جنوني في الأسعار، لا يتناسب مع نسبة التغير في سعر الصرف، بل يتجاوزها بأضعاف، وكأن السوق لا يكتفي بالتأثر، بل يبالغ في ردّ فعله. ورغم أن البلاد تتبنى رسمياً نهج الاقتصاد السوق الحر، وتعلن عن تحرير الأسعار وتركها لآليات السوق، إلا أن الواقع يكشف عن صورة مغايرة تماماً: سلع متوفرة، ورقابة محدودة، وأسعار شبه موحّدة بين مختلف البائعين، لا تعكس وجود منافسة حقيقية، ولا تستجيب لتقلبات العرض والطلب كما يفترض في الأسواق الحرة.
المستهلك السوري، الذي يُفترض أن يكون المستفيد الأول من تحرير السوق، لا يلمس أي أثر لهذه السياسات. فالسوق لا يمنحه خيارات، ولا يتيح له مفاضلة بين أسعار أو جودة، بل يفرض عليه واقعاً تسعيرياً جامداً، يتغير فقط باتجاه الصعود، ولا يعرف الانخفاض إلا نادراً وبشكل رمزي. أما الجهات الرقابية، فقد رفعت يدها عن التسعير، واكتفت بدور المراقب على الجودة وتداول الفواتير، تاركة السوق “ليحكم نفسه بنفسه”، على اعتبار أن المنافسة ستضبط الإيقاع، وأن العرض والطلب سيحددان السعر العادل.
في ظل هذا المشهد، تبرز أسئلة جوهرية لا يمكن تجاهلها: لماذا ترتفع الأسعار بهوامش تفوق منطق السوق مع كل تغير في سعر الدولار؟ لماذا لا تنخفض بنفس الوتيرة عند تحسّن الصرف؟ ولماذا تتوحد الأسعار بين مختلف المحال التجارية رغم غياب التسعيرة الرسمية؟ وهل المنافسة موجودة فعلًا؟ أم أن السوق يعيش حالة احتكار غير معلنة؟
الرقابة التموينية: نلاحق الأسعار الفاحشة
كانت البداية من وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ورغم أن الإجابات على استفسارات موقع “تلفزيون سوريا” جاءت جزئية، إلا أن مدير حماية المستهلك في الإدارة العامة، حسن الشوا، أوضح أن الرقابة التموينية تشمل مقارنة الأسعار بين الأسواق، وضبط الفروقات بين الجملة والمفرق، وملاحقة من يتقاضون أسعاراً فاحشة، والتشدد في مخالفات الإعلان عن الأسعار وتداول الفواتير، ما أسهم في تعزيز ثقة المواطن بدور الرقابة، وترسيخ حقه في تقديم الشكوى ومحاسبة المخالفين.
ولفت الشوا أيضا في تصريحاته لموقع تلفزيون سوريا إلى أن الوزارة كثّفت الجولات الميدانية المفاجئة على الأسواق في مختلف المحافظات، ما أدى إلى نتائج إيجابية دفعت إلى تطوير الآلية واستمرارها.
وذكر أنه تم توجيه مديريات التجارة الداخلية للعمل بنظام مجموعات رقابية، يرأسها مدير أو معاون مدير أو رئيس دائرة، بهدف تشديد الرقابة على السلع الأساسية، وضبط الأسعار والإعلان عنها، ومراقبة حركة انسياب المواد الغذائية وغير الغذائية، ومنع الاحتكار، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين. كما تواصل الوزارة تنفيذ جولات من الإدارة المركزية على المحافظات للوقوف على واقع الأسواق، وتحليل أسباب ارتفاع الأسعار، وتقييم أداء المديريات، واستبيان المعوقات لتحسين الأداء بما يتماشى مع أهداف الوزارة في ظل الظروف الراهنة.
كما أشار إلى أنه تم تكثيف سحب العينات من المواد الغذائية وغير الغذائية لتحليلها والتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية، والتدقيق في بطاقة البيان، وضبط المواد المخالفة ومصادرتها من الأسواق. كما تعمل الوزارة بحسب الشوا، على ترسيخ ثقافة الشكوى لدى المواطنين، وتفعيلها بما يضمن سرعة المعالجة وجديتها، بعيدًا عن المصالح الشخصية أو الشكاوى الكيدية، إلى جانب تأهيل دائم للعاملين وزيادة عددهم وتوجيههم لضبط المخالفات بدقة.
غياب التوازن وعدم ثبات المعادلة الاقتصادية
محمد الحلاق، نائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً، ذكر لموقع “تلفزيون سوريا”، أن الأسواق السورية وإن كانت قد تحررت من القيود الشكلية، إلا أن الذهنية التي يعمل بها كثير من البائعين والتجار لا تزال على حالها، ولم تتطور بما يتناسب مع التحولات الاقتصادية الجارية. وأشار إلى أن العديد من الصناعيين، وأصحاب المنشآت السياحية، والتجار، وحتى المزارعين، يضعون هوامش ربحية أعلى من المقبول، مستفيدين من تمركزهم في مناطق تمنحهم قدرة على التحكم في الأسعار، وهو ما يتطلب وقتاً حتى تتوازن الأسعار بشكل طبيعي.
وأضاف الحلاق، أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التجار أو الصناعيين، بل في غياب دور المصرف المركزي في تثبيت سعر الصرف، حيث لم يمارس حتى الآن دوره في تحديد السعر الحقيقي، بل ترك الأمر للصفحات الإلكترونية التي تضع تسعيرة الدولار في السوق السوداء، ما أدى إلى غياب المرجعية الرسمية. ورغم أن سعر الصرف أصبح موحداً لدى معظم الفعاليات الاقتصادية، إلا أن المصرف المركزي لا يزال غير واضح المعالم في آلية التسعير، ما يخلق حالة من الضبابية وعدم الاستقرار.
وشدد الحلاق على أن قوة المستهلك الشرائية هي حلقة أساسية في سلسلة متكاملة، لا يمكن إغفالها. فرغم أن الأسعار اليوم تبدو متوازنة ومقبولة، إلا أن المشكلة تكمن في المصاريف والتكاليف والأعباء التي أثقلت كاهل المواطن السوري. وضرب مثالاً بارتفاع سعر ربطة الخبز من 200 ليرة إلى 4000 ليرة، وهو ارتفاع غير بسيط، أرهق الأسر السورية، إلى جانب ارتفاع أسعار المحروقات، وانقطاع الكهرباء، وما ترتب على ذلك من تكاليف إضافية على الشركات، مثل شراء مستلزمات الطاقة البديلة، وكل ذلك انعكس على الفعاليات الاقتصادية التي تحتاج إلى وقت حتى تتعافى.
وأشار إلى مفارقة واضحة في السوق، حيث أن كل شيء متوفر، ولكن حجم المبيعات أقل من السابق، والاستهلاك انخفض، والعرض كبير، في حين أن الفعاليات الاقتصادية تواجه مصاريف ونفقات مرتفعة. هذا التناقض أدى إلى ضعف حركة البيع، وارتفاع النفقات، وانخفاض المبيعات، ما دفع كثيراً من التجار إلى رفع هوامش الربح لتعويض الخسائر، في ظل غياب التوازن بين العرض والطلب والاستهلاك، وعدم ثبات المعادلة الاقتصادية.
وأوضح الحلاق أن المستهلك يدرك وجود انخفاض في أسعار بعض السلع، ولكن يستغرب في الوقت ذاته ارتفاع أسعار أخرى، مثل الخضار والفواكه، نتيجة لشح المياه، وارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات والنقل، ما يجعلها مرتفعة جداً. وهذا يخلق انطباعاً خاطئاً لدى المستهلك بأن كل الأسعار مرتفعة، رغم أن السلع الغذائية الأساسية انخفضت بنسبة تفوق 35%، بالتوازي مع انخفاض سعر الصرف بنسبة تقارب 30%.
المنافسة لم تنضج في السوق السورية
وبيّن أن المنافسة في السوق السورية لم تنضج بعد، وأن السوق يعاني من تشوهات كثيرة، زادت نتيجة لعدم معرفة الاحتياجات الحقيقية، وعدم وجود تنسيق بين العرض والطلب، وهو أمر طبيعي في ظل الانتقال من اقتصاد السوق الاجتماعي إلى اقتصاد السوق الحر التنافسي، وهو تحول يحتاج إلى عام أو عامين على الأقل، حتى تنتهي دورة البضائع التي دخلت تهريباً، وتبدأ عجلة الإنتاج والبيع والشراء بشكل سليم، وتكتمل قواعد المنافسة.
وطرح الحلاق مثالاً عن استيراد السيارات، حيث ذكر أنه تم وضع قاعدة تمنع استيراد السيارات المستعملة، ولكن السوق لا تزال تغص بها، متسائلاً: “أين الضوابط؟”، موضحاً أن الضوابط الحقيقية يجب أن تكون مرافقة لكل سيارة، من شهادة صلاحية فنية، إلى شرح كامل عن حالتها، وهو ما لم يحدث. فقد تم وضع قواعد من دون ضوابط، ثم صدرت الضوابط لاحقاً بعد دخول السيارات إلى سوريا، وأصبح الفحص الفني إلزامياً عند الترسيم، وهو أمر غير منطقي، ويعكس خللاً في آلية إدارة الاقتصاد، حيث أن من يدير الملف الاقتصادي لا يتواجد فعلياً على الأرض، ولا يراقب ما يحدث في الأسواق، ولا يكفي أن يكون تكنوقراطياً.
وتساءل الحلاق: “إذا كانت الحكومة لم تضع الضوابط حتى الآن، فكيف يُطلب من القطاع الخاص أن يفعل ذلك؟”، مشيراً إلى أن أسعار السلع اليوم تتأثر بعوامل متعددة، منها العرض والطلب والاستهلاك والأسعار الخارجية، ولا يمكن القول إن هناك جهة تتحكم بالأسعار، ولكن إلى الآن لم يتوازن العرض والطلب، ولم تتضح الأمور بشكل شفاف، في ظل وجود تشوهات ناتجة عن كتل نقدية كبيرة جداً بأيدي بعض الأشخاص الذين يعملون في مجالات بعيدة عن اختصاصهم.
وأكد أن قانون المنافسة ومنع الاحتكار قانون جيد، لكنه يحتاج إلى تعديل بسيط في بعض النقاط، والأهم من ذلك هو تفعيل الهيئة المختصة، ومنحها الصلاحيات اللازمة لسبر الأسواق، ومعرفة ما إذا كان هناك إغراق لأي منتج على حساب المنتجات الأخرى، مشدداً على ضرورة إعادة تفعيل هذه الهيئة.
مجموعات واتساب مخصصة للتسعير
وفيما يخص آليات التسعير، أوضح الحلاق أن مجموعات “واتساب” الخاصة بالتسعير أصبحت أكثر توازناً، حيث كانت الشركات تصدر ثلاث نشرات يومياً، أما اليوم فالنشرات أصبحت أكثر وضوحاً واستقراراً، وتسعر وفق سعر الصرف، وطالما أن سعر المادة لم يتغير خارجياً، يبقى سعرها ثابتاً، مع وجود مراقبة مستمرة. وأشار إلى أن بعض الشركات قد تتوقف عن طرح مادة معينة، مثل السردين، ما يدفع شركات أخرى إلى رفع سعرها، وهو أمر طبيعي نتيجة لانخفاض العرض.
وبيّن أن هناك نوعين من النشرات السعرية: واحدة خاصة بالوكلاء، وأخرى لبقية التجار، وتُرسل عبر مجموعات “واتساب”، التي أصبحت اليوم طبيعية جداً، ولا تختلف الأسعار ضمنها إلا عندما يتغير سعر الصرف أو السعر الخارجي للمادة.
وختم الحلاق بالقول إن الأسواق السورية تشوبها كثير من التشوهات، ولا يمكن تحميل المسؤولية للحكومات السابقة أو للتاجر وحده، فالتاجر لم يتطور بعد وفق قواعد السوق التنافسية، ولا يزال يعمل بعقلية تقليدية، لكنه سيُجبر مع الوقت على تطوير نفسه، ليتعلم مفاهيم مثل التحوط، وخدمة ما بعد البيع، والعناية بالزبائن، ويجب أن يدرك أبعاد التجارة الحديثة، لأن السوق تغيرت، وتغيرت قواعدها.
وأشار إلى أن وزارة المالية بدأت بتغيير أدواتها، ما من شأنه أن يعزز المنافسة في السوق، لكنه يحتاج إلى وقت، مؤكداً أن السوق اليوم بحاجة إلى تكامل بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل (في التأمينات والرواتب)، والمصرف المركزي (في سعر الصرف)، ووزارة المالية (في الضرائب)، ووزارة التجارة الداخلية (في الضوابط)، وغرف التجارة والصناعة، وصولاً إلى المستهلك الذي يجب أن يمتلك كتلة نقدية تمكنه من تلبية احتياجاته. فالسوق عبارة عن سلسلة مترابطة، وأي خلل في إحدى حلقاتها ينعكس سلباً على الأسعار والاستقرار الاقتصادي.
الانتقال المفاجئ في آلية التسعير أحدث غبناً للمستهلك
من جانبه قال عبد الرزاق حبزة، أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق وريفها لموقع “تلفزيون سوريا”: أن التسعير المركزي الذي كان معمولاً به سابقاً، سواء للمواد المنتجة محلياً أو المستوردة، كان يعتمد على آلية بدائية تصدر عنها نشرات غير دقيقة، لا يلتزم بها أحد فعلياً، مشيراً إلى أن التجار كانوا يصدرون فواتير غير صحيحة بهدف التهرب من الضرائب والجمارك. وأضاف: “لهذا السبب كنا من الداعمين لتحرير الأسعار، لكن للأسف، الانتقال من النظام القديم في التسعير إلى نظام السوق الحر تم بشكل مفاجئ، من دون أي تهيئة مسبقة لا للتجار ولا للمستهلكين، ما أدى إلى ظهور حالات من الغبن في الأسعار، وفتح الباب أمام الجشع في تسعير السلع”.
وأوضح حبزة أن الفروقات السعرية بين أسواق الهال والأسواق الأخرى باتت كبيرة جداً، حيث تباع السلع في أسواق الهال بأسعار أقل بكثير، ما يعكس خللاً واضحاً في آلية التسعير. وأكد أن الجمعية طالبت الحكومة بالتدخل لوضع حد للربح الفاحش، قائلاً: “عندما يربح التاجر 400% سنوياً على سلعة واحدة، فهذا ربح فاحش يجب ضبطه”.
اتفاق غير معلن بين التجار في تحديد الأسعار
وأشار إلى أن دور الرقابة التموينية في الوقت الراهن يقتصر على متابعة الإعلان عن الأسعار، والغش، والتدليس، من دون التدخل في تحديد الأسعار نفسها، وهو ما أفسح المجال أمام نوع من الاتفاق غير المعلن بين التجار لتحديد الأسعار، خاصة عند ارتفاعها. وأضاف: “أي تاجر يحاول الحفاظ على سعره دون رفعه، يُستبعد من العملية التجارية ويُدفع خارج السوق، وهذا أمر خطير”.
وتحدث حبزة عن سياسة الحكومة الاقتصادية، التي رغم تبنيها لنهج السوق الحر، منعت استيراد بعض السلع حمايةً للمنتج الوطني، وهو ما انعكس سلباً على المستهلك. وأوضح أن عدة عوامل اجتمعت مؤخراً وأسهمت في رفع الأسعار، منها تقلبات سعر الصرف، الظروف الجوية، شح المياه، وانقطاع الكهرباء، وكلها لعبت دوراً سلبياً في تحديد الأسعار.
وشدد على ضرورة أن تدرس الحكومة السوق بشكل دقيق، لمعرفة حاجاته الفعلية ومدى توفر المواد، بما يضمن التوازن بين العرض والطلب. وكشف أن الجمعية أرسلت عدة طلبات للحكومة لتشكيل لجان متخصصة لدراسة حاجة السوق، وتحديد توقيت فتح أو إغلاق الاستيراد. وقال: “عندما تم وقف استيراد البيض والفروج وبعض أنواع الفواكه، ارتفعت الأسعار مباشرة لأن السوق لم يكن فيه أي كفاية”.
مستوردون يتحكمون بالأسواق
وطالب حبزة وزارة التجارة الداخلية بتحديد مفهوم الربح الفاحش ونسبته بدقة، مشيراً إلى أن المستوردين القدامى لا يزالون يتحكمون بالأسواق، وهو ما يستدعي إدخال مستوردين جدد لكسر الاحتكار وتحقيق المنافسة الحقيقية. وأضاف: “لا توجد منافسة حتى الآن، ولا تزال ثقافة السوق الحر غائبة عن الفعاليات الاقتصادية”.
ووصف حبزة المرحلة الحالية بأنها تشهد تخبطاً واضحاً في الانتقال من التسعير المركزي إلى التسعير الخاضع لآليات السوق الحر التنافسي، مؤكداً أن سعر الصرف أثر سلباً على السوق، وأن الجمعية تطالب بوجود تشاركية حقيقية في اتخاذ القرارات الاقتصادية، عبر إشراك أهل الاختصاص قبل إصدار أي قرار.
وكشف أن الأسواق شهدت ارتفاعاً في الأسعار بنسبة تقارب 25%، داعياً إلى دراسة العوامل المحيطة بالإنتاج المحلي بشكل علمي. وقال: “عندما يتم دعم الإنتاج المحلي بشكل فعلي، ويصبح قادراً على الوقوف على قدميه، يمكن حينها إيقاف الاستيراد. أما أن نوقف الاستيراد ونحن غير قادرين على الإنتاج لسد حاجة السوق، فهذه مشكلة حقيقية”.
في ضوء ما سبق، يتضح أن ضبط الأسواق السورية لا يقتصر على تكثيف الجولات الرقابية أو تنظيم الضبوط التموينية، بل يتطلب معالجة أعمق للبنية الاقتصادية، تبدأ من إصلاح السياسات النقدية وتفعيل دور المصرف المركزي، مروراً بتحديد واضح لمفاهيم الربح الفاحش، وانتهاءً بكسر حلقات الاحتكار وإرساء قواعد المنافسة العادلة. وفي حين تبذل وزارة التجارة الداخلية جهوداً ميدانية متواصلة، تبقى فعالية هذه الإجراءات مرهونة بقدرتها على التفاعل مع الواقع الاقتصادي المتغير، وتطوير أدواتها بما يضمن حماية المستهلك، واستقرار السوق، واستعادة الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات المعنية.
تلفزيون سوريا
————————–
حاكم مصرف سوريا المركزي للجزيرة نت: هيئة ضمان الودائع ستعيد الثقة بالبنوك/ شام السبسبي
27/8/2025
دمشق– عانى القطاع المصرفي في سوريا خلال عهد نظام بشار الأسد من الفساد المستشري والكثير من العوائق المالية في ظل قيود مشددة على السحب والتحويل وعقوبات دولية خانقة، مما أدى إلى انهيار ثقة المودعين فيه وهروب الكثير منهم بأموالهم خارج البلاد.
ولتجاوز إرث النظام السابق، بدأت في سوريا بوادر مرحلة جديدة تسعى لإعادة ترميم الثقة بين المواطنين وقطاعهم المصرفي، وتعزيز الاستقرار المالي في البلاد.
في هذا السياق، أعلن مصرف سوريا المركزي، يوم الجمعة الماضي، عن استحداث (هيئة ضمان الودائع) في خطوة قال المصرف إنها تهدف لحماية أموال المودعين، ودعم الثقة العامة بالنظام المصرفي، وتهيئة بيئة استثمارية ملائمة.
وقال حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية للجزيرة نت إن إنشاء هذه الهيئة في الوقت الحالي يأتي في ظل “الحاجة الملحة لتعزيز ثقة الجمهور بالنظام المصرفي السوري، وخصوصا في وقت تمر فيه البلاد بظروف اقتصادية صعبة”.
وأضاف الحصرية: “تهدف هذه المؤسسة إلى حماية حقوق المودعين، وضمان استقرار القطاع المصرفي، مما يسهم في تعزيز الاستقرار المالي وتشجيع الادخار والاستثمار، وهذا أمر أساسي لدعم الإصلاح الاقتصادي والتنمية المستدامة”.
أداة للإصلاح
وصف حاكم مصرف سوريا المركزي هيئة ضمان الودائع بـ”الأداة المحورية” في عملية الإصلاح الاقتصادي، مشيرا إلى أنها توفر بيئة مالية مستقرة وجاذبة للمدخرات، مما ينعكس إيجابا على توفير السيولة اللازمة للنشاط الاقتصادي.
وأكد الحصرية أن إحدى دوافع إنشاء هذه الهيئة كانت “الرغبة في تعزيز الثقة بالمصارف دعما لعملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتحسين كفاءته، وبالتالي دعم النمو الاقتصادي الشامل”.
وحول التحديات التي قد تواجه عمل الهيئة في المستقبل القريب، قال الحصرية إنها تتمثل في “ضعف البنية التحتية المصرفية، وضعف رأس المال لدى بعض المصارف، وعدم انتظام الأداء المالي لبعض المؤسسات، إلى جانب الظروف الاقتصادية العامة، وغياب الشفافية أحيانا ما قد يشكل عائقا أمام تطبيق معايير ضمان الودائع بكفاءة”.
غير أن الحصرية أكد أن المؤسسة ستعمل عند تأسيسها “بشكل متكامل مع الجهات الرقابية لتعزيز قدراتها وتطوير آليات المراقبة والتقييم بما يضمن تنفيذ مهامها بفعالية”.
وقال حاكم مصرف سوريا المركزي إن المسؤولين سيتخذون عدة إجراءات لضمان فعالية وكفاءة الهيئة المستحدثة، وهي:
بناء تشريعات واضحة تضمن استقلال وفعالية الهيئة.
آليات رقابة صارمة تشمل تقارير دورية شفافة تقدمها للجهات المختصة والرأي العام.
تخصيص موارد مالية مناسبة لدعم عمل المؤسسة.
اعتماد برامج تدريبية وبنية تقنية متطورة لضمان تنفيذ مهامها على أرض الواقع.
التعاون المستمر مع الجهات الرقابية والمالية لتعزيز الالتزام وتحقيق الأثر المطلوب.
حوافز واستثمارات
حول حجم التأثير المتوقع لإنشاء هيئة ضمان الودائع على ثقة المودعين بالنظام المصرفي، قال الخبير الاقتصادي أسعد العشي إن أبرز التأثيرات في هذا الإطار تتعلق بصغار المودعين، إذ إن سقف الحماية المحدد عادة ما يكون عند عتبة 100 ألف دولار أو يورو، وهو ما يشكل حافزا لهؤلاء لإيداع أموالهم في المصارف السورية.
وأشار العشي، في حديث لـ(الجزيرة نت) إلى أن الهيئة يمكن أن تشجع وتجذب رؤوس أموال المغتربين السوريين، إذ يمكن أن يشجعهم الضمان على نقل مدخراتهم من حسابات التوفير في بلدان الاغتراب إلى الداخل السوري، خاصة وأن المصارف المحلية تمنح فوائد أعلى مقارنة بما هو متاح في الخارج.
وستشجع الهيئة، وفقا للعشي، على تنشيط حركة الاستثمارات والحوالات المالية للمغتربين والمغتربات باتجاه الداخل، سواء لدعم أهاليهم، أو للاستفادة منها باستثمارات صغيرة في سوريا، أو تحويلها إلى حسابات الادخار وحسابات التوفير التي قد يتم فتحها في المصارف السورية.
ويعتبر الخبير الاقتصادي أن الكتلة المالية الكبرى في الأنظمة المصرفية لا تقتصر بالضرورة على كبار المودعين، بل قد تشكل ودائع صغار المودعين الجزء الأكبر منها، وبالتالي فإن حمايتهم تعتبر أولوية لضمان استقرار رأس المال وتعزيز قدرة المواطنين المالية.
ومن شأن ذلك، كذلك، أن يشجع على الإيداع المصرفي ويحول المصارف السورية إلى أدوات استثمارية حقيقية “لا تقتصر وظيفتها على الجانب التجاري فقط، بل تمتد إلى استثمار الأموال في مشاريع تنموية، وفي مقدمتها مشاريع إعادة الإعمار” وفق الخبير.
وتوقع العشي أن يسهم هذا التوجه في دمج سوريا بشكل أوسع في النظام المالي العالمي، نظرا لكون الجزء الأكبر من الأموال سيدخل من الخارج إلى الداخل، مما يزيد الحاجة إلى تعزيز الروابط بين المصارف السورية والمصارف الدولية.
ورجّح الخبير أن يشجع ذلك المصارف الوسيطة في أوروبا أو الولايات المتحدة أو غيرها على لعب دور أكثر فعالية في التعامل مع المصارف السورية، مما يعزز بدوره الثقة بالنظام المصرفي السوري وبالضمانات التي يقدمها لصغار المودعين.
تأثير نفسي إيجابي
وحول قدرة هيئة ضمان الودائع على خلق شبكة أمان حقيقية في ظل الوضع الاقتصادي والمالي الحالي، قال المحلل الاقتصادي ملهم الجزماتي إن الهيئة الوليدة تواجه تحديا مزدوجا، فمن جهة ثمة حاجة ماسة لاستعادة ثقة المودعين الذين فقدوا جزءا كبيرا من مدخراتهم بسبب التضخم وتدهور العملة، ومن جهة أخرى تعاني الهيئة من محدودية الموارد المالية والتقنية اللازمة لتوفير حماية فعّالة.
وأوضح جزماتي، في تعليق لـ (الجزيرة نت)، أن إعلان مصرف سوريا المركزي عن تشكيل هيئة ضمان الودائع أتى في توقيت حرج يشهد فيه الاقتصاد السوري تحديات استثنائية بشكل عام، والجهاز المصرفي السوري بشكل خاص، فتراجع الثقة بالمصارف السورية، وانخفاض الودائع، وخروج المصارف الأجنبية من السوق السورية خلال سنوات الحرب، كلها عوامل أدت، وفق الخبير، إلى انهيار شبه تام للمنظومة المصرفية السورية.
وعليه، يرى الخبير الاقتصادي أن فعالية الهيئة ستكون محدودة في السنوات الأولى ولا يمكن توقع معجزات فورية منها، لكن في المقابل يشير جزماتي إلى أن التأثير النفسي الإيجابي على المودعين قد يكون أهم من التأثير المالي المباشر في البدايات.
أما على المدى المتوسط، فيتوقع جزماتي أن تلعب الهيئة دورا مهما في استقرار النظام المصرفي، لكن بشرط تحسن الوضع الاقتصادي العام، مشيرا إلى أن ذلك يتطلب استثمارات كبيرة في بناء القدرات والأنظمة، وهو ما قد يكون صعبا في الظروف الحالية.
منظومة متكاملة
وفيما يتعلق بالفرق بين الوضع الحالي للمودعين ومرحلة ما بعد تفعيل الهيئة، يوضح جزماتي أن المودع السوري يفتقد اليوم إلى ضمان قانوني واضح، ويعاني من تجميد الودائع وتحريرها ببطء، مما ولّد حالة قلق دفعته إلى “سلوكيات دفاعية” كالاحتفاظ بالأموال في المنازل أو اللجوء للعملات الأجنبية، وكانت نتيجة ذلك “نظام مصرفي ضعيف وودائع محدودة تعيق النمو الاقتصادي”.
ومن المتوقع أن تشهد مرحلة ما بعد تفعيل هيئة ضمان الودائع حصول المودع لأول مرة على حماية قانونية صريحة ضمن سقف محدد، مع مساواة في مستوى الأمان بين المصارف العامة والخاصة، وآليات تعويض أسرع في حال التعثر، مما من شأنه أن يعيد تدريجيا الثقة بالمصارف، ويرفع حجم الودائع، ويفتح المجال أمام منافسة أفضل، خاصة لصالح المصارف الخاصة، وفق الخبير.
وعن حجم المساهمة المتوقعة لهيئة ضمان الودائع في عملية الإصلاح الاقتصادي الأوسع التي تجري، يؤكد جزماتي أن الهيئة تقف في “قلب المنظومة المتكاملة لإعادة بناء الاقتصاد”، مشيرا إلى أن قرار إنشائها جاء بالتزامن مع قرارات أخرى أعلن عنها حاكم المصرف المركزي وهي إصدار العملة الجديدة، وإصلاح القطاع المصرفي، وترخيص مصارف جديدة، مما يشي بوجود إستراتيجية إصلاحية متكاملة.
لكن جزماتي يستبعد أن تحل الهيئة كل المشاكل الاقتصادية، إلا أنها ضرورية لنجاح الإصلاحات عبر تعزيز مصداقية الإصدار النقدي، وفرض الحوكمة والشفافية، وتحسين إدارة المخاطر بالمصارف، وتوفير حماية للودائع لجذب الاستثمارات.
المصدر: الجزيرة
—————————–
ما أبرز ملامح القانون المالي الأساسي الجديد في سوريا
إشارة إلى اللامركزية وصلاحيات لماهر الشرع
أنجزت وزارة المالية السورية، الأربعاء 27 من آب، إعداد القانون المالي الأساسي الجديد ليحل محل القانون المالي الأساسي “رقم 54” لعام 2006.
وقال وزير المالية السوري محمد برنية، عبر “لينكد إن“، إنه “بعد توزيع المسودة الأولى من القانون للتشاور العام (قبل أكثر من شهر) استلمت الوزارة عشرات الملاحظات والمقترحات، وتم أخذها في الاعتبار”.
وأضاف أن القانون (المتضمن 103 مواد) يهدف إلى “تعزيز الحوكمة الرشيدة في إدارة المال العام”.
اللامركزية الإدارية واعتمادات الكوارث
وكان لافتًا ما نصت عليه “الفقرة 2” من المادة السادسة من القانون المالي الأساسي الجديد (حصلت عنب بلدي على نسخة منه) التي ذكرت “اللامركزية” في إشارة إلى “الوحدات الإدارية المحلية اللامركزية”.
وذكرت الفقرة أنه “اللامركزية لا تخل بالمسؤولية القانونية للموظفين المكلفين بالأعمال والمهام المالية والمحاسبية في حال مخالفتهم لأحكام هذا القانون أو القوانين أو الأنظمة والقرارات المتعلقة به”.
وتنص “المادة 17” من القانون أنه “إذا لم يتم إقرار الموازنة العامة للدولة من قبل مجلس الشعب قبل بدء السنة المالية التي وضع لها، تفتح اعتمادات شهرية مؤقتة بمرسوم على أساس جزء من 12 جزءًا من اعتمادات السنة المالية السابقة”، وهو ذاته ما يتم تطبيقه حاليًا من خلال “الموازنة الاثني عشرية” التي أعلنت عنها المالية بداية العام 2025، بعد إلغاء قانون موازنة النظام السابق.
وتخول المادة “19” الأمين العام لرئاسة الجمهورية (حاليًا ماهر الشرع) بـ”فتح الاعتمادات اللازمة بقرار من الوزير المختص في حالات الكوارث أو الظروف الاستثنائية التي تهدد أمن الدولة، أو مصالحها العليا ومواجهة المتغيرات الاقتصادية غير المتوقعة التي تؤثر على تنفيذ الموازنة العامة للدولة”.
“السلطة التشريعية” المخولة إقرار الموازنة العامة
وحسب “المادة 26” من القانون “تتولى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية دراسة مشروع الموازنة العامة، وبعد اعتماد صيغته النهائية ترفعه إلى رئيس الجمهورية مرفقًا بتقرير الوزير (وزير المالية) لإحالته إلى مجلس الشعب، وذلك قبل 60 يومًا على الأقل من بداية السنة المالية التي تعود لها تلك الموازنة”.
فيما ذكرت المادة “27” أنه يتم إقرار الموازنة من قبل السلطة التشريعية (دون تحديد ما إذا كان المعني بها رئيس الجمهورية أم مجلس الشعب أو كلاهما).
وتشير المادة “32” إلى اعتماد المركزية أساسًا في صرف النفقات، ويجوز تطبيق اللامركزية بشكل منضبط ومحدد في بعض الحالات، ريثما تستكمل المتطلبات التقنية والفنية اللازمة لتعزيز مركزية الصرف (دون تحديد ما هي تلك الحالات). ويتم تطبيق المركزية في توريد الإيرادات للخزينة العامة للدولة حسب المادة “47”.
مبادئ القانون المالي الأساسي
ويشمل القانون الجديد، وفقًا لوزير المالية العديد من المبادئ :
ترسيخ وحدة الموازنة العامة، فقد تم النص على إدراج جميع ايرادات الدولة ونفقاتها ضمن الموازنة العامة.
تعزيز الشفافية والرقابة، حيث تم التشديد على اعتماد الرقابة المسبقة والآنية المرافقة لعمليات الصرف، اضافة إلى الرقابة اللاحقة.
التحيط المالي متوسط الأجل، حيث تم التأكيد على ربط الموازنة بالخطة الوطنية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وخطط الوزارات والهيئات.
ضبط إدارة الدين العام، فقد تم وضع ضوابط أكثر تفصيلًا وتشديدًا لعمليات الاقتراض الداخلي والخارجي، بما يكفل تحقيق الاستدامة المالية.
تعزيز الكفاءة في الإنفاق، إذ سيتم الانتقال من التركيز على البنود التقليدية للإنفاق إلى ربط التمويل بتحقيق نتائج وأهداف محددة، بما يمهد لتهيئة الظروف المناسبة للانتقال التدريجي نحو موازنة البرامج والأداء.
الموازنات المستقلة للجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي، تم التأكيد على أن جهات القطاع العام ذات الطابع الاقتصادي تتمتع بالاستقلالين المالي والإداري، ولذلك مُنحت المرونة الكافية في إدارة رأسمالها، دون أن تُلزم وزارة المالية بتغطية عجزها.
التأكيد على الاستقلال المالي للوحدات المحلية والوقفية، حيث جرى التأكيد على منحها استقلالية مالية، مع استمرار خضوعها للإشراف المركزي من قبل وزارة المالية عبر إلزامها بتقديم تقارير دورية عن نشاطها المالي.
تحسين كفاءة العمليات المحاسبية، فقد تم التأكيد على الالتزام بمبدأ الاستحقاق وتطبيق معايير المحاسبة الدولية في القطاع العام، مع الإبقاء على هامش من المرونة.
توسيع مبدأ المساءلة المالية، تم إلزام الجهات العامة بمسؤوليات واضحة ومحددة في مجال التنفيذ، مع الإبقاء على سلطة الإشراف والرقابة بيد وزارة المالية، إلى جانب تعزيز دور الأجهزة الرقابية.
وأشار وزير المالية السوري، إلى أن هذا القانون سيأخذ مسار الإصدار، معتبرًا أنه “لا يزال هناك متسع لاستلام ملاحظات حوله”.
تأخير في إنجاز القانون
اللجنة المشكلة لإعداد القانون المالي الأساسي، بدأت أعمالها في 29 حزيران الماضي، أي أنها استغرقت نحو شهرين لإنجاز أعمالها، علمًا أن قرار تشكيل اللجنة من قبل وزير المالية حدد لها فترة أقصاها 15 من تموز لتقديم نتائج أعمالها.
القرار الذي سبق ونشرته تفاصيله عنب بلدي، يستهدف “تحقيق تغيير نوعي في القانون، لتنظيم أفضل لإدارة الصرف والإيرادات، والخروج من القيود المركزية، واستخدام الدفع الرقمي وتطوير مهام المراقب المالي ومسؤولياته وغيرها”.
وتتشكل اللجنة من:
نائب وزير المالية، محمد عبد الحليم أبا زيد: مشرفًا
مستشار وزير المالية، محمد حمندوش: عضوًا
رئيس قسم المحاسبة في كلية الاقتصاد بجامعة “دمشق”، بطرس ميالة: عضوًا
مديرة الموازنة العامة، رانيا تغلبي: عضوًا
مديرة الخزينة، مثال هويدي: عضوًا
ممثل واحد عن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش على ألا تقل عن مرتبة مدير: عضوًا
ممثلين اثنين عن الجهاز المركزي للرقابة المالية على ألا تقل عن مرتبة مدير: عضوًا
عنب بلدي
———————————-
رسائل اقتصادية وسياسية من معرض دمشق الدولي بعد سنوات من الغياب
دمشق– بعد غياب دام 6 سنوات، شهدت العاصمة السورية دمشق عودة معرضها الدولي بنسخته الـ 62 تحت شعار “سوريا تستقبل الجميع”، بمشاركة 22 دولة عربية وأجنبية وأكثر من 800 شركة من مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية والتعليمية والصحية والتراثية.
وافتتح المعرض بحضور رسمي تقدمه الرئيس السوري أحمد الشرع، لتتحول ساحاته إلى ملتقى تجاري واستثماري واسع، يتجاوز كونه مجرد فعالية اقتصادية نحو كونه حدثًا سياسيًا واجتماعيًا يحمل دلالات أوسع.
مشاركات دولية واسعة
وبرزت مشاركة المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر والأردن والكويت إلى جانب السفارة الفلسطينية، في حين حضرت شركات ومؤسسات من دول أخرى عربية وأجنبية، لتفتح من جديد نافذة سوريا على العالم.
المشاركة الدولية في المعرض شكلت مؤشرًا على رغبة في إعادة دمج سوريا اقتصاديًا (الجزيرة)
الحضور العربي الواسع حمل رسائل سياسية عن كسر العزلة السورية الناجمة عن حقبة نظام بشار الأسد المخلوع (الجزيرة)
وأوضح مصطفى خطيب، المدير التنفيذي لقسم التسويق في مؤسسة شام للدعاية والإعلان، أن المعرض استقبل وفودًا من 22 دولة بمشاركة ما يقارب 800 شركة، في صورة تعكس الرغبة بإعادة وصل الاقتصاد السوري بمحيطه.
وأضاف أن التنظيم كان على مستوى عالٍ، حيث أسهمت الإجراءات الأمنية والتنظيمية في تسهيل حركة دخول وخروج آلاف الزوار، بينهم مؤثرون وأكاديميون عرب جاؤوا من خارج البلاد وداخلها.
شهادات زوار وتجارب مباشرة
الزائرة هدى عمار وصفت الإقبال الكبير بأنه “مفاجأة سارة وصادمة في الوقت ذاته”، مؤكدة أن حجم التنظيم والجهود المبذولة يعكسان طاقات سورية كانت غائبة لسنوات.
وقالت إن المعرض منح السوريين فرصة للشعور بالفرح، مع فعاليات متنوعة شملت مسابقات ومدينة ألعاب للأطفال، مضيفة: “اليوم أشاهد الابتسامة على وجوه الناس وهم يعيشون لحظة اقتصادية واجتماعية مختلفة”.
أما أحمد الزعيم، الذي قطع مسافة 400 كيلومتر من إدلب إلى دمشق لحضور المعرض لأول مرة، فقال إنه وجد الفعالية أكبر مما توقع من حيث التنظيم وحجم المشاركات. وأضاف أن سوريا “قادرة على استقبال الجميع”، وأن أبناءها “قادرون على البناء والخروج من الركام كما النار التي تبقى تحت الرماد”.
أبعاد اقتصادية ومعرفية
لم يقتصر الحدث على الشركات التجارية والاستثمارية فحسب، بل شهد حضورًا واسعًا للقطاعات الصناعية والزراعية والطبية والغذائية والدوائية، إلى جانب الجامعات السورية التي عرضت ابتكارات طلابها.
كما شاركت وزارات رئيسية، بينها وزارة الاقتصاد ووزارة الطوارئ والكوارث، في خطوة تحمل رمزية مضاعفة حول دور المؤسسات الرسمية في إعادة الإعمار واستعادة الحضور السوري.
وقال مصطفى خطيب إن مشاركة القطاعين العام والخاص مع مستثمرين من مختلف الدول يعكس صورة عن بداية عودة النشاط الاقتصادي إلى البلاد بعد 14 عامًا من الحرب. وأكد أن المعر ض وفر منصة لتلاقي القطاعات الاقتصادية التقليدية مع مجالات حديثة كالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الصناعية.
رمزية سياسية واجتماعية
حمل المعرض في طياته رسائل سياسية عن انفتاح سوريا بعد سنوات من الحرب والعزلة. مشاركة دول عربية بارزة، إلى جانب شركات سورية، عكست استعدادًا تدريجيًا لعودة سوريا إلى المشهد الإقليمي والدولي.
وتميّز جناح وزارة الطوارئ والكوارث بخصوصية لافتة، إذ عرض معدات استخدمت في إنقاذ المدنيين شمال البلاد خلال الحرب، وبينها سيارة دفاع مدني تعرضت للقصف المباشر. وقد تحول الجناح إلى شاهد رمزي على سنوات الحرب، لكنه وُضع هذه المرة وسط المعرض الدولي في دمشق كرسالة عن القدرة على تجاوز آثار الدمار.
رسائل أبعد من الاقتصاد
تحوّل معرض دمشق الدولي في دورته الحالية إلى أكثر من مجرد حدث اقتصادي، إذ بدا منصة للتواصل بين السوريين والعالم، وفرصة لعرض إمكانيات كامنة رغم الجراح الطويلة.
وبمشاركة 22 دولة وأكثر من 800 شركة شكّلت إشارة إلى رغبة متزايدة في إعادة وصل الاقتصاد السوري بالأسواق الإقليمية والدولية.
ومع رمزية الافتتاح الرسمي من قبل الرئيس أحمد الشرع، فإن الفعالية حملت رسالة سياسية مفادها أن سوريا تسعى للخروج من عزلتها واستعادة موقعها الاقتصادي، وسط تساؤلات حول ما إذا كان هذا الزخم يمكن أن يتحول إلى مسار مستدام لإعادة الإعمار والتنمية.
المصدر: الجزيرة
————————
وزارة التجارة الأمريكية تخفف ضوابط التصدير إلى سوريا
القرار يسمح بالسلع المدنية والتكنولوجيا مع رقابة على الاستخدامات المزدوجة
أعلنت وزارة التجارة الأمريكية، من خلال مكتب الصناعة والأمن (BIS)، عن نشر قاعدة جديدة تخفف متطلبات الترخيص الخاصة بالصادرات المدنية إلى سوريا.
تأتي هذه القاعدة تنفيذًا للسياسة المتعلقة بسوريا الواردة في الأمر التنفيذي رقم 14312 الصادر في 30 يونيو 2025 بعنوان: “إلغاء العقوبات على سوريا”. وقد أكد الأمر التنفيذي التزام الولايات المتحدة بدعم سوريا مستقرة وموحدة وفي سلام مع نفسها وجيرانها. كما نص على إزالة العقوبات المفروضة على سوريا، وأصدر إعفاءات تسمح بتخفيف ضوابط التصدير المفروضة عليها.
وبموجب القاعدة الجديدة، يمكن للسلع والبرمجيات والتكنولوجيا الأمريكية المنشأ، ذات الاستخدامات المدنية البحتة (المصنفة ضمن لوائح BIS كـ “EAR99”)، بالإضافة إلى أجهزة الاتصالات الاستهلاكية وبعض المواد المتعلقة بالطيران المدني، أن تُصدر إلى سوريا دون الحاجة إلى ترخيص تصدير. كما تسهل القاعدة إجراءات الموافقة على تراخيص الصادرات المتعلقة بالبنية التحتية للاتصالات والصرف الصحي وتوليد الطاقة والطيران المدني. أما باقي الطلبات الخاصة بالصادرات ذات الاستخدام المزدوج إلى سوريا فسيتم النظر فيها على أساس كل حالة على حدة. وسيواصل مكتب الصناعة والأمن فرض قيود على الصادرات حين تكون الجهات المستفيدة أطرافًا خبيثة، بما في ذلك بعض الأفراد والكيانات السورية التي ما زالت خاضعة للعقوبات.
وقال جيفري كيسلر، وكيل وزارة التجارة لشؤون الصناعة والأمن:
“تأتي هذه الإجراءات وفاءً بوعد إدارة ترامب بفتح صفحة جديدة أمام الشعب السوري وهو يسعى نحو مستقبل مستقر ومزدهر تحت قيادته الجديدة. وفي الوقت نفسه، سيبقى مكتب الصناعة والأمن يقظًا لمنع الأطراف السيئة حول العالم من الوصول إلى السلع والبرمجيات والتكنولوجيا الأمريكية.”
———————
قرارات أميركية تسرّع نمو الاقتصاد السوري وجذب الاستثمارات
31 اغسطس 2025
من المتوقع أن يؤدي قرار وزارة التجارة الأميركية، بتخفيف ضوابط التصدير المفروضة على سورية، إلى فتح أفق أوسع للاستثمار والنمو والدمج بالاقتصاد العالمي. ويمثل القرار الذي سيسمح لسورية باستيراد المواد ذات الاستخدام المدني في القطاعات الحيوية والمصنفة تحت بند (EAR99)، تحولاً مهماً يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي وإعادة الإعمار.
واعتبر الخبير الاقتصادي السوري خالد التركاوي، أن القرار خطوة محورية نحو إعادة دمج الاقتصاد السوري بالمنظومة العالمية. وأوضح لوكالة الأنباء القطرية “قنا” أن السماح باستيراد وتصدير السلع الاستهلاكية والتكنولوجية سيسهم في تقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية وفتح أفق أوسع للاستثمار والنمو. وأضاف أن القرار يمكن أن يعزز قدرة الشركات السورية على استيراد المعدات والمواد الأساسية بشكل أسرع وأكثر فعالية، ما يدعم جهود إعادة الإعمار ويحفز النشاط التجاري المحلي.
الاقتصاد السوري يستفيد من التكنولوجيا الأميركية
وأشار التركاوي إلى أن الأهمية الكبرى تكمن في فتح الباب أمام التكنولوجيا الأميركية الحيوية، حيث ستتمكن الشركات والأفراد من استخدام أنظمة تشغيل مثل “ويندوز” و”أندرويد” إلى جانب برامج هندسية متخصصة مثل “أوتوكاد”، وهو ما سيساعد في تسريع وتيرة إعادة الإعمار وتطوير قطاع الاتصالات. وأوضح أن القرار قد يسهم كذلك في جذب استثمارات أجنبية جديدة، خاصة في مجالات الطاقة والطيران المدني.
سيارة كهربائية، معرض دمشق الدولي، 28 أغسطس 2025 (العربي الجديد)
سيارات
إطلاق خدمة السيارة الكهربائية في السوق السورية
ولفت إلى أن صفقات مثل إعادة تطوير مطار دمشق الدولي مثال على عودة الثقة التدريجية في السوق السورية، وأضاف أن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب إصلاحات تشريعية وإدارية لتبسيط الإجراءات أمام المستثمرين، إلى جانب تحديث القطاع الخاص المحلي لقدراته التقنية عبر الاعتماد على خدمات الحوسبة السحابية والمنصات الرقمية العالمية التي لم تكن متاحة بشكل كامل سابقاً، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التحديات ما تزال قائمة، خاصة في ما يتعلق بتجهيزات البنوك والطيران والقطاعات الأساسية الأخرى التي تحتاج إلى تحديث عميق لتتمكن من الاستفادة الكاملة من القرار.
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية يوم الاثنين الماضي، إزالة لوائح العقوبات المفروضة على سورية من مدونة القوانين الفيدرالية، فيما أصدر مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة، مساء الخميس، قاعدة تسهل متطلبات ترخيص الصادرات المدنية إلى سورية.
خفض كلفة التعاملات مع سورية
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي يونس الكريم، أن القرار الأميركي يعد تحولاً استراتيجياً في السياسة تجاه سورية ويمثل سابقة بإنهاء حالة الطوارئ الخاصة بالبلاد، واعتبر أن ذلك يعكس تخفيفاً جوهرياً في مستوى التدقيق والرقابة الأميركية. وقال للوكالة ذاتها، إن القرار يفتح المجال أمام الحكومة السورية للتعامل المباشر ليس فقط مع الولايات المتحدة بل مع حلفائها في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك دول المعسكر الشرقي مثل الصين وروسيا، موضحاً أن العقوبات كانت ترفع كلفة التعاملات مع سورية وتجعل التعاون محفوفاً بالمخاطر، في حين أن رفعها سيؤدي إلى خفض الكلفة وإتاحة توقيع عروض تنافسية لصالح الاقتصاد السوري.
وأضاف أن القرار يشير أيضاً إلى مرونة سياسية من جانب واشنطن يمكن أن تتيح للحكومة السورية الاستفادة من مساعدات عربية وأوروبية، فضلاً عن إمكانية الحصول على منح ومساعدات من منظمات إنسانية أميركية على شكل معدات أو أموال، كما أكد أن رفع القيود على المواد والتكنولوجيا الأميركية سيخفض كلفة إعادة الإعمار بنحو 30 %، مشيراً إلى أن سورية قد تستفيد مباشرة من التكنولوجيا الأميركية في إعادة بناء الحقول النفطية ومعالجة مشكلات المياه، وهما قطاعان بالغا الأهمية للاقتصاد الوطني.
وبشأن الاستثمارات الخارجية، رأى أن القرار يوفر عاملاً محفزاً، لكنه شدد على أن جذب الاستثمارات يتوقف على ثلاثة عناصر أساسية هي وجود رؤية اقتصادية واضحة ومؤسسات قادرة على التنفيذ، وتوافر الأمن والأمان، ورفع العقوبات. وأوضح أن المستثمرين يرفعون من توقعاتهم للأرباح لتغطية المخاطر في ظل غياب الرؤية والاستقرار الكامل، ما يجعل الكلفة مرتفعة جداً، غير أن رفع العقوبات يظل العامل الأهم في تشجيعهم على دخول السوق السورية، واعتبر أن نجاح العام الأول من تطبيق القرار من دون إشكالات أمنية سيشكل اختباراً حاسماً لجدية الاستثمارات الدولية.
كما أشار الخبير الاقتصادي يونس الكريم إلى أن الحكومة السورية تستطيع الاستفادة من هذه الفرصة عبر بناء مؤسسات اقتصادية قوية، وإعلان خريطة استثمارية واضحة تركز على القطاعات التي شملها رفع القيود، وتنظيم مؤتمرات دولية لدعوة المستثمرين والشركاء العرب والدوليين، لكنه حذر من أن التحديات ما تزال كبيرة على الصعيدين الإداري واللوجستي، إضافة إلى ضعف موارد القطاع الخاص السوري الذي انتقل قسم كبير منه إلى الخارج، ما يتطلب استراتيجية جادة لإعادة دمجه وتحفيزه على الاستثمار في الداخل.
إعادة إعمار سورية
من جهته، أكد الباحث في الاقتصاد الدولي والتمويل محمد غزال، أن القرار يمثل تحولاً مهماً في السياسة الاقتصادية الأميركية تجاه سورية، مشيراً إلى أن الاستثناءات الجديدة تسمح بتصدير السلع المدنية غير المحظورة من دون ترخيص مسبق، وهو ما يخفف القيود الإجرائية ويخفض تكاليف التوريد، وأوضح أن الانعكاس المباشر للقرار يتمثل في تحسين استمرارية الخدمات الأساسية وتسريع عمليات الصيانة والإنتاج في قطاعات الكهرباء والاتصالات والطيران المدني، بما يؤدي إلى تحسين جودة المخرجات وتخفيف الأعباء على هذه القطاعات.
وأضاف أن فتح الباب أمام التكنولوجيا الأميركية يشكل عنصراً محورياً في إعادة الإعمار، حيث يسمح بإدخال معدات أكثر كفاءة وموثوقية تقلل من الاعتماد على بدائل أقل جودة وأعلى تكلفة، وهو ما يسرع إعادة بناء المرافق الحيوية ويسهم في تسريع التعافي الاقتصادي العام. وفي ما يتعلق بالاستثمارات، أوضح أن القرار يقلص من المخاطر التنظيمية أمام الشركات الأجنبية، الأمر الذي قد يشجع على تدفق استثمارات جديدة في قطاعات الطاقة والاتصالات والطيران المدني، لكنه شدد على أن حجم هذه الاستثمارات سيبقى مرتبطاً بقدرة النظام المالي السوري على توفير قنوات دفع وتأمين آمنة، إضافة إلى تقديم الحوافز المناسبة للمستثمرين.
ورأى أن القرار يمنح سورية فرصة لإعادة الاندماج التدريجي في الاقتصاد العالمي عبر التجارة والتكنولوجيا، معتبراً أن ذلك يتطلب تطوير أطر تشريعية وتنظيمية واضحة تتماشى مع القوانين الدولية وتحسين بيئة الاستثمار بما يضمن الشفافية والحوكمة. كما أكد أن التحدي الأكبر يكمن في الوصول إلى قنوات مالية وتأمينية فعالة، إذ قد تتردد المصارف وشركات التأمين في التعامل مع السوق السورية رغم التخفيف الحاصل، كما أن ضعف البنية الإدارية واللوجستية يستدعي إصلاحات عاجلة في أنظمة المشتريات والتعاقدات.
وأضاف أن القطاع الخاص السوري يحتاج إلى إعادة تأهيل وبناء قدراته الفنية والإدارية ليستطيع استيعاب التكنولوجيا الجديدة والعمل وفق المعايير الدولية بما يضمن شراكات ناجحة ومستدامة مع الشركات الأجنبية.
يذكر أن العقوبات الأميركية على سورية بدأت في عهد الرئيس جورج بوش عام 2004 بموجب “قانون محاسبة سوريا” وتوسعت لاحقاً لتشمل قطاعات النفط والمال والتجارة، وازدادت قبل أن يعلن الرئيس دونالد ترمب في 30 يونيو/حزيران 2025، رفعها والبدء برفع تدريجي لهذه العقوبات، عبر حزمة خطوات شملت إلغاء بعض القيود المصرفية وتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير، مع بقاء العمل على استكمال رفعها بشكل كامل خلال المرحلة المقبلة.
(قنا، العربي الجديد)
العربي الجديد
—————————–
هل تنجح المبادرات الأهلية في دعم التنمية وإعادة الإعمار بسوريا؟/ أحمد العكلة
31 آب 2025
دمشق – في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه سوريا، برزت حملات شعبية مثل “أبشري حوران” في درعا و”دير العز” في دير الزور كمبادرات أهلية لإحياء المناطق المنكوبة.
هذه الحملات، التي تأتي عقب نجاح “أربعاء حمص” الذي جمع 12 مليون دولار، تعكس روح التكافل الاجتماعي وتسعى إلى سد الفجوة التي خلفتها الحرب والتهميش، لكن هل تستطيع هذه الحملات أن تحل محل المشاريع الحكومية أو جهود المنظمات الدولية؟ وما الذي يدفع المجتمعات المحلية لإطلاقها؟
انطلقت حملة “أبشري حوران” السبت 30 أغسطس 2025، في درعا، وحققت نجاحًا استثنائيًا بجمع 37 مليون دولار، متجاوزة هدفها الأولي البالغ 32.7 مليون دولار، وذلك بهدف دعم القطاعات الصحية والتعليمية والبنية التحتية.
بينما تستعد محافظة دير الزور لإطلاق حملة “دير العز” لتلبية احتياجات المدينة المنهكة. وجاءت هذه المبادرات استجابة لعوامل رئيسية:
1- التهميش التنموي: عانت درعا ودير الزور من إهمال تنموي طويل الأمد، حيث فشلت الحكومات المتعاقبة في إطلاق مشاريع استثمارية كبرى، مما دفع الأهالي لأخذ زمام المبادرة.
2- غياب الدعم الدولي الكافي: حيث تركز المنظمات الدولية على مناطق معينة، تاركة درعا ودير الزور خارج الأولويات بسبب التحديات الأمنية واللوجيستية.
3- الحاجة الملحة للخدمات: تدهور البنية التحتية، من مدارس ومستشفيات وشبكات مياه، دفع المجتمعات إلى البحث عن حلول ذاتية.
وتستهدف حملة “أبشري حوران” تمويل مشاريع في التعليم بقيمة (12 مليون دولار)، والصحة بقيمة (11 مليون دولار)، بينما سيتوزع باقي المبلغ على مشاريع المياه والبنية التحتية.
وفي دير الزور، تسعى حملة “دير العز” لإعادة تأهيل القطاعات الزراعية والخدمية، مثل تأهيل شعب الزراعة في القورية والعشارة، وتحسين الاقتصاد المحلي.
مشاركة مجتمعية
قال حسين النصيرات، عضو المكتب التنفيذي في درعا، في تصريحات للجزيرة نت، إن حملة “أبشري حوران… أرض الخير والشهامة”، التي انطلقت السبت برعاية المحافظ أنور الزعبي، جمعت 37 مليون دولار، متجاوزة الهدف الأولي.
وأوضح أن الحملة تركز على ترميم المدارس، تأهيل المراكز الطبية، وصيانة آبار المياه، مؤكدًا أنها تجسد قيم الخير الحورانية، مضيفا “نسعى لجعل الحملة نموذجًا وطنيًا للتكافل والاستدامة، مع التركيز على الشفافية”.
وأشار إلى آليات تبرع مرنة، تشمل التبرعات الفورية في المساجد والتحويلات الإلكترونية عبر تطبيقات مثل شام كاش، إضافة إلى التبرع بالأسهم الخيرية بقيمة 50 ألف ليرة سورية.
وأكد توثيق التبرعات بشفافية عبر إيصالات وسجلات مصرفية، مشددا على أن الحملة تخضع لرقابة صارمة من الهيئة العامة للرقابة والتفتيش، مع لجان رقابية مجتمعية وتقارير دورية.
من جانبه، أكد مسؤول حملة “دير العز” أمين الحويش، أن الحملة تهدف إلى جمع 5 ملايين دولار لتلبية الاحتياجات الأساسية، وتشمل الأولويات ترميم المدارس، وتوفير المستلزمات الدراسية، وتحسين المراكز الصحية، وإعادة إعمار 100 منزل لعائلات الشهداء، إلى جانب إصلاح الشوارع وشبكات الصرف الصحي والكهرباء.
وأوضح أن تحسين البنية التحتية سيسهم في خفض تكاليف النقل وأسعار السلع، مما يعزز الاقتصاد المحلي. وتوقع أن تظهر التحسينات خلال ثلاثة أشهر للسلع الأساسية، وستة أشهر للمواد الإستراتيجية.
استجابة طارئة
في حديث للجزيرة نت، أوضح سالم أبو السعود، معاون محافظ حمص للشؤون الإعلامية، موقف الحكومة من الحملات الشعبية مثل “أبشري حوران”، “دير العز”، و”أربعاء حمص”، قال “لا يمكن للحملات الشعبية أن تحل محل المشاريع الحكومية، نظرًا للمبالغ الضخمة المطلوبة لإعادة تأهيل بلد دمره النظام خلال 14 عامًا، ولكن الحملات الشعبية تُسهم في تعزيز التكافل الاجتماعي، وتوفير استجابة طارئة للاحتياجات الأساسية، وإعادة الأمل للمواطنين”.
وأضاف أبو السعود أن الحملات الشعبية تتميز بسرعة التنفيذ لعدم وجود بيروقراطية، مما يتيح معالجة احتياجات عاجلة مثل ترميم المدارس أو توفير الخدمات الصحية، ومع ذلك، فإن الاحتياجات تفوق قدراتها، مما يتطلب جهودًا متكاملة مع الحكومة والمنظمات الدولية.
وأشار إلى أن الحكومة تدعم هذه المبادرات كشريك في التعافي، بتسهيل العوائق الإدارية، ومنحها طابعًا رسميًا لتعزيز مصداقيتها، وتوفير إطار قانوني يضمن الشفافية واستدامة المشاريع.
وأكد أبو السعود أن الحكومة تسعى إلى تعزيز التعاون مع المجتمعات المحلية والمنظمات الدولية لسد الفجوة بين الاحتياجات وموارد الحملات.
وقال “نعمل على إشراك المجتمعات المحلية في تخطيط المشاريع لضمان استجابتها للاحتياجات الحقيقية، مع التركيز على القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة.
وأضاف أن الحكومة تشجع إنشاء لجان رقابية مجتمعية لضمان الشفافية، وتسعى لتوفير بيئة مواتية لجذب الاستثمارات الخارجية لدعم التعافي طويل الأمد.
واختتم حديثه “الحملات الشعبية ليست بديلاً، بل شريكًا أساسيًا في بناء سوريا الجديدة، وتعكس إرادة الشعب في مواجهة التحديات”.
المصدر: الجزيرة
———————–
التشاركيّة طريق السوريين نحو وطن مؤمّل/ محمود الوهب
31 اغسطس 2025
بعد أحداث الساحل السوري الدامية، وكذلك أحداث السويداء المماثلة في بشاعتها، وبعد ما حدث من تطورات أخيراً في المنطقتين، سواء في ما يتعلق بتوحيد عدة مليشيات في السويداء تحت ما سمِّي “الجيش الوطني الموحَّد في السويداء” الذي أُعلِنَ في 27 أغسطس/ آب الجاري، وفي اليوم والتاريخ نفسيهما، أُعلِنتْ قيادة تنظيم جديد، يتحدّث باسم السوريين في غرب سورية ووسطها (الساحل ريفًا ومدنًا)، وأطلق عليه من أصدره اسم “المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا” (PCCWS) ونشر بيانًا تبنّاه 13 سوريّاً بينهم امرأة! وكلهم مثقفون مهنيون: (محامون، أطباء، مهندسون، إعلاميون).
والمعتقد أيضاً أن هناك خصوصية لسكان الجزيرة السورية، وإن لم يُعلنها أحد رسميّاً، لكنها ملحوظة من خلال تشكيلة سكانها، وتنوّعهم القومي، والديني، والمذهبي… وقد كانوا في ظلِّ النظام السابق مهمّشين كما بقية المحافظات الطرفية أو الأرياف السورية، ويأتي التهميش من إهمالٍ يتعلق بخدمات الصحة، والتعليم، والاتصالات، وسواها، فهي في حال متدنّ جدّاً..
والحقيقة إذا ما أتينا إلى أية منطقة سورية، وجدنا لها تميُّزَها وفرادتها، وعراقة انتمائها السوري، ولا أحد يتشكّك في الروح الوطنية لدى أيَّة جماعة تعيش على الأرض السورية.. ومن هنا، ربما بات ضروريّاً أن تتوقف القيادة السورية الجديدة، ممثلة بالرئيس أحمد الشرع وحكومته، عند هذه الحالات الخطيرة إن أرادوا لسورية التخلُّص مما كانت عليه من أوضاع بائسةٍ قادت إلى الثورة السورية التي تكللت بالنجاح يوم 8 ديسمبر (2024). وأرى أن يجري العمل الجديّ من أجل تشكيل “هيئة حكم انتقالية” تمثِّلُ الأطياف السورية كلَّها ليصار إلى اتخاذ قرار جماعي، يوضِّح أيَّ نظام يريده الشعب السوري، ويعيد توحيد سورية على أسس أكثر رسوخاً وموضوعية، أهو القائم حالياً؟ أم اللامركزي الإداري؟ أم أيّ شكل من الأنظمة التي تحقق التشاركية الفعلية التي يرتئيها الشعب السوري بكل أطيافه؟ وهكذا يمكن تجنيب البلاد الانجرار إلى حرب أهلية، قد لا تبقي ولا تذر… وربما جلبت أوجاعًا إضافية لا تنقص سورية.
الواقع السوري الراهن كئيبٌ ومحزنٌ.. ولعل أمره طبيعي بعد نحو عقد، وأكثر من الاقتتال الضاري بين الإخوة، وبعد 14 عاماً من مرارة الفقد، وقسوة التشتت والضياع بين الخيام، وزواريب العالم، وحجم الخراب ورعبه. لكن الطبيعي والأهم الالتفات إلى ما يوحِّد مهما كانت العوائق، ولا بد من إعادة النظر في الكيفية الواجب البدء منها، وهي التي تتطلب عملاً جدّيّاً، يأخذ الجميع إلى ذلك الحلم الأول الذي أوشك بعضهم أن يبتعد عنه، إن لم أقل أنْ ينساه. ولفعل ذلك، لا حاجة اليوم إلى الحيرة أو التردّد، ولا للبحث عن مسلك ما، فالحياة مليئة بالتجارب، وليس هناك سياسيٌّ لا يعرف كيف يكون البناء راسخاً، وألَّا يكرّر التجارب الفاشلة التي قادت إلى ذلك الخراب كله. ولعلَّ أسباب الفشل كثيرة، ومتعددة، لكنَّ أساسها يكمن في الانطلاق من بؤرة “الأنا” القاتلة.
بناء الأوطان عمل جماعي بالمطلق، ويستوعب قدرات أبناء الوطن وخبراتهم، وسورية الموحدة وطن يعلو فوق جميع مكوِّناته، أقلية كانت أم أكثرية. ولابد من إدراك أن لا وجود لأحد، فرداً أم جماعة، ليس له خصوصيته. ولكنَّ الشر كلَّ الشر أن تصل الخصوصية إلى حدود المرض، فلا تعود تأتلف مع الشأن الوطني العام، وفي الوقت نفسه، يجب ألا يفترض التآلف خضوعاً لنظام لا يؤمن بالتنوع، والتعدّدية، ولا بالعدالة والمساواة التامة بين أبناء الوطن الواحد. وعلى ذلك، ليست الحال السورية على ما يرام، وتعديلها يتطلب عملاً جدّياً يكمن جوهره في الاستماع بأناة إلى السوريين كافة.
صحيح أنَّ السلطة الحالية كانت قد عقدت مؤتمراً تشاوريّاً، لكنه، وبالشكل الذي جاء به، لم يعط فرصة كافية ليفهم السوريون بعضهم بعضاً، وإذا ما أسأنا الظن نقول: لم يُرَد منه غير ذلك… ليس كاتب هذه السطور هنا في موقع الناصح لأحد، وأعرف أنَّ موقع الرئيس، خصوصاً عند السوريين، متعب، ولعلَّ ذلك يُعَدُّ ظاهرة إيجابية عند الشعب السوري الذي يعشق الحريَّة، ويأنف الخضوع، ولعلَّ السوري متأثر بجَدِّه عبد الرحمن الكواكبي الذي فصَّل في “طبائع الاستبداد…”، وأمراضه، وما يجلبه على العباد من مصائب ونوائب.
وعوداً على بدء أقول: معايشتنا تجاربَ عديدة، وسماعنا أو قراءتنا عن تجارب أخرى كثيرة ومتنوّعة، أن لا علاج لسورية إلا بتشاركية واسعة تستوعب الجميع، ولا تُقصي أحداً، فلكل مكانه وإمكاناته التي يغتني بها المجتمع، خصوصاً في ما يتعلق بالجانب السياسي، فما الذي يمنع ما دمنا جميعاً سوريين. فالسلام الوطني القائم على التشاركية الحقيقية الفاعلة، ذات الهدف الواحد، ولأجل تحقيق الرخاء الاجتماعي، بسلامة بنائه الداخلي، وبزيادة تماسك أبنائه، وبتدعيم استقلال الوطن، وحفظ حدوده من عدوان إسرائيلي يتكرر، ويتمادى في وقاحته، واستعلائه، مستغلاً أوضاعاً غير عادية، قد تكون مشجّعة لنياته ومطامعه، لا في سورية وحدها، بل في المنطقة كلِّها.
العربي الجديد
————————
===========================



