سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

تعيين غطفان غنوم.. في جدلية الدولة والسلطة/ رائد وحش

29 أغسطس 2025

ليس غريبًا أن يثير تعيين فنّان مثل غطفان غنوم عميدًا للمعهد العالي للفنون المسرحية هذه الضوضاء كلها، لكنّ الغريب هو أن معظم النقاش الدائر لم يتعلّق بالفن، ولا بالمعهد المسرحي، لكنه تعلّق بالسؤال الأعمق الذي يُلاحق السوريين منذ عقود: ما الدولة؟ وما السلطة؟

فجأةً تحوّل منصب أكاديمي إلى صورة مصغّرة للانقسام السوري بكامله، إذ رأى فيه البعض خيانة لضحايا الساحل والجنوب وشرعنة لسلطة متهمة بالدم والتجزير، ورآه البعض الآخر محاولة صغيرة لانتزاع حيّز من المجال العام. وخلف هذه المواقف المتشنجة تكمن المعضلة المستعصية، وهي أننا لا نزال نتجادل مُسلِّّمين أن السلطة هي الدولة، أو العكس، وكأنّ الدولة لا وجود لها إلا بما تسمح به السلطة. وهذا مرض سياسيّ وثقافيّ عضال يشل وعينا الجماعيّ، وليس مسألة تخص غطفان وحده.

لا بد هنا من وقفة عند الفرق بين الدولة والسلطة. فالدولة، كما يوضّح ماكس فيبر، كيان مؤسساتيّ يحمل استمرارية تاريخية حتى وسط الخراب، في أنّ السلطة جهاز عابر، يتجسد في حزب أو طغمة أو قائد. والخلط بين الاثنين يُكرّس منطق الإلغاء ولا ينتج وعيًا سياسيًا.

في مقال نُشر مؤخرًا، لخّص الباحث الفذ مروان قبلان هذا المأزق حين كتب أن أخطر ما في الأزمة السورية هو التماهي بين الدولة والسلطة، إذ تُروّج السلطة لنفسها كأنها الدولة، ويتعامل خصومها معها على الأساس نفسه، في إعادة إنتاج صريحة لشعار الأسد: “الأسد أو نحرق البلد”. وضمن هذا المنطق، تصبح أي مواجهة مع السلطة تهديدًا لوجود الدولة نفسها، وتُفتح الأبواب للاستعانة بالخارج، أو التلويح بالانفصال كما حدث في السويداء. لذلك يبقى الشرط الأول لأي سياسة عقلانية هو التمييز بين الكيان الجامع المتمثل في الدولة، وبين السلطة التي لا تعدو كونها أسلوبًا متغيرًا لإدارته.

ضمن هذا السياق، يمكن النظر إلى تعيين غطفان غنوم بوصفه شأنًا من شؤون الدولة لا السلطة. مع التأكيد أن تقييم كفاءته الأكاديمية والإدارية أمر يخصّ أهل الاختصاص، فالرجل أمضى حياته في الفن، سينمائيًا من خلال إنتاجه لعدة أفلام، ومسرحيًا من خلال عمله كممثل مع فرقة إشبيلية الحمصية. ولا تختزل مهمته اليوم في المنصب الإداري بمقدار ما تقاس في طبيعة الأسئلة التي يفرضها على الطلاب والمؤسسة: هل ندافع عن حق الطالب في تجريب نص جسور أم نستسلم للرقابة؟ هل نترك لهم حرية اللباس والحركة، أم نسمح لرؤية السلطة المحافظة والمتشددة في أن تتدخل وتعيد تشكيلهم؟

وبكل تأكيد وجزم لن تكون هذه الأشياء بحال من الأحوال تفاصيل ثانوية، لأنها ستظل جزءًا من المعركة الكبرى على ما تبقى من مساحات ممكنة للحرية في سوريا.

لن تسقط السلطة الجديدة بسبب المقاطعة الرمزية من المثقفين، أو بمجرد رفضهم لتسلّم المناصب. والتجربة تُعلّمنا أن الفراغ المتروك سوف تُسرع السلطة إلى ملئه، إما ببيروقراطيين خانعين مذعورين، أو بمطبلين مستعدين لخدمة العسكرة والتشدد. غيابنا يقويها ولا يضعفها. لذلك فإن الدخول في مؤسسات الدولة، ولو بخطوة صغيرة، قد يكون دفاعًا عن الذاكرة الثقافية، وعن حصة الطلاب في الحرية، وعن بقايا الروح الإنسانية وسط هذا الخراب.

لدينا مثال بسيط حدث في الفترة الماضية، وهو حين قرر عميد كلية الفنون الجميلة أن يمنع الموديل العاري تماهيًا مع مزاج السلطة الدينية، فلم يكن ذلك مجرد قرار إداري بمقدار ما جاء إعلانًا عن موت حرية الفن. هنا تكمن خطورة ترك المؤسسات بدون من يملك حسًا نقديًا أو وطنيًا، أو شجاعة ليقول “لا” للإملاءات السلطوية.

كل مساحة نقوم بإخلائها تصبح أرضًا خصبة لشروط الأيديولوجيا الصارمة، التي ستجد في المساحات المفرغة ما يجعلها تتجه نحو خيارات أشدّ صرامة.

ليست السياسة صرخات على فيسبوك، ولا في الشعارات المثالية عن “النقاء الثوري”، فالسياسة هي ذكاء التعامل مع الأزمات، وانتزاع المجال العام من بين أنياب السلطة، حبةً حبةً.

غياب التمييز بين الدولة والسلطة هو الوجه الآخر لغياب التمييز بين الممكن والمستحيل. فمن يرفض أي دور مدنيّ داخل مؤسسات الدولة بحجج أخلاقية، يترك المجال مفتوحًا ليتحول البلد إلى مسرح للطوائف، حيث كل بطاقة هوية مشروطة بالولاء، وكل منصب مرهون بختم الطاعة.

المهم أن نسير لا أن نصل، كما يقول المنطق، أما النقاش حول غطفان فليس مجرّد اختلاف آراء، إنما هو مرآة للتوتر السوري كله. فمن اعتبره ولاء لسلطة إرهابية، ومن سخر من خبرته الإدارية أو من طبيعة شبكته الاجتماعية.. كلهم يجتمعون على أن المعضلة أعمق من شخص لأنها معضلة معايير ملتبَسة: هل كل منصب في مؤسسة دولة هو تماهٍ مع السلطة؟ هل نقيس الكفاءة بمعايير مهنية أم بمعايير الولاء السياسي؟ هل الانسحاب من المؤسسات علامة نقاء، أم أن تركها مساهمة في ارتفاع منسوبات الرقابة والطغيان والتشدد؟

في هذه المطارحات الفيسبوكية والثرثرات في الغروبات، يتجلّى غياب الفهم الجاد لمعنى الثقافة ودور المثقفين/ات، وبدلًا من سؤال “كيف نعيد بناء الفضاء العام؟” ينشغل النقاش في التفاهات الشخصية، وفي سير ذاتية صغيرة، وفي تصفية حسابات قديمة. هذا الجدل نفسه، بكل سطحيته، يُثبت أن معركة التمييز بين الدولة والسلطة لم تُحسم بعد، وأنّ كثيرين ما زالوا يتعاملون مع الدولة كأنها صورة مصغرة عن الحزب أو الجماعة، أو عن الزعيم والقائد، في حين أن جوهر القضية هو السؤال الصريح الآتي: كيف نستعيد المؤسسات العامة بوصفها مجالًا مشتركًا، لا من حيث كونها مزرعة للولاءات المتقابلة؟

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى