سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمراجعات الكتب

طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سورية/ حسن الخطيب

 

26 اغسطس 2025

وجدت هيئة تحرير الشام نفسها بقيادة زعيمها السابق أبو محمد الجولاني، الرئيس الحالي أحمد الشرع، أمام تحديات كبيرة في حكم سورية بعد إطاحة نظام الأسد في دمشق. فما انطبق بشكل عملي في إدلب في ظلّ حكم الهيئة ليس بالضرورة أن ينجح الآن على كامل خريطة البلاد، وأصبحت الهيئة أمام واقع لم تختبره سابقاً.

ما يميّز كتاب “تحول بفعل الشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سورية”، (دار هيرست، لندن، 2025) للباحثين باتريك هيني المتخصص في العلوم السياسية وجيروم دريفون الخبير في الحركات الجهادية، أن البحث لم يكتفِ نظرياً، إنما بالتردد عدة مرات إلى إدلب منذ عام 2019، فعاين مراحل التغيير التي مرّت بها هيئة تحرير الشام شخصياً، كما قابل عدّة شخصيات قيادية في الهيئة من بينهم رئيسها آنذاك أبو محمد الجولاني الذي التقاه أكثر من مرّة.

يركّز الكتاب على السياق الأيديولوجي والإداري والمجتمعي في إدلب في الفترة الممتدة من 2019 و2024، التي شهدت فيها هيئة تحرير الشام تغييراً دراماتيكياً، ويعتبر مقدمة مهمة لفهم الآليات التي تحكم من خلالها الهيئة في المرحلة الانتقالية، والأدوار التي ستلعبها مستقبلاً.

وهذا ما أشار إليه باتريك هيني في مقابلة له مع قناة الجزيرة الإنكليزية في إبريل/نيسان الماضي حينما وصف المرحلة الانتقالية في سورية بأنها شديدة التعقيد والغموض، نظراً لما ينتظر الحكم الجديد من مرحلة مشبعة بالأزمات الداخلية والخارجية. وذهب إلى تحليل سلوك هيئة تحرير الشام في دمشق اعتماداً على بحثه في تجربتهم السابقة في إدلب، مع الانتباه إلى أن التحديات التي يواجهها الشرع في دمشق أكبر من تلك التي واجهها سابقاً.

ويرى هيني أن أكبر التحديات أمام الشرع في المرحلة الانتقالية تكمن في الموازنة بين هيئة تحرير الشام وحلفائها وبقايا النظام السابق الذين لا يزالون يشكلون جزءاً من الدولة السورية، وليس من السهل الاستغناء عنهم أو استبدالهم.

ومنذ سقوط نظام الأسد في سورية في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 يحاول المستشرقون المتخصصون في الشرق الأوسط والحركات الإسلامية تحليل بنية هيئة تحرير الشام الفكرية والعسكرية، والتي كان لها الدور البارز في عملية ردع العدوان التي أطاحت النظام. ولعل أهم الأسئلة التي تشغل اهتمام الباحثين في هذا المضمار كيف تمكنت جماعة جهادية محصورة في حيّز جغرافي صغير النطاق في إدلب من إسقاط نظام الأسد المدعوم عسكرياً وسياسياً من روسيا وإيران، وكيف تحولت الجماعة ذاتها بعد استلام السلطة؟

يرصد الكتاب أبرز التحولات في فكر الجماعة وسلوكياتها وتحليل التطور البراغماتي أثناء حكمها محافظة إدلب، وكيف تعاملت مع الأقليات، وأعادت إنتاج فهم جديد للشريعة الإسلامية مغاير لما كان عليه فهمها خلال فترة بداياتها. وكان ذلك بدافع رئيسي من المجتمعات السنية التي حكمتها في إدلب، وهي مجتمعات محافظة لكنها غير متشددة. وأعادت هيئة تحرير الشام خلال فترة حكمها في إدلب تشكيل هويتها ليس في شمال غرب سورية فقط، بل على الساحة العالمية، من خلال تحالفها مع تركيا، كما سعت إلى مواجهة تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية (داعش)، وهمّشت المتشددين في صفوفها، لصالح إسلام شعبي قائم على المساجد.

الذهنية العسكرية إلى الحوكمة

يناقش الكتاب التحول الجذري للهيئة في إدلب من العمل العسكري المحض إلى حكومة مصغرة على أسس إسلامية محافظة، موضحاً أنه لم يكن وليد اللحظة، إنما كان ضمن سياق واقعي حكَم ذهنية الفاعلين في الهيئة، وفي مقدمتهم زعيمها أبو محمد، الذي سعى لإعادة موضعتها في سياق جيوإستراتيجي واقعي. وإعادة التموضع هذه برزت من خلال عاملين أساسيين: القطيعة مع القاعدة، والتواصل والتوافق مع الأقليات في إدلب، ولا سيما المسيحيين والشيعة.

بدأت القطيعة مع القاعدة فعلياً في عدة مسارات، المسار الأول تجلى بقطع أي روابط تنظيمية مع القاعدة عام 2016 بالتوازي مع محاربة “داعش”. ومسار ثانٍ عملي برز من خلال مأسسة المجال المحلي، إذ ساهمت هيئة تحرير الشام بإنشاء حكومة الإنقاذ السورية في إدلب في عام 2017، في هيكل مركزي ذي طابع مؤسساتي يعمل بعقلية إدارية وحكومية، يناقض تماماً واحدة من أهم أساسيات العقيدة الجهادية للقاعدة، التي لا تعترف بحدود محلية ولا يعمل بآلية المؤسسات والحوكمة.

أما المسار الثالث فهو مسار أيديولوجي فكري وسلوكي معاً تجلى بالتماهي مع المجتمعات السنية المحلية في إدلب، من خلال تبني أبو محمد الجولاني لأدوار اجتماعية مختلفة عن المظاهر التقليدية لقادة التنظيمات الجهادية المرتبطة بالقاعدة. فمنذ 2017، بدأ يظهر زعيماً وطنياً يتمشى بين الناس، ويجالس وجهاء المجتمع ويستمع لآرائهم وأفكارهم ويشاركهم في طرح حلول للمشاكل الاجتماعية والإدارية، كما تواصل زعماء الهيئة المقربون من أبو محمد مع المنظمات المحلية والدولية العاملة في إدلب.

أما على صعيد الفكر الديني فقد كان لا بد من استتباع قرار القطيعة مع القاعدة وأيديولوجيتها بمواجهة فكرية تحمل شرعية دينية ومجتمعية في آنٍ، فبدأت الهيئة بالتحول التدريجي للمذهب الفقهي الشافعي القريب من تصوّف السكان المحليين، بهدف تحقيق التقرب من المجتمع، وكسب شرعية دينية ومجتمعية، لمواجهة نفوذ المشايخ المرتبطة بـ”القاعدة” وتقويض نفوذ السلفية الجهادية القديمة الداعمة لـ”داعش”. أما خطباء المساجد في إدلب من السلفيين فقد تركت الهيئة لهم المساحة دون تقييد أو فرض خط توجيهي للخطب، لكنها حاولت من خلال وزارة الأوقاف أن تقترح مواضيع للخطب غير ملزمة، تناقش مسائل شعائرية أكثر منها عقائدية جهادية.

وفي ظل هذه التغيرات الفكرية للهيئة وجد التيار الصوفي مجدداً مكاناً له في إدلب، فعادت ممارسات صوفية للظهور مجدداً مثل الاحتفال بالمولد النبوي وزيارة أضرحة القبور بعد أن كانت غائبة بفعل الخوف من التيار السلفي.

مسألة الأقليات

مع بدايات عام 2020، أحست هيئة تحرير الشام بمدى التململ والتذمر في مناطق سيطرة النظام وقواعده الاجتماعية، بحسب الكتاب. وكان لا بد من استغلال هذه الفرصة لتقديم الهيئة مشروعاً وطنياً لا مشروع جماعة، وتقديم زعيمها أبو محمد على أنه شخصية وطنية تدافع عن الوطن. وساهم التحول التدريجي للفقه الشافعي في فكر الهيئة بمراجعة فكرية تجاه الأقليات، فنشأت قنوات اتصال عملية مع الأخيرة، وكانت أول مبادرة تجاه مسيحيي إدلب هي رد منازلهم لهم التي احتلّت عائلات مقاتلي الهيئة جزءاً منها. وفي عام 2022، عاد مسيحيون مقيمون في مناطق النظام بالعودة إلى قراهم في إدلب تحت حماية هيئة تحرير الشام.

تعامل الغرب والدول الداعمة للحكم الجديد في دمشق، مع مسألة تولي هيئة تحرير الشام السلطة ببراغماتية واقعية، فخرج أبو محمد على الجميع باسمه الحقيقي، أحمد الشرع، بغرض طي صفحة الجماعات وألقاب زعمائها وتدشين عهد جديد، وبدأ الشرع يتواصل مع الشعب عبر الإعلام بشكل مكثف ويعطي التطمينات. فتحدث عن المشروع الوطني ببناء دولة في سورية لجميع مكوناتها، وكفل حرية المرأة، وغيرها من المسائل التي تتعارض مع ماضيه الجهادي.

أما على الصعيد الخارجي فقد فرض الشرع نفسه بوصفه أمراً واقعاً لا بد من التعامل معه، مدعوماً بحلفائه الإقليميين، لا سيما تركيا، وهذا ما دعا الغرب إلى التعامل مع الواقع السوري الجديد ببراغماتية، وإعادة تقييم مسيرة الشرع الحالية، لا الحكم عليه من منظور ماضيه فقط.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى