سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

مستقبل المرحلة الانتقالية في سوريا.. بين توافق الداخل وابتزاز “الفرصة الأخيرة”/ أغيد حجازي

28 أغسطس 2025

في مشهد يعكس تشابك الحسابات الدولية والإقليمية تجاه الملف السوري، برز تصريح لافت من الإدارة الأميركية حول مستقبل سوريا. إذ كشف المدير الأول لمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي الأميركي، سيباستيان غوركا، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قدّمت عرضًا للرئيس السوري، بتمويل من السعودية وتركيا وقطر، يهدف إلى إعادة بناء سوريا واعتبره “فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الدولة”.

ورغم ما بدا أنه طرح استثماري – سياسي، فإن غوركا شدّد على أن اللحظة الحالية تمثل الفرصة الأخيرة لإنقاذ سوريا من خطر الانقسام والحرب الأهلية، مشيرًا في الوقت ذاته إلى ما اعتبره إنجازًا استراتيجيًا عالميًا حققته إسرائيل بقطع طريق إمداد إيران عبر الأراضي السورية، مؤكداً على “ضرورة تمثيل شامل لجميع المكونات الطائفية في دمشق، مع ضمان قدرتها على الدفاع عن نفسها بدعم من السلطات المركزية، وبمشاركة إقليمية من أنقرة والرياض والدوحة”.

“الفرصة الأخيرة”؟

قال الكاتب والمحلل السياسي عمار ديوب إن العرض الأميركي موجَّه بالدرجة الأولى إلى كل من تركيا والسعودية وقطر، وعبر هذه الدول يتم الضغط على الحكومة السورية للذهاب باتجاه خيارات مرتبطة بالقرار 2254، بما يعني تشكيل حكومة تمثيلية واسعة وغير طائفية. واعتبر ديوب أن التصريح الأميركي أقرب إلى “الفرصة الأخيرة”، خاصة بعد عدم تعليق قانون قيصر وتمديده لعامين إضافيين، مشيرًا إلى أن هذه التصريحات تمثل شروطًا واضحة على السلطة السورية، إذا أرادت الاستمرار فعليها التوقف عن سياساتها الاستئثارية واحتكارها للسلطات، وعدم التحول إلى سلطة طائفية تحمل تهديدًا داخليًا.

وأوضح ديوب أن أميركا شددت بهذه الصيغة، خصوصًا بعد زيارة وزير الخارجية الشيباني ورئيس الاستخبارات ووزير الدفاع إلى روسيا، وهي زيارة وصفها بأنها “غير صحيحة” في نظر الولايات المتحدة. وأشار إلى أن واشنطن تركّز على إشراك الطوائف في الحكم باعتبارها سياسة عامة للمنطقة، تقوم على المحاصصة والتوافقات الطائفية، ما يؤدي إلى قيام دول ضعيفة وهشّة. وأضاف أن الإدارة الأميركية تمتلك معلومات دقيقة حول التجاوزات في سوريا، وأن تقارير أميركية عديدة تحدثت عن انتهاكات بحق الأقليات، وهي أمور لا يمكن – بحسبه – التغاضي عنها.

ومن جانبه قال الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم جبين إنه لا يمكن اعتبار أن جميع العروض المقدَّمة من الداعمين تصب في مصلحة الحكومة السورية أو سوريا بشكل عام، موضحًا أن كل عرض يخدم مصالح الجهة التي تقدّمه. وأضاف أن الأميركيين يسعون إلى استقرار الشرق الأوسط وفتح آفاق التنمية والاستثمارات، ولتحقيق ذلك لا بد من تهدئة مخاوف بعض الأطراف المهمة لديهم، وفي مقدمتها إسرائيل. لكنه أكد أن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق مصلحة للحكومة السورية التي تمثل الشعب السوري ومكانة سوريا في الإقليم والعالم العربي، وهو بعدٌ لا ينسجم مع الطموحات الإسرائيلية التي تسعى إلى عزل سوريا عن محيطها وتحويلها إلى ساحة خلفية لمصالحها ضمن مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.

وأشار جبين إلى أن المبعوث الأميركي يحاول تشجيع الإدارة السورية الجديدة على الانخراط التدريجي في علاقة مع الإسرائيليين، مستخدمًا ملفات عدة من بينها ملف الطوائف، وهو الملف ذاته الذي استخدمته إسرائيل حين قصفت مبنى رئاسة الأركان وساحة الأمويين في دمشق. واعتبر أن هذا التشجيع نجح حتى الآن في دفع الحكومة السورية إلى الجلوس مع الإسرائيليين في باريس، لكنه سيكون على حساب التزامات سوريا السياسية والتاريخية تجاه حلفائها العرب والقضية الفلسطينية.

ولفت إلى أن سوريا لا تستطيع التعامل مع القضية الفلسطينية بمرونة كما تفعل دول أخرى، فهي “الأم الطبيعية لفلسطين”، حيث يرتبط الشعبان السوري والفلسطيني بروابط وثيقة، إضافة إلى وجود أراضٍ محتلة في الجولان والمنطقة العازلة، وهو ما يقيّد أي اندفاع سياسي غير محسوب قد تقدم عليه دمشق.

ارتدادات أحداث السويداء والساحل

فتحت أحداث السويداء والساحل بابًا واسعًا أمام تعقيدات جديدة في الملف السوري، بعدما تحولت إلى محور تقارير صادرة عن الأمم المتحدة وتغطيات لوكالات أنباء عالمية تناولت الانتهاكات والمشاهد الميدانية. وهو ما عبّر عنه غوركا بالقول إن الإدارة الأميركية، بقيادة الوزير روبيو، تركّز على منع المجازر وحماية المدنيين، دون الانخراط في مشروع بناء الدول.

وتطرق ديوب إلى أحداث السويداء والساحل، واصفًا إياها بأنها أحداث ذات طابع طائفي تضمّنت عمليات قتل على أساس طائفي. وأوضح أن هذه الأحداث ستنعكس في تقارير أممية ودولية، وهو ما سيعقد – برأيه – موقف السلطة السورية إلى حد كبير. وأضاف أن التقارير المنتظرة عن السويداء ستزيد من تعقيد وضع السلطة، وهو ما دفعها إلى الإسراع في لقاء وزير الخارجية الشيباني مع مسؤولين استراتيجيين إسرائيليين بهدف تخفيف الضغط على حكومة دمشق ومنع توقف أشكال الدعم الإقليمي والدولي عنها.

وأكد ديوب أن هذا المسار يمثل ابتزازًا مباشرًا للسلطة السورية عبر إسرائيل، واصفًا إياه بـ”الابتزاز الكارثي”، مشيرًا إلى أن تل أبيب باتت تتدخل في الشأن الداخلي السوري من خلال دورها في مراقبة وقف إطلاق النار وفك الحصار عن السويداء. وأضاف أن هناك حديثًا – لم يتأكد بعد – عن موافقة السلطة على فتح ممر من إسرائيل إلى السويداء، معتبرًا أن أي قبول بهذا الطرح يعني إقرارًا بدور إسرائيلي في إعادة تشكيل الدولة السورية، وهو ما وصفه ديوب بـ”الفشل”، محذرًا من أنه سيؤدي حتمًا إلى تذمر اجتماعي واسع في عموم سوريا ضد السلطة.

وختم ديوب بالقول إن السلطة قد لا تنجح حتى في هذا المسعى بسبب التعقيدات الكبيرة المحيطة بملف التطبيع، لكنها تواصل خطواتها في هذا الاتجاه باعتباره وسيلة وحيدة لإنقاذ نفسها بعد أن تورطت – على حد تعبيره – في ملفات السويداء والساحل، وقد تجد نفسها متورطة مستقبلًا مع الأكراد أيضًا.

وبيّن جبين أن الولايات المتحدة أشادت بموقف الحكومة السورية في السويداء، معتبرة أنها فعلت ما بوسعها، ولم توجه إليها أي من الاتهامات التي ترددت على لسان الشيخ حكمت الهجري وأتباعه. وخلص إلى أن ما يشغل واشنطن يتجاوز حماية الأقليات إلى أهداف أبعد.

وأوضح أن الحكومة السورية نفسها أقرت بوقوع انتهاكات في السويداء على أيدي عناصرها وقوات رديفة لها، لكنه شدد على أن الجديد هو تحوّل الإسرائيلي إلى طرف داخلي أو وسيط في صياغة الواقع السوري، بما يعني أن تدخله لن يتوقف عند حدود ملف الدروز، بل قد يمتد إلى قسد، وربما يشمل ملفات أخرى مثل الاقتصاد وحتى فرض أو معارضة تحالفات إقليمية ودولية قد تسعى دمشق إلى عقدها.

يكشف السجال بين الموقف الأميركي ومداخلات محللين أن سوريا اليوم أمام مفترق طرق حاسم: بين عرض أميركي يراه البعض كفرصة تاريخية لإعادة البناء، لكنه يحمل في طياته شروطًا قاسية قد تكرّس الطائفية، وبين مخاوف داخلية من ارتهان القرار الوطني للإملاءات الخارجية. فهل يمكن لسوريا أن تعيد بناء شرعيتها عبر تفاهمات إقليمية ودولية مشروطة، أم أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بقرار سيادي جامع ينبع من الداخل؟

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى