منوعات

كرة القدم السورية تدفع ثمناً باهظاً لتأخير انتخاباتها/ مازن الهندي

02 سبتمبر 2025

وسط ظروف معيشية صعبة وأجواء تفوح منها رائحة الموت في أكثر من بقعة جغرافية، ما أفقد كثيرين شغفهم الرياضي، لا يزال بعضهم يؤمن بأن الرياضة بشكل عام، وكرة القدم بشكل خاص، تبقى الجامع الوحيد لكل المكوّنات السورية، مهما باعدت بينهم الأمور السياسية والاجتماعية.

ويترقب هؤلاء انتخابات مجلس إدارة اتحاد كرة القدم، بعدما جرى استنفاد كل المهل القانونية التي يمنحها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) من أجل إجراء الانتخابات وإنهاء حالة الفراغ الإداري التي نشأت بعد استقالة مجلس إدارة الاتحاد السابق في مطلع شهر يناير/ كانون الثاني الفائت، وسط أجواء من التفاؤل الحذر.

تتخذ انتخابات اتحاد الكرة أهمية كبيرة دون غيرها من الانتخابات المتعلقة بالاتحادات الرياضية الأخرى، بالنظر إلى أن لدى كرة القدم قاعدة جماهيرية كبيرة في سورية، وتضم لاعبين ونجوماً كثيرين داخل البلاد وخارجها، إضافة إلى أنها الرياضة الوحيدة التي يمكنها أن تجتذب الأموال، بحيث تكون منتجة وليس مستهلكة. وبينما يحثّ “فيفا” على إجراء الانتخابات في مدة تراوح بين ثلاثة وستة أشهر بعد استقالة أي اتحاد كرة في العالم، فإن انتخابات اتحاد كرة القدم السوري دخلت في معضلةٍ يبدو أن حلولها ستكون مكلفة على كل الصعد، وذلك بسبب “الصد والرد” الحاصل ما بين القائمين على تسيير العمل في الاتحاد والفيفا.

وتسعى وزارة الرياضة والشباب عبر ذراعها (اللجنة الاستشارية) التي تدير شؤون اللعبة منذ يناير الفائت إلى اتخاذ كل التدابير التي تحول دون عودة العناصر القديمة إلى إدارة شؤون اتحاد الكرة في المستقبل، من خلال إجراء تعديلات على النظام الأساسي للاتحاد تتيح لشخصيات رياضية الترشّح للانتخابات على الرغم من عدم توفر الشروط التي تمكّنها من ذلك (وفق النظام الأساسي للاتحاد).

إلغاء شرط الشهادة العلمية

لعل التعديل المتعلق بإلغاء توفر الشهادة العلمية لدى المرشّح لمنصب رئيس الاتحاد، وكذلك بالنسبة للأعضاء، من أكثر التعديلات التي أثارت الجدل في الشارع الرياضي والإعلامي فور تسريبها. ويتطلع القائمون على تسيير عمل الاتحاد حالياً إلى تمرير هذا التعديل في الجمعية العمومية التي ينتظر أن تصوّت على المقترحات قبل رفع التقرير النهائي إلى “فيفا”، تمهيداً لتحديد موعد الانتخابات. وهناك من يرى إلغاء شرط الشهادة من أجل تمرير بعض الشخصيات أمراً معيباً بحقّ كرة القدم السورية التي تحتاج إلى أشخاص ذوي علم وخبرة، ويتمتّعون بقدرات إدارية يمكنها مواكبة التطوّر الكبير الذي طرأ على اللعبة آسيوياً وعالمياً، فالأمر لم يعد يقتصر على 22 لاعباً وكرة تتدحرج بينهم داخل المستطيل الأخضر.

وعلى الرغم من عدم صدور أي تعليمات انتخابية أو انعقاد الجمعية العمومية للاتحاد من أجل التصويت على هذه التعديلات المرتقبة، بدأ الشارع السوري يلحظ إعلان بعضهم نيته الترشح لرئاسة الاتحاد السوري لكرة القدم من بوابة “الخبرة الكروية”، كالحكم السابق فراس الخطيب (يقيم في هولندا)، والإداري السابق أحمد بيطار (يقيم في الولايات المتحدة)، حيث عرض كلاهما نموذجاً مبسطاً لبرنامجه الانتخابي وما يرغب في تحقيقه في حال نجاحه في الانتخابات، بالإضافة إلى نائب رئيس اتحاد الكرة السابق تاج الدين فارس، الذي أعلن نيته خوض غمار الانتخابات.

قوائم انتخابية وليس انتخابات فردية

ومن بين مقترحاتٍ يجري العمل على تمريرها من أجل المساهمة في وصول أسماء بعينها أو إبعاد أخرى، اعتماد نظام القوائم الانتخابية بدلاً من النظام السابق الذي كان يعتمد على انتخاب الرئيس بمفرده، وكذلك نائب الرئيس، إلى جانب بقية الأعضاء الذين ينجحون بحسب عدد الأصوات التي يحصلون عليها. ويحمل نظام القوائم إيجابية وحيدة، تتعلق بإمكانية وجود انسجام أكبر ما بين الرئيس وبقية الأعضاء في الفترة التي تمتد أربع سنوات، وإن ذلك ليس مضموناً، لكنها، في الوقت نفسه، قد تحرم أسماء كثيرة كفوءة من الوجود في مجلس إدارة الاتحاد المنتخب.

وقد برهنت تجربة القوائم الانتخابية والتي اعتمدت قبل سنوات قليلة في انتخابات اتحاد كرة السلة على فشلها، بعدما استأثر رئيس الاتحاد آنذاك طريف قوطرش بشؤون اللعبة وقراراتها، من دون أن يجد صوتاً معارضاً له داخل الاتحاد. وبحسب تسريباتٍ من داخل قبة الفيحاء (مقر اتحاد الكرة) سينخفض عدد أعضاء مجلس إدارة الاتحاد الجديد من 11 شخصاً إلى تسعة، مع مراعاة التوزع الجغرافي، من دون أن يكون هناك شرط مسبق بأن يكون رئيس الاتحاد من المقيمين في العاصمة دمشق، حيث يبرّر بعضهم هذا بوجود رئيس الاتحاد الآسيوي سلمان بن إبراهيم آل خليفة في البحرين بعيداً آلاف الكيلومترات عن مقر الاتحاد الآسيوي في ماليزيا.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن النظام الأساسي للاتحاد كان يفرض نجاح أربعة أشخاص على الأقل من المقيمين في دمشق أو ريفها (منهم رئيس الاتحاد ونائبه)، لضمان عقد أي اجتماعات طارئة أو اتخاذ القرارات، حتى في حال عدم حضور ممثلي بقية المناطق الجغرافية في البلاد.

ولاية جديدة أم استكمال مرحلة؟

من بين نقاط خلافية أدرجها “فيفا” في ملاحظاته على المقترحات التي جرى رفعها إليه، اعتماد ولاية جديدة لمجلس الإدارة الجديد تمتد أربع سنوات حتى العام 2029، بدلاً من استكمال المرحلة السابقة للاتحاد المستقيل، على أن يتم إدراج التعديلات الجديدة للنظام الأساسي من خلال الاتحاد الذي الجديد الذي سيستكمل الفترة المتبقية. لكن تأخّر إجراء الانتخابات وعدم وجود خريطة طريق واضحة للوصول إلى اليوم الانتخابي المنشود، قلص هذه الفترة “التكميلية” إلى أقل من عام ميلادي واحد، وهو ما يجعل “فيفا” يوافق على البدء بمرحلة جديدة لمنح مزيد من الاستقرار لكرة القدم السورية وإتاحة الفرصة أمام تسريع وتيرة العمل في الفترة المقبلة.

تحدّيات جديدة ومعقدة

أياً كانت هوية رئيس مجلس إدارة الاتحاد الجديد وأعضائه، فإن تحدّيات كبيرة جداً تنتظرهم. وقد واجهت الاتحادات السابقة هذه التحديات نفسها وفشلت في إيجاد الحلول لها لأسبابٍ لوجستيةٍ تتعلق بواقع الرياضة في سورية بشكل عام، والإمكانات المادية المحدودة، في عصر بات فيه المال العصب الرئيسي لتطوّر الرياضة وكرة القدم. ويتعلق الأمر، أولاً، بالبنية التحتية المتهالكة للملاعب والمنشآت والمرافق الرياضية، إضافة إلى القوانين البالية التي تحدّ من تحوّل الأندية إلى قطاعات أو مؤسّسات خاصّة يمكنها التحكّم باستثماراتها بشكل كامل، علماً أن الأندية السورية محترفة (اسمياً) وهاوية (عملياً).

ولعلّ من شأن التأخّر في تحديد موعد انتخابات اتحاد الكرة الجديد أن يضيف تحدّياتٍ أخرى، إذ إن الفترة القانونية التي يجب أن تفصل بين عقد الجمعية العمومية (الاستثنائية) لإقرار التعديلات على النظام الأساسي وموعد الجمعية العمومية (الانتخابية) يعني أن مجلس الإدارة الجديد لن يعرف مهامّه أو يتسلمها قبل نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، وهذا يعني أنه سيجد على طاولته ملفّات عديدة ساخنة عليه التعامل معها (وفق ما أقرّته اللجنة الاستشارية)، والتي يبدو أنها ستستمر في عملها مع انطلاق الموسم الكروي الجديد، وهو ما يرتب بقاء لجانٍ وأقسامٍ كثيرة على ما هي عليه من دون تغيير (نظراً إلى صعوبة التغيير بعد انطلاق الموسم).

وبدلاً من أن يحظى الاتحاد الجديد بفترة أولى هادئة لإعادة ترتيب أوراق البيت الداخلي سيجد نفسه محاصراً بتنفيذ الروزنامة الكروية المتعلقة بمشاركة المنتخبات والأندية خارجياً، إضافة إلى روزنامته المحلية (بكل صعوباتها وتحدّياتها المقبلة)، الأمر الذي يعني أنه لن يكون قادراً على العمل من أجل التطوير والبناء، وإنما من أجل إتمام الأنشطة وإيصالها إلى بر الأمان وفق الإمكانات المتاحة والممكنة، وضمن الوقت المتاح أيضاً.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى