مستشار الشرع أحمد موفق زيدان:مستقبل الاسلام السياسي في سورية

لمراجعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
يستضيف قابل للجدل هذا الأسبوع مستشار الرئيس السوري أحمد الشرع أحمد موفق زيدان، الصحفي الذي ارتبط اسمه وصوته بتغطية الحركات الإسلامية المسلحة في افغانستان وباكستان لأكثر من 3 عقود. أثار الجدل بقربه من قيادات طالبان والقاعدة انذاك واليوم تحول إلى مستشار للرئيس السوري أحمد الشرع.. لماذا دعا جماعة الاخوان المسلمين في سوريا لحل نفسها وهي بأعين البعض ليست موجودة ولا مؤثرة ؟ ومامستقبل الدولة السورية في ظل أحداث السويداء و الساحل والخلاف مع قسد ؟ وكيف تغير فكر الرئيس السوري أحمد الشرع .. أسئلة كثيرة نطرحها على ضيفنا في قابل للجدل
———————————————
مستشار الشرع أحمد زيدان مروّجاً صورة «الزعيم المخلّص»
الثلاثاء 2 أيلول 2025
في أحدث ظهور إعلامي على قناة «العربية»، قدّم أحمد موفق زيدان، الصحافي السابق في أفغانستان وباكستان والمستشار الإعلامي الحالي للرئيس السوري أحمد الشرع، مرافعة مطولة عن التجربة السورية الراهنة. الرجل ارتبط اسمه في التسعينيات وبداية الألفية بتغطية الحركات الإسلامية المسلحة وقربه من رموز «القاعدة» و«طالبان»، ما أثار جدلاً واسعاً عند تعيينه مستشاراً للشرع. بدا هذه المرة منخرطاً في خطاب الدولة السورية الجديدة رغم بعض التعثرات. لكن لغته، رغم انسجامها مع التحوّل الذي يقوده الشرع في مقاربة الحركات الجهادية، كشفت عن ثغرات عميقة في الخطاب الإعلامي الرسمي الناشئ.
تبرئة الأجانب من الدم وإدانة الداخل
في برنامج «قابل للجدل»، شدّد زيدان على نفي أي مسؤولية للمقاتلين الأجانب عن المجازر والانتهاكات التي شهدتها مناطق الساحل والسويداء. وأشار إلى أنه كان متوقعاً منذ دخول الفصائل المسلحة ــ التي اندمجت لاحقاً في وزارة الدفاع ــ أن ترتكب هذه العناصر عمليات انتقامية واسعة في الساحل، رداً على سنوات من البراميل المتفجّرة والهجمات الكيميائية التي استهدفهم فيها النظام السابق، «لكنهم لم يفعلوا»، بحسب تعبيره، «والتزموا بتعليمات الرئيس أحمد الشرع». وأكّد أن هؤلاء المقاتلين «لن يشكّلوا أي خطر على الدول خارج سوريا»، متحدّياً أي طرف أن يقدّم دليلاً على تهديدهم لدول عربية أو أجنبية خلال سنوات قتالهم إلى جانب الثوار في سوريا.
لكن هذه المرافعة، التي كرّرها أكثر من مرة، دفعت مقدّم البرنامج إلى مقاطعته قائلاً: «لا نسأل عن التزامهم بعدم مهاجمة دول أخرى، بل التزامهم بعدم استهداف مكوّنات داخلية هي جزء من الوطن السوري على أساس طائفي». وهنا بدا كلام زيدان متناقضاً أمام حجم الأدلة المرئية من شعارات ورايات وخطابات عابرة للحدود. فالتبسيط الذي قدّمه لا يخفي حقيقة أن المشهد أكثر تعقيداً من مجرد «التزام بالتوصيات»، وأن هذه الجماعات لم تكن محكومة دائماً بقرار مركزي. مع ذلك، يصرّ زيدان على تبني خطاب السلطة الجديدة بأن «الشباب يحتاجون إلى وقت» بعد عقد كامل من العمل تحت شعارات جهادية، مراهناً على قدرتهم على التكيّف مع المرحلة الراهنة، وعلى قدرة الشام على تغييرهم، قائلاً «هل الاجانب في الشام هم نفسهم في آسيا الصغرى وأفغانستان! ».
الإخوان المسلمون… عدو النظام الأبدي
قبل مقابلته الأخيرة، نشر زيدان مقالاً، دعا فيه جماعة «الإخوان المسلمين» السورية إلى حلّ نفسها. هذه الدعوة، التي أعاد تكرارها في المقابلة، بدت امتداداً لخطاب سلطوي يفتّش دائماً عن «عدو داخلي» يبرّر به التوترات السياسية ويغلق به المجال العام. ومع تراجع الأحزاب التقليدية وتآكل حضورها الشعبي، يبدو أن السلطة الجديدة وجدت في الإخوان الخصم «المثالي» في الشارع السنّي، تماماً كما فعل النظام السابق. فالجماعة التي وصلت إلى الحكم في بلدان عربية خلال الربيع العربي، عادت في سوريا لتجد نفسها محاصرة بنظام عسكري قوي أولاً، ثم بقوى جهادية صاعدة قررت خلع عباءة الأيديولوجيا المتشددة لاحقاً.
وخلال المقابلة، وصف زيدان الجماعة بأنها «عبء» فقد تأثيره، قائلاً: «لكل أجل كتاب، كما أن للإمبراطوريات كتاباً، كذلك الفصائل لها كتاب معلوم. البيئة الإقليمية لم تعد تحتمل مثل هذه الجماعات». وأضاف أن الأحزاب التي لم تُحل بعد تحرير دمشق «تفتّت وتشتّت جهد الدولة السورية»، مستعيداً بذلك مشهداً من عام 1958 حين حُلّت الأحزاب عقب الوحدة مع مصر، ما تسبب بوأد الحياة السياسية لعقود. المفارقة أن دعوة المستشار تأتي في لحظة يُفترض أن تنفتح فيها الدولة الجديدة على كل المكوّنات والقوى السياسية لمواجهة خطر التقسيم.
دعوة زيدان تأتي متوافقة مع تصريحات الرئيس الشرع التي تبرأ فيها من الحركات الإسلامية من بينها حركة الأخوان المسلمين ومن الربيع العربي معاً، وقد ترمي هذه العبارة إلى إرسال رسائل طمأنة إلى دول عربية تريد التأكد من انضمامه للحضن العربي بدلاً من تركيا، والقلقة من ماضيه «الجهادي». وكذلك فعل مستشاره الذي حرص في ظهوره التلفزيوني مع قناة «العربية» السعودية على التذكير بأن أهم سنين حياته هي في عمله لجريدة «الحياة » اللندنية سعودية التمويل، كما لم ينس شكر المملكة العربية السعودية على إعادة سوريا للحضن العربي وقيادتها لرفع العقوبات عنها في أكثر من مناسبة.
من السويداء إلى «قسد».. لغة التهديد تتسع
رغم محاولات الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع بث رسائل طمأنة، قدّم مستشاره مقاربة أكثر صدامية في حديثه عن أحداث السويداء. فقد برّر العنف هناك باعتباره «ردة فعل طبيعية» لجرائم النظام السابق، قلّل من حجم الضحايا، وحمّل المجتمع المحلي جزءاً كبيراً من المسؤولية. كما شكّك في أرقام الضحايا، ورفض تحميل عشائر البدو المسؤولية كاملة، معتبراً أنه ليس هناك دولة في العالم يمكن أن تحتمل تمرد وخروج محافظة كاملة من سيطرتها لسبعة أشهر في إشارة إلى السويداء. وأشار إلى أن الدولة والرئيس صبرا طويلاً، واستجابا لطلب الانسحاب من وسطاء، وأن تدخّلها لاحقاً «حال دون وقوع مجازر أكبر» بفعل «الفزعة» التي قادتها عشائر من الشرق وبدعم عربي.
أما في حديثه عن «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) شرق الفرات، فقد استخدم زيدان لغة تهديد غير مباشرة، ملوحاً بمصير مشابه لما حدث في السويداء إذا لم تسلم «قسد» مناطقها للدولة، بذريعة وجود «احتقان شعبي» ضدها. هذا الخطاب يبتعد عن الحلول السياسية، ويكرّس منطق الإقصاء والصدام بدلاً من البحث عن تسويات وطنية جامعة.
صورة القائد.. سياسة إعلامية لا تموت
اللافت أيضاً في المقابلة كان خطاب الإشادة المكثّف بالرئيس أحمد الشرع، الذي وُصف بـ«القائد البراغماتي والقارئ العميق والمستمع الجيد». هذا التمجيد يعيد إلى الأذهان تقاليد إعلامية قديمة قامت على صناعة صورة «الزعيم – المخلص»، ما يتناقض مع ادعاءات أن التجربة الجديدة تجاوزت الأيديولوجيات والأحزاب نحو «الانصهار الوطني».
وكشف زيدان عن حوار قديم مع الشرع يعود إلى عام 2015، قال فيه الأخير إنه «غير مقتنع بالأفكار الجهادية لداعش أو القاعدة أو النصرة»، وإنه استخدمها تكتيكياً لقتال النظام السابق، على أن يعمل لاحقاً على «تغيير عقلية المقاتلين تدريجياً». واعتبر زيدان أن «المراجعات الفكرية والسلوكية التي حصلت في هيئة تحرير الشام والقاعدة في الشام لم تحدث في أي وسط آخر، لا الإسلامي ولا الليبرالي».
ما قدّمه أحمد موفق زيدان في مقابلته ليس مجرد مواقف شخصية لمستشار إعلامي، بل انعكاس لاتجاه عام في خطاب الإعلام الرسمي السوري الجديد: تبرئة العنصر الخارجي، تحميل الداخل مسؤولية الإخفاقات، المطالبة بحل الأحزاب والفصائل، ورفع صورة الرئيس إلى مقام المرجعية الوحيدة. عناصر مألوفة في الثقافة السياسية العربية، وإن ارتدت هذه المرة ثوب «البراغماتية» و«التجديد». يبقى السؤال الأهم مفتوحاً: هل ينجح هذا الخطاب ــ بكل تبسيطاته ومبالغاته ــ في إقناع جيل سوري عاش المأساة بكل تفاصيلها؟



