إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 02-05 أيلول 2025

متابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
————————————-
تحديث 05 أيلول 2025
—————————-
العشائر السورية بعد السويداء.. من الامتداد الاجتماعي إلى العبور العسكري/ ساشا العلو
كان للعشائر السورية امتدادٌ اجتماعيٌ وثقافيٌ خارج مناطق تواجدها، ولكن توجّه أرتال عسكرية عشائرية إلى السويداء شكّل مشهداً استثنائياً ومثّل تغيّراً في دور العشيرة في سوريا.
2025-09-05
العشائر السورية بعد السويداء.. من الامتداد الاجتماعي إلى العبور العسكري
تطورت مشكلة محلية في السويداء في يوليو 2025 بين الدروز وأبناء العشائر إلى معركة أوسع تدخلت فيها الحكومة السورية وإسرائيل وأطراف دولية أخرى. توجهت أرتال عشائرية مسلحة ضمّت آلاف المقاتلين من المناطق السورية لتشارك في المعركة، قبل فرض اتفاق وقف إطلاق النار.
طرحت أحداث السويداء و”الفزعات العشائرية” أسئلةً عن أدوار البُنى الاجتماعية السورية وعلاقاتها مع بعضها، وتأثيرها على العقد الاجتماعي ودور الدولة نفسها. تزداد أهمية هذه الأسئلة في وقتٍ تمر فيه البلاد في سياقٍ انتقاليٍ حسّاس في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، إذ يبدو أن الروابط الوطنية تتفكك لصالح أمن الجماعات وتماسكها. فتتحوّل الطائفة والعشيرة إلى غطاء وإطار للعنف، فيما تغيب الدولة وتنخرط السلطة في دورات عنفٍ متعاقبة ضمن ظروف مختلفة، شهدت بروز فاعلين محليين في أطراف البلاد أثّروا على معادلات السياسة في المركز الناشئ.
مثَّلت حالة العبور العشائري على صورة “فزعات” وحشود عسكرية من مناطق سورية مختلفة باتجاه محافظة السويداء ظاهرةً استثنائية، ليس على مستوى تفاعل البُنى القبلية والعشائرية في الثورة فحسب، وإنما في التاريخ السوري المعاصر. إذ كسرت “الفزعات العشائرية” حدود الجغرافيا والاجتماع التقليدي للقبائل والعشائر السورية. وتحوّلت امتداداتها العابرة المناطق من طابعها الاجتماعي والثقافي إلى فعلٍ سياسي وعسكري.
يطرح هذا الاستثناء سؤالاً رئيساً عن المتغيرات التي طرأت على نمطٍ من الصراع طالما كان محصوراً في الجنوب السوري بين أطراف محلية، حتى ينفلت من هذه الحدود فجأة ويستدعي حشوداً عشائرية من مناطق بعيدة تعبر الحدود الإدارية والاجتماعية والسياسية التقليدية لهذا الصراع، لتتضامن مع طرف ضد طرف آخر.
كان المتغيّران الرئيسان اللذان أسهما في هذا التحول هما أداء الحكومة السورية، أو عجزها بالأحرى، والتدخل الإسرائيلي. وتفتَح لحظة صعود دور العشائر العسكري النقاش عن إمكانية أن تصنع هذه البنى الاجتماعية مشروعها السياسي استناداً إلى امتداداتها العابرة المناطق، إلى جانب تأثير علاقة هذه العشائر بالسلطة في احتمالات توظيف العصبية العشائرية في إعادة بناء الدولة أو مفاقمة الانقسام الأهلي.
قادني التفكير في شكل هذه “الفزعات” ودوافعها إلى استحضار تجربة بحثية امتدت سنواتٍ في دراسة البنى القبلية والعشائرية في سوريا، وأفضت إلى تأليف كتاب “القبيلة والسلطة في سوريا” المنشور سنة 2024، بالمشاركة مع زميلي الباحث صخر العلي.
قدّم الكتاب تعريفاً جديداً للبنى القبلية والعشائرية في سوريا بناءً على دراسة واقعها الاجتماعي عشية انطلاق الثورة السورية، ثم تفاعلها السياسي والعسكري خلالها. اعتبرها التعريف الجديد بُنىً عابرة المناطق اجتماعياً وثقافياً وليس سياسياً. تفتقد القبائل والعشائر المركزية التنظيمية، وتتفاعل مع الحدث بمعطيات محلية مناطقية وما تفرضه من أولويات وتحركات تفصيلية. ومع أن عبور المناطق الإدارية يعدُّ عبوراً اجتماعياً وثقافياً، إلا أنه قد يتحوّل أحياناً إلى فعلٍ سياسي، وفق متغيراتٍ وعواملَ وظروفٍ مختلفة.
تشكَّل واقع القبائل والعشائر في سوريا عبر مراحل تاريخية طويلة شهدت سلطات مختلفة، وطرأت فيها تحوّلات جوهرية على البُنى القبلية والعشائرية. كانت آثار هذه التحولات التراكمية واضحة على القبائل والعشائر، بدءاً بأنماطها الاقتصادية التي تعرَّضت للتفكيك، بعد دفعها طوعاً أو قسراً لتغيير نمط حياتها من التنقل والترحال إلى الاستقرار المعتمد على الاقتصاد الزراعي والرعوي بين نهاية القرن السابع عشر وأواسط القرن العشرين. استتبع استقرار القبائل والعشائر تغييراً في الأدوار التاريخية، التي خَسِرَت العشائر أغلبها لصالح الدولة القُطْرية. وتحوّلت بُناها الاجتماعية، بفعل متغيرات عدة متعلقة بكل مرحلة، ووفق دورة اجتماعية متكررة تنتقل ضمنها البنية البدوية إلى نصف حَضَرية. انتقل البدو الرحَّل إلى أناسٍ مستقرين يعملون في الرعي والزراعة وغيرها في الأرياف، بينما اندمجت القبائل نصف الحضرية التي استقرت في المدن وأطرافها وتحولت بنيتها لتصبح حَضَرية (متمدينة) كلّياً أو جزئياً.
انعكسَت آثار التحوّل في البنية والأدوار والأنماط الاقتصادية على شكل القيادة القبلية ومضمونها متمثلة بالشيوخ والأمراء. سواء لناحية أدوارهم السياسية وعلاقاتهم بالسلطات، أو مركزيتهم للبنية الاجتماعية القبلية التي أخذت تتحول تدريجياً إلى بُنىً ريفية مستقرة بأنماط اقتصادية مختلفة أو اندمجت في المدن بهويات هجينة مُركّبة، وأفرزت مجالات اجتماعية جديدة لم تعد المشيخة اللاعب الأوحد فيها.
تراجعت البداوة بصورتها التقليدية تدريجياً، إضافة إلى ثبات النطاق الجغرافي للقبائل والعشائر وطغيان المناطقية على تفاعلاتها الاجتماعية، لتظهر مشيخات المناطق والوجهاء العشائريون. وأثّر تَغيُّر أنماط العمران في تراجع تماسك الهياكل القبلية بأشكالها التقليدية. كل ذلك ساهم بالدفع بمفهوم القبيلة والعشيرة من الإطار السياسي التنظيمي إلى الاجتماعي الثقافي، وباتت امتداداتها على الأرض السورية امتدادات اجتماعية ثقافية، شهدت تحوّلات في أنماط العلاقات وأنساقها ومستويات العصبية التي ارتبطت بمتغيرات جغرافية واقتصادية وتنموية وسياسية.
منذ بدء الثورة السورية في مارس 2011، حالت الانقسامات السياسية دون قدرة القبائل والعشائر على تحويل امتداداتها الثقافية الاجتماعية إلى فعلٍ سياسي. فمع انطلاق الثورة، انقسمت القبائل فيما بينها على الموقف من الثورة، وشهدت انقسامات داخلية بين أفراد القبيلة الواحدة وبعضهم البعض على الأمر نفسه. ولا يعدُّ هذا الانقسام استثنائياً في تاريخ القبائل والعشائر السورية التي تفاعلت بالانقسامات ذاتها في حقبٍ وصراعاتٍ سابقة.
انعكست الانقسامات السياسية على أشكال الاجتماع العسكري. إذ انقسمت القبائل فاعلاً محلياً بين مختلف أطراف الصراع، ولم تستطع تشكيل حالة عسكرية مركزية عابرة المناطق. ظهر أثر ذلك الانقسام الداخلي لدى القبائل والعشائر المنخرطة في الثورة السورية خاصةً، والتي تشكلت مواقفها وتحركاتها تبعاً لأولويات محلية مناطقية وليست عشائرية. إذ ارتبطت عسكرة الحراك الشعبي ضد نظام الأسد بحالة مناطقية دفاعية، أخذت فيها كل منطقة تشكِّل كتائبها ومجموعاتها لحماية سكانها. نتيجة لذلك، انعكس تركيب المنطقة السكّاني في بنية أغلب الفصائل المحلية، وخاصة في المناطق ذات الثقل العشائري.
وتطلَّبَت مرحلة التسليح وطبيعة العمليات العسكرية مستوى معيناً من التضامن والعصبية أمام مركزية النظام وعنف عملياته العسكرية، هذا المستوى وفَّرته الحالة المناطقية والعشائرية أو العائلية في المناطق غير العشائرية. وغالباً ما تداخلت المناطقية والعشائرية في مراحل مختلفة، نتيجة أن قرابة 60 بالمئة من مناطق الثقل القبلي والعشائري في سوريا تسكنها القبيلة والعشيرة ذاتها، مقابل مناطق أخرى تسكنها عشائر متنوِّعة أو يتداخل فيها المكوِّن العشائري مع مكوِّنات أخرى عائلية. فظهرت نزعة مُركّبة، مناطقية عشائرية، أو مناطقية عائلية في المناطق غير العشائرية.
تطوّرت تلك النزعة أكثر مع توسُّع العمليات العسكرية وزيادة مستوى العنف، ثم مع انسحاب الدولة من تلك المناطق، ما وضع سكانها المدنيين وفصائلها أمام اختبار الإدارة المحلية للمرة الأولى وسط عمليات عسكرية عنيفة ومستمرة. فلجأت مختلف البُنى الاجتماعية التقليدية إلى بدائل، واستحضرت أشكال التنظيم التقليدية، وعلى رأسها القبيلة والعشيرة والعائلة. وفاقم التهجير القسري الذي أخرج عشائر عدة من مواقعها إلى أخرى من ضرورة استعادة التنظيم التقليدي غير المرتبط بالمناطقية. وازداد حضور نظم القبيلة والعشيرة والعائلة في بيئة التهجير الجديدة بعد خسارة المهجَّرين مناطقهم.
كان تفاعل القبائل والعشائر في مراحل الثورة السورية مناطقياً محلياً، لم يظهر فيه موقف أو تنظيم قبلي أو عشائري مركزي عابر المناطق. وهذا ما يؤكد أن القبيلة تفتقد المركزية التنظيمية بشكلها المُتخيّل لدى البعض. واستطاعت العشائر، وهي وحدات اجتماعية أصغر من القبائل التي تتشكل الواحدة منها من عشائر مختلفة، أن تبدي تماسكاً أعلى نسبياً من القبيلة، نتيجة انتشار أغلبها في المنطقة الجغرافية نفسها أو في قرى متقاربة، إلا أنها انقسمت أيضاً على فصائل مختلفة.
طرأ استثناء وحيد في أربع عشرة سنة من الثورة والحرب عند تحوّل العبور الاجتماعي الثقافي إلى عبور سياسي عسكري، وهي حادثة الحشود القبلية والعشائرية التي تحركت من غرب الفرات إلى شرقه أواخر شهر أغسطس 2023. شاركت تلك الحشود العشائرية في الهجوم على مواقع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في ريف حلب، على خلفية صدام بين تلك القوات وأنصار مشيخة قبيلة العقيدات في دير الزور المتمثلة بآل الهفل. فقد اندفع مقاتلون في شمال سوريا في “فزعاتٍ عشائرية” ليضغطوا عسكرياً على مناطق سيطرة قسد في ريف حلب، بهدف تخفيف الضغط عن المجموعات العشائرية المنتفضة ضد قوات قسد في دير الزور شرق سوريا.
شوهد آنذاك للمرة الأولى فعلٌ عشائريٌ متجاوزٌ الحدود الإدارية والمناطقية، تقوده دوافع سياسية واضحة، هي العداوة السابقة بين قوات قسد وأبناء هذه العشائر الذين هجّرت قوات قسد وقوات نظام الأسد كثيراً منهم. ظهر في هذا الهجوم نوع من العصبية الجامعة المبنيّة على الروابط القبلية والعشائرية، وعلى طبيعة الموقف السياسي المشترك من جهة أخرى. تقاطعت تلك الدوافع مع سياق سياسي كانت فيه السلطات المؤثرة في دير الزور على اختلافها، الجيش الوطني السوري وهيئة تحرير الشام وتركيا، محفزاً كبيراً. إذ شاركت مجموعات من هذه القوى أو مدعومة منها في هذا الهجوم.
مثّلت هذه الحادثة استثناءً جزئياً لاحتمالية تحوّل الروابط والامتدادات القبلية والعشائرية إلى حوامل اجتماع سياسي عسكري مؤقت عابر المناطق. مثّلت تلك الواقعة مشهداً مصغراً مما بلغته الفزعات العشائرية لاحقاً في محافظة السويداء.
أتى مشهد “الفزعات العشائرية” إلى السويداء ضمن سياقٍ انتقاليٍ حسّاسٍ ومركّب تلا سقوط نظام الأسد بثمانية أشهر، ومثّل استثناءً غير مسبوق في تاريخ سوريا المعاصر. ليس الاستثناء في هذا المشهد بروز القبائل والعشائر فاعلاً محلياً في مرحلة انتقال حسّاس للسُلطة في سوريا، فمن يتتبع التاريخ السياسي القديم والمعاصر لسوريا وتحولاته سيجد العشيرة والقبيلة عنصراً حاضراً في تفاعلات الاجتماع والسياسة والسلطة.
الاستثناء في مشهد السويداء يتمثل في شكل الاجتماع العسكري المؤقت “الفزعات”، بدوافعه وسياقه وخصمه والبُنى المهاجمة. فلم نشهد في تاريخ سوريا المعاصر عبوراً عسكرياً متزامناً لمجموعات عشائرية منطلقة من الشمال والوسط إلى الجنوب، تحت أسماء قبائل وعشائر سورية مختلفة في البُنية ومستويات العصبية. وهي مكونات متحدّرة من خلفيات وجذور حضرية متعددة تمتد من الجذور البدوية، مروراً بنصف الحضرية، وصولاً إلى المكوّنات المندمجة حضرياً.
لم تعد التصنيفات السابقة تصلح أكاديمياً وعملياً للتعبير عن واقع البُنى القبلية في سوريا حالياً، ولم تعد تحمل المعاني السياسية والقانونية والاجتماعية التي عكستها منذ العهد العثماني حتى أواخر الستينيات. إذ استثنى قانون الجندية الذي وضعه الاتحاديون سنة 1909 قبائل البدو الرحّل من التجنيد الإجباري. ثم وضع الانتداب الفرنسي نظاماً قانونياً لتمييز القبائل البدوية عن نصف الحضرية والحضرية، إذ استحدث إدارة خاصة لها مستندة إلى القانون 132 لتنظيم شؤون البدو سنة 1940، الذي خصَّ قبائل البدو الرُّحّل بمزايا في التجنيد وحمل السلاح والتقاضي.
تحوَّلت تلك المزايا والقوانين إلى إشكاليّة في البرلمان والسياسة السورية بعد الجلاء الفرنسي سنة 1946، إذ حاولت الدولة الوطنية تحجيم مزايا القبائل وخلق إطار قانوني جديد للتعامل معها، فأصدر مجلس النواب السوري “قانون العشائر” سنة 1956. وحسِمَت الإشكالية عقب الوحدة بين سوريا ومصر، إذ جاء قرار الرئيس جمال عبد الناصر، الذي كان رئيساً للقُطرين الموحدين تحت مسمى الجمهورية العربية المتحدة في 28 أيلول 1958، بإلغاء قانون العشائر في الإقليم السوري، ليُخضِع أبناء القبائل والعشائر لجميع القوانين والأحكام المطبّقة على المواطنين الحضريين.
أنهى القرار هوية القبائل والعشائر القانونية والسياسية المنفصِلة، ما عنى أيضاً إنهاء سلطة الكتلة العشائرية في البرلمان، ليطوى صراع طويل بين الحكومات المركزية والقبائل البدوية وزعمائها. سبق هذا القانون بيوم واحد إقرار قانون الإصلاح الزراعي في الإقليم السوري ، والذي لم يكن أثره على زعماء القبائل أقلّ، إذ وضع حداً أعلى لملكيّات الأراضي ووزّع البقية على صغار الفلاحين. ما فتح باباً لتغييرات اجتماعية وسياسية مهمة في تكوين سوريا الحديث.
مع بداية الستينيات أنشأت الحكومة مديرية السهوب (البادية) ضمن وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، ونقلت المسؤولية الرسمية عن البادية وقبائلها من وزارة الداخلية إلى وزارة الزراعة. بعد ذلك تراجعت مصطلحات مثل توطين البدو أو تحضير العشائر من لغة الدولة الرسمية، وحلَّ محلها مصطلحات أخرى مثل إنعاش الريف وتنميته. يشي هذا بأن الدولة باتت ترى القبائل بُنى ريفية مستقرة، عليها أن توجّهها نحو عملية التنظيم الفلاحي والزراعي. إلا أن تصنيفات البدو والحضر لا زالت تحمل تمايزات ثقافية يلحظها أبناء القبائل والعشائر ويلاحظها المختصون، سواء على مستوى أنماط الزراعة أو العصبية أو حتى بعض التقاليد الثقافية.
تاريخياً اتّسمت العلاقة بين هذه البُنى بصراعات متكررة، لاسيما بين العشائر نصف الحضرية والبدوية، وبين البدوية والمراكز الحضرية أو السلطات. وغالباً ما كانت التحالفات العشائرية تتشكَّل لاعتبارات محلية مناطقية لمواجهة قبائل أقوى. وظهور هذه العصبية الجامعة بين تلك البُنى المختلفة ليس مستحيلاً، خاصة في مواجهة التهديدات المشتركة. عملاً بالقاعدة القبلية التقليدية “أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب”.
كانت تلك العصبية الجامعة تظهر ضمن سياقات أو تحالفات ظرفية على مستوى منطقة أو قبيلة أو إقليم، أو على مستوى أشمل في حالة الثورات الوطنية أو مواجهة الاحتلال. فقد قاتلت تلك البُنى غالباً على أهداف واحدة وليس على جبهة أو منطقة واحدة، الأهداف التي جمعتهم ضد الاستعمار الفرنسي مثلاً مع مكوّنات وبنى اجتماعية مختلفة من ضمنهم الدروز، الذين تحولوا لأول مرة اليوم إلى خصم لبعض المجموعات القبلية والعشائرية السورية.
ومع أن قبائل الجنوب وعشائره لديها سجل تاريخيّ في التحالف مع الدروز أو الصدام معهم، إلا أن قبائل وعشائر وسط سوريا وشمالها، يكاد يكون اشتباك السويداء هو الأول في تاريخها مع مجموعات درزية. ولكنه ليس التواصل الأول لها معهم. فقد قاتلت القبائل العربية السُنية في بادية الشام في محطات تاريخية عدة مع أمراء الدروز، سواء على ذات الأرض أو الهدف. بدءاً من حوران التي انقسمت قبائلها في حروب فخر الدين المعني مع الدولة العثمانية والتي استمرت عشرين عاماً بعد أن بدأت سنة 1613، وصولاً إلى أمراء بعض القبائل في بادية الشام الذين كانوا يتواصلون مع الدروز أحياناً في الشمال والوسط للاستعانة بمقاتليهم في حروبهم مع قبائل أخرى. وكان هذا التواصل أوضح في الثورة السورية الكبرى سنة 1925 التي كان الزعيم الدرزي سلطان باشا الأطرش قائدها العام باختيار مجموعات المقاومة من مختلف المناطق السورية، ثم في انتفاضة مايو وحزيران 1945 إثر قصف الفرنسيين مبنى البرلمان السوري، وصولاً إلى الثورة السورية سنة 2011. قبل أن تتحوّل القبائل والعشائر خصوماً متحاربين مع الدروز على أرض السويداء لأول مرة.
لا تتعلق استثنائية هذا الحدث فقط بالقبائل والعشائر وتفاعلاتها عبر التاريخ والثورة السورية فحسب، وإنما تمتد إلى الطرف الدرزي أيضاً، إذ يكاد يكون هجوم القبائل والعشائر على السويداء بشكله وأطرافه الأولَ من نوعه في تاريخ الدروز وجبل العرب والجنوب السوري.
كانت نقطة بداية صدامات السويداء في 12 يوليو 2025، حين اختُطف تاجر درزي على أحد حواجز طريق دمشق السويداء في منطقة المطلّة، وكان من بين مختطفيه عناصر من بدو المنطقة الملتحقين بوزارة الداخلية السورية. رداً على هذه الحادثة خطفت مجموعة درزية مسلّحة، كانت على علاقة بالأمن العسكري التابع للنظام السابق، مجموعة من بدو منطقة المقوس شمال شرق مدينة السويداء. فردّ بدو المقوس باختطاف عدد من الدروز على أحد الحواجز.
تصاعدت الأمور في يومين لتتحوّل إلى اشتباكات مسلّحة بين الطرفين، قبل أن تتدخل القوات الحكومية ممثلة بعناصر وزارتي الداخلية والدفاع.
اختلفت الروايات هنا، إذ تقول الحكومة إن قواتها دخلت لفض اشتباك وتعرَّضَت لكمائن في المنطقة على يد “مجموعات مسلحة خارجة عن القانون”، تقصد بها المجلس العسكري في السويداء، والمجموعات التابعة لشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري (للطائفة الدرزية في سوريا ثلاثة شيوخ عقل، وهم المراجع الدينية لها). بينما يقول الهجري وأتباعه إن ما حصل هو “هجوم ممنهج” من قوات الحكومة على السويداء وإن رد الدروز هو دفاع أهلي عن النفس.
نفَّذَت القوات الحكومية بالتعاون مع مجموعات عشائرية من بدو السويداء ودرعا عملية عسكرية بين الرابع عشر والسادس عشر من يوليو، سيطرت عبرها على الريف الغربي لمحافظة السويداء وأجزاء من المدينة رغم مقاومة بعض الفصائل المحلية المسلّحة ومجموعات أهلية درزية. تعرَّضت قوات الحكومة والعشائر لقصفٍ إسرائيلي في الرابع عشر والخامس عشر من يوليو بين قرية المزرعة ومدينة السويداء لمنع تقدمها، ما أدى إلى سقوط عددٍ من الجرحى والقتلى يقدّر بالمئات. أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار في السويداء ظهر يوم الثلاثاء الخامس عشر من يوليو، ولكن الاشتباكات استمرت داخل المدينة. أصدرت الأردن والسعودية بيانين أعربتا فيهما عن دعمهما إجراءات الحكومة السورية لبسط “الأمن والاستقرار” في السويداء.
أُعلن اتفاقٌ ثانٍ لوقف إطلاق النار في السويداء يوم الأربعاء السادس عشر من يوليو، ونشرت وزارة الداخلية بنوده وظهر شيخ العقل يوسف الجربوع في مقطعٍ مصورٍ يؤكد وقف إطلاق النار في اليوم نفسه. ولكن الهجري رفض الاتفاق ودعا إلى مقاومة قوات الحكومة، بعدما أرسل مناشدةً قبله إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الأمريكي والعاهل الأردني وولي العهد السعودي للتدخل وإنقاذ السويداء. دمّر قصفٌ جوي إسرائيلي مبنى قيادة أركان الجيش السوري ووزارة الدفاع وسط العاصمة واستهدف محيط القصر الجمهوري في دمشق عصر ذلك اليوم.
مع عجز الحكومة عن احتواء أزمة السويداء داخلياً وارتداداتها دولياً، اضطرت إلى سحب قواتها من السويداء في مساء اليوم نفسه. وأكد الرئيس السوري أحمد الشرع في كلمة مصوّرة فجر السابع عشر من يوليو هذا الانسحاب، وأعلن “تفويض بعض الفصائل المحلية وشيوخ العقل بحفظ الأمن في السويداء”، وحمّل “الكيان الإسرائيلي مسؤولية التصعيد وخلق الفتن واستهداف الاستقرار، ودفع الأمور إلى تصعيد واسع النطاق، لولا تدخل فعّال للوساطة الأمريكية والعربية والتركية التي أنقذت المنطقة من مصير مجهول”. أكد الشرع في كلمته رفض الخطاب الطائفي والانتهاكات ودعوات التقسيم، وقال إن الدروز “جزء أصيل من نسيج هذا الوطن”، وإن الدولة تتعهد بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات بحقّهم.
وكما كان دخول القوات الحكومية إشكالياً وغير محسوب وتسبب بانتهاكات واسعة اعترفت بها السلطة بحق المدنيين الدروز، فقد كان انسحابها غير مدروس أيضاً. إذ تركت المدنيين من بدو السويداء في المناطق التي انسحبت منها بلا ترتيبات لضمان سلامتهم. فعادت بعض المجموعات الدرزية المسلّحة وارتكبت انتهاكات ضد المدنيين البدو في مناطق عدة، منها شهبا وسهوة بلاطة والمنصورة والحروبي، واحتجزت عشرات النساء والأطفال.
تصاعدت مناشدات مجموعات من بدو السويداء صباح السابع عشر من يوليو في ظل عجز قوات الحكومة المنسحبة، مطالبةً بإيقاف الانتهاكات وإطلاق سراح المحتجزين. هنا بدأت هذه المناشدات تكسر الحدود الإدارية لتخلق صدى خارجها، امتد بداية إلى ريف درعا المحاذي للسويداء، ثم إلى مناطق مختلفة من درعا والقنيطرة، قبل أن ينتقل بسرعة إلى بعض مناطق ريف دمشق ووسط البلاد في حمص وحماة، ثم إلى الشمال الشرقي في الرقة والحسكة ودير الزور والشمال الغربي في حلب وإدلب.
العلاقة بين الدروز والبدو في الجنوب السوري مثقلة بتاريخ من التحول بين التفاهمات والصراعات التي احتدمت في السنوات التالية للثورة السورية. كذلك فإن طبيعة تركيب عشائر بدو الجنوب السوري وقبائله وامتداداتها والعلاقات بينها، جعلت من “الفزعات العشائرية” أمراً ينتظر الحدوث.
انطلقت أولى مجموعات “الفزعة” من الجنوب السوري، بداية من درعا وأريافها المحاذية للسويداء. وشاركت فيها شرائح مختلفة، منها مجموعات عشائرية من منطقة اللجاة، تربطها أواصر قرابة مع عشائر السويداء وبدوها. إضافة إلى أفراد ومجموعات من أبناء مدن درعا وبلداتها وقراها، سواء من المدنيين أو من مجموعات كانت سابقاً ضمن فصائل الثوار في المنطقة.
يغيب الهيكل العشائري التقليدي في أغلب مدن درعا وبلداتها، كما هو الحال في اللجاة، أو شمال سوريا وشرقها ووسطها. في المقابل تظهر بُنىً اجتماعيةٌ ذات نزعة مركّبة عائلية عشائرية، تعتمد على العائلة الكبيرة أو الحمولة، وهو المصطلح المستعمل في منطقة حوران في وصف العشيرة أو العائلة الكبيرة. ولذلك فالأفراد والمجموعات المشاركة من تلك المناطق، لم تتجمع أو تتحرك تحت أسماء عوائلها وحمولاتها، بقدر ما احتشدت مناطقياً وعبر أدوات تجمع وحشد مختلفة.
لم تلبث نداءات “الفزعة” أن وجدت صداها في القنيطرة أيضاً، حيث انطلقت مجموعات وأفراد من مناطق مختلفة، بينهم أبناء عشائر المنطقة، مثل النعيم والفضل والهوادجة وعشائر أخرى. إضافة إلى مجموعات من أبناء المدن والبلدات، مثل مسحرة ونبع الصخر وكودنة وممتنة بعضهم مدنيون، وآخرين انخرطوا سابقاً ضمن الفصائل الثورية.
أمّن القرب الجغرافي وصولاً سريعاً للمشاركين، وشكّل سياق العلاقة مع الدروز في الجنوب دوافع غير مباشرة. إذ شهدت المنطقة سابقاً توترات متكررة، سواء بين البدو والدروز داخل السويداء، أو بين بعض فصائل درعا ومجموعات عسكرية في السويداء. ازداد التوتر في السنوات التي تلت اتفاق التسوية وسيطرة النظام وروسيا على المنطقة في يوليو 2018. إذ شهدت تلك الفترة تعديات على ريف درعا الشرقي من المجموعات العسكرية الدرزية المرتبطة بالأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق. وشملت عمليات خطف متبادلة واشتباكات أحياناً، استدعت تدخل وجهاء وقادة محليين لاحتواء التوتر.
أما في القنيطرة فقد ساهم تاريخ التوتر والاحتقان بين مجموعات ثورية من القنيطرة وقرية حضر الدرزية في تأمين بيئة قابلة للاشتعال. خاصة بعد أن شكّلت مجموعات من تلك القرية، ومعهم بعض أبناء القنيطرة، لجاناً شعبية رديفة لقوات النظام السابق منذ سنة 2013. أعاق مقاتلو حضر تقدم الجيش الحر في ريف القنيطرة الغربي، وكانت مركزاً لتجمع عناصر النظام، ونقطة انطلاق لشنّ هجمات على مواقع الثوار في القنيطرة.
لكن العامل الأكثر راهنية وتأثيراً في درعا والقنيطرة، منذ سقوط الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، هو تصاعد المخاوف والتهديدات بالتوغل الإسرائيلي وتوسعه. فقد أنشأت إسرائيل في القنيطرة نقاط عسكرية عدة، ونفّذت القوات الإسرائيلية عمليات برية واعتقالات متكررة. وحاولت التوغل برياً في ريف درعا الغربي متجاوزة حدود اتفاقية فض الاشتباك سنة 1974. وشهدت قرية كويا في مارس 2025 ومنطقة تل الجموع في أبريل حادثتي اشتباك بين مجموعات محلية من أبناء المنطقة والقوات الإسرائيلية المتوغلة، أسفرت عن مقتل عدد من المدنيين والمقاتلين المحليين.
قابلت الفِراتْس عناصر من المجموعات المشاركة في الهجوم على السويداء بعد انسحاب الحكومة، وتؤكد تلك المقابلات تداخل الدوافع المباشرة. فمع انسحاب القوات الحكومية وتصاعد مناشدات البدو، تشكلت لدى المجموعات البدوية المهاجمة ردة فعل غاضبة من انسحاب الحكومة وعجزها عن حماية المدنيين البدو، وأبناء درعا ممن يعملون أو يقيمون في السويداء. ترافق ذلك مع مخاوف من احتمالية اجتياح إسرائيلي بري لمحافظتي درعا والقنيطرة، بعد قصف إسرائيل القوات التابعة للحكومة في السويداء والمباني الحكومية في دمشق. وزاد حدّة هذه المخاوف التحليق المكثَّف للمسيرات الإسرائيلية في سماء درعا والقنيطرة منذ بدء التوتر في السويداء.
وساهمت الصور الأولى التي نُسبت إلى انتهاكات بحق البدو، إلى جانب المناشدات المناطقية والعشائرية، في تحفيز عمليات الحشد والتعبئة. ودعمها نشاط مكثّف عبر غرف ومجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي ومن بينها واتساب، وشهدت وسائل التواصل الاجتماعي انتشار خطابٍ تعبويٍ مشحونٍ بالمناطقية والطائفية. تعزّز هذا الخطاب بوصول جثث مدنيين إلى بعض مناطق درعا قضوا أثناء الفوضى وأعمال الانتقام في السويداء، أو كانوا عناصر تابعين للحكومة من أبناء درعا قضوا في الاشتباكات أو القصف الإسرائيلي. وأضيف إليها صورٌ بدأت تنتشر منذ السادس عشر من يوليو لعبور بعض الدروز من الجانب الإسرائيلي إلى الأراضي السورية للقتال إلى جانب أقاربهم، ما ساهم أكثر في تصعيد موجة “التعبئة التضامنية” مع بدو السويداء.
تمددت الفزعات العشائرية إلى خارج الجنوب السوري، في المنطقة الشرقية والوسطى والشمالية الغربية. ومع أن عشائر تلك المناطق ليس لها تاريخ من الاحتكاك أو الصراع مع الدروز، إلا أن ثمة دوافع مشتركة وأخرى متباينة جعلتها تبادر للتدخل في صدامات الجنوب.
تشمل المنطقة الشرقية محافظات دير الزور والحسكة والرقة. في دير الزور خرجت مجموعات عشائرية من قبائل مختلفة، وأبرزها العقيدات التي شاركت منها مجموعات عدة تحت أسماء عشائرها البوسرايا والبوجامل والشعيطات. وتصدّر مشهد الحشد والتعبئة العشائرية أسماء من بيت المشيخة العام للقبيلة، آل الهفل، وآخرون شيوخ عشائر فرعية تتبع القبيلة، أو وجهاء عشائريون ضمنها.
انطلقت معظم الفزعات من مناطق سيطرة الحكومة السورية، ولكن خرجت مجموعات أخرى من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وبلا إذنها كما أخبرنا مشاركون فيها. وشارك في تلك المجموعات مدنيون عشائريون، إضافة إلى عناصر سابقين في فصائل الثورة السورية، بعضهم منخرط في وزارة الدفاع، لكنهم تحركوا خلف رايات عشائرية.
شاركت أعداد أقل في الحسكة، نتيجة سيطرة قسد، بينما شاركت أكثر مجموعات عشائرية من أبناء الحسكة مهجّرة في الشمال. أبرز القبائل المشاركة كانت قبيلة الجبور، وكان لأحد بيوت المشيخة المعروف باسم الفاضل الملحم ظهورٌ واضح في الحشد الميداني.
وشاركت مجموعات عشائرية انطلقت من مناطق سيطرة قوات قسد في محافظة الرقة بلا إذنها. وأبرزها مجموعات من عشائر البوشعبان والولدة والعفادلة. إضافة إلى مجموعات من قبائل وعشائر مختلفة مثل جيس (قيس) والنعيم والمرندية.
خرجت النسبة الأكبر من المجموعات العشائرية من منطقة الشمال الغربي في حلب وإدلب. فقد شاركت مجموعات بنسب متفاوتة من قبائل وعشائر مختلفة، أبرزها البوشعبان والموالي والنعيم والبقارة واللهيب والدليم والحديديين وشمّر وعشائر أخرى.
أما في المنطقة الوسطى في حمص وحماة، فشاركت مجموعات مسلحة تحت عناوين عشائرية أبرزها الموالي والنعيم وبني خالد وعنزة. ورُصِدَت مشاركة مجموعات من مناطق حضرية في حمص وريف دمشق.
ضمن هذا الكم من أسماء القبائل والعشائر والبُنى الُمختلطة اجتماعياً والمتمايزة جغرافياً، تنوَّعت الدوافع وتداخلت لتنتج فزعات عشائرية متزامنة باتجاه هدف واحد. ومع أن المقابلات مع عناصر تلك المجموعات، إضافة إلى تصريحات شيوخ العشائر والقبائل المشاركة، وبيانات الحشد والتعبئة، اعتبرت أن “فزعاتها” كانت “نخوة واستجابة لمناشدات المدنيين البدو”، إلا أن هناك دوافع ومحركات مختلفة يبدو أنها كانت أيضاً وراء هذا الموقف.
تبدأ هذه الدوافع من الشعور بعجز الحكومة بعد انسحابها، والغضب من انكسارها أمام “فصائل مسلحة مدعومة من إسرائيل”، كما وصفها عناصر من قوات العشائر. ولكن فوق ذلك نشأ شعور عام لدى بعض أبناء القبائل والعشائر أن الدولة الوليدة التي تتعرض للتهديد هي “دولتهم”. وخاصة لدى أبناء القبائل والعشائر الذين شاركوا في الثورة ضد النظام السابق وشكّلوا فصائل لقتاله، أو انخرطوا في البُنى العسكرية الأخيرة في الشمال، وهي الجيش الوطني السوري وهيئة تحرير الشام.
ساهم في هذا الشعور بالانتماء للدولة وحمايتها سلوكيات السلطة الحالية، والتي يُشكّل أبناء القبائل والعشائر نسبة غير قليلة من بُنيتها السياسية والعسكرية وقياداتها الميدانية، إضافة إلى خطابها المُحتفي بالقبائل ولقاء مسؤوليها عشرات الوفود العشائرية من مناطق مختلفة. وساهمت الرواية “الأمويّة” التي راجت منذ سقوط النظام، والتي تعلي من شأن العرب السُنة على باقي المكونات السورية في إذكاء تلك الرغبة في حماية الدولة.
حصل التحول العميق بعد سقوط النظام السابق، إذ انتصر طرف عسكري على آخر، وانتصرت معه القبائل والعشائر المعارضة أو المتحالفة معه. وفي المقابل انهزمت عشائر وقيادات قبلية عدة تحالفت مع الطرف المهزوم، أي أبناء عمومتهم ممن حالفوا الأسد وإيران أو “داعش”. وقد ساهمت العودة الجزئية لأبناء العشائر المشاركين في الثورة، من مناطق تهجيرهم إلى مواقعهم الأصلية التي كانت تحت سيطرة النظام أو قسد، بتغيير موازين القوى الاجتماعية والعلاقة مع السلطة الجديدة لصالح تلك العشائر التي قاتلت ضد النظام المهزوم. ولكن لم تخلُ الفزعات العشائرية من بعض القيادات القبلية التي كانت متحالفة مع النظام السابق أو إيران أو “داعش”، إذ وجدت فرصة لتبييض سجلِّها الماضي، أو فرصة لإثبات الولاء للسلطة الجديدة، أو حتى تسجيل موقف أمام أبناء عمومتهم من الثوار في العشيرة نفسها أو عشائر أخرى.
استُخدِمَت أدوات حشد وتعبئة عدة في تلك “الفزعات” على رأسها تداول مقاطع مصورة للانتهاكات ضد البدو والصيحات والنخوات العشائرية وخطابات الحشد على وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تخْلُ من الشحن والكراهية والطائفية. انتشرت أيضاً أخبار مقتل بعض المنتسبين إلى وزارتي الداخلية والدفاع في السويداء، من أبناء عشائر إدلب وحلب ودير الزور، أثناء القصف الإسرائيلي للقوات الحكومية أو الاشتباكات.
لُوحِظَ في الشمال الغربي في حلب وإدلب دور “مجالس القبائل والعشائر” في الحشد والتعبئة. وبرز دور بعض شيوخ العشائر والقبائل في الشمال الشرقي والغربي وبعض مناطق الوسط، سواء بالتحشيد الميداني وقيادة مجموعات عشائرية تجاه السويداء، أو في الظهور الإعلامي والتعبئة عبر نشر مقاطع مصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد برزت أدوار القيادة القبلية من شيوخ وأمراء ووجهاء في الشمال والوسط بشكلٍ أوضح مما حصل في درعا والقنيطرة. يعود هذا إلى اختلاف بنية القبائل والعشائر، ووضوح المشيخة بشكلها التقليدي في البنى القبلية غير الجنوبية أكثر من تلك الجنوبية. وربما يعود ذلك أيضاً إلى طبيعة العلاقات المتداخلة بين وجهاء درعا ومشايخها مع وجهاء السويداء ومشايخها.
ساهم تراجع دور الدولة في خلق فرصة لبروز القيادة القبلية، واستعادة روح القبيلة والتعبير عن مخاوف ودوافع اختلفت بين تلك القبائل. فقد عبّر بعض شيوخ قبائل الجزيرة السورية في شرق سوريا، مثل شيخ قبيلة الجبور أحمد حماد الأسعد في مقابلته مع قناة “الحدث”، عن مخاوفهم من احتمالية التنسيق بين قوات قسد والمجموعات العسكرية التابعة للزعيم الدرزي في السويداء الشيخ الهجري، وبقايا من قوات النظام في الساحل. الأمر الذي قد يقود إلى احتمالية تقسيم البلاد بدعمٍ إسرائيلي، وبالتالي إضعاف ثقل بعض القبائل والعشائر وتقسيمها على أقاليم مختلفة وانحسار امتداداتها. تبدو الفيدرالية بالنسبة لهم في هذا السياق الانتقالي “نموذجاً يحكمه الآخر”، خاصة في مناطق سيطرة قسد.
ومع استخدام الطائفية في الحشد والتعبئة من قبل بعض الأطراف، إلا أنها لا تبدو عاملاً حاسماً في تشكيل موقف المجموعات العشائرية المهاجمة، خاصة من المجموعات المدنية غير العقدية، عند مقارنتها بالدوافع السابقة. ولعلَّ ذلك يعود أولاً إلى طبيعة أنماط التدين السائدة في البيئة العشائرية، والتي لا تضع الدروز في موقع الخصم العقدي الواضح، إذ غالباً ما تتشكّل النظرة إليهم في المخيال العشائري من المرويات الشعبية والخرافية، لا من معرفة دقيقة بمعتقداتهم غير المعلنة أصلاً. ولم ينشأ بين أغلب هذه العشائر في الوسط والشرق والشمال وبين الدروز احتكاك طائفي عقدي مباشر، ما يجعل التعبئة المذهبية محدودة الأثر. فضلاً عن أن التعايش بين العشائر العربية السُنية والدرزية، خصوصاً في الجنوب السوري، يستند إلى إرث طويل من العلاقات والتحالفات والمصالح العابرة الهويات المذهبية. وغالباً ما يستند إلى مرجعية عروبة مشتركة تُغلِّب هذا الانتماء وتُقدِّمه قاعدة تعامل أساسية في السياق المحلي.
يُؤكّد الدوافعَ السابقة أن الحشود العشائرية التي جاءت السويداء من خارج الجنوب، لم تلبث أن أعادت توجيه زخمها بعد وقف إطلاق النار إلى تهديدات مناطق شرق الفرات. إذ خرجت بيانات عدّة من تلك المجموعات العشائرية تهدد قسد، وتتوعد بحدوث “هبّة عشائرية” في حال لم تستجب للمفاوضات مع الدولة السورية. المفارقة هنا أن قسد تضم في بُنيتها العسكرية قرابة 60 بالمئة من العرب السنّة، وكثير منهم من أبناء عمومة العشائر الموقعة على تلك البيانات. فضلاً عن أن غالبية الكرد في المنطقة هم أيضاً من السنّة. وهو ما يُضعف فرضية الدافع الطائفي، ويُعزّز من تصور الصراع محصّلة تفاعلات سياسية اجتماعية، أكثر من كونه اندفاعاً مذهبياً صافياً، مع عدم نفي العامل الطائفي في التعبئة.
يُطرح أيضاً الدافع الاقتصادي للفزعات العشائرية، بعدما رُصدت على الأرض عمليات نهب واسعة للقرى الدرزية، والتي أدانها بعض شيوخ القبائل والعشائر والحكومة نفسها. ومع أهميته إلا أنه لا يحتلّ مكانة وازنة في الدوافع الرئيسة، فقد بدت تلك السلوكيات نتيجة للفوضى والانخراط في العنف أكثر من كونها دافعاً أصلياً له. خاصة أنها سلوكيات مألوفة في معظم مشاهد الاقتتال العسكري في سوريا، ورافقت أطرافاً متباينة الهوية والانتماء في مراحل الصراع.
يمكن تحديد متغيّرَيْن رئيسَيْن للإجابة عن سؤال “ماذا تغيّر حتى يتحوّل عبور العشائر الاجتماعي والثقافي إلى عبور سياسي وعسكري؟” وهما أداء الحكومة السورية والتدخل الإسرائيلي.
ساهمت إدارة الحكومة أزمة السويداء في مآلاتها الأهلية العشائرية. بداية من حساباتها السياسية والأمنية والعسكرية في قرار دخول السويداء، مروراً بطبيعة التدخل العسكري وشكله الذي تسبب بانتهاكات واسعة اعترفت بها الحكومة نفسها، أو من انسحابها غير المدروس الذي قاد إلى انتهاكات بحق البدو، نهايةً بالنتائج الإقليمية المتمثلة في تدخل إسرائيل وتحوّلها إلى صاحبة قرار في ملف السويداء والجنوب.
قاد التدخل الإسرائيلي بطبيعته وشكله الانتهازي في سياق حسّاس، إلى انفجار احتقان عام يتراكم منذ تكثيف عملياتها العسكرية وقصفها مئات المواقع العسكرية السورية إثر سقوط الأسد. ومع أن إسرائيل تقصف مواقع النظام والإيرانيين منذ 2012، إلا أن التوغل البري والقصف الذي أعقب سقوط الأسد يبدو أنه أعطى أثراً مضاعفاً في الوجدان العام لشرائح واسعة، تملّكتها مشاعر الغضب والخوف من إعاقة استقرار البلاد وانهيار تجربة الدولة الجديدة. أدى ذلك إلى انفجار غضب شعبي لم يقتصر على القبائل التي تصدَّرت المشهد نتيجة وجود طرف عشائري في جذر الصراع، ولأنها بنىً قابلةٌ للتعبئة العسكرية السريعة. وانعكس هذا الغضب أيضاً في مظاهرات شعبية في مايو 2025 بمدن حمص وحماة ودمشق لرفض التدخل الإسرائيلي ودعم الحكومة.
ساهمت مواقف الحكومة وتغطية الإعلام الرسمي السوري في تأجيج هذا الغضب، إذ وفر الإعلام الرسمي تغطية ترويجية لتحركات قوات العشائر، ما أدى إلى خلق موجة تضامن نسبية مع التحركات العشائرية. ولعلّ ما ساهم في تصعيد التضامن تزامن حدث السويداء مع الكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة، ما عكس شعوراً تضامنياً ضد إسرائيل ناتجاً عن العجز، والعاجز قد يتعلق بفزعة.
أفضى انعزال السويداء إلى تدخل الحكومة منذ الحادي والعشرين من يوليو لنقل عائلات البدو المقيمين فيها إلى ريف درعا مؤقتاً لضمان عدم تجدد التوتر أو تعرضهم لانتهاكات جديدة، الأمر الذي أعاد مشاهد التهجير أثناء الثورة السورية. لكن الحكومة السورية سعت لهذا التحرك رغبة في تهدئة آلاف من مقاتلي العشائر على أبواب السويداء، الذين ربطوا انسحابهم بالإفراج عن الأسرى البدو المحتجزين لدى مجموعات مسلحة من أتباع الهجري. وهو ما حصل بعد وقف إطلاق النار، وعادت القوات العشائرية من مشارف السويداء إلى مناطقها، بينما ظلت مجموعات عشائرية محدودة من أبناء المنطقة وغيرهم إلى جانب القوات الحكومية.
في المقابل، أعلنت القوى المحلية في السويداء المحافظة منكوبة، بعد النزوح الواسع وخراب بعض المناطق إلى جانب وقوع ضحايا من جميع الأطراف، ما خلّف شرخاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً بين السوريين، وجرحاً لا يزال مفتوحاً على المستوى الوطني.
اتُّهمت حكومة الشرع بتحريك “فزعات العشائر” التي زحفت نحو السويداء، إلا أن قيادات ميدانية وشيوخ عشائر ممن شاركوا في الهجوم نفوا للفِراتْس وجود أي تنسيق مباشر بينهم وبين الحكومة. ومع ذلك، لا يصعب رصد صلات مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين، سواء عبر قيادات عسكرية عشائرية موجودة ضمن الحكومة، أو عبر المجالس العامة للقبائل والعشائر في الشمال ذات الصلات السابقة مع شخصيات الحكومة. وقد أشاد الإعلام الرسمي بتحرك العشائر و”نخوتهم”، وخصّهم الرئيس الشرع بالشكر في خطابه بعد إعلان وقف إطلاق النار في التاسع عشر من يوليو. بدا هذا انحيازاً حكومياً لطرف في صراع داخلي، ولكن يمكن قراءته أيضاً رسالة سياسية موجّهة إلى إسرائيل، عبر التلويح بمشهد الفوضى التي يصعب ضبطها.
أخرج الحشدُ العشائري الحكومةَ السورية من ثنائية الصدام بين سلطة وطرف أهلي، إلى الصدام بين مجموعات مسلحة من طرفين أهليّين، ما أتاح لها الظهور وسيطاً بينهما بدلاً من طرف في النزاع. في ذروة الحشود العشائرية فرضت القوات الحكومية طوقاً عسكرياً على أبواب محافظة السويداء، حيث احتشد آلاف المقاتلين العشائريين. وقد مُنعت بالقوة أغلب المجموعات العشائرية من الدخول إلى المحافظة، مع دخول آلاف آخرين. وحسب مقابلاتنا مع عناصر مجموعات من مناطق مختلفة، لم تدعمهم الحكومة بل تولّى مجتمع درعا المحلي مهمّات الإعاشة من إطعام وتسهيل مبيت، بينما اعتمدت أغلب المجموعات على ذخائر موجودة لديها أو على مساعدة بعض عشائر المنطقة.
لا إحصائية رسمية لأعداد المقاتلين العشائريين، ولكن مشاهدة المقاطع المصورة وتقديرات متقاطعة قدّرت الأعداد التي تدفقت إلى السويداء بأكثر من مئة ألف مسلّح، لم يدخل منهم سوى عُشْرهم نتيجة الحواجز التي فرضتها الحكومة أثناء محاولات التهدئة ووقف إطلاق النار التي تلت انسحابها.
ومع ضخامة تلك الأعداد، إلا أن المجموعات المشاركة لا تشكّل غالبية أبناء العشائر والقبائل المنتسبة لها. فعلى سبيل المثال قد يبلغ عدد المقاتلين المشاركين من قبيلة البوشعبان الآلاف، ولكنها لا تُشكّل نِسبَة تذكر من قبيلة تكاد عشائرها تشكل غالبية محافظة الرقة، أو أجزاء من أرياف محافظات أخرى مثل حلب.
كان لأحداث السويداء صدى إقليمي ودولي. فمع انسحاب القوات الحكومية في السابع عشر من يوليو أصدرت إحدى عشرة دولة – معظمها عربية إضافة إلى تركيا – بياناً مشتركاً رحبت فيه باتفاق “إنهاء الأزمة في محافظة السويداء”، والتزام الرئيس الشرع بمحاسبة كل المسؤولين عن التجاوزات، وأدانت “الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة” على سوريا.
توسطت الولايات المتحدة والأردن بين الحكومة السورية والمجموعات الدرزية لتحقيق وقف إطلاق النار في التاسع عشر من يوليو. ولكن تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس براك أثناء الحدث عكست حالة من اهتزاز الثقة الغربية بالسُلطة السورية الجديدة، إذ قال في الحادي والعشرين من يوليو إن الحكومة السورية يجب أن تتحمل المسؤولية وأن تحاسب منفذي الانتهاكات، وإن من المهم دمج الأقليات بالسلطة. في حين بدت المواقف الإقليمية لتركيا والسعودية والأردن وقطر أكثر دعماً. إذ شارك رجال أعمال سعوديون في مؤتمر استثماري عقد في دمشق بتاريخ الثالث والعشرين من يوليو. وأعقبتْ خطواتِ الاستثمار السعودي استثماراتٌ اقتصادية قطرية مشابهة، ووُقعت اثنتي عشرة اتفاقية اقتصادية في دمشق بتاريخ السادس من أغسطس.
ولكن مع هذا الدعم الإقليمي والدولي المعلن لموقف الحكومة في تلك اللحظة، فإن نتائجها السلبية الداخلية والخارجية استمرت حتى بعد وقف إطلاق النار.
ولعلّ من المفيد هنا العودة إلى الفترة التي سبقت سقوط النظام السابق بين سنتي 2011 و2024، لدراسة تفاعل القبائل والعشائر مع السلطات المختلفة في الزمن القريب الذي سبق أحداث السويداء، وخاصة في الشمال الغربي الذي ضمّ مختلف أطراف الصراع وخرجت منه النسبة الأكبر من الحشود العشائرية.
كانت القبائل والعشائر عنصراً حاضراً ومتفاعلاً في الصراع عسكرياً وسياسياً ومدنياً. وقد زاد هذا البروز والحضور مع انسحاب الدولة المركزية، وتحوّل النظام السابق إلى طرف من أطراف الصراع الموزَّعين ضمن مناطق نفوذ متمايزة بلاعبين محليين وإقليميين ودوليين مختلفين.
اعتمد النظام السابق منذ بداية الثورة سنة 2011 على بعض شيوخ القبائل والعشائر ووجهائها ليكونوا أدوات حشد وتعبئة ضد الثورة، في مقابل آخرين أيدوها. ثم شكّل مع بداية عملياته العسكرية ما يزيد على ثلاثٍ وعشرين مجموعة مسلحة عشائرية. ومنذ سقوط حلب في ديسمبر 2016 حتى اتفاق سوتشي لوقف إطلاق النار في إدلب في مارس 2020، بدأ النظام دمج بعض تلك المجموعات في صفوف الجيش وربطها بالأجهزة الأمنية. بينما ظلت بعضها مدعومة من إيران وقائمة إلى تاريخ سقوط النظام، وكان أبرزها لواء الباقر المعتمد على أبناء قبيلة البقارة الممتدة عشائرُها من حلب إلى دير الزور.
مع تتويج انتصاراتهم إلى جانب النظام السابق، تحوَّل أغلب قادة المجموعات المسلحة العشائرية منذ نهاية 2016 إلى أعضاء في مجلس الشعب ومجالس المحافظات، إضافة لتوليهم مناصب في حزب البعث. كان من هؤلاء رجل الأعمال حسام قاطرجي الذي قاد مجموعة مسلحة عشائرية موالية للنظام السابق وأصبح عضو مجلس الشعب سنة 2016، وكذلك عمر الحسن، شقيق قائد مجموعة لواء الباقر المسلحة، الذي كان عضو المجلس للدورة نفسها. وتوسطت هذه الفئة في عمليات التسوية المحلية مع أبناء عشائرهم المنخرطين في الثورة والفصائل، وأبرز هذه الملفات عودة المهجّرين إلى مناطقهم.
أما في الجيش الوطني السوري، الذي توسعت مناطقه منذ سنة 2017 في ريفي حلب الشمالي والشرقي على الحدود التركية، فقد بلغت نسبة أبناء العشائر في تشكيلاته نحو 65 بالمئة وفق مسح مفصل في كتاب “القبيلة والسلطة في سوريا”. كان بعض قادة الجيش الوطني قادة فصائل عشائرية سابقاً في ريفي إدلب وحماة، قبل أن يهجّروا من مناطقهم أو تُفكّك فصائلهم بالعمليات العسكرية للنظام وحلفائه أو الاقتتال مع هيئة تحرير الشام سابقاً.
إلى جانب الفصائل كانت القبائل والعشائر حاضرة مدنياً في مناطق الجيش الوطني، عبر مجالس القبائل والعشائر. وهي تجربة أسستها القبائل والعشائر في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بعد سنة 2016، لتكون قنوات للتعبير والتمثيل المطلبي والخدمي، خاصة القبائل والعشائر المُهجَّرة. وفي سياق احتواء تلك التجربة، بدأت السُلطات في تلك المناطق تأسيس مظلّات قَبَلية وعشائرية عامة. فقد رعتْ هيئة تحرير الشام تشكيل “مجلس شورى القبائل والعشائر” سنة 2018، لتنظيم العشائر التي دعتها سابقاً للمشاركة في المؤتمر السوري العام الذي انبثقت عنه حكومة الإنقاذ سنة 2017، وأصبح اسمه لاحقاً “مجلس القبائل والعشائر السورية”. وبعد قرابة ستة أشهر، تأسس في ديسمبر 2018 “مجلس القبائل والعشائر السورية” في مدينة إعزاز شمال محافظة حلب، برعاية الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة ومن ورائه الجيش الوطني السوري (وخاصة فصيل الجبهة الشامية). وكان لهذه المجالس تمثيل سياسي في الائتلاف الوطني، إذ خُصّص لكتلة القبائل والعشائر خمسة مقاعد فيه، اقتصرت على المجلس المشكّل في إعزاز.
كانت العشائر حاضرة في مناطق هيئة تحرير الشام بريف إدلب وبعض ريف حلب. إذ شكّل العنصر العشائري نسبة وازنة في بنية الهيئة تصل إلى قرابة 70 بالمئة قبل سقوط النظام، حسب كتاب “القبيلة والسلطة في سوريا”. ولكن هذا المكوّن العشائري لم يكن بتنظيم مركزي واضح، بقدر ما ذاب في بنية الفصيل التنظيمية. وأنشأت الهيئة سنة 2019 جناحاً عسكرياً رديفاً باسم “سرايا المقاومة الشعبية”، كانت الفئة الأبرز فيه مجموعات عشائرية مسلّحة في مناطقها.
وكان لهذه القبائل والعشائر حضور مدني أيضاً في مناطق الهيئة. فمجلس شورى القبائل والعشائر المذكور سابقاً يوازي مجالس القبائل والأعيان التي رعت الهيئة تشكيلها في المدن. تركَّزت فاعلية العشائر أيضاً في الوساطة المحلية، إذ انتشرت في مناطقها مكاتب الصلح المتعاونة مع قضاء حكومة الإنقاذ. ومنحت الهيئة العشائر تمثيلاً سياسياً بثمانية مقاعد في “مجلس الشورى” الذي تتبع له حكومة الإنقاذ.
لم يختلف الأمر كثيراً في مناطق سيطرة قسد، خاصة مدينتي عين العرب ومنبج بريف حلب الشرقي. إذ تشكّل العشائر غالبية مقاتلي المجالس العسكرية التي تتبع لها في مناطق الغالبية العربية، مثل مجلس منبج العسكري الذي شكّلته سنة 2016. أما التمثيل المدني فقد فرضه المجتمع المحلي بعد احتجاجات وصدامات عدة مع قسد، كان أبرزها الاحتجاجات ضد التجنيد الإجباري سنة 2021 التي انتهت باتفاق بين قسد ووجهاء العشائر ومجلس منبج العسكري على إلغاء التجنيد. إضافة إلى أدوار الوساطة المحلية والقضاء العشائري ومكاتب الصلح ضمن محاكم قسد الخاصة، والتي اعتمدت على بعض الشيوخ والوجهاء وسيطاً بينها وبين المجتمع المحلي. امتدت أدوار الوساطة إلى ملف معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، إذ تفرج “وحدات حماية الشعب” منذ سنة 2018 عن أبناء العشائر المتهمين بالتبعية للتنظيم بواسطة “الكفالات العشائرية”. ما عزّز أدوار وجهاء العشائر وشيوخها الذين تحالفت معهم قسد أو عيّنتهم.
لم يكن حضور القبائل والعشائر وانقسامها بين مختلف أطراف الصراع في الفترة التالية على الثورة السورية غريباً، ولكنه طبيعي ومنسجم مع حجمها وامتداداتها التي يصعب تجاوزها في مناطق انتشارها الممتدة فوق التراب السوري. الأمر الذي دفع الأطراف المختلفة إلى الاعتماد عليها أو الشراكة معها. وسبقتهم إلى ذلك المجموعات الجهادية أيضاً.
كانت هذه البنى القبلية والعشائرية أكثر البنى الاجتماعية العابرة حدودَ الصراع ومناطق النفوذ، ولكنه ظل امتداداً اجتماعياً وثقافياً فقط، فالقبيلة والعشيرة ظلت منقسمة في الموقف السياسي تبعاً للأطراف المختلفة التي تعيش تحت سيطرتها، سواء كانت في مناطق نفوذ الأسد أو قسد أو الجيش الوطني أو هيئة تحرير الشام. لذلك كانت أداة ضمن مشروع كل طرف ولكنها لم تحمل في أي وقت مشروعها السياسي الخاص.
وعلى العكس، فإن طبيعة الانقسامات السياسية الحادة التي أحدثها الصراع السوري، هدّدت أحلافاً قبلية بالانهيار، وهي ظاهرة غير مسبوقة في سوريا للأحلاف القبلية المؤسّسة في حقب زمنية سابقة. فقد تأثَّرت بعض تلك الأحلاف منذ سنة 2016 مع التهجير وتفتت مناطق الحلف بين أطراف سيطرة مختلفة، ونشوء مجالس القبائل والعشائر الجديدة. إذ خرجت بعض العشائر عن الأحلاف القديمة وعادت إلى قبائلها الأم، من هذه الأمثلة حلف الحديديين الذي تضعضع بخروج عشائر مثل البوشمس التي ساهمت في تشكيل مجلس قبيلة البقارة في الشمال. بينما أظهر حلف العقيدات والموالي تماسكاً أكبر. وبعد سقوط النظام وتصدر العامل العشائري المشهد في أزمة السويداء، قد نشهد تشكيل تحالفات قبلية وعشائرية جديدة.
ارتبط حضور القبائل والعشائر العسكري مع مختلف أطراف الصراع، بكونها بنية اجتماعية ضخمة احتاجتها الأطراف المتصارعة. ولذلك فإن انتهاء مرحلة العمليات العسكرية لا يعني نهاية الأدوار القبلية والعشائرية، فقد كان للمجالس القبلية في المرحلة السابقة مساهمات مدنية وسياسية وقضائية، وخاصة في دور الوساطة المحلية المقترن تاريخياً بالقيادة القبلية والعشائرية في سوريا.
انخرط كثير من أبناء القبائل والعشائر في حرب مفتوحة مع النظام السابق، وشكّلوا نسبة كبيرة من الفصائل العسكرية. ولكن هذه الفصائل لم تكن تابعة لتنظيم عشائري مركزي، أو محكومة بأهداف وسياسات عشائرية أو قبلية. إذ إن التعبيرات العشائرية تتراجع خاصة في الفصائل ذات التنظيم العسكري المنضبط أو ذات التوجه العقدي، مثل حالة هيئة تحرير الشام سابقاً.
وبناء على دراسة التداخل العشائري مع القوى العسكرية في المرحلة السابقة، فإن عمليات الدمج العسكري والأمني المستقبلية يرجّح أن يكون للعامل العشائري نسبة وازنة فيها. ولكن مسألة التنظيم أو التعبير العشائري داخل الأجهزة العسكرية والأمنية الجديدة مرتبطة بعقيدتها وطبيعة تنظيمها ومستوى انضباطها.
تكيّفت القبيلة مع شكل الدولة الحديث بمعطياته الجديدة ومراحله وسلطاته المختلفة. شكَّلت عنصراً مقلقاً أحياناً، وفي أحيان أخرى حليفاً قوياً في الريف المقابل للمدن بعوائلها وأعيانها. وقد سعى نظام الأسد الأب ثم الابن إلى توظيف مختلف البنى الاجتماعية والعصبيات ضمن معادلة السلطة وتثبيت أركان النظام، دون اتخاذ إجراءات حقيقية في تفكيكها أو نقلها إلى روابط المواطنة.
ومع تراجع معظم العصبيات القبلية والعشائرية بفعل الزمن، كانت العصبيات المشكِّلة لبنية النظام تزداد أكثر، حتى اتخذَت بعد سنة 2011 مستويات أعلى من العنف. فقد استخدم النظام مختلف العصبيات ووظفها لتخدم السلطة ولا تهددها، وحوَّل أغلب قيادات البنى الاجتماعية التقليدية كالقبيلة والطائفة والعائلة إلى وسيط بين السلطة والمجتمع. في المقابل ظل محافظاً على بنيته العصبوية التي أنتجت حالة سلطوية ما دون الدولة وعطّلت تطور مؤسسات الدولة، وبالتالي أعاقت تطور المجتمع وقادت بشكل أو بآخر إلى الدفع بجزء كبير من بناه إلى الانتفاض في العام 2011.
وبينما كان معظم شيوخ القبائل والعشائر ووجهائها يسيرون في السكة الإلزامية التي رسمتها سياسة نظام الأسد، كانت البنى القبلية والعشائرية الريفية تتأثر بالسياسات الحكومية الاقتصادية والقانونية والأمنية. الأمر الذي ترك أثراً تراكمياً، تجلى سنة 2011 بانتفاض أبناء تلك العشائر متجاوزين مرجعياتهم التقليدية.
قد تشكل العصبية العشائرية عامل جذب لأي سلطة تسعى إلى تأمين ركائزها الاجتماعية. ما قد يقود إلى إعادة إنتاج أنماط سابقة من التعامل القائم على ربط مصالح السلطة بالطبقة التقليدية من المشيخة، وإبقاء مناطقها على هامش التنمية، مع الدفع بأبنائها نحو مؤسسات الجيش والأمن.
في المقابل، تكشف تفاعلات هذه البنى عن عامل اجتماعي وازن لا يمكن اختصاره بطبقة المشيخة فقط، تعرَّض لتهميش ممنهج سياسياً واقتصادياً لسنوات، إلى جانب ما لحق مناطقه من دمار واسع ونزوح وتهجير بعد 2011. سلطت التفاعلات المناطقية لتلك البنى أثناء الثورة الضوءَ على دور العامل المناطقي ومستوى الإدارة المحلية والتنمية في دوافع انتفاض هذه المناطق.
تقف البنى القبلية والعشائرية السورية اليوم ضمن مرحلة انتقالية لإعادة تشكيل السلطة وبناء دولة جديدة، تعيد فيها مكوّنات اجتماعية عدة رسم أدوارها وعلاقتها بالمجتمع أو السلطة وتعريف موقعها في الدولة الجديدة. كانت أحداث السويداء مظهراً عنيفاً لإعادة تعريف دور الطائفة والعشيرة في هذا الزمن الجديد.
الفراتس
———————–
بوادر مواجهة تركية – إسرائيلية في سوريا/ جاد يتيم
2025.09.05
منذ إسقاط نظام الأسد، لم تتوانَ إسرائيل عن خرق اتفاقية الهدنة لعام 1974، عبر التقدم البري مرارًا وتكرارًا إلى حد اعتقال مواطنين سوريين، وإقامة حواجز، وقضم قرى، وصولًا إلى معزوفة “حماية الأقليات” بطريقة لا يمكن إلا أن تجر إلى حرب إقليمية على الأرض السورية. فالسلوك الإسرائيلي العدواني في سوريا لا يهدد فقط استقرار البلاد ونسيجها الوطني، لكنه – في حال استمر – سيؤدي إلى زعزعة النظام الجديد، واستجرار مواجهة مع تركيا، سيكون المستفيد الأكبر منها إيران ومحورها.
لا تفعل إسرائيل ذلك نتيجة لخطأ في الحسابات، بل وفق مخطط واضح لحكومة يمينية تعتاش على الحروب والتطرف. فالاحتلال الإسرائيلي يتمادى في التوغل داخل الأراضي السورية والتغول في الشأن الداخلي السوري، على الرغم من إعلان النظام السوري الجديد، وفي أكثر من مناسبة، اتجاهه إلى التركيز على القضايا الداخلية الملحة وعدم رغبته في فتح أي جبهات خارجية على حساب إعادة بناء البلد الذي أحرقه الأسد.
كان النظام السوري الجديد حاسمًا في قضيتين خارجيتين أساسيتين: لا يريد الاتجار بالقضية الفلسطينية ليبني شرعيته، ولا يريد التدخل في شؤون لبنان والسيطرة عليه كما امتهن الأمرين نظام الأسدين. لذا، فإن هذا الأداء الإسرائيلي الذي يتحدى الجهود الأميركية والتوجه الأوروبي لتثبيت استقرار سوريا، لا يمكن – بطبيعة الحال وديناميات الحالة السورية الوليدة – إلا أن يؤدي إلى زعزعة داخلية، ومواجهة إقليمية قد تعيد سوريا إلى ساحة صراع تركي – إسرائيلي، يتضمن سيناريوهَي المواجهة المباشرة والحرب بالوكالة (Proxy War).
هذه المحاولات الإسرائيلية التي بدأت مع سقوط النظام وُوجهت بدايةً بلا مبالاة أميركية وصلت إلى حد غض النظر، قبل أن يتمكن الموقف الأوروبي الصلب من استمالة الأميركيين لتبني استراتيجية منع زعزعة استقرار النظام الجديد، لأن إيران هنا ستكون أول المستفيدين، ويستتبعها حزب الله في لبنان.
وعلى الرغم من ادعاءات إسرائيل بحماية حدودها الشمالية والتلطي خلف حماية الدروز السوريين، فإن القاعدة الأساسية لما يقوم به نتنياهو قائمة على اعتبارين راسخين في عقلية اليمين الإسرائيلي الحاكم:
النظام الجديد في سوريا هو امتداد لحركات الإسلام السياسي، وبالتالي لن ترضى إسرائيل بـ”حماس” أخرى على حدودها.
عدم السماح بتمدد الوجود العسكري التركي من شمال سوريا إلى جنوبها عبر قواعد عسكرية ضمن اتفاقية دفاع مشترك يتم العمل عليها بين دمشق وأنقرة.
ومن هذا المنطلق، يمكن توقع تصعيد إسرائيلي مباشر ضد الوجود التركي في سوريا إذا ما قررت أنقرة رفع وتيرة التعاون العسكري والأمني مع النظام السوري الجديد، الذي وُلد من رحم رعاية ودعم تركيين كاملين تُرجما بتحقيق الحسم العسكري على النظام السابق.
في المقابل، ترى تركيا أن المواجهة مع إسرائيل مسألة وقت. وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد حذر في العام 2024 من أن تركيا ستكون هدفًا للعدوان الإسرائيلي.
ومع تصاعد حدة الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية، تتحضر الجبهة الداخلية والخارجية في تركيا لخوض صراع شرس مع إسرائيل، تكون سوريا ساحته الأساسية. مع العلم أن المواجهة الأمنية لم تتوقف يومًا، بل زادت وتيرتها في الأشهر الأخيرة بين “الموساد” والاستخبارات التركية التي تسعى بصمت لتفكيك عشرات شبكات الموساد.
وفي حين أن المواجهة المباشرة بين إسرائيل وتركيا ستكون محدودة وربما تقتصر على غارات إسرائيلية لا تستفز “الناتو” مع ردود تركية محسوبة، فإن تخطي إسرائيل لهذا الخط الأحمر – أي الانتقال إلى المواجهة المباشرة مع تركيا – سيعني انتهاء مرحلة التوغل “السهل” لقوات الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، والانتقال إلى مواجهات برية مباشرة بين فصائل سورية، سواء تابعة لوزارة الدفاع أو ضمن حراك العشائر العابر للحدود.
في سيناريو كهذا من المواجهات بالوكالة، ستكون إيران أمام فرصة ذهبية للاستفادة من اهتزاز الاستقرار من أجل محاولة التقرب من تركيا ومن الحكم الجديد في سوريا من جهة، ومن أجل استغلال الفوضى لاستعادة خط الإمداد إلى لبنان وإعادة تمويل حزب الله وتسليحه للانقلاب على المشهد اللبناني الحالي، بما يغرق لبنان في الفوضى أيضًا. والفوضى هي الترياق للمحور الإيراني الذي يتغذى على الخراب.
ليس هذا المشهد حتميًا، ويمكن لعوامل عدة داخلية سورية يملك مفاتيحها الشرع ونظامه، بالإضافة إلى جهود دبلوماسية من دول الإقليم، أن تبعد هذا السيناريو عن سوريا وشعبها. التصميم الأميركي أساسي في منع التهور الإسرائيلي الذي باتت خطورته مضاعفة بعد كل الإشارات التي تدل على تلاقي مصالح كبيرة بين طهران وتل أبيب في سوريا. والخطر الذي يدق باب سوريا هنا… لن يكون لبنان بمنأى عنه.
تلفزيون سوريا
——————————-
هل سيكون هناك اتفاق أمني بين سوريا و”إسرائيل”؟/ فايز الأسمر
2025.09.05
منذ الساعات الأولى لسقوط النظام البائد بتاريخ 8/12 من العام الماضي، وفرار مجرم العصر برفقة العديد من أركان حكمه السياسية والعسكرية، ولجوئهم المخزي إلى روسيا، ومع انحلال عقد فرق وفيالق جيش الأسد وقواته الأمنية التي عاثت فسادًا وإجرامًا ضد الشعب السوري طيلة 14 عامًا.
وترافق ذلك مع تولي السلطة الجديدة المتمثلة بالرئيس أحمد الشرع لمقاليد الحكم، وتركيزها الفوري على ضرورة الإمساك بزمام الأمور الأمنية الداخلية في البلاد، والعمل الهادف إلى تثبيت شيء من دعائم الاستقرار على الجغرافيا السورية الواسعة التي وجدت السلطة الجديدة نفسها فجأة مسؤولة عنها، وباتت تقع تحت إدارتها المباشرة، فإن الحقيقة المؤلمة والواضحة أنه ومع كل هذه الأمور المتسارعة التي حدثت في سوريا، فإن “تل أبيب” تحفزت منذ ذلك التاريخ واستغلت الأوضاع المستجدة والمعقدة على الساحة السورية، وقامت بتصعيد وتيرة اعتداءاتها الإجرامية الهجومية التي تُعد الأكبر والأوسع على الأراضي السورية منذ عام 1973.
وقد أسفرت هذه التعديات عن تدمير ما يقارب 85% من القدرات العسكرية الاستراتيجية للجيش السوري الجديد الموروثة عن نظام الأسد البائد، والسيطرة على العديد من المرتفعات الاستراتيجية لـ”جبل الشيخ”، وأجزاء واسعة من الشريط الحدودي الذي يفصل الأراضي السورية الجنوبية (القنيطرة، درعا، ريف دمشق الجنوبي الغربي) عن مرتفعات الجولان المحتل، وبأعماق مختلفة قد تصل أحيانًا في بعض المناطق إلى 12 كم.
وبالطبع، أتت هذه الاعتداءات منذ اليوم الأول لتحرير سوريا، بعد أن قام رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” بضرب اتفاقية فصل القوات لعام 1974 عرض الحائط واعتبارها كأنها لم تكن، وقيامه مع وزير دفاعه وأركان حكومته بتوجيه جيشهم للسيطرة على المنطقة العازلة، والمواقع المهمة، والتلال المشرفة والحاكمة القريبة منها. وجاءت تصريحاتهم المستفزة الكثيرة اللاحقة بأنهم لن يسمحوا لأي قوة “معادية” – ويقصدون هنا الجيش السوري الوليد – بالتمركز في المواقع القريبة من حدود كيانهم المصطنع.
وعليه، ووفقًا لتقديري وتصوري، أجد أن السلوك الإسرائيلي هذا تجاه سوريا إنما يأتي كجزء من الاستراتيجية الإسرائيلية التوسعية الأشمل التي تهدف – حسب أيديولوجياتهم التوراتية الموروثة – إلى محاولات إقامة إسرائيل الكبرى، وممر داوود، وزعزعة الاستقرار والأمن الإقليمي، والعمل على إبقاء الدولة السورية، التي تُعد إحدى دول الطوق الهامة والمؤثرة في المنطقة والإقليم، دولة ضعيفة ومرهقة وممزقة، وإفشال أي محاولات تهدف إلى النهوض بالواقع السوري، وإعادة بناء القدرات الاستراتيجية المختلفة، وخاصة العسكرية والتسليحية منها، بما في ذلك مسائل إعادة الإعمار.
الأهداف والغايات الإسرائيلية
عمليًا، فالاعتداءات الإسرائيلية وتسارع وتيرة الأحداث بهذا الشكل يثيران لدينا ولدى الكثير من المهتمين والمتابعين للشأن السوري بعد حقبة الأسد العديد من التساؤلات بشأن أهداف وغايات ومآلات وحجم العمليات الإسرائيلية العسكرية والأمنية في الداخل السوري؟ وإلى أي مدى تتجاهل “تل أبيب” الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية التي وقعت عليها، من خلال إصرارها على السلوك الإجرامي والتوغلات شبه اليومية التي يقوم بها جيشها في الجنوب السوري؟ ناهيك عن تدخلها السافر في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة، والذي تجلى من خلال طروحاتها الممجوجة والكاذبة بأنها الحامية للأقليات في سورية (الدروز، الأكراد، وربما لاحقًا العلويين).
بل إن حكامها يسعون – بعد عملية “طوفان الأقصى” – لترسيخ واقع جيوسياسي وأمني جديد يبدو أنه بدأت بوادره بالتشكل في أجندات بعض القوى الإقليمية والدولية الداعمة للكيان الإسرائيلي.
واقع أمني مستحدث
لا شك أن التعديات والتوغلات البرية والاستفزازات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب السوري تفتح أمامنا مشهدًا أمنيًا وميدانيًا جديدًا، مفاده أن دولة الاحتلال ماضية في سياستها المعلنة والواضحة بالعمل على فرض واقع عسكري أمني جديد، من خلال استخدام القوة الخشنة والغطرسة العسكرية، بهدف تحويل أجزاء واسعة من الجنوب السوري إلى مناطق تحكم ونفوذ لها.
وذلك عن طريق إنشاء منطقة أمنية عازلة ومنزوعة السلاح في محافظات الجنوب السوري. وهذا بالفعل ما أكده “نتنياهو” في وقت سابق حين قال: “إن جنوب سوريا يجب أن يكون منطقة منزوعة السلاح”.
وعليه، ومن خلال المتابعة، فقد أقدمت “إسرائيل” خلال الأشهر القليلة الماضية على إقامة نقاط ارتكاز ومراقبة أمنية وتجسسية، وتحصينات هندسية متنوعة كشَقّ الطرق، وإقامة السواتر والخنادق على طول الحدود مع الجولان المحتل اعتبارًا من “وادي اليرموك” وصولًا إلى سفوح “جبل الشيخ”. وقد أنشأت “إسرائيل” فيها تسع قواعد عسكرية للتحرك السريع، بهدف الحيلولة دون عودة الجيش السوري الوليد إلى المواقع والتحصينات العسكرية التي كان يشغلها جيش الأسد قبل سقوطه في الثامن من كانون الأول من العام الماضي.
اتفاق أمني أم فرض شروط؟
لا شك أن “تل أبيب”، ومن خلال ضغطها وعدوانها العسكري المتكرر، تريد الوصول – إن استطاعت – ومن خلال المفاوضات التي جرت في باريس وباكو، إلى فرض اتفاق أمني على حكومة “دمشق”، قد تكون من أهم شروطه:
فرض منطقة أمنية عازلة خالية من السلاح بعمق أكبر من اتفاقية 1974، وربما تشترط أن يكون فيها أجهزة رصد ومراقبة وإنذار مبكر لتأمين مستوطناتها في مرتفعات الجولان ومنع أي إمكانيات لقيام ما يشبه بـ”طوفان أقصى” جديد.
فرض سيطرتها على الحدود الفاصلة بين الجنوب السوري والجولان المحتل، وربما من دون احتلال دائم للمناطق التي دخلتها بعد سقوط الأسد.
وضع شرط ونص متفق عليه يعطيها الحق الكامل بالرد الفوري والسريع ودون أي سابق إنذار، أو حتى أخذ إذن من أحد، في حال وجود أي نشاط مريب تعتبره تهديدًا مباشرًا لمواطنيها أو حدودها أو لأمنها القومي.
عدم قبولها المطلق بفتح ملف “الجولان” المحتل في أي مباحثات، والإصرار – أقلّه – على تجميد المطالبة السورية به لفترات طويلة.
إصرارها على عدم سماح حكومة “دمشق” لـ”تركيا” بإقامة أي قواعد عسكرية وازنة على الأراضي السورية، تعتقد “إسرائيل” أنها ستعيق حرية حركة سلاحها الجوي في الأجواء السورية.
ممانعتها المتوقعة لأي محاولات جادة لإعادة بناء جيش سوري قوي، مسلح بأسلحة ومنظومات استراتيجية متقدمة دفاعية كانت أم هجومية.
الحيلولة دون وجود أو فرض أي قوة تعتبرها “إسرائيل” منافسة لها على القرار السوري، بما يهدد نفوذها العدواني في المنطقة.
خيارات الدولة السورية
لا شك أن التحديات الأمنية الداخلية والخارجية التي تواجهها الدولة السورية حتى الآن – إذا استثنينا الأزمات السياسية والاقتصادية والخدمية والاجتماعية – هي تحديات كثيرة وصعبة، يأتي في مقدمتها الاعتداءات والتوغلات البرية الإسرائيلية المتكررة.
وهنا لابد أن نتساءل: ما الذي يمكن أن تتصرف به وتقوم به القيادة السورية لوقف هذه الاعتداءات؟ وما هي خياراتها الممكنة والواقعية لوقف هذه التعديات؟
عمليًا، ومن خلال تقدير الموقف العسكري والسياسي العام، وتحليل الكثير من المعطيات والأحداث الميدانية على الأرض، أجد أن القيادة السورية للأسف لا تملك رفاهية الخيارات الكثيرة المتاحة للتعامل مع الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية، بل أتصور أن هناك خيارين لا ثالث لهما:
الرد المباشر على إسرائيل والدخول معها في مواجهة مفتوحة، لا شك أن دولة الاحتلال مستعدة لها، وستسعى من خلالها إلى تدمير أكبر لسوريا وتحجيمها كدولة طوق لعشرات السنين. وعليه، فإن أي مواجهة إن حدثت في هذه الأوقات لا شك أن قرارها غير واقعي أو منطقي، بل ستكون مواجهة خاسرة – أقلّه من خلال تقدير بسيط للموقف العملياتي، ومقارنة القدرات التسليحية والتقنية للطرفين، والفارق الكبير والواسع في نسبة التفوق بالقوى والوسائط، والذي يأتي دائمًا ودون مبالغة لصالح العدو الإسرائيلي.
التعويل على الحل الدبلوماسي، كونه السبيل الوحيد المتاح حاليًا، إذا استبعدنا خيار أي مواجهة عسكرية في ظل التفوق الإسرائيلي. وهذا بالفعل ما نراه على الأرض من خلال الدبلوماسية السورية النشطة، وتكثيف دمشق لاتصالاتها مع الدول العربية والإسلامية الشقيقة والصديقة، ومنها تركيا وقطر والسعودية وواشنطن والاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن، وذلك لممارسة دورهم بالضغط على إسرائيل وإجبارها على وقف اعتداءاتها الإجرامية على سوريا، ودعوتها للانسحاب من المنطقة منزوعة السلاح التي احتلتها بعد سقوط الأسد، والعودة إلى اتفاقية 1974.
تلفزيون سوريا
——————————
نازحو السويداء في درعا.. نقص في الخدمات بمراكز الإيواء ومصير مجهول
2025.09.05
يعيش مئات من عائلات عشائر البدو النازحين من السويداء، ظروفاً إنسانية قاسية في مراكز الإيواء بمحافظة درعا، في ظل نقص الخدمات الأساسية ومصير لا يزال مجهولاً.
وعلى مقاعد دراسية في صفوف داخل عدد من مدارس درعا حوّلت إلى مراكز إيواء، يضع مئات النازحين من السويداء أغراضهم الشخصية، بانتظار العودة إلى منازلهم أو تأمين سكن بديل مؤقتاً لهم.
ومع اقتراب بداية العام الدراسي تتفاقم معاناة هذه العائلات النازحة إلى المدارس، والتي هجرتها المعارك من قراها في السويداء، لتضطر إلى مواجهة ظروف إنسانية صعبة في مراكز إيواء عاجزة عن استيعاب أعدادهم.
وخلال الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء في منتصف شهر تموز الماضي، وصل عدد العائلات النازحة من عشائر البدو إلى ما يقارب 400 عائلة موزعة على 63 مركز إيواء مؤقت معظمها في المدارس غير المستخدمة للامتحانات، وذلك في الريف الشرقي والأوسط من محافظة درعا.
ورغم الوعود بأن العودة إلى قراهم قريبة، خاصة بعد تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى بين الحكومة السورية والفصائل المسلحة في السويداء، فإن الواقع يقول إن “المؤقت” بات طويلاً، والحلول غائبة أو مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
ظروف معيشية قاسية
“المؤقت أصبح دائم، منذ أكثر من شهر ونحن هنا، لا نعرف إلى أين سنذهب بعد بداية المدارس”، تقول علياء الحسين 45 عاماً من عشائر السويداء، لموقع تلفزيون سوريا، والتي تسكن وعائلاتها في صف دراسي مكتظ تتشارك فيه مع ثلاث عائلات أخرى.
وبحسب علياء فإن مراكز الإيواء تعاني من غياب الخصوصية، وخدمات متردية، حيث لا توجد تهوية ولا حمامات صالحة للاستخدام، حتى الأطفال باتوا يعانون من الطفح الجلدي والالتهابات بسبب غياب النظافة.
وتقول: “قالوا لنا إننا سنبقى لأيام فقط، لكن الأيام صارت أسابيع، ولا أحد يجيب عن سؤالنا البسيط: إلى متى؟”.
أما علاء الشهيب المهجر من شهبا، فيروي معاناته اليومية في مركز إيواء ببلدة خربة غزالة، لموقع تلفزيون سوريا، ويقول “خرجنا من بيوتنا دون مال، ننام في فناء المدرسة، تحت رحمة البعوض في الليل وحرارة الشمس في النهار، أطفالنا يصابون بالإسهال والجفاف، ولا دواء يكفي”.
ويشير علاء إلى أن بعض الأسر لم تحصل على مساعدات نقدية أو صحية على الإطلاق، لأنهم غادروا مناطقهم من دون أوراق ثبوتية، وهو ما حرمهم من التسجيل في قوائم الدعم الإنساني.
من جانبه، أشار مدير وحدة الإعلام والتواصل في الهلال الأحمر العربي السوري عمر المالكي، إلى أن المنظمة قدّمت استجابة إغاثية كثيفة، إذ أرسلت 17 قافلة إلى محافظة درعا، خلال شهري تموز وآب، مستهدفة نحو 5 آلاف عائلة نازحة من السويداء، وشملت القوافل، أدوية وخزانات مياه و أكثر من 4600 سلة غذائية، بدعم من المنظمات الدولية والمحلية.
ويستمر الهلال الأحمر السوري، بتقييم واقع مراكز الإيواء، التي بلغت 12 مركزاً في الريف الشرقي لمحافظة درعا، ومركزاً إضافياً قي الريف الغربي، لتحديد الاحتياجات ووضع خطط لتغطيتها.
وفي تصريح سابق لتلفزيون سوريا، أوضح المالكي أن الهلال الأحمر أطلق استجابة متكاملة للمنطقة الجنوبية تشمل درعا، السويداء، وريف دمشق، تحت شعار “الاستعداد والاستجابة والتعافي”، بهدف الوصول إلى الأسر الأشد حاجة، رغم محدودية الموارد.
المدارس مأوى مؤقت.. والتعليم مهدد
ومع بدء العد التنازلي للعام الدراسي الجديد، باتت المدارس التي تستخدم كمراكز إيواء مشكلة بحد ذاتها. الجهات الرسمية لم تقدّم حتى الآن خطة واضحة بشأن بدائل سكنية للنازحين، ما يهدد بتأخير الدراسة في عشرات المدارس، أو نقل النازحين إلى أماكن أخرى غير جاهزة.
وفي وقت سابق من أواخر شهر تموز، أكدت محافظة درعا أنه في ظل استمرار غياب مؤسسات الدولة عن محافظة السويداء، ومخاوف النازحين من العودة إليها، ومع اقتراب العام الدراسي الجديد وما قد يسببه استمرار إشغال المدارس كمراكز إيواء من تعطيل للعملية التعليمية، لا سيما أن أكثر من ثلث مدارس محافظة درعا خارج الخدمة، كان لا بد من إيجاد بدائل مناسبة.
وأشارت المحافظة حينذاك إلى أنها عقدت سلسلة من الاجتماعات مع “ممثلين من مراكز الإيواء والمنظمات المحلية والدولية لإيجاد حلول عملية للإيواء المؤقت، لافتة إلى توافق على إنشاء مخيمات مؤقتة ريثما تبسط مؤسسات الدولة الأمن والاستقرار في السويداء بما يضمن عودة آمنة وكريمة للنازحين”.
وترفض العائلات إنشاء مخيمات مؤقتة، إذ نظمت عشائر السويداء، اليوم الخميس، وقفة احتجاجية في بلدة السيدة زينب بريف دمشق، مطالبة بالعودة إلى أحيائها، مؤكدة رفضها للفصائلية وانتشار السلاح في مناطقها، ومشددة على ضرورة ضمان حق أطفالها في التعليم والعودة إلى مدارسهم.
————————-
الهجري يجدد مطالبته بـ”كيان مستقل” لدروز سوريا ويشكر نتنياهو وترامب.
05 أيلول 2025
دمشق: جدّد حكمت الهجري، أحد مشايخ عقل الدروز في سوريا، مطالبته بكيان درزي “مستقل” عن بلاده، معبرا بالوقت ذاته عن شكره وامتنانه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب
جاء ذلك في كلمة مصورة نشرها الخميس، على حساب “الرئاسة الروحية للموحدين الدروز” عبر منصة فيسبوك.
وقال الهجري إن “كوادرنا وكفاءاتنا جاهزة لإدارة شؤون منطقتنا”، مطالبا بما سماه “كيانا مستقلا، يضمن لنا العيش بكرامة تحت مظلة القانون الدولي ومعايير الدول المتقدمة”، على حدّ قوله.
وفي أغسطس/ آب الماضي، قال الرئيس السوري أحمد الشرع، إن دمشق اليوم أمام معركة توحيد سوريا بعد إسقاط النظام، مؤكدا رفضه أي مشروع لتقسيم البلاد، ومتهما إسرائيل بـ”التدخل المباشر” في الجنوب.
كما عبّر الهجري في التسجيل المصور عن شكره وامتنانه “للولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب وإسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وإلى دول التحالف الأوروبي، وإلى إخوتنا الأكراد، وإلى إخوتنا العلويين في الساحل السوري”.
وأواخر أغسطس الماضي، دعا الهجري إلى تشكيل “إقليم درزي” منفصل عن سوريا، وذلك غداة إعلانه تشكيل قوة عسكرية بمحافظة السويداء (جنوب) باسم “الحرس الوطني”، اعتبرها معارضوه من الدروز “نسخة عن الحرس الثوري” الإيراني.
وبعد ذلك، نظمت مجموعة من الأشخاص في مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية، مظاهرة حملوا فيها علم إسرائيل، وطالبوا بـ “الانفصال” عن سوريا.
ولدروز السويداء 3 مشايخ عقل (المرجعيات العليا للطائفة) قد تختلف مواقفهم أحيانا، وهم حمود الحناوي، ويوسف جربوع، والهجري الذي يعتبر أتباعه أقلية لا تمثل الموقف الحقيقي للطائفة، بحسب مراقبين.
وسبق أن أعرب كل من جربوع والحناوي في مناسبات عدة رفضهما طلب الحماية من إسرائيل، وتمسكهما بخيار الوحدة الوطنية.
بينما ناشد الهجري تل أبيب مرارا التدخل، وأعرب عن شكره لها، وهو ما اعتبره ناشطون إفشالا لمحاولات تسوية الأزمة الأخيرة بالمحافظة.
ومنذ 19 يوليو/ تموز الماضي، تشهد السويداء وقفا لإطلاق النار عقب اشتباكات مسلحة دامت أسبوعا بين مجموعات درزية وعشائر بدوية، خلفت مئات القتلى.
ومنذ إسقاط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، تتذرع إسرائيل بـ”حماية الدروز” لتبرير عدوانها واعتداءاتها على سوريا، وهو ما اعتبرته دمشق تدخلا سافرا في شؤونها، مطالبة بإلزام تل أبيب بالامتثال لاتفاقية فصل القوات الموقعة بين الجانبين عام 1974.
وتبذل الإدارة السورية الجديدة جهودا مكثفة لضبط الأمن في البلاد، منذ الإطاحة في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 بنظام بشار الأسد، بعد 24 عاما في الحكم.
ولم تهدد الإدارة السورية الجديدة، برئاسة الشرع، إسرائيل بأي شكل، ورغم ذلك شنت الأخيرة غارات جوية على سوريا، فقتلت مدنيين ودمرت مواقع عسكرية وآليات وذخائر للجيش السوري.
وتحتل إسرائيل منذ عام 1967 معظم مساحة هضبة الجولان السورية، واستغلت أحداث الإطاحة ببشار الأسد ووسعت رقعة احتلالها في الجولان، كما احتلت المنطقة العازلة السورية.
(الأناضول)
———————————
=================
تحديث 04 أيلول 2025
—————————
التحقيق في أحداث السويداء محاولة لتبرئة الأجهزة الرسمية السورية من الانتهاكات
تكرار الانتهاكات يشير إلى أن الأمر يتجاوز مسؤولية الأفراد ويطال طبيعة التكوين العقائدي لبعض الكتائب.
أحداث السويداء تحتاج إلى تحقيق محايد
الخميس 2025/09/04
دمشق- أعلنت السلطات السورية عن فتح تحقيقات وتوقيف عدد من الأفراد المنتسبين إلى وزارتي الدفاع والداخلية، على خلفية تورطهم في تنفيذ عمليات إعدام ميداني وانتهاكات جسيمة موثّقة بالصوت والصورة في أعقاب المواجهات العنيفة التي شهدتها محافظة السويداء في يوليو 2025، والتي أسفرت عن مقتل العشرات من المدنيين والمقاتلين.
وفي حين يروّج لهذه الخطوة بوصفها دليلا على التزام الدولة بمحاسبة المسيئين، بغض النظر عن انتماءاتهم، إلا أن توقيت الإعلان، وانتقائية التحقيقات، وطبيعة الخطاب الرسمي المرافق، تطرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية من هذه الإجراءات، وإن كانت تهدف فعلا إلى تحقيق العدالة، أم أن الهدف منها هو تبرئة المؤسسة الأمنية والعسكرية من المسؤولية عبر حصر الانتهاكات في إطار فردي معزول.
وما يدفع إلى هذا التساؤل هو حرص الجهات الرسمية، في بياناتها وتصريحات مسؤوليها، على التأكيد أن ما جرى في السويداء “تصرفات فردية لا تمثل توجه الدولة”، بدلا من التعامل مع الانتهاكات باعتبارها نتيجة خلل في أداء المؤسسة أو في طبيعة تشكيل بعض وحداتها، ويجري اختزالها في أفعال أشخاص “تجاوزوا التعليمات”، ما يتيح للدولة الظهور بمظهر الجهة المنصفة والنزيهة، دون مراجعة لبنية القرار الأمني أو محاسبة مسؤولي الرتب العليا، أو حتى الإقرار بوجود خلل هيكلي في منظومة الضبط والانضباط العسكري.
واللافت أن أحداث السويداء، بما تخللها من مشاهد إعدام علني وتوثيق مصوّر لانتهاكات ضد أسرى ومدنيين، ليست معزولة عن نمط متكرر حصل في مناطق أخرى خلال الأشهر الماضية، كان أبرزها في الساحل السوري. فقد وثقت منظمات حقوقية ووسائل إعلام محلية حالات مشابهة من الانتهاكات في أرياف اللاذقية وطرطوس، بما في ذلك تعذيب وقتل مدنيين على خلفيات مناطقية أو طائفية أو سياسية.
ويقول مراقبون إن تكرار هذه الانتهاكات يشير إلى أن الأمر يتجاوز مسؤولية الأفراد، ويطال طبيعة التكوين العقائدي والسياسي لبعض الكتائب والأجهزة الأمنية. فسواء في الساحل أو السويداء، ظهرت مجموعات عسكرية تنفذ العمليات بروح متشدّدة، أيديولوجية أو طائفية، دون اكتراث بالقيود القانونية أو الأعراف العسكرية، ما يعكس خللا في بنية تلك المؤسسات. وهذا الخلل لا يمكن معالجته عبر توقيف بعض الأفراد وتقديمهم كـ”خارجين عن القانون”، بل يتطلب مراجعة جادة لتركيبة الأجهزة الأمنية والعسكرية.
وقُتل المئات من الأشخاص في السويداء في أعمال العنف بدأت في يوليو الماضي بين عشائر محلية وفصائل درزية، وتصاعدت بعد إرسال القوات السورية إلى المنطقة. واتهم أقارب القتلى القوات الحكومية بارتكاب عمليات قتل على شكل إعدامات أمام الكاميرات.
وشكلت سوريا لجنة للتحقيق في أعمال العنف في 31 يوليو. وقال المتحدث باسم اللجنة عمار عزالدين لوسائل الإعلام السورية والإقليمية الثلاثاء، إنه جرى استجواب أعضاء من وزارتي الداخلية والدفاع وإحالتهم إلى القضاء للاشتباه في ضلوعهم في الانتهاكات.
ورفض عزالدين الإفصاح عن عدد الموظفين الذين تم اعتقالهم، لكنه قال إنهم مواطنون سوريون ارتكبوا الفظائع بصفة فردية.
وقال لقناة الحدث التلفزيونية إن اللجنة واجهت المشتبه بهم “بمقاطع الفيديو التي ظهرت صورهم فيها” وهم يرتكبون انتهاكات دون أن يحدد ماهيتها.
وأضاف عزالدين أن الفيديوهات “كدليل أو قرينة، تعتبر كافية” لإثبات التهم على المشتبه بهم كونهم هم من قاموا بتوثيق هذه الفيديوهات على أنفسهم.
وتابع أنه عند مواجهتهم بهذه الفيديوهات عند التحقيق معهم “اعترف العديد منهم، وبرروا وأعطوا أسباب هذه الجرائم.”
وقال عزالدين “تم التحفظ عليهم من قبل وزارة الداخلية ووزارة الدفاع لتتم إحالتهم إلى القضاء عند انتهاء التحقيقات لتتم محاكمتهم علنا على الجرائم التي قاموا بارتكابها بحق المواطنين السوريين.”
وقال لتلفزيون سوريا إن اللجنة حرصت على التحرك السريع للقبض على المشتبه بهم حتى مع استمرارها في أعمال التحقيق. وكانت منظمة العفو الدولية قد حثت السلطات السورية الثلاثاء على محاسبة أفراد من القوات الحكومية على إعدام رجال ونساء دروز خارج نطاق القضاء في 15 و16 يوليو في السويداء.
وفي مارس اتُهم الجيش السوري بارتكاب عمليات قتل جماعي لأفراد من الأقلية العلوية التي ينتمي إليها جزء كبير من النخبة الحاكمة في عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.
وقالت لجنة حكومية سورية لتقصي الحقائق في يوليو إن 1426 شخصا لقوا حتفهم في مارس في هجمات على قوات الأمن وعمليات قتل جماعي للعلويين تبعتها، لكنها خلصت إلى أن القادة لم يصدروا أوامر بتنفيذ الهجمات الثأرية.
وذكرت اللجنة أنها خلصت إلى وجود صلات تربط 298 مشتبها بهم بالانتهاكات التي ارتكبت بحق العلويين وإلى مشاركة 265 مشتبها بهم في الهجوم الأول على قوات الأمن، وقالت إنهم أحيلوا إلى القضاء.
——————————-
==================
تحديث 03 أيلول 2025
——————————-
الحبل القصير للمفاوضات بين سورية وإسرائيل/ بشير البكر
03 سبتمبر 2025
ليس بوسع الدولة السورية الحالية أن تلبي مطالب إسرائيل، ولذلك لن يذهب بعيداً مسار المفاوضات الذي بدأ منذ أشهر عدة. ما تطمح إليه إسرائيل يفوق مقدرة سورية على الوفاء به، فهي كيان هشّ لا يزال في طور التكون عسكرياً وأمنياً واقتصادياً وسياسياً، وما لم تقطع مسافة منظورة على هذا الطريق الشاق، سيبدو أي اتفاق مع إسرائيل تنازلاً يجر عليها غضباً داخلياً واسعاً، لأن الشارع الذي سكت على التجاوزات الداخلية حتى الآن، من منظور إعطاء الفرصة للإدارة الجديدة، لن يصمت حيال أي اتفاق مختل مع إسرائيل.
الاتفاق المنظور مع إسرائيل أمني، ويجري الحديث عن أن توقيعه سيتم في شهر سبتمبر/أيلول الحالي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي يحضر أعمالها الرئيس أحمد الشرع، ويلقي أمامها كلمة تقدم التحول السوري الجديد، وهذا حدث يحصل للمرة الأول منذ عام 1967، منذ كلمة الرئيس الراحل نور الدين الأتاسي، التي تركزت على الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية.
اللقاء الأول لم يبحث في التفاصيل، بل كان هدفه كسر الجليد
بدأت المفاوضات بين سورية وإسرائيل في نقاط حدودية، وجرت بصورة مباشرة، شارك فيها أمنيون، وتركزت الجولة الأولى على جسّ النبض، ولم يخرج الحديث عن العناوين العريضة. وبحسب مصدر سوري، فإن اللقاء الأول لم يبحث في التفاصيل، بل كان هدفه كسر الجليد، وتحديد مواضيع البحث قبل الانتقال إلى طاولة المفاوضات.
جاء اللقاء بوساطة أميركية، قامت على مبدأ ضرورة بناء مسار، يقوم على وضع اللبنة الأولى في المنطقة الحسّاسة، وهي الحدود، التي عبرتها إسرائيل بمجرد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، ومن ثم وضع لبنات أخرى تدريجياً، تبعاً للتقدم الأفقي والعمودي، وعلى هذا الأساس تمّ قياس مستوى كل خطوة، ومدى التقدم الذي تحققه في المفاوضات.
حضور سورية إلى طاولة المفاوضات
إسرائيل كسبت اللقاء من دون شروط، واعتبرت أن سياسة الضربات والتوغلات العسكرية داخل الأراضي مجدية، وحققت نتائج مهمة، أولها، أنها جاءت بسورية إلى طاولة المفاوضات من دون شروط مسبقة، بما في ذلك الوقف المسبق للاعتداءات. ويشكل ذلك نقلة نوعية لأن التفاوض خرج عن مظلة الأمم المتحدة، وعلى أساس قراراتها الخاصة بالنزاع.
اعتداءات إسرائيل جنوب سورية لا يوقفها التفاوض مع دمشق
جاء المفاوض الإسرائيلي، وهو يعمل على استغلال حال الضعف السوري، لتحقيق مكاسب كبيرة مثل ترسيم الحدود، والحصول على إقرار بأن مرتفعات الجولان المحتلة أرض إسرائيلية، بالإضافة إلى فرض شروط أخرى تتعلق بعدد من قضايا الداخل السوري، وتقييد وجود قوات من الجيش السوري جنوب دمشق، ووعد من الإدارة السورية بالدخول مستقبلاً في “اتفاقات أبراهام” والتطبيع الكامل مع إسرائيل.
الجانب السوري كان يطمح إلى وقف الاعتداءات التي بدأت في 8 ديسمبر، والتوغلات وقضم الأراضي، الذي يتم بصورة منهجية، واستند على إلغاء اتفاقية فصل القوات. ولم يكن لدى المفاوض السوري مخاوف من أن يتعرض لضغوط إسرائيلية مباشرة، لأنه يعول على الوسيط الأميركي. وهو يطمح لتحقيق ثلاثة أهداف: وقف القصف الإسرائيلي، العودة إلى اتفاقية فصل القوات عام 1974 والانسحاب من المناطق التي توغلت فيها القوات الاسرائيلي بعد 8 ديسمبر، وتحييد إسرائيل عن التدخل في الشأن الداخلي السوري.
اعتبرت واشنطن أن الجولات التقنية التي انعقدت بين وفود أمنية على الحدود كافية لرفع مستوى المفاوضات، ولذلك خطت نحو تطوير مضمون التفاوض وشكله، ونقلت اللقاءات إلى كل من الإمارات وأذربيجان، بالتتالي، بحسب التسريبات. وفي المكانين حصل تقدم في بحث نقاط الاتفاق وجرى نقاش مفتوح، استمع فيه كل طرف إلى وجهات نظر الطرف الآخر.
وصمّمت واشنطن الشكل على النحو التالي: إجراءات بناء ثقة، يليها اتفاق أمني مكتوب يقوم على عدم الاعتداء، ومن ثم اتفاق للتفاوض حول تجديد اتفاقية فصل القوات، والمرحلة الأخيرة هي المفاوضات حول اتفاقية سلام، وفي سياق ذلك يتم فتح ثغرة لانضمام سورية إلى “اتفاقات ابراهام” في حال تحقيق اختراق فعلي.
توقفت حدة الاعتداءات الإسرائيلية خلال المفاوضات، وكانت تحصل بعض العمليات بين حين وآخر، يراد منها توجيه رسائل ضغط على المفاوض السوري، الذي كان يرجع للطرف الأميركي في كل تفصيل بوصف واشنطن هي الوسيط والمسهل، وطموح سورية أن تكون الضامن.
اللافت أن هناك تسريبات كثيرة من وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية علّقت آمالاً كبيرة على جولتي أبوظبي وباكو، وجزمت بعضها بحصول لقاء بين الشرع وتساحي هنبغي رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، وهو ما نفته أوساط الإدارة الجديدة.
جاءت أحداث محافظة السويداء جنوب سورية في 13 يوليو/تموز الماضي لتقلب الطاولة، لكنها لم توقف المسار التفاوضي كلياً، وإنما نقلته إلى مستوى آخر، إذ دخل عليه عنصر حضور إسرائيل بقوة في معادلة الجنوب السوري، وباتت لدى تل أبيب حجة رسمية مستندة إلى طلب الشيخ حكمت الهجري. وفي هذا الوقت بدأت تسريبات تسير في اتجاهين: الأول إقامة ممر انساني إلى السويداء يعبر محافظتي القنيطرة ودرعا، والثاني إقامة شريط عازل يشمل المحافظات الجنوبية السورية الثلاث، القنيطرة، درعا، والسويداء.
مسار تفاوضي جديد في باريس
ونتيجة للتطورات في السويداء، تشكل مسار تفاوضي جديد في باريس بوساطة فرنسية، وعلى هذا الأساس تمّ عقد عدة جلسات في 24 و25 يوليو الماضي، وواحدة في 21 أغسطس/آب الماضي، بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، وقد أعلنت وسائل إعلام سورية عن هذه الجولة، وتحدثت وكالة الأنباء السورية “سانا”، عن موضوع اللقاء “لمناقشة عدد من الملفات المرتبطة بتعزيز الاستقرار في المنطقة والجنوب السوري، وخفض التصعيد وعدم التدخل بالشأن السوري الداخلي، والتوصل إلى تفاهمات تدعم الاستقرار في المنطقة، ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء”.
على هامش الجولة، انشغلت وسائل الإعلام بالحديث عن خديعة تعرض لها الجانب السوري من إسرائيل تتعلق بإرسال القوات لاقتحام السويداء، ولم تتضح الصورة فعلياً بين سوء تفسير المفاوض السوري لجولة باكو، التي فُهم منها أن تعهد إسرائيل بعدم التدخل في الشأن السوري يشمل السويداء، وبين تراجع الجانب الإسرائيلي عن تعهده بعد أن تعرض رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لضغوط من قيادات درزية في إسرائيل، روحية وعسكرية، ما جعله يتدخل ويقوم بتوجيه ضربات للقوات السورية في محيط المحافظة، وقصف مقر الأركان ووزارة الدفاع بدمشق.
وضع السويداء احتل القسط الأكبر من جولة باريس الأخيرة، التي انتهت إلى عدم اتفاق، وقادت الجانب السوري إلى الأردن وروسيا وتركيا. وبحضور المبعوث الأميركي لسورية توم برّاك، تمّ في عمّان تشكيل لجنة ثلاثية متابعة خاصة بالسويداء، وفي موسكو طلب الشيباني مساندة روسية للضغط على إسرائيل، وفي أنقرة جرى توقيع اتفاقية عسكرية لتأهيل الجيش السوري وتزويده بأسلحة نوعية.
يشكّل التحرك السوري السريع في الاتجاهات الثلاثة خطوة ذكية تمكنت دمشق بفضلها من رفع نبرة خطابها في اجتماع باريس الأخير، ورفض أي بحث مع إسرائيل بشأن السويداء، وصار واضحاً أن نبضها صار أقوى في المفاوضات، ولكنها لم تمانع في التعاطي إيجابياً مع الاقتراح الأميركي بتجديد بحث الاتفاقية الأمنية وفق الأسس التي جرى عليها التفاوض قبل أحداث السويداء.
الفروقات كبيرة بخصوص المراد تحقيقه من أهداف في المفاوضات، بين كل من السلطة السورية، وإسرائيل، والولايات المتحدة. إسرائيل ليست في وارد ترك الدولة السورية الجديدة تستقر، وتبني نفسها بعيداً عن هيمنتها، كما أنها ترى الفرصة سانحة لفرض أمر واقع في منطقة الجنوب، وفي الوقت ذاته بعيدة كل البعد عن البحث بموضوع الجولان وفق التصور السوري، الذي يستند إلى نتائج المفاوضات السورية الإسرائيلية بمؤتمر مدريد. في المقابل، تطمح الإدارة الجديدة إلى البحث عن صيغة توقف التصعيد الإسرائيلي، لكن ليس بالثمن الذي تطلبه إسرائيل، فهو باهظ جداً بالنسبة لها، ويصعب عليها دفعه، وهو مُحرِج لها ويضعف سلطتها على الأرض السورية، إضافة لكونه يخرق السيادة. وبحسب التصريحات التي صدرت عن مسؤولين سوريين، فإن الأولوية بالنسبة لدمشق هي التوصل إلى اتفاق أمني برعاية دولية قابلة على طمأنة إسرائيل، ووضع حد لمخاوفها من الحكم الجديد الذي ينحدر قادته من خلفية جهادية، ولذلك تريد تجميد النزاع عند هذه النقطة، وعدم الذهاب أبعد من ذلك في هذه الفترة، ولا ترى لنفسها موقعاً في “اتفاقات ابراهام”، التي تعتبر أنها حصلت بين إسرائيل ودول عربية، ليس بينها وبين إسرائيل نزاعات تاريخية وأرض محتلة.
الاستنتاج المنطقي من قراءة المعطيات المتوافرة يوصل إلى أن هناك مبالغة في أخبار الوصول إلى اتفاق، فالمفاوضات لا تزال في بدايتها، والتعقيدات كثيرة، والمواضيع على جدول الأعمال متشابكة، وثمة مسافة شاسعة بين أولويات كل طرف، وعلى هذا يبدو حبل التفاهم قصيراً، ويحتاج إلى تدخل أميركي من طبيعة خاصة حتى يصمد. وتدرك واشنطن الفروقات الكثيرة بين الطرفين، ولذلك تركز في مرحلة أولى على اتفاق عدم اعتداء ستعمل على تطويره لاحقاً.
العربي الجديد
——————–
الجنوب السوري ما بعد الأسد… الاحتلال والانفصال وتحديات السلطة الهشّة/ عمار جلّو
الأربعاء 3 سبتمبر 2025
تشهد “سوريا الجديدة” تحولات جيوسياسيةً بالغة التعقيد، يجتمع خلالها التصعيد العسكري الإسرائيلي المكثف في جنوبها، مع مفاوضات غير مسبوقة بين دمشق وتل أبيب، ما يعكس تناقضاً ظاهرياً. فما هي العوامل المحركة للطرفين في ظلّ متغيرات إقليمية ودولية بالغة الحساسية؟
“الأولوية حالياً للعودة إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، أو شيء مشابه”، قال الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، خلال لقائه وفداً من الإعلاميين العرب. وأضاف: “إنّ أي اتفاق أمني محتمل سيقوم على هذا الاتفاق، وعندما ننجز أي شيء لن نكون خجولين، وسنعلن أي خطوة نقوم بها إذا كانت فيها مصلحة للبلد وتساهم في تحقيق الاستقرار”.
في المقابل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، بنيامين نتنياهو: “لن نتسامح مع أي تهديد يأتي من الأراضي السورية”، وأضاف في خطاب ألقاه مؤخراً أمام الكنيست الإسرائيلي: “نراقب عن كثب مصير الطائفة الدرزية في الجنوب السوري، ولن نقف مكتوفي الأيدي إذا ما تعرّض الدروز لأيّ تهديد”.
ويأتي التصعيد الإسرائيلي بين الذرائع الأمنية والتوسع الفعلي، حيث تشير الوقائع الميدانية إلى تصاعد ملحوظ في الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا، عبر توغلات برية متكررة، وغارات جوية مكثفة، مع توسع الاحتلال الفعلي.
خلال التصعيد هذا، سيطرت القوات الإسرائيلية على مواقع إستراتيجية في تل باطا قرب بيت جن وجبل الشيخ، مع اعتقالات لمشتبه بهم ومداهمة منازل مدنيين، كما نفذت قرابة ألف غارة منذ سقوط نظام الأسد، مستهدفةً مواقع عسكريةً قرب دمشق وريفها، مع بسط سيطرتها على أكثر من 1،700 كم² من الأراضي السورية، وتشييد قواعد عسكرية دائمة في المنطقة العازلة، بجانب إشارة إسرائيليين إلى “بقاء دائم أو بدافع الضرورة” في بعض المناطق.
برغم التصعيد العسكري، تشهد القناة السياسية تحوّلاً تاريخياً من خلال إجراء مفاوضات مباشرة وغير مباشرة، للتوصل إلى اتفاق أساس يصلح منطلقاً لبدأ مسار مفاوضات تطبيع العلاقة بين العدوّين القديمين، حيث أجرى الطرفان لقاءات سرّيةً وعلنيةً في كلّ من أذربيجان وفرنسا. ففي باريس، التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، ومسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، برعاية أمريكية.
“كان الاجتماع جيداً وبنّاءً ومحترماً”، قال مسؤول أمريكي، وأضاف: “أثار كل جانب مخاوفه، وأوضح كلاهما أنهما يريدان استقرار الوضع وتهدئته في جنوب سوريا. هناك المزيد من العمل الذي يتعيّن القيام به، لكن لا يوجد عداء أو غضب، وكلا الجانبين يريدان التوصل إلى تفاهمات”.
على ذلك، تسعى الحكومة السورية إلى نزع فتيل التوتر الذي يحرص نتنياهو على إبقائه مشتعلاً، في محاولة لتبرير استمراره في شنّ الحروب تحت شعار “تغيير الشرق الأوسط”، حسب الكاتب والإعلامي السوري إبراهيم الجبين. وفي هذا الإطار، تجري مفاوضات بين الطرفين برعاية المبعوث الأمريكي توم باراك، تهدف إلى ترسيخ تفاهم أمني قد يشكل نواةً لاتفاق سلام مستقبلي. إلا أنّ الجانب الإسرائيلي لا يبدو مستعداً، في الوقت الراهن، للانخراط في اتفاق ملزم، سواء على المستوى الأمني أو السياسي.
وينبّه الجبين، خلال حديثه إلى رصيف22، إلى أنّ “المفاوضات تحمل في طياتها وظيفةً ردعيةً، إذ تسعى إلى كبح محاولات التحرش الإسرائيلي بالإدارة السورية الجديدة، والتي تهدف إلى استدراجها نحو خيارات عسكرية قد تستغلها إسرائيل لفرض وقائع جديدة على الأرض، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة رسم الخرائط الميدانية”.
بحسب الكاتب السياسي السوري، حسان أسود، “إسرائيل ستضغط بكل ما أوتيت من وسائل وقوّة لتحصل على أكبر قدر من التنازلات من سوريا، مستغلّةً حالة الوهن والضعف العام التي تمرّ بها البلاد، وعمليات التوغل المستمرة وقضم الأراضي والتصريحات على أعلى المستويات بوجوب تجريد الجنوب من السلاح وحماية الدروز، شكل من أشكال الضغط هذه. لقد كانت إسرائيل في حالة اطمئنان على مدار 54 سنةً من حكم آل الأسد، والآن تريد تغيير معادلات الصراع بفرض شروط جديدة على سوريا”.
دروز السويداء… نقطة اشتباك وتفاوض
في ظلّ تحوّلات إقليمية متسارعة، تدفع الولايات المتحدة نحو تفاهمات أمنية بين سوريا وإسرائيل قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 أيلول/ سبتمبر المقبل، في محاولة لتحقيق اختراق دبلوماسي غير مسبوق منذ عقود. وتشير مصادر مطلعة إلى وجود مباحثات متقدمة بين الجانبين تستند إلى اتفاق وقف إطلاق النار لعام 1974.
كما تشير هذه المصادر إلى تفاهمات تشمل مناطق منزوعة السلاح، مع ترتيبات حدودية، وممرّ إنساني للطائفة الدرزية في السويداء، ومنع إعادة تشكيل الجيش السوري بدعم تركي. وبينما تؤكد دمشق أنّ أيّ اتفاق سيكون تقنياً وأمنياً وليس سياسياً، تصرّ إسرائيل على ضمانات أمنية واضحة، خاصةً في الجولان، وترى في هذه التفاهمات فرصةً لإخراج سوريا من المحور الإيراني، مقابل مساعدات اقتصادية وإعادة إعمار برعاية أمريكية وخليجية.
تتركز أهداف إسرائيل في هذه المرحلة على ضمان أمن حدودها مع سوريا، ومنع تمركز جهات معادية فيها، بالإضافة إلى حماية الطائفة الدرزية، حسب تصريحات الدبلوماسي الإسرائيلي المخضرم شالوم ليبنر، فيما يأتي الطلب الإسرائيلي خلال اجتماع باريس بإنشاء ممر إنساني إلى السويداء، في أعقاب أعمال عنف طائفية دامية بين عناصر من الأمن العام ومقاتلين من البدو من جهة، والميليشيات الدرزية من جهة أخرى، وما رافقها من تدخّل حكومي ملتبس، وقد أودت بحياة أكثر من 1،700 شخص.
يوماً بعد يوم، يزداد الوضع الإنساني والسياسي في السويداء سوءاً وتعقيداً، وسط نقص حاد في الخدمات الأساسية وقيود على التنقل. وبينما تطالب إسرائيل بفتح ممر إنساني، تبدي دمشق تحفظاً، خشية استخدامه لتهريب الأسلحة. وما بينهما، خرجت مظاهرات درزية تطالب بحق تقرير المصير، ما يضيف تعقيداً جديداً إلى المشهد.
“التصعيد من قبل (رجل الدين الدرزي الشيخ حكمت) الهجري والمجموعة المتحلّقة حوله، يعطي لإسرائيل الذرائع للحديث باسمهم، وهذه ظاهرة خطيرة وتشكل خيانةً وطنيةً. لكنّ ما لا يعرفه هؤلاء أنّ إسرائيل لا تهتم بهم إلا كورقة لفرض شروطها على سوريا، وأنّها لن تعاملهم بأفضل مما تعامل دروز الجولان أو الجليل”، يقول أسود لرصيف22.
عليه، برزت محافظة السويداء كعنصر حاسم في أي تفاهمات مستقبلية، ولا سيّما بعد دعوة الهجري، إلى تدخل دولي لدعم مطلب إعلان “إقليم مستقل” للطائفة. في المقابل، يثير الممر الإنساني مخاوف دمشق من تكريس نفوذ إسرائيلي في الجنوب، وتحويل الممر إلى أداة ضغط سياسي وأمني، تتجاوز اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، وتمنح إسرائيل اليد العليا ميدانياً، وفقاً لموقع “بي بي سي”.
“من الطبيعي أن تفرض الظروف الراهنة إلحاحاً متزايداً نحو بلورة تفاهمات أو اتفاقات مباشرة، أكثر من أي وقت مضى”، يقول مدير البحوث في مركز عمران للدراسات، معن طلاع، ويضيف: “اليوم، باتت أدوات التوغل الإسرائيلي أكثر تنوعاً، ومساحات تأثيره أوسع، ما يفرض على الدولة السورية أن تتعامل بواقعية مع تحولات هذا التهديد، وأن تسعى إلى صياغة إطار تفاهم يضبط حالات التوغل دون أن يتحول إلى اتفاق شامل يتجاوز سقف تفاهم عام 1974”.
“نحن إذاً أمام تفاهمات جزئية ومؤقتة، تهدف إلى تنظيم حدود الصراع والحد من التدخلات الخارجية، دون أن تمس جوهر الاتفاقات التاريخية أو تفتح الباب أمام مسارات سياسية أوسع”، يقول طلاع لرصيف22.
واتفاق فكّ الاشتباك، هو الاتفاق الذي توصل إليه الجانبان بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر غام 1973، ونص على وقف إطلاق النار وإنشاء منطقة فصل تحت إشراف الأمم المتحدة. وبرغم أنه لم يكن اتفاق سلام، إلا أنه يُعدّ آخر وثيقة دولية معترف بها من الطرفين، ما يمنحه قيمةً تفاوضيةً في ظل غياب أي إطار سياسي جديد.
في هذا السياق، تتزايد المخاوف من تحوّل الملف الدرزي إلى ورقة ضغط إقليمية، تهدد بتفكيك النسيج الوطني السوري، وتمنح إسرائيل موطئ قدم سياسياً في قلب الأزمة السورية، فيما تحيط بالمفاوضات شكوك إستراتيجية؛ هل هي محاولة لتثبيت واقع ميداني جديد؟ أو بداية مسار تطبيع هشّ ومحكوم بتوازنات طائفية ومصالح دولية متشابكة؟ وهل يمكن فصل المسار الأمني عن التوترات المجتمعية التي تتفجر في الجنوب؟
تثبيت السلطة وتجنّب التصعيد
من الصعب على القيادة السورية إبرام اتفاق سلام ضمن هذه الظروف، حسب أسود، وسيكون أقصى ما تسعى إليه، تجميد الصراع كما كان عند حدود اتفاقية فض الاشتباك، وهذا ما تقول إسرائيل إنه انتهى وإنّ المعاهدة قد زال مفعولها.
يعتقد أسود أنّ “إمكانية التوصل إلى اتفاق لا تزال بعيدة المنال، ما لم تمارس الإدارة الأمريكية ضغوطاً حقيقيةً على حكومة نتنياهو، لأنّ الأخير يجد لديه من فائض القوّة ما يتبجح به ليداري هزائمه الأخلاقية الكبرى في غزّة، وهو يحاول باستمرار إشعال فتيل الحروب حتى يصل إلى موعد الانتخابات القادمة. مع ذلك، وفي مطلق الأحوال، لا يزال لدى القيادة السورية رصيد شعبي كبير لتقاوم به الضغوطات الإسرائيلية، وأعتقد أنها ستلعب على الوقت إلى حينٍ تنضج فيه الظروف التي تسمح لها بالتفاوض من موقع أفضل”.
وتسعى إسرائيل إلى إبقاء سوريا ضعيفةً، حتى لو كانت موحدةً، عبر دعم مناطق الحكم الذاتي في السويداء وشمال شرق البلاد، ما قد يضعها في مواجهة مباشرة مع أنقرة. على ذلك، تواجه سوريا تحديات بنيويةً في التوفيق بين المصالح التركية والإسرائيلية، حسب موقع أسباب، إذ تدعم أنقرة تقوية النظام السوري لمواجهة التهديد الكردي، بينما ترى إسرائيل في ذلك تهديداً مزدوجاً، لعدم الثقة في توجهات النظام الجديد من جهة، ومن جهة أخرى بسبب القلق من التمدد العسكري التركي قرب حدودها.
في المقابل، لا توفر التفاهمات العسكرية السورية التركية، ترتيبات كافيةً لحماية النظام السوري، ما يجعل التوصل إلى تفاهم مع إسرائيل ضرورةً إستراتيجيةً لدمشق، حيث تركز الأخيرة على فرض سلطتها على كامل الأراضي السورية، مع تجنّب أي صدام مباشر مع إسرائيل.
في هذا الجانب، يرى خبير الشؤون الإستراتيجية، الدكتور عامر السبايلة، أنّ إسرائيل لا ترى في سوريا الجديدة كياناً متماسكاً، بل مساحة مفتوحة قابلة للاستغلال. وعليه، تسعى إسرائيل إلى تكريس مكاسبها الميدانية، وحماية مكونات ترتبط بها كالدروز، مع تعزيز قدرتها على العمل داخل الأراضي السورية، دون الحاجة إلى اتفاقات تقليدية بين جيوش نظامية.
ويرى مراقبون هذه اللقاءات خطوةً “واسعةً ومجانيةً” من دمشق تجاه إسرائيل، التي لا تخفي رغبتها في إعادة تشكيل الخريطة السورية عبر تغذية النزعات الانفصالية في السويداء والساحل ومناطق الأكراد، فيما يراها آخرون محاولةً تكتيكيةً لاحتواء التوترات الداخلية، وتهدئة المخاوف الأمنية الإسرائيلية دون تقديم تنازلات واضحة، ودون أن تعكس إستراتيجيةً سوريةً بعيدة المدى.
من جهته، يراها المحلل السياسي السوري، سعد الشارع، ضمن مسار داخلي تقوده الحكومة السورية لتبريد ملف الأقليات والقيام بمسؤولياتها الوطنية. بينما يصفها الجبين، في موقع الجزيرة، بأنها “خرافة سياسية”، وتعكس تحرّك حكومة دمشق بعقلية براغماتية تفتقد المبادئ. كما أن عدم خروجها بنتائج ملموسة يجعلها مكافأةً مجانيةً لإسرائيل على تدخلاتها العسكرية في سوريا، والجلوس مع تل أبيب لا يعكس براغماتيةً واعيةً، بل تجاهلاً للمكونات السورية التي كان من الأجدر التحاور معها أولاً، لأنّ مجرد الجلوس مع تل أبيب يمنحها دوراً في رسم ملامح “سوريا الجديدة”.
لكن يبقى اتفاق فكّ الاشتباك هو المرتكز القانوني لهذه التفاهمات، يقول الجبين لرصيف22، ما يمنح الجانب السوري نقطة ارتكاز قويةً في مسار التفاوض نحو اتفاق أمني جديد. ويشير الجبين إلى أنّ دمشق تبدو أكثر مرونةً من تل أبيب التي تفتقر إلى رؤية إستراتيجية واضحة بشأن شكل الصراع المحتمل وتطوره.
ويردف: “إذ ما اندلع هذا الصراع، فإنّ الخيارات كافة ستكون مطروحةً أمام السوريين، بما في ذلك أوراقاً سياسيةً وعسكريةً قد تبدو صعبةً حالياً، لكنها قابلة للتفعيل ضمن سياق دولي ضاغط على حكومة نتنياهو واليمين المتطرف، إذ إنّ المعادلة العسكرية، وإن كانت معقدةً، يمكن أن تكتسب زخماً من خلال التحرك السياسي والعلاقات الدولية التي تزداد حساسيةً تجاه التصعيد الإسرائيلي غير المنضبط”.
أما طلاع، فيختم بقوله: “لدى الطرفين هواجس مشتركة. المضي قدماً، يتطلب ضبط التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية ضمن تفاهمات أمنية محدودة، لا تنعكس على اتفاق فك الاشتباك، ولا ترتبط بمسار تطبيع سياسي، فالأخير يحتاج إلى سياق مختلف كلياً، يتطلب توافقاً عربياً أوسع ورؤيةً إستراتيجيةً تتجاوز الإطار الثنائي للصراع العربي الإسرائيلي”، معتقداً أنّ ما سيُطرح على الطاولة ثلاثة ملفات رئيسية؛ التوغل الإسرائيلي واستحواذه على مناطق خارج نطاق اتفاق فك الاشتباك، والانتهاكات الجوية المتكررة للسيادة السورية، التي باتت تشكل نمطاً مستمراً من التصعيد، وملف السويداء وما يحمله من تعقيدات أمنية واجتماعية سورية ذات أبعاد إقليمية.
رصيف 22
——————————
“الدرع السكاني”.. خطة إسرائيل في سوريا/ عدنان علي
2025.09.03
برغم الاتصالات المتكررة بين ممثلي الحكومة السورية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي، بما فيها اللقاءات العلنية المباشرة على مستوى رفيع في باريس وغيرها، إلا أن الجانب الإسرائيلي يواصل اعتداءاته في الأراضي السورية، وتدخلاته في الشأن السوري، تحت ذرائع أمنية، أو بحجة حماية الدروز.
والواقع أن هذه التدخلات، التي تأتي على شكل توغلات شبه يومية وعمليات قصف، ووصلت حد القيام بإنزالات جوية قرب دمشق، هدفها الأبعد هو تكريس “حق” إسرائيل في استباحة الأراضي والسيادة السورية، والحصول على اعتراف رسمي من الحكومة السورية بهذا الحق، بحجة أن الحكومة في دمشق ضعيفة، أو ذات طابع “جهادي”، وعلى إسرائيل أن تتولى بنفسها حماية أمنها وأمن “حلفائها”، والمقصود بذلك هذه المرة الدروز الذين هم مكون سوري أصيل، ولا يمكن حشرهم جملة في هذه الزاوية، حتى مع بروز أصوات من داخل السويداء تتناغم مع الخطط الإسرائيلية، وفي مقدمتهم الشيخ حكمت الهجري المتمرد على الدولة السورية، والذي بات يكرر في تصريحاته الأخيرة أن فرص التفاوض والتفاهم مع دمشق باتت معدومة، وأن الخيار الوحيد المتاح أمام السويداء هو الانفصال عن سوريا، مدعياً أن الطائفة الدرزية في سوريا تريد استقلال “المنطقة الجنوبية”، وهو تعبير استخدمه رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي نتنياهو بقوله: “نريد منطقة منزوعة السلاح جنوبي سوريا، حتى السويداء”، ما يشير إلى أنه عملياً ينفذ المشروع الإسرائيلي في سوريا، ويطرح نفسه قائداً لهذا المشروع الذي يشمل أيضاً محافظتي درعا والقنيطرة وأجزاء من ريف دمشق.
وإذا كانت محافظة درعا تعيق مبدئياً هذا المخطط كونها تقع جغرافياً بين السويداء وحدود فلسطين المحتلة، فإن الأمر يبدو مختلفاً في محافظة القنيطرة المحاذية للجولان المحتل، والتي تتوغل فيها قوات الاحتلال بشكل شبه يومي، وأقامت هناك العديد من النقاط الثابتة، إضافة إلى احتلالها قمة جبل الشيخ. وتسعى حكومة الاحتلال دون ضجيج إعلامي إلى ضم العديد من القرى في القطاع الشمالي من المحافظة وصولاً إلى حدود لبنان، وتحديداً القرى الدرزية في تلك المنطقة، اعتباراً من بلدة حضر المقابلة لقرية مجدل شمس في الجولان المحتل، صعوداً إلى قرى عرنة وريمة وبقعسم وعيسم وقلعة جندل ورخلة، حيث باتت قوات الاحتلال تسرح وتمرح في هذه القرى يومياً، وتزودها بالمساعدات الإنسانية والطبية، بل إنها أقامت مركزاً طبياً ثابتاً في قرية حضر.
ووفق مصادر إسرائيلية، فإن القوة الإسرائيلية التي تتولى هذه المنطقة هي الكتيبة 299، التي تتبع للواء 300، ونحو ثلث أفرادها من الطائفة الدرزية في فلسطين المحتلة.
إذن، من الواضح أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يسعى من خلال تدخلاته في سوريا، وتوغلاته المتكررة في القنيطرة ودرعا وريف دمشق الغربي، إلى تشكيل “درع سكاني” موالٍ للاحتلال، قوامه إضافة إلى المتعاونين معه في محافظة السويداء، ومن يستطيع تجنيده في محافظة درعا، سكان البلدات الدرزية في القطاع الشمالي، والذين من المتوقع أن يعمد الاحتلال في وقت لاحق إلى تسليحهم وجعلهم رأس حربة لقواته في تلك المنطقة، في حين يجري التضييق على بقية السكان للنزوح من خلال المداهمات المستمرة والاعتقالات ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، ومحاولة تجنيد بعضهم للعمل مع الاحتلال، خاصة من يتم اعتقالهم لبعض الوقت.
وخلال مساعيها لبناء قاعدة سكانية موالية لها، تستخدم سلطات الاحتلال أساليب عدة منها إثارة مخاوف السكان، وتقديم مساعدات إنسانية، وافتعال حوادث أمنية في المنطقة سواء على أسس طائفية كامتداد لأحداث السويداء، أم بزعم وجود عناصر موالية لإيران وحزب الله تنشط في المنطقة، وسيوكل في وقت لاحق للسكان المحليين المدعومين من الاحتلال، مهمة التصدي لهم، في ظل غياب الدولة السورية. و”الممر الإنساني” الذي تسعى إسرائيل لانتزاع موافقة عليه من دمشق، بين الجولان والسويداء عبر القنيطرة، هو خطوة أخرى في هذا المخطط، أي تكريس وشرعنة التدخل الإسرائيلي في سوريا، على بند دعم مكون معين ضد حكومته الوطنية من جهة، وبند التطبيع الإجباري لهذه الحكومة مع دولة الاحتلال من جهة أخرى.
وفي المسار نفسه، تعمل قوات الاحتلال على رسم حدود المنطقة العازلة الجديدة التي تريد الاتفاق عليها مع حكومة دمشق على أنقاض اتفاقية فك الاشتباك لعام 74 التي تقول إنها لم تعد مناسبة وتريد تجاوزها. إنها تستبق المفاوضات لتثبيت وقائع على الأرض تفرضها على المفاوض السوري.
ومن هنا، فإن ما يقال عن إمكانية توقيع اتفاق أمني بين الجانبين في سبتمبر على هامش مشاركة الرئيس الشرع في اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، قد يكون مبالغاً فيه، وقد لا ينجح إلا تحت ضغط أميركي قوي على الجانبين، وهو اتفاق من غير الواضح إلى أي حد سوف يفرمل الخطط الإسرائيلية، وإلى أي حد أصلاً سوف تحترمه إسرائيل، التي ترى أن الحكم في سوريا اليوم ضعيف، ويحتاج بشدة لمساعدة خارجية، ويواجه مشكلات داخلية، وهذه تشكل فرصة قد لا تتكرر أمام إسرائيل لانتزاع منه ما يمكنها من تنازلات يكون لها أثر بعيد المدى تحت الذرائع الأمنية.
ومن هنا، فإن السؤال يبدو مشروعاً عما إذا كان لدى الحكومة في دمشق خطة “ب” للتعامل مع التحدي الإسرائيلي في حال وصلت المواجهة إلى صدام محتوم، مع ما يعني ذلك من تجهيز الأرض وإعداد القوات وتجهيز مراكز سرية للقيادة في دمشق ومحيطها، وحتى في حمص وإدلب إذا اضطرت القيادة لمغادرة دمشق.
ربما كان عزوف الحكومة في دمشق عن التدخل في هذه المناطق الحدودية وتركها لقمة سائغة للاحتلال من الأخطاء الكثيرة التي وقعت فيها، وكان تدخلها الأمني والسياسي والخدمي في وقت مبكر، أي منذ وصولها إلى السلطة، حتى لو كان مكلفاً بعض الشيء، سيثبت وجودها هناك، خاصة أنها تملك الشرعية الدولية التي تخولها بسط سيطرتها على المنطقة.
تلفزيون سوريا
——————————
مخاطر السقوط السوري في المبالغة/ نزار السهلي
2025.09.03
الذين يزعمون أنهم، بشكل أو بآخر، كانوا على معرفة بما يمكن أن يتمخض عنه سلوك السلطات السورية في التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية، التي دفعت بعيداً في خلخلة موقع الثقة بها بعد سقوط نظام الأسد، وأنهم على دراية بما يجري في أروقة السياسة الإقليمية والدولية، في اتباع نهج الحذر والتروي مع عدوان الاحتلال الإسرائيلي على سوريا، وإدارة الظهر لسلوكه، أو في طريقة تبرير الأحداث الدموية التي عصفت بالساحل والسويداء خلال الأشهر الماضية، هم إما واهمون أو مدّعون يحاولون خداع أنفسهم قبل خداع الآخرين.
وهذا القول، بكل أبعاده، ينطبق ليس على السلطة القائمة فقط، بل على الذين يدعمونها عربياً وإقليمياً ودولياً، إذ لم تصل توقعاتهم إلى ما تمخضت عنه حالة انتظار معالجة الملفات العالقة أمام السلطة الجديدة وفهم التحديات التي تواجهها.
وكي لا يكون الكلام ضبابياً وعائماً، نسارع إلى القول إن معظم التصورات والانطباعات التي استقرأت سلوك السلطات السورية الوليدة في معالجة ملف الاعتداءات والتجاوزات في الساحل السوري، وما تبعها من تطورات في السويداء، ثم ملف التعامل مع العدوان الإسرائيلي، كلها فرضت أسوأ النتائج على الأرض. وقد جاءت هذه التصورات أو الانطباعات انطلاقاً من الاعتقاد بإمكانية تقليص الخلاف عبر بيانات وتصريحات إعلامية، والتقليل من خطورة ما حدث. غير أن الظاهرة الأكثر دلالة كانت محاولات الاستقطاب الطائفي والمذهبي، وتجييش النزعة الانفصالية في السويداء بدعم إسرائيلي، لتقويض الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، باعتبار أن هذا الاستقرار يمثل نقطة التوازن الحاسمة لمواجهة التحديات المرتبطة بها.
جرى تبرير كل ذلك إلى أقل مدى ممكن، انطلاقاً من القول الذي شاع طويلاً منذ سقوط نظام الأسد، ومع لجوء الاحتلال إلى تدمير مقدرات سوريا العسكرية واحتلال قرى ومناطق جديدة، بأن النظام الجديد يرتكز على تصفير مشكلاته مع جوار سوريا. في الوقت ذاته، كانت مشكلاته الداخلية تتفاقم في التعاطي مع ملفات سياسية واجتماعية وأمنية من جهة أخرى، في غياب قراءة صحيحة لمسعى “الجوار” الإسرائيلي الأهم، والمتمثل بأطماعه في إغراق سوريا بمشكلات مفتعلة معه، والتكشير عن أطماعه المباشرة وغير المباشرة في تفتيت سوريا وضم أراضٍ منها.
عزز هذا التصورَ ما روّجته السلطة الجديدة في سوريا بدعم أميركي صامت عن العدوان، عبر تقديم مديح للسلطة لإخفاء موقف الاحتلال. وتم الترويج بأن هناك عملية سياسية واقتصادية قائمة وقادمة، لكنها مؤجلة ضمن الفترة الانتقالية. في المقابل، تُركت لإسرائيل مهام التحطيم المتدرج للمناطق في جنوبي سوريا، بينما أُدير الظهر لمشكلات حقيقية يواجهها نظام الرئيس أحمد الشرع. هذا الرأي بدا واضحاً في المبالغة، حيث إن ما تعرضت له السويداء والساحل، إضافة إلى تجاوزات أخرى جرى التقليل من شأنها، عكس ارتطام أوهام لدى من اعتقد أن البعد التنازعي مع النظام القائم والفعل الاعتراضي على سلوك السلطة قد انتهى بزوال النظام السابق.
وإذا كان هذا الرأي يرى في لعبة المبالغة في شيطنة السلطة، أو تصوير المعارضين لها على أنهم “شياطين” مع لعبة دعم الانفصال التي تسلح بها قلة قليلة، مجرد امتصاص للتراكمات، فإن ذلك يتجاهل أن المجتمع السوري، وطوال 13 عاماً، راكم خبرات وتجارب يصعب معها استهباله أو إبعاده عن مساره. هذا المسار تجلى في نضال السوريين بتثبيت قائمة طويلة من المطالب والحقوق، وتحولت مفرداتها إلى نبض له قيمة مستمرة، تتجلى بوادره وتُقطف ثماره مع إسقاط نظام الأسد.
لكن ما الذي جرى منذ أول حالة إخفاق في التعامل مع الملفات الداخلية الكثيرة، ومن ضمنها التعاطي مع العدوان الإسرائيلي المتواصل، وأحداث السويداء الدامية؟ هل كان في الأمر سوء تقدير بالغ الفداحة إلى هذه الدرجة؟ بحيث يمكن القول إن خللاً لا يمكن غفرانه قد حدث وأدى إلى هذا الحجم من سوء التقدير؟ فعلى صعيد “معارضة” الشيخ الهجري للسلطة في دمشق والتصعيد معها بدعم إسرائيلي مباشر وعلني، بدا الأمر كذلك. ولو أن المسألة تتعلق فقط بتقديرات خاطئة أو بتمنيات للتعامل مع ملف العلاقة مع “الأقليات”، فقد سقطت إيجابيته بسبب سوء التقدير في هوة السلبية المدمرة للذات، ولعدم الحسم في مسائل مثل العدالة والحرية والكرامة الوطنية والمحاسبة. هذه القضايا هي التي ترسخ صيغة التوازن المطلوب وتضعف الفوضى والارتباك، وتقضي على النظرة الضيقة للمواطنة السورية التي جرى تلبيسها أثواباً مهترئة ثم معايرتها بعيوبها.
أما وقد كانت التقييمات في أحسن أحوالها سلبية، دون أن تتمخض عن إيجابيات تقي من الدمار، فإن هذا الدمار وجد أصلاً بسبب تركة النظام الساقط وسوء التقدير المدمر بالتعويل على المحتل. هذا لن يحمي أي جزء من ثوابت السوريين في حريتهم وكرامتهم. كما أن السقوط في خطر المبالغة بالشيطنة العرقية والطائفية المتبادلة يعيد إسقاط السوريين جميعاً في هوة سحيقة خرجوا منها للتو، وكان ضحاياها ملايين السوريين بسبب مبالغتهم المتكررة في التعويل على مجتمع دولي كاذب، وعلى نظام استبدادي كان محمياً بوظيفته القمعية للمجتمع السوري.
قبل ختام الحديث عن مخاطر السقوط في المبالغة، سواء في طريقة إقصاء خصوم السلطة الجديدة، أو في مبالغة “الخصوم” بالاستخفاف بمجتمعاتهم ومصادرة رأيهم في مسائل تتعلق أولاً بمصير وطنهم، فإن محاولة استنطاق المسكوت عنه في علاقة السلطة مع التحديات الكثيرة دون هذه المبالغة، تبدو الطريق الأسلم لملامسة الواقع، بعيداً عن متاهة الانزلاق في توظيف هزيمة النظام الساقط للالتفاف على المطالب الكثيرة للسوريين، وهي مطالب لا تحتمل المبالغة السياسية والاجتماعية.
تلفزيون سوريا
————————–
تمهيدا لإحالتهم إلى القضاء.. إيقاف عدد من المتورطين بارتكاب انتهاكات في السويداء
2025.09.03
أكد المتحدث باسم لجنة التحقيق في أحداث السويداء، عمار عز الدين، اعتقال عدد من المشتبه فيهم بارتكاب انتهاكات خلال التوترات التي شهدتها المحافظة في شهر تموز الماضي، تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء.
وقال عز الدين في لقاء مع تلفزيون سوريا إن وزارة الداخلية ألقت القبض على العديد من المشبته فيهم بالاستناد إلى تسجيلات الفيديو التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن اللجنة التقت مع كثير من الأشخاص المشتبه بهم وعملت على استجوابهم، مضيفاً أنه جرى أيضاً اللقاء مع شخصيات على مستوى “عالٍ جداً” لمعرفة السياق القانوني وسردية الأحداث في السويداء.
وأضاف: “حصلنا على فيديوهات توثق الانتهاكات من جميع الأطراف، وزودنا وزارتي الداخلية والدفاع بصور المشتبه بهم، وتم القبض عليهم والتحقيق معهم تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء”.
كذلك أكد عز الدين أن لجنة التحقيق طالبت بمحاكمة المتورطين بالانتهاكات بشكل علني، وتعتزم عند انتهاء التحقيقات نشر قوائم بأسماء المشتبه بهم.
وأضاف أن الحكومة السورية جادة في محاسبة المتورطين بارتكاب الانتهاكات، مشيراً إلى أن وزير العدل، مظهر الويس، يتابع عمل اللجنة ويعمل على تذليل أي صعوبات تواجهها، كما أن قائد الأمن الداخلي في درعا، العميد شاهر عمران، أبدى استعداده لإلقاء القبض على أي شخص تشتبه اللجنة به.
التحقيق داخل مدينة السويداء
وبخصوص قدرة اللجنة على التحقيق في وقت لا يسمح لها بالدخول إلى مدينة السويداء، قال عز الدين إن اللجنة دخلت إلى مناطق معينة حدثت فيها انتهاكات مثل الريف الغربي، ورصدت جميع الانتهاكات التي وقعت هناك.
وأضاف أن التحقيق في مدينة السويداء ممكن دون الدخول إليها وذلك من خلال آلية معينة تتضمن وجود أناس متعاونين مع اللجنة، مشيراً إلى أنه تم اللقاء مع شهود من أبناء السويداء في جرمانا وأشرفية صحنايا، كما تم اللقاء مع شهود سريين في وزارة العدل وقدموا العديد من المعلومات حول الانتهاكات.
في سياق آخر، انتقد عز الدين تقرير منظمة العفو الدولية، قائلاً إنه “كان جيداً لكنه كان مجتزأً، وكنا نتمنى أن يكون شاملاً لجميع الانتهاكات أو أن تشير المنظمة إلى وجود انتهاكات من الأطراف الأخرى”.
وحذر عز الدين من أن “إصدار تقرير يشير إلى جهة واحدة فقط، يزيد من النيران بدلاً من التهدئة وتبريد المشاكل”، داعياً منظمات التحقيق الدولية ومنظمات المجتمع المدني إلى الوقوف على سوية واحدة من جميع الأطراف المشبه فيها، وعدم التحيز لطرف ضد آخر.
يشار إلى أن وزارة العدل أعلنت في 31 من تموز الماضي، تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث السويداء، بهدف الكشف عن الظروف والملابسات التي أدت إلى هذه الأحداث، والتحقيق في الاعتداءات والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، وإحالة من تثبت مشاركته فيها إلى القضاء.
————————–
لجنة التحقيق في أحداث السويداء: تقرير العفو الدولية مجتزأ ويظهر انتهاكات طرف واحد فقط
3 September 2025
انتقدت اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء تقرير منظمة “العفو الدولية” الذي وثّق إعدامات خارج نطاق القضاء بحق عشرات الأشخاص في المحافظة، واصفةً إياه بأنه “مجتزأ” و”ينافي المسؤولية القانونية والأخلاقية” لعدم تناوله انتهاكات جميع الأطراف.
وقال المتحدث الرسمي باسم اللجنة، عمار عز الدين، في تصريح لقناة “الإخبارية” السورية، إنه كان ينبغي على المنظمة أن تشير إلى الانتهاكات من كل الأطراف لضمان الموضوعية والعدالة في التقرير.
وشدد عز الدين على حياد اللجنة التي يمثلها، قائلًا: “نحن على مسافة واحدة من جميع مكونات الشعب السوري”، معربًا في الوقت ذاته عن “لمس جدية الدولة السورية في موضوع المحاسبة والمساءلة” للمتورطين في الأحداث.
وكشف عن اتفاق تم التوصل إليه مع وزير العدل بشأن صياغة رد قانوني على تقرير منظمة العفو الدولية، وذلك للرد على ما وصفه بالمزاعم المجتزأة الواردة فيه.
وفي سياق متصل، أشار عز الدين إلى اجتماع عقدته اللجنة مع وزير الدفاع في محافظة درعا، والذي أكد لهم، وفقًا للتصريحات، أن “أي شخص مشتبه بارتكابه انتهاكات سيتم القبض عليه خلال 24 ساعة”.
وكانت “منظمة العفو الدولية”، قالت أمس الثلاثاء، إنها وثقت أدلة جديدة تثبت تورط القوات الحكومية السورية والقوات التابعة لها في تنفيذ إعدامات ميدانية بحق أشخاص من الطائفة الدرزية في محافظة السويداء، خلال يومي 15 و16 تموز/يوليو الفائت، مطالبةً بمحاسبة المتورطين من عناصر الأمن والقوات العسكرية الحكومية والقوات الرديفة.
وأوضحت المنظمة، في تقرير، أن الأدلة تشمل “مقاطع فيديو جرى التحقق منها تظهر رجالًا مسلحين يرتدون بذلات أمنية وعسكرية، يحمل بعضها شارات رسمية، يعدمون رجالًا عُزَّلًا في منازل، وساحة عامة، ومدرسة، ومستشفى”.
وبحسب توثيقات المنظمة، أسفرت عمليات الإعدام عن مقتل 46 شخصًا من أبناء الطائفة الدرزية، بينهم امرأتان، في أماكن متعددة من المحافظة، بينها ساحة عامة، منازل سكنية، مدرسة، مستشفى، وقاعة احتفالات. وأشارت إلى أن عمليات القتل رافقها إطلاق شعارات طائفية وممارسات مهينة بحق رجال الدين الدروز، من بينها حلق شواربهم بالقوة.
وأضافت أن “الرجال المتورطين في تنفيذ عمليات الإعدام ارتدوا أنواعًا مختلفة من الملابس: الزي العسكري المموه أو البيج أو الزيتي، وملابس مدنية مع سترات ذات طابع عسكري، وزيًا أسود سادة يتسق مع ذلك الذي ترتديه قوات الأمن الرسمية، فيما حمل بعض هذه البذلات شارات (الأمن العام)”.
————————-
تعيين عميد جديد للأمن بالسويداء.. و”الدالاتي” يشغل السوريين
وزارة الداخلية السورية أعلنت تعيين الدالاتي قائداً للأمن الداخلي في ريف دمشق
الرياض- العربية.نت
03 سبتمبر ,2025
شغل اسم العميد أحمد الدالاتي، السوريين خلال الساعات الماضية، وسط تضارب الأنباء حول تعيينه في منصب جديد.
قبل أن تعلن وزارة الداخلية السورية في بيان، مساء أمس الثلاثاء، تعيين الدالاتي قائداً للأمن الداخلي في ريف دمشق، حسب ما أفادت وكالة “سانا”.
في حين عين العميد حسام الطحان قائداً للأمن الداخلي في محافظة السويداء جنوب سوريا، بدلاً من الدالاتي.
طريق دمشق السويداء
فيما اعتبر مصدر محلي رفيع المستوى في السويداء أن دمشق عيّنت الطحان مديراً جديداً للأمن الداخلي في المحافظة، بعد أن فتحت طريق دمشق-السويداء، في “رسالة من الحكومة بأنها تريد تحسين الوضع هناك”، وفق ما نقلت صحيفة “الشرق الأوسط”.
بالتزامن، رحب عدد من السوريين على مواقع التواصل بهذا التعيين الجديد، بينما رأى آخرون أن الدالاتي “دفع ثمن التوترات والمواجهات التي شهدتها السويداء”، وفق تعبيرهم.
وكانت وزارة الداخلية أعلنت، الأسبوع الماضي، تأمين طريق دمشق – السويداء، وإعادة فتحه أمام حركة النقل والتجارة، إثر توقفه جراء الأحداث الأمنية التي شهدتها المحافظة الواقعة جنوبي البلاد قبل أشهر.
يذكر أن السويداء كانت شهدت اشتباكات ومواجهات استمرت أسبوعاً في 13 يوليو الماضي بين مقاتلين دروز وعشائر بدوية، فتدخلت قوات الأمن الحكومية لوقف المواجهات بين الجانبين، بينما نزح نحو 200 ألف جراء النزاع، وفق تقديرات الأمم المتحدة.
لكن منذ 19 يوليو الماضي، تشهد المحافظة وقفاً لإطلاق النار عقب الاشتباكات الدامية.
فيما شدد الرئيس السوري، أحمد الشرع، قبل أسابيع على وحدة الأراضي السورية، مشيراً إلى أن “أطرافاً تستقوي بإسرائيل لكنها لن تتمكن من تحقيق أهدافها”، في إشارة إلى بعض الدعوات التي صدرت من قيادات درزية في السويداء من أجل الانفصال.
العربية
—————————–
==================
تحديث 02 أيلول 2025
——————————–
كل هذه الاستباحة الإسرائيلية…/ حسين عبد العزيز
02 سبتمبر 2025
ليس مهمّاً كثيراً الغوص في تفاصيل الغارات الإسرائيلية على سورية: أهي لتدمير أجهزة مراقبة وتنصّت كما حدث في الهجوم والإنزال الجوي قرب جبل المانع جنوب دمشق قبل أيام، أم جاءت لقصف تحرّكات مشبوهة لمن تسمّيهم إسرائيل “إرهابيين”، أم لأسباب عسكرية أخرى؟
كما لن تكون من اهتمامنا محاولة تفسير توقيت الهجمات العسكرية الإسرائيلية على سورية، أهي أداة ضغط سياسية بأدوات عسكرية من أجل إجبار الرئيس أحمد الشرع على تقديم تنازلات سياسية في ما يتعلق بمصير الجولان المحتل، أم هي متعلقة بما يعلنه قادة إسرائيل دائماً أنهم حماة للدروز؟ أم هي اختبار جاهزية النظام السوري الجديد، وقياس مدى استعداده للمواجهة أو التنازل كما ذهب بعضهم.
طبيعة المراكز العسكرية المستهدفة وتوقيت الهجمات مسألتان غير مهمّتين ومشوّشتان على صعيد محاولة الفهم، فسورية اليوم لا تمتلك مقدّرات عسكرية ذات أهمية، ما يجعله بلا طائل الحديث عن سقوط قاعدة هنا أو منظومة صواريخ هناك ذات دلالة وتأثير على موازين الصراع، كما أن لا أهمية لمسألة توقيت الاعتداءات الإسرائيلية على المستوى الاستراتيجي، ذلك أنها لم تتوقّف على سورية منذ سقوط نظام الأسد: ترتفع أحياناً وتنخفض أحياناً أخرى لاعتبارات أمنية ليس إلا.
أصبحت سورية ساحة مستباحة للغطرسة والعربدة الإسرائيليتين على غرار ما يحدث في غزّة ولبنان منذ سنوات طويلة، وهذه الاستباحة والتوغل البرّي في الجنوب هدفهما إيجاد واقع عسكري ـ أمني جديد يتعلق بسورية دولةً وبلداً، إي إخراجه من معادلة التهديد.
ما يهمّ هنا ماذا بعد؟ بمعنى، هل سيبقى رد الفعل السوري قاصراً على التنديد والاستنكار؟… صحيحٌ أن سورية لا تمتلك قدراتٍ عسكرية لردع الهجمات الإسرائيلية، وأن سلاحها الوحيد المتناول هو التنديد السياسي، إلا أن ثمّة معطيات يجب التوقف عندها. الأول، جديد الهجمات الإسرائيلية، إذ لأول مرة منذ سقوط نظام الأسد تقوم إسرائيل بعملية إنزال جوي على بعد نحو 35 كيلومتراً من دمشق في جبل المانع ومحيطه بمنطقة الكسوة جنوب العاصمة.
تفيد المعلومات السورية ومعلومات وسائل الإعلام العربية والدولية بأن عناصر من الجيش السوري اكتشفوا أجهزة تنصّت مموهة قرب الجبل قبل دقائق من الهجمات العسكرية الإسرائيلية التي استُتبعت بعملية إنزال جوي لمنع عناصر الجيش من الاستيلاء عليها.
يشير هذا الحدث إلى المرحلة المتقدّمة التي وصلت إليها إسرائيل في العمق السوري في سياق حرب تجسّس أحادية الجانب، غير أن المسألة لا تقتصر على ذلك، بل تشمل الموقف السوري، إذ لم يحدُث أي رد فعل عسكري، إذ إننا نفهم عدم امتلاك الجيش السوري أسلحة متطورة قادرة على ردع الطائرات والصواريخ الإسرائيلية، لكننا لا نستطيع فهم عدم مواجهة الجيش السوري عشرات الجنود الإسرائيليين على أرض قريبة من دمشق يمارسون فيها الاعتداء والقتل.
هذا هو السؤال الكبير الآن، وهو ما يقود إلى المعطى الثاني، المتعلق بسياسة المهادنة والنيات الحسنة التي يتبعها الرئيس أحمد الشرع تجاه إسرائيل، على أمل أن يغير نتنياهو من سياسته تجاه سورية. ولكن تجاربنا، نحن العرب، مع إسرائيل، سواء في فلسطين أو في لبنان، أو حتى في سورية نفسها، تؤكد ليس زيف هذه الرؤية فحسب، بل خطورتها وتأثيرها الاستراتيجي السلبي على سورية.
كان الإنزال الجوي الإسرائيلي فرصة مهمة للشرع لاستثمارها في توجيه ضربة للجنود الإسرائيليين، وإيصال رسالة إلى حكومة نتنياهو، غير أن الشرع أضاع فرصة ثمينة، وستُثبت المرحلة المقبلة أن النيات الحسنة ستدفع إسرائيل أكثر إلى الغطرسة في سورية. والدليل على ذلك أن الاعتداءات الإسرائيلية أخيراً، والإنزال الجوي، والتصريحات الإسرائيلية في الاستمرار بحماية الدروز، جاءت بعد أيام من لقاء جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في باريس تتويجاً لمسار تفاوضي غير مباشر بدأ بين دمشق ودولة الاحتلال منذ أشهر.
سياسة المهادنة لعدو سورية والأمة العربية والتشدّد في الداخل حيال المكونات الاجتماعية هي عملية قلب معكوس لمسار التعافي السوري.
العربي الجديد
———————
وليد جنبلاط ولعبة إسرائيل/ غازي العريضي
02 سبتمبر 2025
بعد لقائه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في غرفة “عمليات الطائفة” في قرية جوليس في الجليل الأعلى، أعلن شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل، الشيخ موفق طريف: “تقدّمت إلى نتنياهو بسبعة مطالب رئيسية، تتضمّن تثبيت وقف إطلاق النار في السويداء بشكل شامل ومستدام، وفتح ممرٍّ أمني آمن وبضمانات أميركية ودولية لتمرير المساعدات الإنسانية إلى محافظة السويداء ورفع الحصار عن المحافظة وتحرير المختطفين والمختطفات، بالإضافة إلى عودة السكان النازحين إلى القرى الدرزية المهجّرة وتعويض السكان والبلدات الدرزية في المحافظة على الأذى والضرر اللذين لحقا بهم وفتح تحقيق دولي أممي في الجرائم والأحداث”.
إذا عدنا إلى تصريحات الزعيم الوطني وليد جنبلاط بعد الهجمة التي حصلت على السويداء، وارتكبت خلالها مجزرة بحق أهلها من مشايخ ونساء وأطفال ومدنيين، وسقط عدد كبير من الشهداء، وثمّة مفقودون ومخطوفون لا يزال مصيرهم مجهولاً، بينهم نساء وفتيات، لوجدنا أنه تناول العناوين نفسها مع ملاحظاتٍ أبرزها: تأمين المعبر، بل الطريق إلى السويداء، مسؤولية الدولة السورية التي يجب أن تبادر إلى حوار جدّي مع كل الفرقاء، ومشاركة أبناء الطائفة مشاركة فاعلة في التركيبة السياسية مع شركائهم في الوطن، وإجراء مصالحة وطنية في الجوهر. إذا كنّا نتحدّث عن موقع الطائفة ودورها ومعالجة أسباب ما جرى بما يحفظ كرامة أبنائها فلا خلاف على المبادئ. وإذا كان ثمّة ملاحظات من هنا وهناك يمكن أيضاً معالجتها بعيداً عن منطق التخوين والشتائم وبالأساليب المعهودة لدى أبناء التوحيد في جبل لبنان أو في جبل العرب، وأينما حلّوا وهم الموصوفون بلياقتهم وانتقاء كلماتهم بعناية ودراية وتهذيب وقوة. ولغتهم هي لغة العقل، مرجعهم. وتصرّفهم يأتي نابعاً من الحكمة. لكن المرتكز الأساس الذي يجب أن نستند إليه وحدة سورية انطلاقاً من رفض مشاريع التفتيت والتقسيم. وهذا الموقف ليس مستجدّاً. خاض سلطان باشا الأطرش ثورته الوطنية، مصرّاً على وحدة الأرض والمؤسّسات، ولم تكن لديه أطماع ورفض إقامة دولة درزية، ثم رفض غيره في سورية، كما رفض كمال جنبلاط المشروع نفسه، واستمر وليد جنبلاط على المبدأ نفسه.
الظروف اليوم مصيرية وأصعب من كل الذي مرّ، وإسرائيل لا تخفي أهدافها وأبعادها في الاستيلاء على أراضٍ سورية ومصرية وأردنية ولبنانية، وأبعد من ذلك لإقامة دولتها الكبرى. هنا الخطورة التي يجب تداركها رغم الاندفاعة السريعة التي تميّز التقدّم الإسرائيلي في المنطقة والانهيار العربي الذي كتبت عنه منذ سنوات، وكان عنواناً لكتاب مفصّل حول ما يجري في المنطقة. يجب أن نتعلّم من تجربة إسرائيل التي تدّعي حماية الدروز بعد استهدافهم من البدو (أو العشائر)، وهي لديها عدد كبير من الفريقين، وهم موجودون في الجيش والدولة، وبالتالي ستكون معنيةً بحمايتهم أيضاً. تصبّ الزيت على النار للاقتتال في سورية، وتدّعي حمايتهم ورعاية حقوقهم. وفي إسرائيل تمارس عنصرية إلى حدود بعيدة مع الدروز، في إطار “الدولة اليهودية”، الذين اعترضوا على قوانينها وتمييزها العرقي، وتأكيدها تفوّق العرق اليهودي وممارسة الحرمان على الآخرين، وكانت أصوات بينها الشيخ طريف، في مرحلةٍ معينة، وغيره، معترضة، وعقدت لقاءات مع نتنياهو نفسه، ولم يتوصلوا إلى النتائج المرجوّة. وعندما تتم مناشدة الدول الراعية أو الضامنة كما تسمّى، ولا أحد يضمن أحداً في لعبة الأمم، حيث لا موقف موحّداً، إذ ثمة من يؤيد التركيبة السياسية من دول كبرى، في مقدمها أميركا، إلى دول إقليمية، وثمّة من يعتبر أنها حالة انتقالية، وعلى رأس هذا الفريق بشكل أساسي إسرائيل، وكل طرف يريد تحقيق مصالحه، ولا تبدو الحلول قريبة في سورية، ما يستوجب الوعي والانتباه إلى أن أي خطأ في التقدير أو التدبير ينعكس سلباً على أصحابه، وتحديداً في ما يخص واقع الدروز في سورية كلها.
المسألة ليست مسألة السويداء فقط. هي مسألة جرمانا وصحنايا وأبناء جبل السمّاق، وتجنّب الصراع المذهبي المفتوح وتداعياته على “الإخوان” في لبنان وفي كل مكان. والمسألة تعني كل المكوّنات السورية الكردية والعلوية والمسيحية والسنية، والدولة السورية مطالبة بمعالجة حكيمة عادلة لآثار ما جرى من الساحل إلى محيط دمشق، وصولاً إلى السويداء، ووضع حد للفوضى، أو تفلّت هذا الفصيل أو ذاك. هذا في مصلحة الدولة وكل أبنائها. أي تأخير في تحمّل المسؤولية في هذا الاتجاه، وفي اتخاذ الإجراءات العملية الصارمة، سيرتدّ سلباً على الجميع. وإذا كانت إسرائيل تتوسّع وتعتدي، وتريد فرض شروطها في المناطق العازلة المنزوعة السلاح والاحتفاظ لنفسها بحرّية الحركة في الجنوب، واستخدام الساحة السورية لتصفية حساباتٍ مع دول أخرى، وتنافس بعض هذه الدول على أدوار أو مواقع نفوذ في سورية، فيجب أكثر فأكثر التنبّه إلى عدم الانزلاق والغرق في لعبة الأمم، والمبادرة إلى إعلان الانفصال والاستقلال، والرهان على دعم “الرعاة” والضامنين، وقد خبرنا هذه اللعبة جيداً في لبنان، وكانت نتائجها كارثية.
خاض وليد جنبلاط غمار الحرب لاعباً شهد له الجميع، بل حُسدت طائفة الموحدين الدروز على وجوده وقيادته وحماية الطائفة من أي انقسام يتجاوز حدود حرّية التعبير السياسي والتمايز، وحفظ وجودها بكرامة وبدور سياسي مميّز في البلاد، يتجاوز عقدة الشعور بالانتماء إلى أقلية. الظروف في كل الإقليم صعبة، ونحن على مفترق مصيري، سيكون فيه تغيير دراماتيكي كبير، أكثر من يحذّر من مخاطره وليد جنبلاط، وليس دوره، ولن يكون إلا في إطار حماية الثوابت المعروفية التي تحمي الموحّدين الدروز وتاريخهم، وبدعوتهم إلى تجنّب الدخول في متاهاتٍ قد تطيح كل دولنا وتلغي أدوار كثيرين فيها.
العربي الجديد
———————–
مصطفى البكور: فتح طريق دمشق يساهم في عودة الخدمات والاستقرار إلى السويداء
2025.09.02
أكد محافظ السويداء “مصطفى البكور” أن إعادة فتح طريق دمشق ـ السويداء يسهم في تعزيز الاستقرار بالمنطقة ويعكس قدرة الدولة على حماية المحافظة.
وأوضح في حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا أن فتح الطريق يسرّع وصول المواد الغذائية والمحروقات والخدمات الأساسية، ويؤمن حركة تنقل آمنة ومنتظمة للأهالي.
وأضاف أن الطريق يشكّل قاعدة لمشاريع تنموية مستقبلية، ويسهّل تأهيل البنى التحتية من كهرباء ومياه واتصالات، ويدعم حركة التجارة والاستثمار، فيما اعتبر دخول قوافل المساعدات خطوة عملية لتلبية الاحتياجات الأساسية من غذاء ومحروقات وخدمات بسرعة وأمان.
وأشار البكور إلى أن فتح الطريق يختصر الزمن اللازم لإيصال الخدمات والمشاريع، ويعزز ارتباط المحافظة بمراكز القرار، ويوفر بيئة آمنة للاستثمار والعمل، ما يساهم في استقرار دائم وحركة تجارية نشطة.
إعادة افتتاح الطريق
وأعلنت وزارة الداخلية السورية الأربعاء الماضي استكمال الإجراءات لتأمين الطريق بين دمشق والسويداء تمهيداً لفتحه أمام حركة النقل والتجارة، مؤكدة التزامها بتلبية احتياجات الأهالي وضمان حرية تنقلهم.
ويعد الطريق محوراً استراتيجياً لربطه السويداء بالعاصمة ومرور البضائع والمواد الغذائية والوقود، إضافة إلى كونه منفذاً لوصول المساعدات الإنسانية التي كانت تعتمد على معبري “بصرى الشام” و”بصر الحرير” بدرعا.
وفي 28 من آب الماضي، دخلت أول قافلة مساعدات أممية من دمشق إلى السويداء، مكوّنة من نحو 30 شاحنة تحمل طحيناً ومستلزمات إغاثية وصحية، تبعتها شحنة ثانية صباح الأحد.
لكن مصادر خاصة لموقع تلفزيون سوريا كشفت أن جهود الوسيط الأميركي لفتح الطريق تواجه عقبات أبرزها رفض بعض القيادات المحلية التعاون، ما يعكس تعقيدات سياسية موازية للتحديات الأمنية.
شركات الشحن وضغط الفصائل
ورغم إعادة فتح الطريق وانتشار قوى الأمن الداخلي وتثبيت نقاط جديدة لتأمينه، لم يشهد الطريق حركة مسافرين، واقتصر العبور على شحنات المساعدات.
وأكدت مصادر من السويداء أن شركات النقل كانت مستعدة لتسيير رحلات، لكن إنذاراً من الفصائل المسلحة منعها من نقل المدنيين بحجة تجنّب حوادث الخطف أو التوترات، خصوصاً في منطقة المطلة ذات الغالبية البدوية.
وأوضحت المصادر أن الشركات تخشى إعاقتها أو تعرض المسافرين لأي خطر، بعد تعميم الفصائل قراراً يمنع السفر إلا في الحالات الإنسانية، خاصة لمرضى السرطان والكلى.
وبيّنت أن أكثر من 30 مريض سرطان و20 مريض كلى نُقلوا إلى مستشفيات دمشق بمساعدة فرق الهلال الأحمر والمنظمات الإنسانية العاملة في السويداء.
—————————–
==================
تحديث 01 أيلول 2025
———————————
الحدود المشتعلة والداخل الهش: معضلة دمشق في مواجهة ضغوط تل أبيب
التطبيع الأمني مع تل أبيب خيار الضرورة أكثر من كونه خيارا إستراتيجيّا.
الاثنين 2025/09/01
هامش مناورة ضيّق
في ظل تصاعد الضغوط الإسرائيلية والأميركية، ومع استمرار الاحتلال في الجنوب السوري، تجد دمشق نفسها محاصرة بين تحديات أمنية خارجية وانقسامات داخلية عميقة. وبينما تُستأنف المحادثات الثلاثية لأول مرة منذ عقود، تبدو خيارات الحكومة السورية محدودة، في وقت يُهدد فيه أي انفتاح على تل أبيب بتفجير الداخل الهش.
واشنطن – رغم أن احتمالات التطبيع الكامل بين دمشق وتل أبيب لا تبدو وشيكة في المدى المنظور، فإن المؤشرات المتصاعدة خلال الأسابيع الأخيرة تكشف عن تغير لافت في قواعد الاشتباك الدبلوماسي بين الجانبين.
ومثّل الإعلان الرسمي عن عقد اجتماع ثلاثي بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين وأميركيين بباريس في 19 أغسطس الماضي أول اعتراف علني من دمشق بمثل هذا النوع من الاتصالات منذ أكثر من 25 عامًا، ما يطرح تساؤلات حول دوافع دمشق للانخراط في هذه المحادثات الحساسة في هذا التوقيت الدقيق.
ويرى الباحث ألكسندر لانجلويس في تقرير نشرته مجلة “ناشيونال أنتريست” أنه بين حدود ملتهبة في الجنوب السوري، وضغوط اقتصادية خانقة، وانقسام داخلي عميق، تبدو الحكومة السورية عالقة بين مطرقة الاحتلال الإسرائيلي المتجدد وسندان المطالب الشعبية الرافضة لأي تقارب مع إسرائيل.
وغيّر الواقع الجديد الذي فُرض على الأرض منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 المعادلة الأمنية والجيوسياسية في جنوب سوريا. إذ لم تتردد إسرائيل في استغلال هذا الانهيار لشنّ هجمات متكررة على مواقع للجيش السوري وتوسيع نفوذها في محافظة القنيطرة، مدعية أنها تسعى إلى منع تهديدات محتملة من جماعات مسلحة قرب حدودها.
دمشق لا تتفاوض من موقع قوة؛ بل تحت ضغط الضرورة؛ فهي في حاجة إلى اعتراف دولي يساهم في إعادة الإعمار
وشكّلت هذه الخطوة، التي رُوّج لها كإجراء وقائي، في نظر السوريين احتلالا سافرا وجعلت الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع في موقف لا تُحسد عليه، خاصة في ظل عجزها عن الرد عسكريا أو حتى سياسيا بفاعلية.
ودفع هذا السياق المعقّد دمشق إلى الدخول في مسار تفاوضي برعاية أميركية، بدأ سريًا في باريس وباكو خلال الصيف، لينتقل مؤخرًا إلى مرحلة العلن.
وتحدثت مصادر إسرائيلية عن “تقدّم كبير” في المحادثات حول اتفاق أمني محتمل، في حين حرصت دمشق على نفي وجود اتفاق وشيك، مكتفية بالقول إن المحادثات متقدمة.
ولم يخف الشرع نفسه تفضيله لتفاهمات جزئية تتماشى مع اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، ما يعكس رغبة سورية في العودة إلى نوع من “الوضع الراهن” الذي يضمن الحد الأدنى من التهدئة، دون الذهاب إلى تطبيع كامل على غرار اتفاقيات أبراهام.
وبينما تسعى واشنطن إلى جرّ دمشق إلى هذا المسار ضمن مشروع إعادة تشكيل الإقليم بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها، يبدو أن دمشق تحاول كسب الوقت وتخفيف الضغوط أكثر من سعيها لعقد اتفاق دائم. لكن المعضلة الأكبر التي تواجه صانع القرار في دمشق لا تتمثل في الضغوط الإسرائيلية أو الأميركية فحسب، بل في الداخل السوري نفسه.
وتفتقر الحكومة السورية إلى السيطرة الكاملة على الأرض، وتعاني من تصدعات سياسية، في ظل وجود قوى مسلحة محلية ذات طابع طائفي أو أيديولوجي لا تخفي رفضها لأي شكل من أشكال التفاهم مع إسرائيل.
أي اتفاق مع إسرائيل، حتى لو اقتصر على الترتيبات الأمنية، قد يستخدم ضد الحكومة في الداخل ويقوّض شرعيتها
وقد تفسر أي خطوة في هذا الاتجاه من قبل تلك القوى على أنها خيانة، وقد تفتح الباب أمام تصعيد داخلي، بل وحتى تمرد أو انقلاب. ويضاعف هذا الخطر صعوبة اتخاذ قرار سياسي حاسم، ويجعل من أي تقارب مع إسرائيل مخاطرة سياسية كبرى قد لا تحتملها المرحلة الراهنة.
ومن جهة أخرى لا تخفي إسرائيل رغبتها في فرض “وقائع ميدانية” تسبق أي تفاوض، سواء عبر توسيع نطاق سيطرتها في الجنوب السوري، أو من خلال ترسيخ نموذج “المناطق العازلة” الذي بات جزءًا من عقيدتها الأمنية بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023.
وتجعل هذه المقاربة من الحديث عن انسحاب إسرائيلي من الجولان أو المناطق التي احتُلت مؤخرا أمرا بعيد المنال، خاصة في ظل غياب أي ضغط دولي حقيقي.
أما الولايات المتحدة، وخصوصًا إدارة الرئيس دونالد ترامب، فتسعى إلى تحقيق اختراق جديد في ملف التطبيع العربي مع إسرائيل، لإعادة الزخم لاتفاقيات أبراهام، وتمكين ترامب من تقديم إنجاز دبلوماسي يُضاف إلى سجلّه الانتخابي، وربما يقرّبه من حلم نيل جائزة نوبل الذي لطالما راوده.
وفي هذه البيئة الإقليمية والدولية المضطربة، يصبح من الواضح أن دمشق لا تتفاوض من موقع قوة، بل تحت ضغط الضرورة؛ فهي في حاجة ماسّة إلى تخفيف العقوبات، والحصول على اعتراف دولي يساهم في إعادة إعمار البلاد، وتثبيت سلطتها داخليًا.
ومع ذلك، فإن هشاشة الوضع الداخلي والخوف من ردود الفعل الشعبية والفصائلية يفرضان على القيادة السورية هامشا ضيقا للمناورة. وقد يستخدم أي اتفاق مع إسرائيل، حتى لو اقتصر على الترتيبات الأمنية، ضدها في الداخل ويقوّض شرعيتها.
الحكومة السورية عالقة بين مطرقة الاحتلال الإسرائيلي المتجدد وسندان المطالب الشعبية الرافضة لأي تقارب مع إسرائيل
وفي ظل التعقيدات المتراكمة على المستويين الداخلي والخارجي، لا يبدو أن سوريا ستتجه في المدى القريب نحو تطبيع شامل مع إسرائيل، بل إن أقصى ما يمكن تصوره في المرحلة الحالية هو نوع من التفاهمات الأمنية أو ما يمكن تسميته بـ”التطبيع الجزئي” الذي يبقى في إطار غير معلن ولا يرتقي إلى مستوى العلاقات الرسمية الكاملة.
وقد يشكل هذا النمط من التعامل مخرجا مرحليا للضغط الإسرائيلي والأميركي، ويسمح لدمشق بالحفاظ على تماسكها النسبي دون تقديم تنازلات سياسية علنية تهدد شرعيتها.
وقد تتركز التفاهمات التي قد تنشأ بين الجانبين على قضايا تتعلق بالتهدئة على الجبهة الجنوبية، والتقليل من الاحتكاك العسكري، وربما الوصول إلى صيغ غير مباشرة لضبط التحركات الإيرانية والفصائل المسلحة في مناطق قريبة من الجولان المحتل.
وقد تؤسس هذه التفاهمات، رغم طابعها التقني، لشبكة من المصالح الأمنية التي تستفيد منها إسرائيل لضمان عمقها الإستراتيجي، وتستفيد منها دمشق لتقليل الضربات الإسرائيلية وتجنب تفاقم الأوضاع العسكرية في وقت لا تملك فيه الأدوات الكافية للرد أو الردع.
لكن هذا النوع من التفاهمات لا يخلو من المخاطر، إذ قد يتحول بمرور الوقت إلى أداة ابتزاز سياسي، خصوصًا إذا اقترن بتخفيف مشروط للعقوبات الأميركية أو وعود بالمساعدة على إعادة الإعمار.
وفي ظل هذا السياق المعقد يصبح التطبيع الأمني خيار الضرورة بالنسبة إلى دمشق أكثر من كونه خيارا إستراتيجيا. وهو محاولة لتفادي الأسوأ، لا لبناء الأفضل. لكنه في الوقت ذاته يحمل خطر الانزلاق نحو نموذج من التبعية الأمنية، لا يمكن التحكم في مآلاته، خصوصًا إذا ترافق مع استمرار الانقسام الداخلي وانعدام رؤية سياسية واضحة لمستقبل العلاقة مع إسرائيل.
الأخبار
————————————
طريق دمشق – السويداء بلا مسافرين رغم إعادة افتتاحه و”تأمينه“
2025.09.01
بعد مرور أيام على إعادة فتح طريق دمشق السويداء، لم يشهد الطريق حركة للمسافرين من دمشق إلى السويداء وبالعكس، رغم إعلان تأمينه وانتشار قوى الأمن الداخلي على طول الطريق، عبر نشر الحواجز وتثبيت نقاط أمنية جديدة في القرى المطلة عليه، خصوصاً تلك التي تضم مقاتلين من العشائر، منعاً لوقوع حوادث الخطف.
ويوم الأربعاء الماضي، أعلنت وزارة الداخلية السورية استكمال الخطوات لتأمين الطريق الواصل بين دمشق والسويداء، تمهيداً لفتحه أمام حركة النقل والتجارة، مؤكدة التزامها الثابت بتلبية احتياجات الأهالي وضمان حرية تنقلهم وتجاوز آثار الأزمة.
ويشكّل طريق دمشق السويداء شرياناً رئيسياً لأبناء محافظة السويداء، بعد أن كانت الحركة تقتصر على الطرق الإنسانية من معبري “بصرى الشام” و”بصر الحرير”، وهي طرق شهدت قبل إغلاق المعابر توترات أمنية متكررة.
طريق بلا مسافرين
أكدت مصادر متقاطعة من محافظة السويداء، وشركات نقل المسافرين، لموقع تلفزيون سوريا، أنها تلقت إنذاراً من الفصائل المسلحة في السويداء، بعدم نقل المسافرين من وإلى دمشق، تحت ذريعة عدم تكرار حالات الخطف أو تجدد التوترات خاصة في منطقة المطلة التي يقطنها غالبية من البدو.
وأبدت شركات النقل استعدادها لنقل المسافرين، لكنها تتخوف من إعادتها إلى دمشق، أو من أي خطر قد يصيب المسافرين فتتحمل الشركات المسؤولية، بعد إصدار الفصائل في السويداء تعميماً يمنع حركة السفر.
وفي ظل الأوضاع الإنسانية التي تزداد سوء بعد مرور حوالي الشهرين على الأحداث الدامية في السويداء، قالت المصادر، إن حركة السفر على طريق دمشق السويداء مصرح بها فقط للحالات الإنسانية، خاصة لمرضى السرطان والكلى، إذ جرى نقل أكثر من 30 مريض سرطان و20 مريض كلى إلى مستشفيات العاصمة دمشق، بمساعدة فرق الهلال الأحمر السوري والمنظمات الإنسانية التي تعمل في السويداء.
عمر المالكي المسؤول الإعلامي في الهلال الأحمر السوري، أكد لموقع تلفزيون سوريا، أن إعادة افتتاح طريق دمشق السويداء، سهَل الحركة أمام نقل الإمدادات من قبل المنظمات العاملة في المجال الإنساني والمرضى إلى مستشفيات دمشق.
وما تزال هناك الجهود إنسانية مستمرة من قبل الهلال الأحمر السوري بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر في نقل المرضى إلى دمشق، وضمان إيصال الإمدادات الإنسانية للنازحين داخلياً في محافظة السويداء، وتضمنت قافلة المساعدات التي دخلت، الأحد، مواد طبية وإغاثية، إضافة إلى الخضار والفواكه، بحسب الهلال الأحمر السوري.
لكن الحركة الطبيعية للمدنيين على طريق دمشق السويداء ما تزال معلقة، كما لم يشهد الطريق توترات أمنية حتى كتابة هذا التقرير.
——————
توغل إسرائيلي في القنيطرة واشتباكات شرقي سورية/ عدنان علي
01 سبتمبر 2025
توغلت قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الاثنين، في تل كروم، بريف القنيطرة، جنوبي سورية. وذكرت شبكات محلية أن التوغل رافقته انفجارات، وإطلاق قنابل مضيئة في سماء البلدة الواقعة غربي بلدة جبا، في ريف القنيطرة الأوسط، إضافة إلى تحليق طائرات استطلاع إسرائيلية في أجواء المنطقة. وكانت قوة إسرائيلية توغلت السبت الماضي، في قرية البيضة بريف القنيطرة الشمالي، بعد توغلها ليل الجمعة، في بلدة العشة في الريف الجنوبي، جنوبي سورية.
في غضون ذلك، نفى مصدر أمني في محافظة السويداء لـ”الإخبارية السورية”، وقوع اشتباكات أو هجمات استهدفت قوات الأمن الداخلي بريف المحافظة الغربي. وجاء ذلك رداً على ما ذكرته شبكات محلية في محافظة السويداء، عن إحباط محاولة تسلل لمجموعة مسلحة حاولت التقدم من محور المزرعة الذي تتمركز فيه قوات الحكومة والمجموعات الموالية لها، باتجاه بلدة المجدل في ريف السويداء الغربي، ما أدى لاندلاع اشتباكات متقطعة.
ووفق شبكة “السويداء 24″، فإن المجموعة التي حاولت التسلل وخرق الهدنة، انفجر فيها لغم أرضي، قامت بعدها قوات الحكومة باستهداف بلدة المجدل بالرشاشات الثقيلة من عدة محاور، وردّت الفصائل المحلية في السويداء على مصادر النيران، وفق الشبكة.
وفي شرق البلاد، أحبطت وحدات الجيش السوري المنتشرة في ريف حلب الشرقي، محاولة تسلل لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على محور تل ماعز قرب مدينة دير حافر، وأوقعت مجموعة من عناصرها بكمين. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية “سانا” عن مصدر عسكري، ليل الأحد، قوله إن مجموعة من عناصر “قسد” حاولت التسلل نحو نقاط الجيش في قرية تل ماعز، إلا أنه جرى إيقاعهم بكمين محكم، مشيراً إلى أن عناصر “قسد” المتمركزين في قرية أم تينة ومدينة دير حافر استهدفوا نقاط الجيش في تل ماعز، في محاولة لسحب العناصر الذين وقعوا في الكمين.
ووفق المصدر، فإن الاشتباك الأوّلي كان بالأسلحة الخفيفة، ومع استمرار القصف من جهة عناصر “قسد”، تم الرد على مصادر النيران بالأسلحة الثقيلة، واستقدام مجموعات مؤازرة إلى نقاط الجيش في تل ماعز، غير أن المركز الإعلامي التابع لـ”قسد” نفى وقوع اشتباكات مع الجيش السوري في قرية تل ماعز، واصفاً ما تم تداوله بهذا الخصوص بأنه “مزاعم مختلفة” و”تضليل إعلامي”.
المركز العربي
ووفق بيان المركز، فإن “قسد” لم تنفذ أي هجوم، ولم تدخل في أي اشتباك خلال الأيام الماضية، معتبراً أن ما جرى “لا يعدو كونه مشكلات داخلية متكررة على النفوذ بين بعض الفصائل التابعة للحكومة السورية، جرى تضخيمها وتحويرها إعلامياً لتصويرها على أنها اشتباكات مع قواتنا”.
ومن جهة أخرى، أعلنت “قسد” أن عناصرها تمكنوا مساء أمس من إحباط هجوم انتحاري نفّذته “خلية إرهابية يُشتبه بانتمائها لتنظيم داعش، استهدف إحدى نقاطنا العسكرية في الريف الشمالي لمدينة الرقة”. وقال بيان لـ”قسد” إنه خلال الاشتباك المباشر مع المهاجمين، أُصيب أحدهم، وأقدم على تفجير نفسه بواسطة حزام ناسف كان يرتديه، فيما تم قتل المهاجم الثاني خلال الاشتباك الذي أسفر أيضاً عن إصابة ثلاثة من مقاتلي “قسد”.
وفي محافظة درعا، أصيب منيف القداح (الزعيم) من جراء استهدافه بالرصاص من مسلحين في حي شمال الخط بدرعا المحطة. وذكر “تجمع أحرار حوران” أن القداح ينحدر من مدينة الحراك، وهو عضو لجنة العلاقات العامة في مجلس محافظة درعا، وأحد أبرز منسقي حملة “أبشري حوران” التي تنتهي اليوم.
العربي الجديد
—————————
======================



