اصدمنا يا سيادة الرئيس!/ شادي العمر

2025.09.02
في المرحلة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد وهروبه، لم يكن الحب الذي عبّر عنه السوريون، معظمهم، للرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، مرتبطاً بالصدفة قدر ارتباطه بالصدمة. الصدمة من أننا استيقظنا لأول مرة ومنذ عقود، لنجد أنه لا طاغية على رأس الدولة، ولا صواريخ تقصف أهلنا، ولا أجهزة أمنية تقرر حياتنا اليومية، كانت حالة أقرب إلى فراغ وجودي حين وصلنا فجأة إلى الصفحة الأخيرة من رواية استمرت أربعة عشر عاماً ونحن نظن أنها بلا نهاية.
في تلك اللحظة المدهشة، والتي اختلطت فيها المشاعر من الارتباك والفرح، والخوف والأمل، ظهر أحمد الشرع الذي لم يتوقعه أحد ليكون صاحب البرنامج الأفضل للبلاد، أو أن يكون المرشح الذي تتوافق عليه النخب، لكنه كان الصوت الأكثر تطابقاً مع فرادة تلك اللحظة وصخبها، قائد عسكري شاب يخرج من رحم الصراع لا من صالونات الحوار، استطاع أن يستثمر فن التوقيت السياسي في أكثر الظروف غير القابلة للتنبؤ، وكأن ظهوره امتداد طبيعي للصدمة السورية نفسها، فما عاد بالإمكان الفصل بينهما. ولأنه ليس ثمة وقت كاف لتُصنع الشعبية من عوامل عقلانية، كانت العاطفة سيدة الموقف، ولم يكن في ذلك بأس حينها.
ارتبط الحب الكبير للقائد الجديد بآمال السوريين الكبيرة وحاجتهم الماسة لقائد يضمن لهم وحدة البلاد وأمنها خلال فترة العبور، وهذا هو المعنى الأصلي لكلمة “الزعيم” في اللغة العربية، أي الضامن لتحقق طموحاتهم وأحلامهم، ومع أنها لم تتحقق بعد، لكنهم كانوا واثقين أن المسألة مسألة وقت سيمضي سريعاً، وها قد بدأ العدّ التنازلي لمضيّه! لكن أحداثاً كثيرة، متفاوتة في الشدة والحجم، بدأت تعطل هذا العد النازل، فتبطئ منه، أو توقفه، أو تغير اتجاهه نحو الصعود أحياناً.
واليوم وبعد مضي أكثر من سبعة أشهر على إدارة السلطة الانتقالية للبلاد، بدأ وهج الصدمة الإيجابي يتلاشى مع ظهور مقدمات حالة ركود سياسي واقتصادي واجتماعي، وهذا أخطر ما يمكن أن يواجه القيادة السورية اليوم، واتهامها بالانزلاق مكرهة إلى إعادة إنتاج الوضع السابق بكل ما فيه، لكن باستثناء شخوصه القدامى.
أسهم القبول والدعم الدوليين بازدياد شعبية الرئيس، لكن رغم أهميتهما لدى القيادة السورية الحالية فإن هذه الأهمية مرتبطة لدى الشعب بتأثيرها الإيجابي على الشأن الداخلي، بهذا المعنى بات الموافقون على سلام سوري إسرائيلي أغلبية، إذ يعي الجميع أنه شرط تفرضه بعض الجهات، ومفروض على جهات دولية أخرى، لتحافظ القيادة السورية على الدعم الخارجي. وربما تكشف الأحداث التي مضت مؤخراً في السويداء أن تحقق هذا السلام، وبأدنى شروط حفظ ماء الوجه، لا يتوقف على مجرد الرغبة والإرادة، بل وعلى نشاط دبلوماسي خارجي غير مسبوق، تقوده لجان عمل وتفاوض مسلحة بأعلى المهارات والقدرات السياسية والدبلوماسية والقانونية والعسكرية، وهذا ما يعتقده سوريون كثر أمراً غير متحقق في ظل ضعف الموارد البشرية، ليس في السياسة الخارجية فحسب، بل في جميع القطاعات.
السوريون اليوم محبطون ومتشائمون في ظل التهديدات التي ظنوا في السابق أنها زالت، ومن المؤسف القول إنها تهديدات واسعة الطيف، لا تمس وحدة البلاد والأمان الاقتصادي وتقييد الحريات والتهديد الخارجي فحسب، بل تهدد الأمان الفردي والسلم المجتمعي وحقوق المساواة في المواطنة، وتنذر بالحرب الأهلية والصراع الطائفي والإرهاب، وفي الحقية لم تعد هذه مجرد مخاطر محتملة، بل لقد وقعت ولكن بحدود ضيقة نسبياً يمكن أن تتوسع كثيراً.
إزاء هذه التهديدات.. ما زال داعمو القيادة الجديدة منقسمين إلى فئتين، الأولى ذات المنحى الشعبوي، والتي بنت موقفها على العواطف، والثانية اتخذت موقفاً داعماً بقوة أيضاً، لكنه مشروط بتحقق مصلحة البلاد، أي الحفاظ على وحدتها، وأرواح أهلها، وحرياتهم الدينية، وأرزاقهم، وحقوقهم السياسية والمدنية. وغني عن القول إن من دعموا الرئيس وفريقه حباً وعاطفة، ومهما بلغت نسبتهم، ليسوا أهم ممن تجاوزا الموقف العاطفي ودعموه لأجل المصلحة، إذ حتى الحب مرتبط بالمصلحة ومهدد بتهديدها.
وعلى هذا الحال، السوريون اليوم بحاجة لصدمة جديدة حتى لو كانت مصنوعة، إذا اعتبرنا أن السابقة كانت مفاجئة وغير متوقعة، فاصدمنا يا سيادة الرئيس ثانية، إذ لا وقت لخطط إصلاح تقليدية، بل قرارات تخرق جدار التململ وتجدد الرابط العاطفي المنحاز، والعقلي المصلحي، بينك وبيننا، واحرص أن لا تكون الصدمة عشوائية كحرصك أن لا تكون متوقعة، وأن لا تكون ارتجالية، بل مدروسة ومحكمة.
اصدمنا ولنستيقظ في صباح يوم قريب وقد غيّرت الحكومة وأخذت بكل الملاحظات المحقة التي قلناها حولها، فاصرف من الوزراء من ما زال حائراً في فهم مهمة وزارته ودورها، واصرف وحاسب من أخطأ أو قصر أو تجاوز، ولا تعطي الوزارات الشاغرة للمقربين منك، فكلنا مقربون إذا قررت اتخاذ المواطنة مبدأ بديلاً عن الولاء، والاستحقاق المهني بديلاً عن الاستحقاق الثوري.
اصدمنا يا سيادة الرئيس ومُر بإلغاء كل اعتقال تعسفي، وإلغاء ألقاب الموظفين الأمنيين، إذ كيف ما زلنا إلى اليوم نتعرف عليهم بكناهم (الشيخ.. الأمير.. أبو معاذ.. أبو موسى) ولا نعرفهم بأسمائهم وقد عرفنا أن القائد “أبو محمد الجولاني” هو السيد أحمد الشرع.
اصدمنا يا سيادة الرئيس بأن نرى تحقيق العدالة والتزام القانون أقوى وأجلى من مظاهر غيابهما، وبالإعلان الشفاف عن تنفيذ الأحكام القضائية ضد كل مخالف.
اصدمنا ومُر بتجريم العبارات الطائفية والتمييزية بجميع أشكالها، وبالاستناد إلى البيان الدستوري المؤقت نفسه، أو بتعديله وهذا أفضل، وبتجريم كل عبارة تهدد سلمنا وعيشنا المشترك: “بنو أمية”، “من يحرر يقرر”، “وين كنت من 14 سنة”!
اصدمنا بزيادة كوادر مؤسسة الأمن العام، والعناية باختيار أفرادها، وبتواجدها في كل مكان، وبسهولة الاتصال بها واللجوء إليها، كي لا يضام أفراد الشعب أو يُعتدى عليهم أمام مجلسهم، ولا في أي شارع ضيق أو منطقة نائية.
اصدمنا بخطاب يؤكد أنك رئيس كل السوريين والضامن لحياتهم ورفاههم، والضامن لاستقلال القضاء عن السلطة، واستقلال التعليم، والإعلام. وهذا الأخير فريقان؛ إما سدنة الحقيقة وإما مطبلون للسلطة، فلماذا لا يكون التمكين والغلبة للحقيقة قبل السلطة؟
اصدمنا بأن نرى حقوق الإنسان تمشي في الشارع فنحن مشتاقون إليها منذ أكثر من خمسين عاماً، وبعضنا لم يرها إلا في الخارج! اصدمنا واتخذ من الإجراءات كل ما يضمن لنا قدوم مجلس شعب يمثّل أفضل ما فينا، ويكون قادراً على العمل معك لعقد معاهدات سلام عادلة ما أمكن، ولحفظ وحدة البلاد واقتصادها، وحياة الأفراد وحرياتهم.
اصدمنا أيضاً بعيداً عن السياسة.. بودكاست مثلا، أو شوطاً ثانياً في ملعب كرة السلة، أو صورة مع صبية من دون أن تطلب منها أن تغطي شعرها هذه المرة.. وحبذا أيضاً لو عرفنا حول ماذا كنتما تتهامسان، وتبتسمان، سيادتك ووزير الخارجية في شرفة القصر ليلة إطلاق الهوية البصرية.
مرة أخرى يا سيادة الرئيس.. أنت لم تولد في وجدان السوريين من صندوق اقتراع أو حزب سياسي، بل من لحظة انفجار وطنية زال معها النظام القديم بكل رموزه وأجهزته، وفي مشهد دراماتيكي لم يتوقع أحد توقيته أو سرعته، فكنت امتدادا طبيعيا لعنفوان هذه اللحظة، وتجسيداً حياً للتحرر والأمل الخام، حينها حملتك قلوب السوريين في رد فعل عاطفي جماعي، وكأنما أرادوا أن يعاقبوا ماضيهم عبر تمكينك، فتخلوا نخباً وجمهوراً، عن أية خيارات سياسية أخرى، لأنك كنت الوجه الذي يليق بزلزال سقوط النظام القديم، حينها لم يكن حضورك مجرد توقيع شخصي لقائد عسكري فحسب، بل كان يحمل توقيع الحدث العظيم نفسه أيضاً، ليس على الخاتمة.. بل لمواصلة الاندفاع من دون الالتفات إلى الخلف.
اصدمنا يا “ريّس”، أكمل.. ولا تلتفت!
تلفزيون سوريا



