الريف السوري وشبح الإهمال/ محمد برو

2025.09.04
بعد الحرب العالمية الثانية شهدت الكثير من المدن الأوروبية الدمار وانهيار الاقتصاد وانخفاض نسبة الذكور إلى الإناث، وقد عانت تلك المدن معاناة كبيرة في طريق النهوض من الدمار الطاغي إلى استعادة الحياة الطبيعية واستقرار الأوضاع المعيشية في حدودها المقبولة. ومن أولى المشكلات التي عانتها معظم تلك المدن والبلدات، تمركز الجهود والإعانات الأولية في الفترة التي تلت تلك الحرب في المدن الكبرى والعواصم، وهذا أمر مفهوم وتقتضيه الضرورة في معظم الأحوال، لكن هذا لا يلغي إحساس تلك البلدات والمدن الصغيرة وساكنيها بشيء من الإهمال والتهميش، والتي يُخشى أن يستمر الحال على هذا المنوال لزمن طويل، لا سيما أن تلك المدن والبلدات الصغيرة هي من ترفد المدن الكبرى بالموارد الغذائية والمواد الأولية واليد العاملة. وفي مراجعة سريعة للتجربة الألمانية، وهي من أميز التجارب الناجحة في التحول من اقتصاد منهار ومدمَّر إلى اقتصاد منافس في قمة الاقتصادات العالمية، حيث تتربع ألمانيا على قمة هرم الاقتصاد العالمي بعد أميركا والصين.
ما إن وضعت الحرب أوزارها حتى اتجهت ألمانيا إلى إعادة إحياء القرى والبلدات الزراعية، وخصصت لها الموارد الكافية من المياه والكهرباء، وسارعت لتعزيز البنية التحتية، مع توفير الدعم المستطاع للمزارعين، إدراكاً منها أن بناء التكامل بين الريف والمدينة كفيل بتحقيق رافعة مهمة للاقتصاد الألماني في رحلة التعافي الصعبة. استثمرت في أنظمة الري الحديثة، ووظَّفت التكنولوجيا، ومنحت القروض، وأسست التعاونيات التي تقوي دور المزارعين وتمنحهم فرصة أكبر وأقوى للتفاوض. وفي عام 1960 كانت نسبة المزارعين المنتظمين في التعاونيات الزراعية الألمانية تتجاوز 70% من إجمالي العاملين في الحقل الزراعي. من المخزي أن لهذه التعاونيات في الحقبة الأسدية دوراً في منتهى الفساد وتعزيز المحسوبية، ويحمل معظم سكان الريف والمناطق الزراعية السورية في ذاكرتهم حولها أسوأ التجارب.
اليوم وسوريا تنهض من تحت الرماد، وقد دُمرت بنيتها التحتية وموارد المياه وحتى التربة تدميراً غير مسبوق وبطرق منهجية، فإنها أحوج ما تكون لرسم سياسات عالية للنهوض بالريف والمناطق الزراعية التي تعتبر العصب الرئيسي في قطاع الإنتاج والموارد، لا سيما أن الاقتصاد السوري يعتمد بشكل كبير على القطاع الزراعي الذي طالما كان رافعة مهمة في زراعة وتصدير الحبوب والقطن والزيوت، خاصة أن نسبة تتجاوز 46% من السوريين يقطنون تلك الأرياف والبلدات الصغيرة. واليوم ونحن نكاد نبدأ في تأسيس المشاريع الأولى، يشهد الكثير من المتابعين كيف تتمركز المشاريع الكبرى في المدن الرئيسية، ولا يخفى على متابع أن لهذا الاتجاه اليوم مبرراته ومسوغاته المفهومة، بدءاً من استقرار تلك المدن بشكل أكبر من باقي المدن الصغيرة، وكذا رغبة المستثمرين والممولين في الاستثمار بهذه المدن لهذا السبب السابق ولأسباب أخرى.
من المهم تذكُّر أن إيلاء المدن الصغيرة والريف الزراعي القدر اللازم من الاهتمام والدعم سيخلق آلاف الفرص للعمل، كما سيخفف من حدة هجرة القوى العاملة من الريف إلى المدينة، وسينعكس هذا بشكل مباشر وسريع على الفرص في البلدات الصغيرة المتاخمة للريف، حيث ستنشأ الكثير من المصانع الغذائية وغيرها مما يعتمد في مادته الأولية على المنتجات المحلية، وستجذب هذه الصناعات الصغيرة إليها زحوفاً من العائدين من خارج القطر ومن المهاجرين من بلداتهم الصغيرة إلى مدن أخرى. وسيكون لهذا التحول معززات مهمة، منها أن الريف أقدر من المدن في إعادة الإعمار والتحول من حالة العطالة إلى حالة العطاء والإنتاج، بسبب بنية المجتمعات الريفية الأكثر تعاوناً وتعاضداً فيما بينهم، وبسبب بساطة الأدوات اللازمة لإعادة الإعمار وفتح الأسواق، ولكون المجتمع الريفي عموماً أقل ارتهاناً لنمط الحياة الحديثة المبنية على الاستهلاك الترفي وشدة الانجراف في مغرياته ومَدْحَلة إعلامه ودعاياته. وليس خافياً أن الاستثمار في الريف والبلدات الصغيرة استثمار في المستقبل، واستثمار منخفض الكلفة، كما أن عائداته المباشرة سريعة قياساً بالمشروعات الكبرى، ويمكن لمشروعات الريف الآمنة من زراعة وثروة حيوانية، بدءاً من تربية النحل وصولاً إلى تسمين العجول وتربية المواشي عامة، أن تجذب إليها مستثمرين ماليين ممن يرغبون بعائد سنوي سريع ووفير.
هذا النمط من الاهتمام سينعكس بمعطيات إيجابية، منها إحساس سكان الريف بشيء من العدالة التي كانت غائبة لعقود، وزيادة معدلات التمدن ورفع مستوى التعليم في تلك المناطق، إذ يلزم لإنجاح هذا الهدف إقامة معاهد وجامعات قريبة لا تجبر أبناء الريف على ترك أرضهم والذهاب إلى المدينة من أجل دراسة أبنائهم. هذا المستوى من الاهتمام نشهده اليوم في قطاعات كبيرة من الريف التركي، حيث يتقلص الفارق الكبير بين حياة المدينة والريف من حيث وفرة الخدمات والبنى التحتية، وهذا أحد أوجه نجاح التجربة التركية على وجه العموم.
ربما يكون أكبر التحديات التي يواجهها مشروع التنمية الريفية المستدامة يكمن في نزوح الآلاف من أبناء الريف والبلدات الصغيرة إلى المدن، إلا أن هذه المسألة يمكن تجاوز الشطر الأكبر منها لو أولت الدولة اهتماماً أكبر لتنمية الريف والدعم للمشروعات الزراعية، وتوظيف القوة الناعمة والإعلام في رفع مستوى الوعي العام بهذه المسألة. تبقى النقطة الجوهرية والتي لامست وجدان الكثير من أبناء هذه المناطق الريفية، هي الإحساس بمركزة الاهتمامات والمشاريع في بعض المناطق الحضرية الكبرى، الأمر الذي يجعل من هاجس التهميش هاجساً مشروعاً.
ختاماً، في الوقت الذي تنهض فيه سوريا والسوريون جميعاً من عقابيل الحرب المدمرة، فإن بذل المزيد من الاهتمام بالبلدات الصغيرة والريفية عموماً ليس خياراً، بل هو رهان استراتيجي على قادم الأيام. فالاهتمام بالقطاع الزراعي لا يعزز الأمن الغذائي وحسب، بل يوفر آلاف الفرص للعمل المنتج، ويعزز الإحساس بالانتماء والعدالة، ويحد من نزيف الهجرة لدى قطاعات واسعة من الشباب، ويوصل نَسَغَ التعافي إلى شرايين الاقتصاد السوري، ويَعِدُ باستمرار النمو والتعافي.
تلفزيون سوريا



