سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعشهادات

الصحافة والاعتقال السياسي في سوريا.. جراح لم تُضمّد بعد سقوط النظام/ محمد موسى ديب

2 September 2025

لم تكن حرية التعبير في سوريا خلال العقود الماضية بمنأى عن القيود، إذ شكّلت الكلمة مساحةً محفوفة بالمخاطر في بلدٍ عَرف تاريخًا طويلًا من الرقابة والتضييق في عهد حافظ الأسد وابنه الاستبداديّين. ومع انتشار مقولة شعبية مثل “الحيط له آذان”، كان الخوف حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يمكن أن يؤدي تعليق عابر على الغلاء أو الفسادِ إلى مساءلةٍ أو اعتقال.

الصحافة بدورها لم تكن استثناءً، بل كانت من أكثر المهن عرضةً للملاحقة، سواءً بالنسبة للصحفيين المحترفين أو للأفراد الذين حاولوا توثيق حدثٍ ما أو نقل صورةٍ من الواقع.

اليوم، وبعد التغييرات السياسية التي شهدتها البلاد، تبرز تساؤلات تتصل بالعدالة الانتقالية: كيف يمكن النظر إلى معاناة من قضوا سنوات في السجون؟ وما الدور الذي يلعبه توثيق التجارب الفردية في رسم صورة جماعية للذاكرة السورية؟ وهل تكفي الحرية السياسية وحدها لتضميد الجراح وإعادة الثقة للمجتمع؟

مع انطلاق الحراك الشعبي عام 2011، برز جيل من الشبان لم يكونوا صحفيين محترفين بقدر ما كانوا هواة وناشطين يوثّقون المظاهرات بكاميرات هواتفهم، بعضهم أرادها للذكرى، لكن هذه الصور تحولت إلى تهمة قادت كثيرين نحو السجون.

من بينهم محمود إدريس، الذي اعتُقل وأمضى سبع سنوات في سجن صيدنايا الأحمر، يقول لموقع “الترا سوريا”: “عندما أسترجع صوت السجّان وهو يفتح باب الجناح نشعر بدقّة قوية في قلوبنا تكاد توقفها”، ويتذكر مشاهد لا تغيب: تعذيب جماعي، معتقلون يفقدون حياتهم من الخوف والجوع، وأطباق طعام ملوثة بالدماء يلتقطها السجناء للبقاء أحياء.

بعد خروجه خسر عائلته، واستقر في مخيمات الشمال يعاني من آثار صحية ونفسية دائمة، يروي: “أحلم حتى اليوم أنني ما زلت داخل السجن، أسمع الباب يُفتح فأركض إلى صدر الغرفة رافعًا يدي”. اعتُقل إدريس أساسًا لأنه حمل الكاميرا وشارك في توثيق المظاهرات بوصفه ناشطًا أكثر منه صحفيًا، فكان ذلك كافيًا ليضعه في مواجهة سنوات السجن الثقيلة، ومع سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، خرج محمود إلى “سوريا المحررة” محمّلًا بذاكرة الاعتقال وخسائره، ليختم شهادته بدعوة للالتفات أولًا إلى من ما زالوا في المعتقلات، فهم – كما يقول – “الوحيدون الذين يعرفون معنى أن يتحول كل تفصيل صغير في الحياة إلى وسيلة للعقاب”.

رغم مرور أكثر من عقد على انطلاق الثورة السورية، ما تزال شهادات المعتقلين السابقين تكشف جانبًا من الانتهاكات التي مورست داخل السجون والفروع الأمنية، ومن بين هذه الشهادات ما رواه مصطفى عمر، الذي اعتُقل في القامشلي بداية الأحداث واتُهم بدعم “الإرهاب”.

مصطفى عمر، وهو من مواليد معرة النعمان 1982، كان طالبًا جامعيًا في حمص عام 2010 قبل أن يُسحب للاحتياط مع بدايات الثورة السورية، فُرز إلى القامشلي حيث خدم في قطعة عسكرية، وهناك اعتاد استخدام هاتفه النوكيا القديم لالتقاط صور لأسلحة وذخائر كذكرى شخصية، لكن مع اندلاع الاحتجاجات وفكرة الانشقاق، أصبح ما التقطه سببًا لاتهامه.

يروي مصطفى لـ”الترا سوريا” أنه أثناء محاولته الخروج من القطعة متنكرًا بلباس تقليدي، أوقفه حاجز عسكري لم يكن على علم بوجوده، وعند تفتيش هاتفه في فرع الأمن العسكري بالقامشلي، اعتُبرت صوره دليلًا على “التسريب ودعم الإرهاب”، ليُتهم بالتصوير والنشاط المعادي للنظام البائد آنذاك.

يضيف مصطفى أنه خلال عام كامل قضاه في السجن تعرّض لشتى أساليب التعذيب، من الضرب والصدمات الكهربائية إلى ما هو أبشع، مثل تجريح أصابعه ووضع الملح فيها، ويقول إن هذه المعاملة كانت جزءًا من محاولة انتزاع اعتراف بأنه يرسل الصور إلى “جهات إرهابية”، رغم أن الثورة في بدايتها كانت سلمية.

خرج لاحقًا عبر عفو عام، لكنه لم يعد إلى صفوف الجيش، بل أعلن انشقاقه النهائي عام 2013 وفرّ إلى الشمال السوري، حيث استقر بعد ذلك. في زنزانة فرع المخابرات 291، بدأت قصة اعتقال إبراهيم الحلبي، المعروف بأبي الطيب، منذ أن حمل كاميرته الصغيرة لتوثيق تظاهرات سلمية في الحسكة، الصور التي اعتبرها مجرد ذكرى شخصية أصبحت سببًا لمواجهة سنوات من التعذيب والحرمان.

يقول أبو الطيب لـ”الترا سوريا” إنه اعتُقل في 12 أيار/مايو 2012، حيثُ نُقل أولًا إلى الأمن السياسي في الرقة ثم الحسكة، قبل أن يُشحن إلى دمشق حيث استقبله فرع المخابرات 291 بالضرب والإهانات، ويضيف: “دخلت أطول وأقسى فترة في حياتي، تسعة أشهر من الجحيم المتواصل”.

خلال فترة الاحتجاز، تعرّض للتعذيب الجسدي والنفسي: الضرب بالكابلات والصواعق الكهربائية، كسر الأصابع، تقييد الجسم بالجنزير، الحرمان من النوم والطعام، وأحيانًا إجباره على تقليد أصوات الحيوانات أمام زملائه. يقول: “كل ما فعلوه كان لإلغاء إنسانيتي، لكني ظللت أحتفظ بالذاكرة والكاميرا في داخلي”.

رغم كل ما مرّ به، خرج أبو الطيب حيًا نهاية عام 2016، جسده منهك، لكنه حافظ على إرادته وأصرّ على كونه شاهدًا على ما جرى، يختتم شهادته بتساؤل حول المستقبل: “بعد أن خرج الناجون إلى الضوء، كيف يمكن تحويل تجربة الألم والاعتقال إلى صحافة أكثر حرية ومسؤولية، لا مجرد حكاية من الماضي؟”.

إن تجارب الناجين من الاعتقال في سوريا تكشف عن آثار جسدية ونفسية عميقة لم تمتد إلى داخل السجون فحسب، بل امتدت إلى حياتهم بعد الإفراج، ومع سقوط النظام السابق، يبقى السؤال مطروحًا عن كيفية ضمان حقوق هؤلاء وإتاحة فرص لإعادة بناء حياتهم، وكيف يمكن توثيق شهاداتهم وتحويلها إلى أدوات للعدالة والمساءلة دون أن تتحول إلى مجرد سجل للمأساة.

الترا صوت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى