العدالة الانتقالية تحديث 05 أيلول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
———————————
خطر تحوّل العدالة الانتقالية في سوريا إلى ورقة سياسية: هل تعتقد السلطة أن وجودها كافٍ وحده لتحقيق العدالة؟/ جلال الحمد
27-08-2025
بعد تسعة أشهر من سقوط الأسد، تبدو مسيرة العدالة الانتقالية في سوريا ليست في أفضل حال، وتمضي في طريق انتقائية مشابهة لمنهجية بناء مؤسسات المرحلة الانتقالية كالحكومة ومجلس الشعب والجيش الجديد وقوى الأمن، في ظل توجيه متعمّد لبوصلة العدالة لتكون حساسةً أكثر للتقلّبات السياسية بدلاً عن حقوق الضحايا وذويهم.
في عودة لأصل حكاية العدالة بعد سقوط الأسد، أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع المرسوم رقم (20)، الذي قضى بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ويعتبر المرسوم الإجراء الرسمي الأول في مسار العدالة الانتقالية بعد التغيير السياسي في سوريا. فوّض المرسومُ الهيئةَ للتحقيق في «الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد، ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية». وبالتالي اختزل مهام الهيئة بجزء من الانتهاكات، وبناء على هذا التفويض، فإن النطاق الزماني لعمل الهيئة محدّد أيضاً، ولا يتجاوز فترة حكم الأسد ولا يشمل ما يُرتكب بعد ذلك. فيما ترك المرسوم بقية الجرائم خارج مهام الهيئة المُستحدثة، دون أن يشير إلى كيفية التعامل مع إرث الانتهاكات المُرتكَبة من سائر الأطراف المتورطة في النزاع السوري الدموي.
رموز النظام السابق: أوراق لتخفيف الضغط
تحت شعار «نحو العدالة.. تحقيقات تحت مظلة القضاء»، نشرت وزارة العدل مقطعاً مصوّراً يظهر فيه كل من محمد الشعار وإبراهيم حويجة وأحمد حسون وعاطف نجيب في مقطع مصوّر «تشويقي»، كما وصفته إحدى الفضائيات السورية، أمام قاضي تحقيق يعرض عليهم الاتهامات الموجهة إليهم، بعد أيام من إعلان النيابة العامة عن تحريك دعوى الحق العام ضدهم على خلفية اتهامهم بارتكاب انتهاكاتٍ إبّان شغلهم لمناصب قيادية في حكومة الأسد، وذلك وفقاً للإعلان الدستوري الذي أكد على تحقيق العدالة لضحايا نظام الأسد، وخاصةً المادة (49) منه، التي استثنت «جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وكل الجرائم التي ارتكبها النظام البائد من مبدأ عدم رجعية القوانين». وعبّر المقطع عن المسار الذي سعى، ولا يزال، تسعى إليه الحركة الحقوقية السورية، وضحايا الانتهاكات عموماً، لمحاسبة المتهمين بارتكاب الانتهاكات الواسعة. أهم ما في التحرك أنه جاء قبل أن تباشر الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عملها، ولم يشمل المقطع أي علامةٍ لدورٍ ما، ولو على سبيل الإشارة، للهيئة في عملية التحقيق، ولم تذكر وزارة العدل إن كان لتلك الهيئة دورٌ مستقبلي في قضية القيادات الأربعة.
بدا المقطع الموجز مساراً مستقلاً قُصَّ من النموذج الحكومي للعدالة بدون أدنى تفسير لذلك، الأمر الذي أثار الجدل ودفع الضحايا والمهتمين بالعدالة في داخل سوريا وخارجها لطرح السؤالين الأساسين التاليين: ما مصير العدالة الانتقالية برمتها في ظل هذا المشهد المرتبك؟ وهل ستكون العدالة الانتقالية ضحيّة الظرف السياسي الشائك الذي تعيشه سوريا؟
أظهرت هذه الخطوة حالة عدم وضوح دوافع صانع القرار في سوريا، خاصةً ما يرتبط بمسار العدالة. وكشفت، إضافةً لذلك، استخدام ملف العدالة في نطاق أوسع يهدف إلى الدفاع عن إدارة دمشق القائمة بوصفها سلطة نتجت عن انتصار الثورة السورية، وهي الوحيدة القادرة على استكمال تحقيق أهدافها وتتمتّع بالشعبية الكافية للاستمرار. وتمنح نفسها، بناءً على ما سبق، الحق في استخدام مختلف القضايا كأوراق سياسية لحماية شرعيتها واستكمال المرحلة الانتقالية التي رسمتها لنفسها.
نُشر المقطع المصّور في خضم أحداث السويداء، وقبل أيام من بيان مجلس الأمن الصادر بتاريخ 10 آب (أغسطس) 2025، الذي أدان أعمال العنف في المحافظة، فيما يبدو أنها محاولة من قبل السلطات السورية لاستباق التحرك الدولي تجاه التطورات في سوريا، خاصةً أن ما حدث في السويداء يتم توثيقه بشكل أكثر دقةً وبدون ضغوط، حيث ظهرت كثيرٌ من الصور والمقاطع المصورة عن عمليات قتل خارج نطاق القضاء على يد عناصر يتبعون للحكومة، عكس ما حدث في الساحل حيث واجه العاملون في التوثيق تضييقاً واسع النطاق وامتناع السلطات السورية عن التجاوب. ويأتي المقطع أيضاً بعد أيام من زيارة وفدٍ سوري رفيع المستوى، ضمّ وزيرَي الخارجية والدفاع والأمين العام لرئاسة الجمهورية ماهر الشرع، إلى موسكو ضمن مساعٍ لتوسيع مروحة الخيارات السياسية للسلطات المؤقتة، التي تخشى من تراجع الزخم السياسي الإقليمي والدولي الذي حظيت به منذ أشهر، خاصةً بعد لقاء الرياض بين الشرع وترامب برعاية ولي العهد السعودي.
الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية: تأخير متعمّد!
ما إن صدر المرسومان الرئاسيان: (19) الخاص بتشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين، و(20) الخاص بالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، حتى بدأت ورشات عمل سورية للمساهمة في استكمال تشكيل الهيئتين. وبعد ما يقارب الثلاثة أشهر خطَتْ هيئة المفقودين خطواتٍ مهمةً في التشكيل، بما في ذلك تعيين مجلس استشاري من مجموعة من الخبراء المشهود لهم بالمعرفة، فيما لم تخطُ هيئة العدالة الانتقالية – والتي نص مرسوم تشكيلها على استكمال فريق الهيئة ووضع نظامها الداخلي خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً – خطوةً واحدةً تجاه التشكيل.
وشهدت الفترة الماضية انحرافَين اثنين أساسيين عن مرسوم تشكيل هيئة العدالة الانتقالية، أولهما إعلان عضو اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي حسن صوفان، بعد أقل من شهر على تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عن أن السلطات السورية أعطت الأمان لعدد من رموز النظام السابق، بعضهم يُشتبه بتورطه في انتهاكات، وذلك كمقابل لدورهم في المرحلة الانتقالية، مُبرّراً ذلك بالقول: «نتفهّم الألم والغضب الذي تشعر به عائلات الشهداء، لكننا مضطرون لاتخاذ قرارات تؤمّن استقراراً نسبياً في هذه المرحلة». جاء الإعلان بعد أشهر من «العنف واسع النطاق في محافظتَي اللاذقية وطرطوس»، وفق وصف بيان مجلس الأمن الصادر في 14 آذار (مارس) الماضي بعد أحداث الساحل السوري. ومن بين هؤلاء فادي صقر الذي تتهمه منظمات حقوقية بالضلوع في انتهاكاتٍ ارتُكبت في مدينة دمشق. فالحكومة ترى فرصاً أكبر لشخصيات من الساحل السوري ومرتبطين في الوقت نفسه بالنظام السابق للمساهمة في تهدئة الضغوط القادمة من الساحل على الحكومة. ثاني الانحرافات، إحالة عدد من رموز النظام السوري السابق إلى المحاكمة، والذي تمّ أيضاً قبل إتمام تشكيل هيئة العدالة الانتقالية.
لم يوضّح السيد حسن صوفان، ولا رئيس الهيئة العليا للعدالة الانتقالية، ولا وزير العدل، ولا أيّ مسؤولٍ سوري الآلية التي تقرّر من خلالها العفو أو إحالة عناصر من النظام السابق إلى المحاكمة. كما أنّه من غير الواضح العلاقة بين اللجنة العليا للسلم الأهلي والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ولا علاقة وزارة العدل بهيئة العدالة الانتقالية، فالهيئة تتمتّع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري وفق نص المرسوم المُنشِئ لها، ومن غير الواضح حدوث أي تنسيق بين كل هذه الأطراف قبل اتخاذ تلك القرارات.
مع تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على السلطة الانتقالية بعد الهجوم على السويداء، تزايد الحديث عن قرب صدور مرسوم رئاسي لاستكمال تشكيل هيئة العدالة الانتقالية، في استخدامٍ إضافي لملف العدالة لمنع الدفع الدولي والمحلي نحو تصحيح الانتقال السياسي كمخرجٍ للاستعصاء السوري، ولإثبات أن السلطة الانتقالية تملك أدواتٍ للتصحيح ولا داعيَ لتغيير مسار الانتقال.
تثير هذه الانحرافات أسئلةً جوهرية: ما هي حدود صلاحيات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بعد إتمام تشكيلها؟ وهل ستتمكن من إعادة النظر مستقبلاً في القضايا التي تخصّ رموز النظام السابق؟ وهل ستكون قادرةً على التمايز عن التطورات السياسية وحاجة السلطة لملف العدالة لتحسين صورتها؟
التقرير الدولي حول الساحل: فرصة جديدة للحكومة
أصدرت اللجنة الدولية المستقلة المعنية بسوريا تقريراً مفصّلاً بتاريخ 11 آب (أغسطس) 2025 حول أحداث آذار في محافظتَي اللاذقية وطرطوس الساحليتين غرب سوريا، وجاء التقرير ليؤكد ارتكاب انتهاكاتٍ واسعة النطاق خلال مدّةٍ لم تتجاوز الأسبوع، كالقتل والتعذيب والنهب وحرق المنازل، قُتل خلالها ما يزيد على 1400 شخص وفق تقرير نشرته وكالة رويترز، وهذه الانتهاكات كانت قد وثّقتها تقارير منظماتٍ سورية قبل اللجنة الدولية.
ذكر التقرير الدولي عدداً من الفصائل بالاسم، تم دمجها في القوات الحكومية، ويُرجّح أنها مسؤولة عما حصل، واصفةً ما حدث في الساحل بـ«المُمنهج»، وأنه «قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب». وذكرت اللجنة بأن «حجم العنف الموثّق في تقريرنا يستدعي توسيع نطاق هذه الجهود»، في إشارةٍ إلى تحرّك السلطات السورية المؤقتة واعتقال عدد من المتهمين. وأكّدت اللجنة أنها لا تزال تتلقى معلوماتٍ عن انتهاكات في المناطق التي شملها التقرير، بما في ذلك اختطاف النساء والإخفاء القسري. وأضافت اللجنةُ توصيةً خاصةً بقطاع القضاء، بقولها: «لبذل الجهود لإعادة بناء النظام القضائي الجنائي بسرعة، بما يمكّن الدولةَ من إجراء محاكماتٍ عادلة ومحاسبة مرتكبي أخطر الانتهاكات والجرائم، بمن فيهم عناصر قوات الحكومة المؤقتة»، في إشارةٍ إلى أن النظام القضائي الحالي غير ملائم لاتخاذ خطوات قضائية نزيهة ومحايدة.
وفي خطوة تتلاقى مع مساعي المجتمع المدني السوري، دعت اللجنةُ الدولية اللجنةَ الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري لنشر تقريرها، حيث لم تنشر اللجنة الوطنية تقريرها حتى تاريخ كتابة هذا المقال، ودون أي تبرير، مُكتفيةً بالمؤتمر الصحفي الذي لخّص نتائجه، الأمر الذي أدّى إلى استمرار تغييب تفاصيل ما توصلت إليه اللجنة.
على الرغم من ذلك، شكر وزير الخارجية السوري اللجنةَ الدولية على تقريرها، وقال: «أخذنا بعين الاعتبار بجدّية ادعاءات الانتهاكات التي وردت في تقريركم عن تلك الفترة، والتي تبدو مُتّسقةً مع النتائج التي استعرضها ملخص تقرير ‘اللجنة الوطنية المستقلة’»، دون أن يتسنّى للجنة الدولية أو الضحايا الاطلاع على التقرير الوطني أصلاً. لكن، وبالاستناد إلى المؤتمر الصحفي الذي عقدته لجنة الساحل، فإن النتائج نفت تماماً مسؤولية القيادة السورية، وهو جوهر الموضوع، حيث خالف ذلك ما توصّلت إليه اللجنة الدولية، والتي تحدّثت عن جرائم الحرب، وهي إحدى الجرائم الدولية التي تفترض مسؤوليةَ القيادة وفق المادة (28) من نظام روما الأساسي المُنشِئ للمحكمة الجنائية الدولية.
رغم خلاصة التقرير الدولي غير القابلة للتأويل، فإن رد السلطة الانتقالية يظهر رغبةً حكوميةً واضحة للتوافق أو مسايرةَ المزاج الدولي الضاغط والراغب في انخراط حكومي فاعل لتنفيذ مبادئ القرار الدولي 2254، كما أشارت إلى ذلك عدّة بيانات لمجلس الأمن بعد سقوط النظام وآخرها البيان الخاص بأحداث السويداء الذي صدر قبل التقرير الدولي، وكذلك المطالب الدولية التي مهّدت لرفع العقوبات، بما في ذلك حماية الأقليات وإبعاد المقاتلين الأجانب.
تستخدم السلطة في كل مرّة حدثاً معيّناً، وهذه المرة التقرير الدولي حول الساحل، للقول بأنها تسعى فعلاً لتنفيذ المطالب الدولية، لكن بدون أن تنفّذ خطواتٍ جديّة على أرض الواقع. ويذكر في هذا السياق أنّها لجأت للاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية في خضم أحداث الساحل في آذار (مارس) الماضي، ووقّع الشرع مع مظلوم عبدي على اتفاق العاشر من آذار الذي تضمّن بنوداً كان قد رفضها (الشرع) لعدّة أشهر.
المجتمع المدني: محاولة لتصحيح المسار
أطلقت المنظمات المدنية السورية منذ أن سقط النظام السوري جهوداً واسعةً في الداخل السوري وفي الخارج لتثبيت مبادئ العدالة الانتقالية خلال المرحلة الجديدة، في ظل رغبة السلطات السورية الجامحة للالتفاف على مسار العدالة وتقديم سقوط النظام السوري كإنجازٍ يعادل في أهميته تحقيق العدالة. وفي هذا الإطار عقدت عشرات المنظمات السورية مؤتمراً واسعاً في دمشق بعد سقوط النظام السوري بحوالي شهر، كما التقى ممثلون عن روابط الضحايا بالشرع لعرض مطالبهم. رغم ذلك، صدر المرسوم (20) المَعيب، وكما ذكر العديد من ذوي الضحايا فإن التحرك الحكومي يجعل من العدالة الانتقالية أداةً تُغذّي الانقسام بدلاً من مساهمتها في بناء السلام، فالعديد من العوائل تضم ضحايا على يد داعش وآخرين على يد النظام السابق.
مع كل ما ذكرناه، ومع الوعي الكامل بأن السلطة تستخدم مسار العدالة أداةً للترويج أكثر منه مساراً يستحقُّ الاهتمام ويساهم في مستقبل سوريا، تعمل منظمات سورية اليوم على تقديم الدعم التقني للهيئة الوطنية للمفقودين وهيئة العدالة الانتقالية، كما قبلَ العديد من النشطاء الانضمام للمجلس الاستشاري الذي شكّله رئيس هيئة المفقودين. ومن جهةٍ أُخرى قدّمت روابط ضحايا ومنظمات حقوقية جملة من المذكرات التي تساعد في عمل الهيئتَين، وتكمل الآن مجموعةٌ واسعة من المنظمات السورية ما بدأته لدفع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والسلطة من خلفها للالتزام بمبادئ العدالة وعدم الانتقاص منها.
خاتمة
تقوم العدالة الانتقالية في جوهرها على ركيزتَين: الرضا المحلي بمسارات العدالة؛ والقبول بطرق التدخل، بما يشمل ضمان عدم التكرار. منذ الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، فإن الانتهاكات مستمرةٌ في مناطق سورية مختلفة، وإنْ كان التركيز على القتل الجماعي في كلٍّ من السويداء والساحل، إلا أن الحالة الأمنية غير المستقرة تنسحب على طول البلاد وعرضها، وتزداد سوءاً كلما ابتعدنا عن العاصمة. إذاً، تتراجع فرص العدالة في أجندة الحكومة الانتقالية، وتتحول إلى ملف ثانوي، ليس للقيادة الحالية فحسب، بل لكل من يسعى مستقبلاً لمكانٍ ما مع السلطة الحالية.
كل ما سبق يبيّن تعمّد السلطات السورية استخدام ملفاتٍ شديدة الحساسيّة لضمان استمرارها، وتتوجه السلطة في التفاوض حصريّاً مع أطراف دولية. بعض هذه الملفات أظهرت السلطة تعنّتاً تجاهها قبل أن تضعها على جدول التنازلات، ومن ذلك الاتفاق مع قسد الذي كان برعاية أميركية وهدَفَ لتخفيف الضغط الدولي على السلطة خلال أحداث الساحل، وكذلك الاتفاق مع الإسرائيليين حول السويداء الذي تضمّن فك الحصار عنها وانسحاب قوات الشرع وفصائل العشائر إلى خارج الحدود الإدارية. بالمقابل، لا مكسب للسلطة غير ترسيخ وجودها في دمشق وعدد من المحافظات، وتعزيز قيادتها للمؤسسات الأساسية كالأمن والجيش والعدل والاقتصاد، وتثبيت نهجها في إدارة البلاد.
تفترض السلطة أن وجودها، الذي يقنع شريحة مهمة في مناطق سيطرتها، كافٍ ويحقّق العدالة بطريقةٍ أو بأُخرى، فلا مانع لديها من تقديم التنازلات طالما أن تلك التنازلات بعيدة عن المركز ولا تشكل في المستقبل خطراً على استمراريتها. كذلك تبدي استعدادها لمقايضة قضايا أساسية، بما في ذلك العدالة الانتقالية، بضمان بقائها، ظنّاً منها أنها الطريقة الوحيدة في سبيل استعادة سوريا لعافيتها.
بالمقابل، فإن مواصلة نضال السوريين المؤمنين بالعدالة، لتكون حقوق الضحايا ملفاً غير قابل للمساومة، لا يشكّل الأمل الوحيد فحسب، بل أرقاً مستمراً لأطراف داخلية وخارجية مهتمة بسوريا، تسعى لإغلاق الملف السوري الذي أرهقها لسنوات وصدّر لها الأزمات. ومن أبرز الأمثلة الحديثة، ترحيب بعض الدول بتقرير اللجنة الدولية والتأكيد على أنه ينسجم مع التقرير السوري، غير المنشور، رغم التباينات الجوهرية التي ذكرناها آنفاً. فالعدالة، ببساطة، يجب أن تُسائل القادة الحاليين على ما ارتكبته فصائلهم قبل سقوط النظام، فضلاً عمّا اقترفوا وهم في سدّة الحكم.
موقع الجمهورية
——————————-
تعميم العدالة الانتقالية في سوريا: مقترح للتكامل الوزاري/منصور العمري
3 سبتمبر 2025
يمثل إنشاء “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” في سوريا في 17 أيار/مايو 2025 خطوةً حاسمةً في سعي البلاد إلى تحقيق العدالة الانتقالية. لكن، وبالنظر إلى النطاق الهائل للانتهاكات السابقة، والدمار والأضرار واسعة النطاق في جميع أنحاء البلاد، والعدد الكبير من الأفراد المتضررين، يعد تأسيس لجنة مركزية واحدة غير كافٍ. ولمعالجة إرث الانتهاكات الممنهجة بشكلٍ أفضل، من الضروري دمج عمليات العدالة الانتقالية مباشرةً في صميم الحوكمة. وتدعو هذه الورقة البحثية إلى اعتماد مقاربة شاملة للحكومة بأكملها، من خلال إنشاء مكتب أو نقطة اتصال مخصصة للعدالة الانتقالية داخل كل وزارة ذات صلة. تتجاوز هذه المقاربة الآليات المركزية التقليدية، وتهدف إلى إدماج عمليات المساءلة والمصالحة والعمليات التي تركز على الضحايا مباشرةً في عملية صنع السياسات وتقديم الخدمات. وتحدد المهام المحتملة لهذه الوحدات الوزارية، وتوضح الشروط اللازمة لنجاحها، وترى أن هذه الخطوة التحويلية ضرورية لتنفيذ العدالة الانتقالية بفعالية.
إن الأساس المنطقي لاتباع مقاربة الحكومة بأكملها متعدد الأوجه. أولاً، لم تقتصر الانتهاكات التي وقعت أثناء النزاع على قوات أمن محددة، بل تغلغلت في مختلف أجهزة الدولة، ومن ضمنها المسؤولة عن الرعاية الصحية والتعليم والممتلكات. لذلك، تتطلب معالجة هذه الأمور فهمًا واستجابة خاصة بكل قطاع على حدة. وثانيًا، يعزز ثقافة المساءلة وحقوق الإنسان داخل البيروقراطية نفسها، وبالتالي يمنع حدوث انتهاكات في المستقبل. ثالثًا، يضمن أن تكون عملية صنع السياسات وتقديم الخدمات مستنيرة بطبيعتها بحتمية عدم تكرار الانتهاكات، وتعويض الضحايا. كما تشرح أهمية هذا النهج المتكامل في إعادة بناء ثقة المواطن في أجهزة الدولة ومنع تكرار الانتهاكات.
لكل وزارة تقريباً، بغض النظر عن وظيفتها الأساسية، دور في العدالة الانتقالية. وبالتالي، ينبغي إنشاء وحدة تكامل العدالة الانتقالية، أو مركز تنسيق معين داخل كل وزارة، تكون مسؤولة مباشرةً أمام الوزير أو نائب الوزير و”المجلس الوطني للعدالة الانتقالية” والتنسيق معه. ويُفضّل أن تُزوّد هذه الوحدات بموظفين ذوي خبرة في مجال حقوق الإنسان والقانون والعلوم الاجتماعية، والأهم من ذلك، فهم دقيق لعمليات الوزارة المعنية وسياقها التاريخي في النزاع. ويتعين تشكيل هذه الوحدات بموجب إطار قانوني من الحكومة، بالتشاور مع المجلس وخبراء آخرين، وسيقود أيضاً تدريب وبناء قدرات موظفي وحدة العدالة الانتقالية لضمان اتباع نهج متسق في جميع الوزارات.
I. الخلفية: العدالة الانتقالية والاعتماد التقليدي على اللجان المركزية
تمثّل العدالة الانتقالية مجموعةً شاملةً من العمليات والآليات التي تستخدمها المجتمعات لمواجهة ومعالجة الإرث العميق للانتهاكات واسعة النطاق التي وقعت في الماضي. وكما حددتها الأمم المتحدة، تتجسّد أهدافها الأساسية في ضمان المساءلة وخدمة العدالة وتحقيق المصالحة، وبالتالي تعزيز سيادة القانون. وهذا النظام متجذر بشكلٍ أساسي في القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يُلزم الدول بتوفير سبل انتصاف فعالة لضحايا الانتهاكات الجسيمة.1 وبعيداً عن مجرد النظر إلى أخطاء الماضي، فإن العدالة الانتقالية هي أيضاً مسعى تطلعي يهدف إلى إحداث تحولٍ مجتمعي كبير عبر معالجة احتياجات الضحايا والأسباب الكامنة وراء الانتهاكات، وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون.
وجرت العادة أن يتجه تنفيذ العدالة الانتقالية في سياقات ما بعد النزاع، نحو نموذجٍ مركزي تقوده عادةً لجنة مخصصة للعدالة الانتقالية، ويُفعّل من خلال آليات مثل لجان الحقيقة والمحاكم الخاصة، وبرامج جبر الضرر. وفي حين تُعدّ هذه الآليات المركزية حيوية من دون شك، إلا أن تأثيرها قد يكون محدوداً إذا لم تُستكمل بدمج مبادئ العدالة الانتقالية على نطاقٍ أوسع، ومنهجية داخل مؤسسات الدولة نفسها. وتدعو مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقريرها “العدالة الانتقالية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” إلى فهمٍ أوسع لهذه العدالة يشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما يدعم مباشرة فكرة أن يكون للوزارات خارج قطاعات العدالة التقليدية دور في هذا المجال.
دور وولاية الهيئة المركزية للعدالة الانتقالية
تعمل “الهيئة المركزية للعدالة الانتقالية” عادةً كهيئة حكومية مستقلة، تُنشأ عبر تشريعات محددة. وتميل هذه اللجان إلى التمتع بسلطة واسعة للتحقيق في الإجراءات المتخذة خلال فترات الحكم الاستبدادي أو النزاع. في جوهرها، تعمل “لجنة العدالة الانتقالية المركزية” كهيئة استراتيجية وإشرافية، فتوفر الإطار المعياري وتقود العمليات العليا اللازمة لمواجهة إرث الانتهاكات الماضية، وتوجيه المجتمع نحو مستقبل أكثر عدالةً وديمقراطية. وتشمل أهدافها الأساسية غالباً إجراء تحقيقات رفيعة المستوى والبحث عن الحقيقة، والتوصية أو الإشراف على آليات لجبر المظالم وتقديم التعويضات، وإصدار توصيات للإصلاح المنهجي.2
وعلاوةً على ذلك، تهدف العدالة الانتقالية إلى ما هو أبعد من تلبية احتياجات الاستقرار في مرحلة ما بعد النزاع، إذ تطمح إلى العمل كمحفز للتحول المجتمعي الأوسع نطاقاً.3 ولا يقتصر عملها على معالجة الانتهاكات المباشرة فحسب، بل يشمل أيضاً معالجة الأسباب الجذرية الهيكلية الأعمق، مثل التفاوتات الجسيمة وهياكل السلطة غير العادلة، والتمييز المتجذر.4 وبالتالي، ينبغي ألا يقاس نجاح مبادرات العدالة الانتقالية بالمساءلة الفورية أو السلام فحسب، بل بمساهمتها في تفكيك المظالم المنهجية ومعالجة المظالم التاريخية، وتعزيز مجتمع أكثر إنصافاً وشمولاً. وينطوي ذلك على تفويض يتجاوز مجرد معالجة انتهاكات الماضي ليشمل تشكيل الحكم والهياكل الاجتماعية المستقبلية بشكلٍ فعال.
نقد لجان العدالة الانتقالية التقليدية
انتُقد الاعتماد على لجان العدالة الانتقالية المركزية، باعتبارها تخلق نهجاً منعزلاً ومنفصلاً عن الحكومة الأوسع نطاقاً، ما يحد من فعالية التدابير المقترحة أو المعتمدة.5 وتركز هذه الانتقادات على نطاق اللجان المحدود وطبيعتها المخصصة، وتحديداً القول إنها غير مدمجة بشكلٍ كافٍ ضمن الهياكل الحكومية الأوسع.6 وتكمن المشكلة الأساسية في أنه في حين تُكلّف اللجان بأهدافٍ معقدة وواسعة النطاق – من كشف الحقيقة إلى الإصلاح المؤسسي – إلا أنها نادراً ما تُمنح السلطة أو الدعم اللازمين لتحقيق هذه الأهداف في جميع مجالات الحكومة. وكتب المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، بابلو دي غريف، على نطاقٍ واسع عن القيود التي تواجهها اللجان الموقتة والمخصصة. ومن بين أعماله، العدالة الانتقالية والتنمية: ويؤكد أن فعالية العدالة الانتقالية الحقيقية تتطلب ترسيخ مبادئها بشكلٍ دائم في مؤسسات الدولة لمنع تكرار الانتهاكات. وكتب:
“إن التعويضات فريدة من نوعها بين تدابير العدالة الانتقالية كونها تتطلب أداءً ملائمًا من مجموعة واسعة من الكيانات الحكومية. وعلى عكس لجان الحقيقة التي تُشكّل على أساسٍ مخصص، أو حتى المحاكمات التي تتولاها دوائر خاصة أو وزارات الشرطة والعدل في معظم الأحيان، يستلزم برنامج التعويضات المعقد مساهمة ومشاركة من وزارات حكومية عديدة، ومن ضمنها الصحة والتعليم والأراضي والإسكان والتخطيط والمالية.7
وأقرّ مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالقيود التي يفرضها النهج الضيق للعدالة الانتقالية في معالجة الأسباب الكامنة وراء النزاع، بما فيها انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.8 وهذا يتحدى بشكلٍ مباشر، التركيز التاريخي لعمليات العدالة الانتقالية على الحقوق المدنية والسياسية، ويشير إلى الحاجة إلى نطاق أكثر اتساعًا، يشمل الوزارات المسؤولة عن التنمية والخدمات الاجتماعية.
يوجز ديفيد كروكر، وهو فيلسوف بارز في هذا المجال، في عمله “تصفية الحساب مع أخطاء الماضي”: إطار عمل معياري، متعدد الأهداف للعدالة الانتقالية. وهو يجادل بأن هذه العدالة يجب أن تسعى إلى تحقيق أهداف تتجاوز مجرد الحقيقة والملاحقة القضائية، ومن ضمنها الإصلاح المؤسسي والتنمية طويلة الأجل التي يستحيل تحقيقها من دون دمجها في هيكل الدولة الدائم.9
II. مقاربة “الحكومة بأكملها”: أمثلة على دمج العدالة الانتقالية في الوزارات من جميع أنحاء العالم
يستلزم التنفيذ الفعال للعدالة الانتقالية إدماجاً مستداماً في وزارات الدولة القائمة المسؤولة عن الخدمات العامة، كما يتضح من تجارب ما بعد النزاع من مختلف أنحاء العالم. وتوضح الأمثلة من تشيلي (الصحة) وكولومبيا (الإسكان والزراعة والبيئة) وتايوان (التعليم) وجنوب أفريقيا (العدل)، كيف يمكن تحقيق هذا الدمج في مختلف وزارات الدولة المسؤولة عن الخدمات العامة. ومع ذلك، فإن دمج آليات العدالة الانتقالية في مختلف الوزارات يتطلب أيضاً تنسيقاً قوياً عبر الحكومة، ومع أي لجنة مركزية للعدالة الانتقالية لضمان الدعم الشامل للضحايا، والسعي الاستراتيجي إلى تحقيق الأهداف. وهذا مهم بشكلٍ خاص في سوريا، حيث الثقة في مؤسسات الدولة منخفضة للغاية.
وزارة الصحة في تشيلي
كجزء من إطار التعويضات في مرحلة ما بعد النزاع، أطلقت وزارة الصحة التشيلية برنامج التعويضات والصحة الشاملة في العام 1991. وتوفر هذه المبادرة التي تقودها الدولة، لضحايا العنف السياسي خدمات الرعاية الصحية الشاملة، بما فيها الرعاية الصحية النفسية التي تُقدم عبر نظام الرعاية الصحية الوطني.10 يتميز برنامج (PRAIS) بنطاقٍ واسع بشكلٍ خاص، فشكّل التدبير الأساسي للتعويضات المتعلقة بالصحة لجميع فئات ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، مع توسيع الأهلية إلى الأقارب حتى الجيل الثالث. وأصبح هذا البرنامج الذي يعد أساسًا لجهود التعويضات في تشيلي، مدعوماً قانونيًا عبر قانون صدر في نهاية العام 2004.11
وزارات الزراعة والإسكان والبيئة في كولومبيا
وفي كولومبيا، أرسى قانون الضحايا وإعادة الأراضي (القانون 1448)12 الذي أصدره الرئيس خوان مانويل سانتوس في 10 حزيران/يونيو 2011، إطاراً شاملاً للعدالة الانتقالية، يهدف إلى ضمان حقوق ضحايا النزاع المسلح الداخلي.13 وينص هذا التشريع على اتباع نهج تعاوني مشترك بين الوزارات لتنفيذه، وتشكيل النظام الوطني للرعاية الشاملة، وتعويض الضحايا. وضمن هذا النظام، تُخوّل الوزارات الرئيسية، لا سيما وزارة الزراعة والتنمية الريفية ووزارة البيئة والإسكان والتنمية الإقليمية، أو الكيانات البديلة المعينة لها، بأداء وظائف محددة.14 فتُكلّف مثلاً وزارة البيئة والإسكان والتنمية الإقليمية صراحةً بإعادة المساكن إلى الضحايا الذين تضررت منازلهم بسبب نزع الملكية أو التخلي عنها أو فقدانها أو إضعافها.15 ويشدد القانون أيضًا على “النهج التفاضلي”، فيُصمم الدعم وفق نقاط الضعف الخاصة بالفئات المختلفة، مثل النساء والأطفال والمسنين والمجتمعات العرقية، ويتضمن أحكامًا للتعاون بين الوزارات وتنسيقها لتغيير التفاعلات بين الدولة والضحايا بشكلٍ جذري، وبالتالي تعزيز الثقة من خلال تبسيط العمليات الإدارية والشفافية.16
وزارة العدل في جنوب أفريقيا
في جنوب أفريقيا، أسست وزارة العدل والتنمية الدستورية وحدة لجنة الحقيقة والمصالحة التي تؤدي دورًا حاسمًا في التنفيذ المستمر لتوصيات لجنة الحقيقة والمصالحة. وعلى وجه التحديد، عُهد إلى وحدة اللجنة التابعة للإدارة، بالمسؤولية الشاملة عن معالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان في عهد الفصل العنصري.17 ويشمل ذلك تقديم المنح التعليمية، الدعم الطبي، مساعدة المجتمعات المحلية المتضررة، والمهمة الحاسمة المتمثلة في تحديد أماكن رفات ضحايا حقبة الفصل العنصري وإعادتها إلى أسرهم.18
وزارة التعليم في تايوان
في تايوان، أكدت لجنة العدالة الانتقالية التي أُلغيت في 30 أيار/مايو 2022، بشكل ٍكبير أهمية إدماج مفاهيم العدالة الانتقالية في مناهج التعليم الوطنية. وعلى وجه الخصوص، أوصت لجنة العدالة الانتقالية بأن تدمج المدارس العامة دروساً عن العنف الذي ارتكبته الدولة في مادتي التربية الوطنية والعلوم الاجتماعية، معترفةً بأنه أمر حاسم لتعزيز فهم أعمق لماضي تايوان الاستبدادي وانتقالها الديمقراطي.19 وبدعم من وزارة التربية والتعليم، أُدرج محتوى العدالة الانتقالية ضمن “البرنامج المؤقت لحقوق الإنسان والتربية المدنية”، إلى جانب جهود تدريب المعلمين على تقديم هذا المنهج الجديد بفعالية.20 عزز اليوان (الفرع التنفيذي لحكومة تايوان) هذا الالتزام في العام 2023 مع إطلاق برنامج العمل الوطني لتعليم العدالة الانتقالية، وهي خطة مدتها أربع سنوات (2023-2026) تشرف عليها وزارة التعليم، وتستهدف المدارس على جميع المستويات وموظفي الخدمة المدنية وعامة الناس، لتعزيز التفاهم الاجتماعي والمصالحة وقيم حقوق الإنسان.21
III. وحدات دمج العدالة الانتقالية في سوريا: المفهوم والتفاعل
تجسّد وحدات تكامل العدالة الانتقالية المقترحة نهجاً حكومياً شاملاً لتنفيذ العدالة الانتقالية في سوريا. ففي حين توفر “اللجنة المركزية للعدالة الانتقالية” التوجيه الاستراتيجي والإشراف رفيع المستوى، تُعد وحدات العدالة الانتقالية المتكاملة، وحدات تشغيلية مدمجة ضمن وزارات حكومية محددة. وتسمح هذه الهيكلية بترجمة التفويضات الواسعة للهيئة المركزية إلى تدابير عملية ومحددة السياق ضمن بيئاتها المؤسسية المعنية، بما فيها المساهمات في الإصلاح المؤسسي والتدقيق.
ستعمل “الهيئة السورية للعدالة الانتقالية” كهيئة استراتيجية وإشرافية. وهي مسؤولة عن تحديد السياسة الشاملة، وضع الإطار القانوني، إجراء تحقيقات رفيعة المستوى، وإصدار توصيات للإصلاح المنهجي.22 وستضمن أن تتماشى الاستراتيجية العامة للعدالة الانتقالية مع المعايير الدولية وتحافظ على الاتساق العام.
وفي الوقت نفسه، ستُكلّف وحدات العدالة الانتقالية في الوزارات المختلفة بما يأتي:
الإصلاح المؤسسي الداخلي: تطبيق عمليات التدقيق والتطهير داخل الوزارة المضيفة، لإزالة أو استبعاد الأفراد المتورطين في الانتهاكات أو الفساد، ومراجعة السياسات الداخلية لتتماشى مع معايير حقوق الإنسان.
دعم البحث عن الحقيقة: تيسير الوصول إلى الأرشيف والوثائق الداخلية المتعلقة بالانتهاكات السابقة، ضمن نطاق وزارتهم المحددة.
جبر الضرر: المساعدة في تنفيذ برامج جبر الضرر ذات الصلة بنطاق وزارتهم، مثل تنسيق خدمات الرعاية الصحية للضحايا عبر وزارة الصحة.23
تدابير عدم التكرار: دمج التدريب في مجال حقوق الإنسان والمناهج الجديدة للموظفين داخل وزارتهم، لمنع حدوث انتهاكات في المستقبل.24
ستوفر “اللجنة المركزية للعدالة الانتقالية” التوجيه الأساسي والمشورة الفنية والمراقبة المستمرة لوحدات العدالة الانتقالية. ويضمن ذلك الاتساق بين مختلف الوزارات والالتزام بالمعايير الدولية، ويمنع تشتت الجهود. وستقدم وحدات التنفيذ المشتركة تقارير منتظمة إلى اللجنة المركزية، تتضمن آخر المستجدات بشأن التقدم المحرز والتحديات. وتتيح هذه العلاقة التكافلية تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية بشكلٍ متخصصٍ ومحدد السياق مع الحفاظ على الاتساق العام، والمساءلة أمام سلطةٍ مركزية.
وتتمثل إحدى المزايا الرئيسية لنموذج وحدة العدالة الانتقالية المقترح في ضمان الملكية الوطنية للمبادرات، ونهج مستدام وطويل الأمد لمعالجة الانتهاكات المعقدة والمتعددة الطبقات في سوريا. كما سيعزز احتمالات نجاح الأهداف الأساسية للعدالة الانتقالية، مثل الإصلاح المؤسسي وبرامج التعويضات والبحث عن الحقيقة، وضمانات عدم التكرار بهدف نهائي هو “إعادة بناء الثقة في المؤسسات والحكومة”.25
تكوين وحدات العدالة الانتقالية
لن يكون اتباع نهج واحد يناسب الجميع في التوظيف داخل وحدات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية فعالاً. فيعتمد حجم وحدة العدالة الانتقالية وتكوين موظفيها بشكل كبير على مدى صلة وزارة معينة بالعدالة الانتقالية، إضافةً إلى السياق الفريد والتحديات الخاصة بتلك الوزارة. ويعني ذلك أن هيكل الوحدة وموظفيها يجب أن يُصمما خصيصاً للدور الخاص للوزارة في معالجة الانتهاكات السابقة وإمكانية الإصلاح المستقبلية.
على سبيل المثال:
الوزارات ذات الصلة المباشرة بالانتهاكات السابقة (مثل الوزارات المرتبطة بالأمن): يُرجّح أن تتطلب هذه الوزارات وحدات أكبر حجماً وأكثر قوةً تتمتع بخبرة متخصصة في التدقيق والإصلاح المؤسسي، وربما توثيق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. فالطبيعة المعقدة وكثيفة الموارد لمهام مثل تحليل البيانات والتحقق من عمليات التدقيق في مثل هذه الوزارات تستلزم العديد من الموظفين.
الوزارات ذات التفاعل الكبير مع الضحايا (مثل الصحة والشؤون الاجتماعية): قد تحتاج وحدات العدالة الانتقالية والمصالحة في هذه الوزارات إلى موظفين ذوي خبرات كبيرة في دعم الضحايا وتقديم الرعاية النفسية وتيسير جبر الضرر، ما قد يتطلب فريقاً أكبر للتعامل مع حجم الحالات وحساسية العمل.
الوزارات ذات التأثير المجتمعي الأوسع نطاقاً (مثل التعليم والإدارة المحلية): قد تركز هذه الوحدات بشكلٍ أكبر على تطوير المناهج الدراسية وتعزيز المشاركة المجتمعية والمصالحة على المستوى الشعبي، ما يتطلب موظفين ذوي خبرة في العلوم الاجتماعية والتعليم وتنمية المجتمع.
التغلب على تحديات تنفيذ وحدات العدالة الانتقالية المتكاملة
يواجه التشغيل الناجح لوحدات العدالة الانتقالية المتكاملة (TJIUs) العديد من التحديات الكبيرة، خصوصاً بالنظر إلى تفويضها للحثّ على إحداث التغيير داخل هياكل الدولة التي يُحتمل أن تكون مقاومة، بالإضافة إلى الحاجة إلى معالجة القضايا الحرجة المتعلقة بالتمويل والخبرة في سوريا ما بعد الأسد.
وسيعتمد تمويل وحدات العدالة والمساءلة المشتركة في سوريا على نموذج هجين من مصادر مختلفة، من ضمنها ميزانيات الوزارات الخاصة والمانحين الدوليين والأموال المخصصة من الأمم المتحدة والمؤسسات، وأصول مرتكبي نظام الأسد وشركائهم التي جرى الاستيلاء عليها بموجب العقوبات الدولية، والشركات المحلية والدولية.
وستستمد وحدات العدالة الانتقالية خبرتها من المجتمع المدني السوري والاختصاصيين الدوليين. وتعتبر مشاركة المجتمع المدني السوري مهمة جداً نظراً لمعرفته العميقة بالنزاع وتوثيقه الدقيق للانتهاكات الحقوقية على مدى سنوات. وتمتلك سوريا شبكة واسعة من المحامين والقضاة والأطباء والناشطين ذوي الخبرة الذين يعملون على قضايا العدالة والمساءلة من داخل البلاد ومن خارجها. ويمكن للهيئات الدولية والأمم المتحدة تقديم المساعدة التقنية والتدريب والتوجيه بشأن وضع الأطر القانونية وتنفيذ برامج جبر الضرر، وتكييف أفضل الممارسات من دول أخرى في مرحلة ما بعد النزاع مع السياق السوري.
ويتمثل أحد المخاطر والتحديات الكبيرة في النهج الحكومي الشامل المقترح للعدالة الانتقالية، في ضعف سلطة وقدرة وشرعية العديد من الوزارات السورية. فبعد سنواتٍ من النزاع والعقوبات، أُفرغت العديد من الوزارات من محتواها، ما يزيد خطر حدوث “فجوة في التنفيذ”، فتفشل السياسات والمبادرات المصممة جيداً من قبل وحدات العدالة الانتقالية في تفعيلها على أرض الواقع، وتصبح وحدات العدالة الانتقالية بعد ذلك إيماءات رمزية بدلاً من أدوات فعالة للإصلاح.26 لكن السبيل للتخفيف من هذا الخطر هو التركيز على بناء القدرات القوية وخطوط واضحة للسلطة والتقييم المستمر للتقدم المحرز في التنفيذ، والدعم السياسي المستدام داخل الوزارات المعنية.
ويكمن التحدي الآخر الذي تعاني منه وحدات العدالة الانتقالية والمشتركة، في التوتر المتأصل بين الحاجة إلى الحفاظ على المؤسسات التي يُحتمل أن تواجهها في العديد من الوزارات، وحتمية الإصلاح التحويلي الذي تأمل في تحقيقه. فهذه الوحدات مصممة لإصلاح المؤسسات من الداخل، إلا أنها، خصوصاً المرتبطة بالأمن، عملت تاريخياً كأدواتٍ للقمع والفساد. ويُتوقع أن تواجه مقاومة للتغيير داخل هذه المؤسسات، ومن ضمنها التردد في تبني ممارساتٍ جديدة. ويشير ذلك إلى أن الوحدات ستحتاج إلى اعتماد نهجٍ دقيق، يوازن بين ضرورة المساءلة والحاجة العملية إلى الاستقرار المؤسسي، والاحتفاظ بالخبرات. وقد تُزعزع عمليات التطهير العدوانية المفرطة استقرار وظائف الدولة الحيوية، في حين قد يؤدي الإصلاح غير الكافي إلى استمرار الإفلات من العقاب وتقويض ثقة الجمهور. وينبغي على هذه الوحدات أن تتخطى هذا التوازن الدقيق، ما يتطلب قيادة سياسية قوية وصنع قرار استراتيجي.27 ويطرح هذا الوضع معضلة جوهرية: الحاجة إلى تحويل المؤسسات المتواطئة بشدة مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرتها الوظيفية.
IV. أمثلة على الدور المحتمل للوزارات السورية الرئيسية في مقاربة الحكومة بأكملها للعدالة الانتقالية
في سوريا ما بعد النزاع، يجب أن تلعب وزارات عدة أخرى، غير وزارات العدل والداخلية والدفاع، دوراً حاسماً في العدالة الانتقالية عبر معالجة الأسباب الجذرية للنزاع وتنفيذ الإصلاحات اللازمة. وفي ما يأتي أمثلة على التدابير التي يمكن لبعض هذه الوزارات اتخاذها سعياً إلى تحقيق مقاربة شاملة للحكومة في العدالة الانتقالية.
وزارة الصحة
تعتبر وزارة الصحة السورية ذات أهمية قصوى في سياق العدالة الانتقالية، نظراً لاستخدام نظام الأسد للقطاع الصحي كسلاح خلال النزاع. فقصف المستشفيات التي فقد السيطرة عليها، بينما حوّل بعضها التي كانت تحت سيطرته إلى أماكن للتعذيب. كما كان للنزاع تأثير مباشر على المهن الطبية. فارتكب بعض العاملين في هذا المجال انتهاكات أو كانوا حاضرين أثناء جلسات التعذيب، في حين تعرض الأطباء أو الممرضون الذين سعوا إلى تقديم الرعاية للمتظاهرين الجرحى للاعتقال أو الاختفاء. يمكن لوحدة العدالة الانتقالية في وزارة الصحة أن توثق الاعتداءات على المرافق الطبية والعاملين فيها في ظل حكم نظام الأسد، وتسييس الوصول إلى الرعاية الصحية، وغيرها من الجرائم المتعلقة بالصحة. ومن الضروري توثيق هذه الجرائم والمستشفيات والمرافق المتورطة فيها بدقة قبل إجراء أي تعديلات عليها – سواء من خلال الترميم أو الهدم أو إعادة الإعمار – فشكلت هذه المواقع حلقة وصل أساسية في تفعيل الاختفاء القسري والقتل تحت التعذيب.
علاوة على ذلك، لوزارة الصحة دور أساسي في ما يتعلق بـ:
التعويضات الصحية والنفسية التي تشمل تقديم المشورة بشأن برامج الدعم النفسي والجسدي للضحايا والأفراد المتضررين.
إنصاف الأطباء والممرضين الذين فقدوا تراخيصهم أو وظائفهم، لمساعدتهم في علاج المتظاهرين أو المقاتلين الجرحى.
اعتماد مدونة سلوك جديدة، تحتم عدم إشراف/مشاركة أي طبيب أو موظف طبي في التعذيب أو سوء المعاملة.
وزارة الأوقاف
وزارة الأوقاف هي الجهة المسؤولة عن إدارة الشؤون الدينية الإسلامية والأوقاف، ومن ضمنها الأوقاف الخيرية الإسلامية. وإلى جانب المؤسسات التي تمثل الأديان الأخرى، تضطلع الوزارة بدور فريد وحاسم في عملية العدالة الانتقالية في سوريا. وبفضل مكانتها الدينية والمجتمعية الكبيرة، وسيطرتها على عقارات وأموال وقفية كبيرة، يمكنها المساهمة في العدالة الانتقالية بطرقٍ مهمة.
وعلى وجه التحديد، تستطيع:
تسهيل جبر الضرر الروحي والنفسي للضحايا، ومعالجة الأضرار غير المادية التي لحقت بهم. فيمكن أن تنظم وتدعم طقوس الشفاء للمجتمعات المتضررة، لخلق وتعزيز طقوس أو شعائر الشفاء التقليدية. فقد تساعد الضحايا على إيجاد معنى لمعاناتهم، وإعادة التواصل مع عقيدتهم أو هويتهم الثقافية، والمضي قدمًا نحو المغفرة والسلام الداخلي. وكما أشار كتاب “دليل أكسفورد للدين والصراع وبناء السلام”، لا سيما من قبل دانيال فيلبوت، فإن التقاليد الدينية توفر أطرًا أخلاقية عميقة لبناء السلام والمصالحة ومرتبطة بممارسات العدالة الانتقالية.
توثيق وتسجيل الانتهاكات التي ارتكبت ضد المنشآت الدينية، وبالتالي ضد المرتبطين بها.
المساهمة في تدابير جبر الضرر. في حزيران/يونيو 2025، صرح الوزير المعاون لوزير الأوقاف سامر بيرقدار، في مقابلة تلفزيونية أن “الوزارة تعيد تنظيم إدارتها وإعادة تقييم ممتلكاتها الوقفية”. وعرّف الوقف بأنه تخصيص أصل مادي للمنفعة العامة، ويتم التبرع به لجهة مباحة. وذكر أن الوزارة “غنية للغاية بالعقارات”. وقال أيضًا إن أموال الوقف تستثمر في أوقاف أخرى ومشاريع استثمارية وتنموية، كما تُنفق على الفقراء والمحتاجين، والجمعيات الخيرية.
وزارة التربية والتعليم
تعتبر وزارة التربية والتعليم في وضع فريد للاستفادة من دمج مستشارين متخصصين في مجال العدالة الانتقالية.28 ويمكن لهؤلاء الخبراء التعاون مع الوزارة لتطوير مناهج تعليمية تعمل بفاعلية على:
تعزيز الوعي بتاريخ النزاع وانتهاكات حقوق الإنسان، وتعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي. يمكن للوزارة فرض إدراج موضوعات تتعلق بالتسامح والتنوع وحقوق الإنسان وحل النزاعات بالطرق السلمية في جميع المواد الدراسية، وليس فقط الدراسات الاجتماعية. مثلاً تتيح دروس الأدب استكشاف كتبٍ من ثقافات مختلفة، وتدرس مادة التاريخ الأسباب الجذرية للصراع وحركات السلام الناجحة. وتستطيع الوزارة أيضًا تدريب المعلمين وتشجيعهم على استخدام أساليب تدريس تراعي الخلفيات الثقافية لجميع الطلاب.
ضمان دمج روايات الضحايا والدروس المستفادة من الماضي لمنع تكرارها.
تطبيق نهج يراعي الأطفال في عمليات وآليات العدالة الانتقالية ضمن المناهج الدراسية.29
يُعد دمج هذه المبادئ في النظام التعليمي أمراً بالغ الأهمية لتنشئة جيلٍ يفهم تاريخه، ويلتزم ببناء مستقبلٍ أكثر عدالةً واستقراراً. كما يمكن لوحدة العدالة الانتقالية التابعة لوزارة التربية والتعليم معالجة استخدام المدارس لأغراض عسكرية أو سياسات تعليمية تمييزية. يُسهم هذا الجمع المحلي للبيانات في دعم عمليات البحث عن الحقيقة على المستوى الوطني الأوسع نطاقًا.
الخاتمة والتوصيات الاستشرافية
يُعتبر تنفيذ وحدات العدالة الانتقالية المتكاملة في سوريا ما بعد الأسد ضرورةً حاسمة وتحدياً كبيراً في الوقت نفسه. وستعمل هذه الوحدات كآلية حيوية على الموقع الإلكتروني على مستوى الحكومة بأكملها، لتضمين المساءلة والإصلاح المؤسسي مباشرة داخل الوزارات التي كانت مركزية في الجهاز القمعي للنظام، والوزارات الأخرى المعنية بتنفيذ العدالة الانتقالية. وسيتوقف نجاح هذه الآلية على علاقة تكافلية مع هيئة مركزية للعدالة الانتقالية، ما يسمح باتباع نهج لامركزي ومتماسك في الوقت نفسه لمعالجة إرث الفظائع المنهجية. وستوفر مفوضية العدالة الانتقالية التوجيه والإشراف الاستراتيجي، بينما تقود وحدات العدالة الانتقالية التنفيذ التشغيلي على المستوى القطاعي.
الطريق إلى التشغيل الفعال لوحدات العدالة الانتقالية محفوف بتحدياتٍ كبيرة. فالعمل داخل وزارات متواطئة تاريخياً في الانتهاكات، لا سيما القطاعات المرتبطة بالأمن، ينطوي على مخاطر متأصلة تتمثل في مقاومة التغيير واستمرار الإفلات من العقاب، ومحدودية القدرة المؤسسية. كما أن هذه الوحدات معرضة للاستيعاب والاستغلال من قبل الجهات السياسية التي تسعى إلى تقويض ولايتها أو التلاعب بها. ويكمن وراء هذه العقبات التشغيلية تحدٍ مستمر يتجسد في توليد الإرادة السياسية والحفاظ عليها، فقد تكون مراوغة ومعقدة بسبب المصالح المتضاربة ومقاومة المتورطين في انتهاكات الماضي.
والأهم من ذلك، ونظراً إلى عمق انعدام الثقة بين المجتمعات المحلية ومؤسسات الدولة في سوريا، يبرز المجتمع المدني كشريك لا غنى عنه. فمنظمات المجتمع المدني ليست مجرد جهات معنية، بل هي الجهات الرئيسية التي تضفي الشرعية على العدالة الانتقالية وتدعمها. وتشمل أدوارها المناصرة وتعبئة الضحايا والرصد المستقل والمشاركة في تصميم البرامج، وتوفير الخدمات الأساسية التي تبني بشكلٍ مباشر ثقة المجتمع المحلي وقدرته على الصمود. كما أن مساهماتهم المتمثلة في “القوة الناعمة”، من خلال المبادرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الملموسة، تخلق بشكلٍ غير مباشر بيئة مواتية لجهود العدالة الانتقالية التي تقودها الدولة لتحظى بالقبول.
واستناداً إلى هذا التحليل، تُقترح التوصيات التطلعية الآتية على صانعي السياسات والممارسين:
التصميم الاستراتيجي والتفويض القانوني: وضع إطار عمل واضح ومفوض قانونياً من قبل الحكومة، بالتشاور مع مفوضية العدالة الانتقالية لوحدات العدالة الانتقالية، يحدد بدقة صلاحياتها ومسؤولياتها وحدودها. يجب أن يضمن ذلك استقلاليتها التشغيلية في الوزارات المضيفة مع الحفاظ على رقابة وتوجيه قويين من هيئة مركزية للعدالة الانتقالية لضمان الاتساق والالتزام بالمعايير الدولية.
إعطاء الأولوية للتنفيذ المرتكز على القدرات: يجب على هيئة العدالة الانتقالية والداعمين الدوليين لها في سوريا إعطاء الأولوية لبناء القدرات الكبيرة داخل الوزارات التي تستضيف وحدات العدالة الانتقالية، وتوفير الموارد البشرية والتقنية الكافية، إلى جانب برامج التدريب المستهدفة للموظفين.
تنفيذ آليات مساءلة دقيقة: تصميم وتنفيذ سياسات التدقيق والتطهير التي توازن بدقة بين ضرورة المساءلة والحاجة العملية إلى الاحتفاظ بالخبرة المؤسسية الأساسية. والالتزام الصارم بمبدأ “التدقيق، لا التطهير”، مع التركيز على السلوك الفردي مع ضمان حماية الإجراءات القانونية الواجبة لمنع عمليات التطهير المزعزعة للاستقرار.
تطوير استراتيجيات الإرادة السياسية متعددة الأبعاد: تنفيذ استراتيجيات شاملة لتوليد الالتزام السياسي بالعدالة الانتقالية والحفاظ عليه، ومن ضمنها بيروقراطية الدولة. ويشمل ذلك إشراك أصحاب المصلحة على نطاقٍ واسع، وتعبئة الجمهور عبر التواصل الشفاف، وتخصيص الموارد بشكلٍ متسق وطويل الأجل، وإنفاذ عقوبات موثوقة ضد من يعرقلون العدالة.
تعزيز شراكات المجتمع المدني الممكّنة: إقامة شراكات عميقة ومصممة بشكلٍ مشترك مع منظمات المجتمع المدني، والاستفادة من شرعيتها المتأصلة وثقتها الراسخة داخل المجتمعات المحلية. والانتقال من التشاور الرمزي إلى التعاون الحقيقي في تصميم برامج العدالة الانتقالية، وتنفيذها والإشراف عليها في قطاعات خبرتها، مع الاعتراف بدورها الحيوي في سدّ فجوة الثقة.
تبني نُهُج التكيف والنُهج الخاصة بالسياق: الاعتراف بأن عمليات العدالة الانتقالية ديناميكية وينبغي أن تتكيف باستمرار مع الظروف الفريدة والمتطورة لكل سياقٍ انتقالي. وتعد المرونة والتعلم المستمر، والاستعداد لتعديل الاستراتيجيات بناءً على التقييم المستمر، من الأمور الحاسمة لتحقيق النجاح على المدى الطويل.
الجدول 1: أمثلة على تكامل العدالة الانتقالية داخل وزارات الدولة
الدولة الوزارة/الوحدة وظيفة/مبدأ العدالة الانتقالية المتكاملة البرنامج/الآلية المحددة المصدر (المصادر)
تشيلي وزارة الصحة التعويضات (الرعاية الصحية) برنامج التعويضات والرعاية الصحية المتكاملة (PRAIS) ليرا, 2018؛ مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، من دون تاريخ
تشيلي وزارة الداخلية التعويضات (المعاشات التقاعدية) إدارة برنامج المعاشات التقاعدية بعد حلّ اللجنة الوطنية للتعويضات المركز الدولي للعدالة الانتقالية، 2007 (بالنسبة إلى اللجنة الوطنية للتعويضات والمصالحة ودور الدولة اللاحق في المعاشات التقاعدية)؛ مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، رقم المبيع (بالنسبة إلى التعويضات العامة في تشيلي)
كولومبيا وحدة الضحايا (UARIV) التعويضات (المساعدة والإصلاح الشامل) جزء من النظام الوطني للعناية بالضحايا وتعويضهم (NSARV) منظمة العفو الدولية، 2012؛ القانون رقم 1448 لعام 2011؛ وحدة الضحايا في كولومبيا (UARIV، رقم التفويض الرسمي)
كولومبيا وحدة إعادة الأراضي (URT) التعويضات (استرداد الأراضي) جزء من النظام الوطني للعناية بالضحايا وتعويضهم (NSARV) منظمة العفو الدولية، 2012؛ القانون رقم 1448 لعام 2011؛ وحدة إعادة الأراضي في كولومبيا، بدون تاريخ (للاطلاع على التفويض الرسمي لوحدة إعادة الأراضي)
كولومبيا المركز الوطني للذاكرة التاريخية (NCHM) البحث عن الحقيقة (الذاكرة التاريخية) جزء من النظام الوطني للعناية بالضحايا وتعويضهم (NSARV) منظمة العفو الدولية، 2012؛ القانون رقم 1448 لعام 2011؛ المركز الوطني للذاكرة التاريخية، 2012 (للاطلاع على التفويض الرسمي للمركز الوطني للذاكرة التاريخية)
جورجيا وزارة الشؤون الداخلية حماية حقوق الإنسان إدارة حماية حقوق الإنسان وزارة الشؤون الداخلية الجورجية، 2018 (عن إنشاء الإدارة)؛ تحليلات الأرقام، رقم (عن الحماية العامة لحقوق الإنسان في وزارة الشؤون الداخلية)
كينيا القضاء الإصلاح المؤسسي (التدقيق) مجلس فحص القضاة وقضاة الصلح الدستور الكيني، 2010 (للإنشاء)؛ السلطة القضائية في كينيا، الثانية (للاطلاع على لمحة عامة عن عملية التدقيق)
كينيا الهيئة المستقلة للرقابة الشرطية الإصلاح المؤسسي (التدقيق في الشرطة) الرقابة على التدقيق في الشرطة والتجاوزات التي ترتكبها الشرطة الهيئة المستقلة للإشراف على الشرطة (IPOA)، الثانية (للاطلاع على ولاية الهيئة المستقلة للإشراف على الشرطة)؛ دستور كينيا، 2010 (للاطلاع على الأساس القانوني)
جنوب أفريقيا وزارة العدل والتطوير الدستوري التعويضات (التعليم والطب والنصب التذكارية والإعادة إلى الوطن) وحدة لجنة الحقيقة والمصالحة وزارة العدل والتطور الدستوري، من دون تاريخ؛ برلمان جنوب أفريقيا، 2025
تايوان وزارة التعليم (عن طريق توصية لجنة العدالة الانتقالية) الإصلاح المؤسسي (مناهج التعليم) إدماج العدالة الانتقالية في العلوم المدنية/الاجتماعية وزارة التربية والتعليم، الثانية – ب؛ تايبيه تايمز، 2020؛ تايبيه تايمز، 2023
تايوان مجلس العدالة الانتقالية التنسيق بين الجهات الحكومية تنسيق مبادرات العدالة الانتقالية بين الوكالات تايبيه تايمز، 2022 (في ما يخص حل مجلس العدالة الانتقالية ودور الآليات التي ستخلفه)؛ بوابة حكومة جمهورية الصين (تايوان)، عام 2022 (للإشراف/التنسيق الحكومي)
العراق وزارة الخارجية القانون الدولي الإنساني قسم القانون الدولي الإنساني اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولية، 2022 (للسياق العام لدمج القانون الدولي الإنساني في العراق)؛ القانون الدولي الإنساني في العراق، الثانية (إذا أمكن العثور على مصدر حكومي محدد لولاية القسم)
مراجع الجدول:
Amnesty International. (2012). Colombia: The Victims and Land Restitution Law: An Amnesty International analysis. AMR 23/018/2012. https://www.amnesty.org/ar/wp-content/uploads/2021/06/amr230182012en.pdf
Constitution of Kenya. (2010). Retrieved from https://www.parliament.go.ke/sites/default/files/2017-05/The%20Constitution%20of%20Kenya.pdf
Department of Justice and Constitutional Development. (n.d.). Truth and Reconciliation Commission. Retrieved from https://www.justice.gov.za/trc/
Georgian Ministry of Internal Affairs. (2018, January 15). Human Rights Protection Department Established at MIA. Retrieved from https://police.ge/en/useful-information/news/human-rights-protection-department-established-at-mia-0/
ICTJ (International Center for Transitional Justice). (2007). Reparations in Chile: An Overview. Retrieved from https://www.ictj.org/sites/default/files/ICTJ-Reparations-Chile-Overview-2007-English.pdf
ICRC (International Committee of the Red Cross). (2022). Iraq: Implementing International Humanitarian Law. Retrieved from https://www.icrc.org/en/document/iraq-implementing-international-humanitarian-law (This is a general article; a more specific governmental source on the IHL Section would be ideal if available).
IPOA (Independent Policing Oversight Authority). (n.d.). About Us. Retrieved from https://ipoa.go.ke/about-us/
Judiciary of Kenya. (n.d.). Judges and Magistrates Vetting Board. Retrieved from https://www.judiciary.go.ke/about-us/judges-and-magistrates-vetting-board/
Law 1448 of 2011. Por la cual se dictan medidas de atención, asistencia y reparación integral a las víctimas del conflicto armado interno y se dictan otras disposiciones [By which measures of attention, assistance and integral reparation are dictated to the victims of the internal armed conflict and other provisions are dictated]. Retrieved from https://reparations.qub.ac.uk/assets/uploads/Victims-Law-1448-2011.pdf
Lira, E. (2018). Reparation Policies in Chile. In The Politics of Memory in Chile (pp. 209-234). Oxford Academic.
Ministry of Education, Republic of China (Taiwan). (n.d.-b). Implementation of the National Action Program for Transitional Justice Education and promotion of educational efforts in this area. Retrieved from https://english.moe.gov.tw/cp-48-39453-990a4-1.html
Parliament of South Africa. (2025, May 20). Media Statement: Justice Committee Cautiously Optimistic About TRC Prosecutions Progress. Retrieved from https://www.parliament.gov.za/press-releases/media-statement-justice-committee-cautiously-optimistic-about-trc-prosecutions-progress
Republic of China (Taiwan) Government Portal. (n.d.). Agencies. Retrieved from https://www.taiwan.gov.tw/gov/organ_en.php (This provides an overview of government structure; more specific info on a “Transitional Justice Board” might be needed if it’s a distinct entity post-TJC).
Taipei Times. (2020, May 22). Schools to include lessons on state-inflicted violence. Retrieved from https://www.taipeitimes.com/News/taiwan/archives/2020/05/22/2003736853
Taipei Times. (2022, May 31). Transitional Justice Commission disbands, tasks passed to government agencies. Retrieved from https://www.taipeitimes.com/News/taiwan/archives/2022/05/31/2003779373
Taipei Times. (2023, July 16). Civil servants to take transitional justice courses. Retrieved from https://www.taipeitimes.com/News/front/archives/2023/07/16/2003803247
الجدول 2: التسلسل الزمني للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا (NCTJ)
13 آذار/مارس 2025
صدر الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، ونصت المادة 49 منه، بعنوان هيئة العدالة الانتقالية على ما يأتي:
تُنشأ هيئة للعدالة الانتقالية، وتعتمد آليات فعالة وتشاورية تتمحور حول الضحايا، لتحديد آليات المساءلة والمحاسبة والحق في معرفة الحقيقة وإنصاف الضحايا والناجين، وتكريم الشهداء.
17 أيار/مايو 2025
أنشأ المرسوم الرئاسي رقم 20 رسميًا الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا.
كما نصّ المرسوم على:
تعيين رئيس الهيئة.
تحديد مهلة 30 يومًا لتشكيل فريق عمل وصياغة نظامها الداخلي.
23 أيار/مايو 2025
وأوجز عبد الباسط عبد اللطيف، الرئيس المعين للجنة، مهامها الرسمية على النحو الآتي:
الكشف عن حقيقة الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السابق.
محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
إنصاف الضحايا.
إرساء مبادئ عدم التكرار وتعزيز المصالحة الوطنية.
وذكر عبد اللطيف عزمه تشكيل فريق عمل خلال مهلة الثلاثين يوماً، يضم ممثلين عن الضحايا وخبراء قانونيين وحقوقيين ومتخصصين في مجال حقوق الإنسان واختصاصيين في الطب الشرعي، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني. ويشمل الهيكل التشغيلي المخطط له أيضًا:
طلب المساعدة من مجلس استشاري يمثل الضحايا ويرافق عمل اللجنة في جميع المراحل، ومن ضمنها صياغة نظامها الداخلي.
اعتماد خارطة طريق عملية وواضحة ومرحلية مبنية على أسس واقعية تراعي السياق السوري الفريد.
خطة وطنية للتوعية بمفهوم العدالة الانتقالية.
منصة إلكترونية لتلقي الشكاوى.
آليات للتواصل مع المجتمع المحلي.
إصدار تقارير دورية ذات مصداقية توثق إنجازاتها.
31 تموز/يوليو 2025
قدم رئيس هيئة العدالة الانتقالية تحديثاً للمعلومات، مؤكداً أن الهيئة لا تزال في طور التشكيل وتستعد لإطلاق عملها رسمياً.
13 آب/أغسطس 2025
نشرت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تقريرًا موجزًا عن مرحلة التأسيس، مسلطًا الضوء على التحديات ومقترحًا توصيات استراتيجية.
ومن التحديات الرئيسية التي حددها التقرير صعوبة التعامل مع المؤسسات الحكومية. وأصدرت الهيئة توصية بإنشاء آليات تنسيق واضحة بين هيئة العدالة الانتقالية والوزارات والمؤسسات الحكومية ذات الصلة.
كما أكد التقرير أهمية التعلم من تجارب الدول الأخرى. 30 من الجدير بالذكر، أن التقرير أوضح أيضاً العبارة الغامضة في المرسوم المنشئ للهيئة، من “كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد”، والتي فهمت على نطاق واسع أنها “تركز حصريا على انتهاكات النظام السابق”، إلى “كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال حكم النظام البائد”.
Endnotes ↑1 OHCHR, About Transitional Justice and Human Rights, n.d., https://www.ohchr.org/en/transitional-justice/about-transitional-justice-and-human-rights
↑2 UN Security Council Report, United Nations Approach to Transitional Justice, n.d., https://www.securitycouncilreport.org/atf/cf/%7B65BFCF9B-6D27-4E9C-8CD3-CF6E4FF96FF9%7D/TJ_Guidance_Note_March_2010FINAL.pdf
↑3 المرجع نفسه.
↑4 International Center for Transitional Justice, How Context Shapes Transitional Justice in Fractured Societies, 2017, https://syriaaccountability.org/content/images/wordpress/ICTJ_Book_JusticeMosaics_2017.pdf
↑5 Naomi Roht-Arriaza and Javier Mariezcurrena, eds., Transitional Justice in the Twenty-First Century: Beyond Truth versus Justice, Cambridge University Press, 2006.
↑6 Amanda Cats-Baril, “Moving Beyond Transitions to Transformation: Interactions between Transitional Justice and Constitution-Building”, International IDEA Policy Paper No. 22, International IDEA, 2019.
↑7 De Greiff, Pablo, Duthie, Roger, “Transitional Justice and Development: Making Connections”, Social Science Research Council, June 2009.
↑8 OHCHR, Transitional Justice and Economic, Social and Cultural Rights, United Nations, 2014, https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Publications/HR-PUB-13-05.pdf
↑9 David A. Crocker, “Reckoning with Past Wrongs: A Normative Framework”, Ethics & International Affairs 13 (1999), pp. 43-64, doi:10.1111/j.1747-7093.1999.tb00326.x
↑10 OHCHR, Rule-of-Law Tools for Post-Conflict States: Reparations Programmes, n.d., https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Publications/ReparationsProgrammes.pdf
↑11 Elizabeth Lira, “Reparation Policies in Chile”, in The Politics of Memory in Chile, Oxford University Press, 2018, pp. 209-234, https://academic.oup.com/book/26106/chapter-abstract/194098865?redirectedFrom=fulltext
↑12 Law 1448 of 2011, Victims and Land Restitution Law, (By which measures of attention, assistance and integral reparation are dictated to the victims of the internal armed conflict and other provisions are dictated) https://reparations.qub.ac.uk/assets/uploads/Victims-Law-1448-2011.pdf
↑13 Amnesty International, Colombia: The Victims and Land Restitution Law: An Amnesty International Analysis, AMR 23/018/2012, 2012, https://www.amnesty.org/ar/wp-content/uploads/2021/06/amr230182012en.pdf
↑14 المرجع نفسه.
↑15 المرجع نفسه.
↑16 Law 1448 of 2011, Victims and Land Restitution Law, By which measures of attention, assistance and integral reparation are dictated to the victims of the internal armed conflict and other provisions are dictated https://reparations.qub.ac.uk/assets/uploads/Victims-Law-1448-2011.pdf
↑17 Department of Justice and Constitutional Development (South Africa), Truth and Reconciliation Commission, n.d., https://www.justice.gov.za/trc//
↑18 Parliament of South Africa, “Media Statement: Justice Committee Cautiously Optimistic About TRC Prosecutions Progress”, 20 May 2025, https://www.parliament.gov.za/press-releases/media-statement-justice-committee-cautiously-optimistic-about-trc-prosecutions-progress
↑19 Taipei Times, “Civil Servants to Take Transitional Justice Courses”, 16 July 2023, https://www.taipeitimes.com/News/front/archives/2023/07/16/2003803247
↑20 Ministry of Education, Republic of China (Taiwan), Implementation of the National Action Program for Transitional Justice Education and Promotion of Educational Efforts in This Area, n.d., https://english.moe.gov.tw/cp-48-39453-990a4-1.html
↑21 المرجع نفسه.
↑22 US Department of State, Transitional Justice Overview, n.d., https://2009-2017.state.gov/j/gcj/transitional/257566.htm
↑23 US Department of State, Lustration and Vetting, n.d., https://2009-2017.state.gov/j/gcj/transitional/257569.htm
↑24 OHCHR, Rule-of-Law Tools for Post-Conflict States: Reparations Programmes, n.d., https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Publications/ReparationsProgrammes.pdf
↑25 United States Institute of Peace (USIP), Transitional Justice: Information Handbook, n.d., https://www.usip.org/sites/default/files/ROL/Transitional_justice_final.pdf
↑26 “A Framework for Assessing Political Willing in Transitional Justice Contexts”, n.d., متاح على https://www.researchgate.net/publication/331185315_A_framework_for_assessing_political_will_in_transitional_justice_contexts
↑27 Cynthia Horne, “Transitional Justice: Vetting and Lustration”, 2017, doi:10.4337/9781781955314.00030.
↑28 UNESCO, Recommendation on Education for Peace, Human Rights and Sustainable Development, 2023, https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000391686_eng/PDF/391686eng.pdf.multi.page=3
↑29 UN Secretary-General, Guidance Note of the Secretary-General: United Nations Approach to Transitional Justice, n.d
↑30 المصدر نفسه.
لتحميل المقال من الرابط التالي
صحفي سوري ومدافع عن حقوق الإنسان
مبادرة الصلاح العربي
————————————-
ما التحديات التي تواجه العدالة الانتقالية في سوريا
نشر الصحفي المدافع عن حقوق الإنسان، منصور العمري، ورقة بحثية تناول فيها التحديات التي تواجه مسار العدالة في سوريا بعد تشكيل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، في 17 من أيار الماضي.
واعتمدت الورقة،التي نشرت الأربعاء 3 من أيلول، في مؤسسة “مبادرة الإصلاح العربي” للأبحاث بعنوان “تعميم العدالة الانتقالية في سوريا: مقترح للتكامل الوزاري”، على مراجعة تجارب دولية ومقترحات عملية.
وشددت الورقة على أن معالجة الانتهاكات الواسعة لا يمكن أن تقتصر على لجنة مركزية، بل تتطلب إدماج العدالة الانتقالية في عمل الوزارات نفسها عبر وحدات متخصصة، بما يجعلها جزءًا من الحوكمة اليومية وإصلاح مؤسسات الدولة.
وينطلق الباحث من أن الانتهاكات التي وقعت في أثناء النزاع لم تقتصر على قوات أمن محددة، بل تغلغلت في مختلف أجهزة الدولة، ومن ضمنها المسؤولة عن الرعاية الصحية والتعليم والممتلكات، لذلك تتطلب معالجة هذه الأمور فهمًا واستجابة خاصة بكل قطاع على حدة.
وبحسب الورقة البحثية، فإن بناء سوريا الجديدة يتطلب نهجًا مختلفًا يقوم على إدماج العدالة الانتقالية في عمل الوزارات نفسها، عبر وحدات متخصصة ترتبط مباشرة بالوزراء، وتكون مسؤولة أمام الهيئة المركزية، بما يضمن أن تتحول مبادئ المساءلة وجبر الضرر وعدم التكرار إلى جزء من الحوكمة اليومية.
وأكد منصور أن هذه المقاربة الشاملة للحكومة تمثل رؤية ضرورية لمعالجة عمق الانتهاكات، وإعادة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، عبر دمج الضحايا ومطالبهم في السياسات العامة، بعيدًا عن الاقتصار على آليات مركزية غالبًا ما تكون محدودة التأثير.
نقد للنهج التقليدي في العدالة الانتقالية
توضح الورقة أن العدالة الانتقالية لطالما اعتمدت في بلدان ما بعد النزاع على لجان مركزية، سواء كانت لجان حقيقة أو محاكم خاصة أو برامج جبر ضرر، ورغم أن هذه الآليات شكلت خطوات أساسية، فإنها ظلت في الغالب معزولة عن مؤسسات الدولة، وهو ما جعل قدرتها على إحداث تغيير مستدام محدودة.
وكان الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، أصدر 17 من أيار الماضي المرسوم رقم “19”، القاضي بتشكيل هيئة مستقلة باسم “الهيئة الوطنية للمفقودين”، تتولى مهمة البحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسرًا، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم.
وأشار منصور إلى أن هذا النموذج لا ينسجم مع طبيعة الانتهاكات في سوريا، إذ لم تقتصر على الأجهزة الأمنية والعسكرية، بل امتدت إلى الصحة والتعليم والإدارة والممتلكات، وبالتالي فإن المعالجة تحتاج إلى مقاربة قطاعية تفصيلية، لكل وزارة دور فيها.
وخلص إلى أن الاعتماد على لجنة واحدة ذات صلاحيات عامة يضعها أمام مهام تفوق قدراتها، إذ يتعين عليها التحقيق في الانتهاكات، وإصدار توصيات، والإشراف على إصلاحات، من دون امتلاك أدوات التنفيذ المباشرة داخل الوزارات.
وأشار منصور إلى أن الأمم المتحدة وخبراءها، مثل بابلو دي غريف، المقرر الأممي السابق، شددوا على أن برامج التعويض مثلًا لا يمكن أن تُدار من هيئة واحدة، لأنها تحتاج إلى وزارات عدة، كالصحة والتعليم والإسكان، وهو ما يجعل “المقاربة الحكومية الكاملة” أكثر واقعية وفعالية.
وبدورها، أكدت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” بتقريرها الصادر في 17 من نيسان الماضي، أن الخطوة الأولى لتحقيق العدالة الانتقالية تتمثل في تشكيل هيئة وطنية متخصصة، تتمتع بالكفاءة والنزاهة والخبرة، وتضم شخصيات مستقلة تمثل مختلف أطياف المجتمع السوري.
وقال مدير “الشبكة السورية”، فضل عبد الغني، إنه لضمان نجاح عملية العدالة الانتقالية في سوريا، من الضروري أن تعمل جميع آليات العدالة الانتقالية بصورة متوازية ومتكاملة تحت إدارة موحدة ضمن إطار هيئة العدالة الانتقالية لمعالجة جميع أوجه الانتهاكات بشكل منسق، وتعزيز فعاليتها واستجابتها لاحتياجات الضحايا والمجتمع السوري ككل.
وحدات العدالة الانتقالية في الوزارات
يقترح منصور في ورقته البحثية إنشاء وحدات متخصصة داخل كل وزارة، بحيث تتناسب طبيعتها مع عمل الوزارة والسياق التاريخي المرتبط بها. وتكون هذه الوحدات مسؤولة عن مهام مثل إصلاح السياسات الداخلية، ومراجعة ملفات الموظفين المتورطين في الانتهاكات، والمساهمة في البحث عن الحقيقة من خلال الأرشيفات، وتنفيذ برامج جبر الضرر المرتبطة بالقطاع، كتقديم الرعاية الصحية للضحايا عبر وزارة الصحة.
وتؤكد الورقة أن أحد أهم أهداف هذه الوحدات هو دمج مبدأ عدم تكرار الجرائم والانتهاكات داخل البيروقراطية السورية، عبر تدريب الموظفين على حقوق الإنسان، وتطوير المناهج التعليمية، واعتماد مدونات سلوك مهنية جديدة. كما ستعمل هذه الوحدات على ضمان تواصل مباشر مع الضحايا والمجتمع المدني، بما يحول دون بقاء العدالة الانتقالية مجرد شعار سياسي.
لكن الورقة تنبه إلى تحديات حقيقية تواجه هذا الطرح، منها ضعف مؤسسات الدولة بعد سنوات النزاع والعقوبات، وخطر أن تتحول هذه الوحدات إلى مجرد هياكل شكلية إذا غابت الإرادة السياسية والتمويل الكافي، لذا يقترح منصور أن يُموَّل عمل الوحدات عبر مزيج من ميزانيات الوزارات، ودعم المانحين الدوليين، والاستفادة من أموال النظام السابق المصادرة بموجب العقوبات.
تجارب دولية ودروس لسوريا
تستعرض الورقة البحثية تجارب دول أخرى لإثبات جدوى هذا النهج، ففي تشيلي، قادت وزارة الصحة منذ 1991 برنامجًا شاملًا للرعاية الطبية والنفسية لضحايا العنف السياسي وأسرهم.
وفي كولومبيا، وزعت وزارات الزراعة والإسكان والبيئة أدوارًا محددة لتنفيذ قانون الضحايا وإعادة الأراضي، بما شمل إعادة المساكن وتعويض المتضررين.
أما في جنوب إفريقيا، فقد تولت وزارة العدل مسؤولية تنفيذ توصيات لجنة الحقيقة والمصالحة، بما في ذلك دعم المجتمعات المحلية والبحث عن رفات ضحايا الفصل العنصري.
وفي تايوان، اندمجت مفاهيم العدالة الانتقالية في المناهج التعليمية بدعم وزارة التربية، لضمان ترسيخ قيم حقوق الإنسان في الأجيال المقبلة.
تستطيع سوريا الاستفادة من هذه النماذج، وفق منصور، عبر تكييفها مع واقعها الخاص. فوزارة الصحة السورية مثلًا، مطالبة بتوثيق استهداف المستشفيات واستخدامها كمراكز تعذيب خلال الحرب، إضافة إلى توفير تعويضات ودعم نفسي للضحايا والأطباء الذين فقدوا وظائفهم. ويمكن لوزارة الأوقاف أن تلعب دورًا في جبر الضرر المعنوي والروحي، من خلال طقوس جماعية وشفاء رمزي، فضلًا عن إعادة تنظيم أموال الوقف لدعم الضحايا.
أما وزارة التربية، فمهمتها الأساسية إدماج روايات الضحايا في المناهج، وتدريب المعلمين على تعزيز ثقافة التسامح وحقوق الإنسان.
نحو عدالة شاملة ومستدامة
تخلص الورقة إلى أن نجاح مشروع العدالة الانتقالية في سوريا لا يتوقف على تأسيس هيئة مركزية فحسب، بل يعتمد على قدرة الوزارات على تبني الإصلاح من الداخل، وإعادة تعريف علاقتها بالمجتمع.
ويرى الصحفي والمدافع عن حقوق الإنسان، منصور العمري، أن هذه الوحدات الوزارية المقترحة ستوفر ملكية وطنية للمسار، وتضمن أن تكون العدالة جزءًا من إعادة بناء الدولة، لا مجرد مبادرة مؤقتة.
لكن لتحقيق ذلك، لا بد من قيادة سياسية واضحة، ودعم متواصل من المجتمع المدني، وموازنة دقيقة بين تطهير المؤسسات المتورطة والحفاظ على استقرارها الوظيفي. وبينما تبقى المخاطر كبيرة، فإن غياب هذه المقاربة سيجعل العدالة الانتقالية عرضة للفشل، ويعيد إنتاج المظالم القديمة.
عنب بلدي
——————————
الوشاية الكيدية في سوريا.. كيف هَندس نظام الأسد بيئات العمل/ مزنة عكيدي
بينما واجهت جنوب إفريقيا الوشايات الكيدية بقوانين تحمي المبلِّغين، تبقى سوريا ما بعد بشار الأسد في بداية طريقها نحو ترسيخ عدالة تنظيمية محمية بالقانون.
2025-09-03
لم تكن شخصية “عادل الفسّاد” في مسلسل “ضيعة ضايعة” مجرد كوميديا، بل تجسيداً ساخراً لواقع الوشايات الكيدية الذي فرضه نظام الأسد | تصميم خاص بالفراتس
لأول وهلةٍ تبدو جملة “فلانٌ خطُّه جميل” إطراءً بحُسن الكتابة، ولكنها غالباً ما تُهمس بصوتٍ خافتٍ ونبرةٍ تحذيريةٍ في سوريا إشارةً إلى أن فلاناً واشٍ، وأيّ حديثٍ في حضرته هو مشروع تقريرٍ يرسله لمكاتب ضباط الأمن. عندما سمعتُ هذه التَورية اللغوية أول مرةٍ لفتني أن جميع الحضور فهموا المقصود بها، وكأنَّها لغةٌ سرّيةٌ يتقنها السوريون. أدركتُ حينها أن “أصحاب الخط الجميل” ليسوا حالةً عابرةً في بلادنا بل ظاهرةً اجتماعيةً نُسِجَت معها رموزها وتعبيراتها المبطّنة.
لم تولَد ظاهرة الوشايات داخل الدولة والمجتمع من فراغ. بهدف السيطرة على مفاصل البلاد كافةً تهيّئ الأنظمة الشمولية بيئةً حاضنةً لإنماء الوشاية. وهذا ما قام به نظام الأسد في سوريا حين جنَّد أفراد المجتمع ضدّ بعضهم، وفتح الباب لاستقبال تقارير أمنيةٍ لقاء امتيازاتٍ ماديةٍ ومعنويةٍ، لتنشأ في المجتمع شبكةٌ من المخبرين المنتشرين في الشوارع والمستشفيات والمكاتب والمدارس. ومع سقوط بشار الأسد في نهاية سنة 2024، بقي وراءه إرثٌ تنظيميٌ في ثقافة المؤسسات السورية، لا يزال يثقل كاهلها. ويزيد الحالة تعقيداً حاجة المؤسسات الغارقة في الفساد إلى بناء آليات إبلاغٍ فعّالةٍ تتصدّى للتجاوزات وتفضح التلاعبات. ولعل لهذه المؤسسات في القوانين التي سنّتها جنوب إفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) لمحاربة الفساد مثالاً يمكن استلهامه في بناء عدالةٍ تنظيميةٍ داخل المؤسسات نفسها. وهو ما يساهم في التعويض عن الفجوات في القوانين التي لا توفر حمايةً كليةً أو فعليةً للمبلِغين عن الفساد.
يُقال وَشَى بفلانٍ، يَشِي وشايةً، أيْ نَمَّ عليه كذباً أو تحريضاً، أو نَقَلَ للآخَرين كيداً كَرِهَ التصريحَ به أو التلويح. وإن حملت الوشاية بُعداً إيجابياً أحياناً بمعنى الشكوى أو البلاغ، مثل التبليغ عن مجرمٍ أو هاربٍ، إلا أن الكلمة بالمخيال العامّ محمولةٌ على المعنى السلبيّ غالباً. فغرض الوشاية هنا قد يكون منع صاحب حقٍّ من حقّه أو الحيلولة بينه وبين منفعةٍ أو التسبّب له بضرر.
وتتعدد أوجه الوشايات في الواقع الاجتماعي. ومكان العمل ليس عنها ببعيدٍ، بل يكاد يكون بيئةً خصبةً لها لما فيه من تنافسٍ وصراع طموحات. وتشير ديفارشا رامجيتان، المتخصصة بقانون العمل من جنوب أفريقيا، في مقالتها “ذي إمبلويي ذات كرايد وولف” (الموظف صاحب الإنذارات الكاذبة) المنشورة في نوفمبر 2024، بأن خطورة الوشايات الكيدية في أماكن العمل تتمثل باستهدافها أشخاصاً أبرياء أداةً لتصفية الحسابات. وفي مراحل متقدمةٍ من الانغماس في هذا السلوك يتسلح الوشاة بزلّات مَنْ حولهم، ويوثّقونها رصيداً يستخدمونه عند الحاجة لأهدافٍ شخصية. وبحكم اهتمامي البحثي في العلوم الإدارية وتقاطعاتها السياسية والاجتماعية، وثّقت قصةً سأذكرها مثلاً بلا تعيين أسماء الأشخاص والأماكن، حفاظاً على سلامتهم.
في مايو سنة 2025، في قريةٍ تقع شمال غرب سوريا أفضت وشايةٌ كيديةٌ إلى فصل ثلاث معلماتٍ ومديرةٍ من مدرسةٍ حكوميةٍ بعد أن ترصّدَت لهنّ زميلةٌ تدعى رهف (اسم مستعار). وعلى مدار أسابيع كان قرار الفصل هذا حديثَ الجيران وجلسات السمر في القرية. ومثل أيّ إشاعةٍ تتحور القصص وتتعدد الروايات، إلا أنها جميعاً كانت تصبّ في فضيحةٍ تطال المفصولات بعد أن لاحت حولهنّ تُهَمُ الفساد. جاهرت رهف بأنها مَن كانت وراء فصل “عصابة” متمثلةٍ بالمعلمات الثلاث والمديرة. وبحسب رواية شهودٍ على الواقعة تواصلَت معهم الفِراتْس فضّلوا عدم ذكر أسمائهم، كان سبب الفصل شكوىً تقدّمت بها المعلمة رهف تَتّهم فيها المديرةَ بسوء الإدارة وبالارتشاء والسرقة.
أفضت الشكوى إلى حضور لجنة تحقيقٍ رسميةٍ من المجمع التربوي المسؤول عن المدراس في المنطقة. وفي التحقيق أدلت المعلمات الثلاث بشهاداتهنَّ وأكّدن على أن الادعاءات بحقّ المديرة ما هي إلا تلفيقاتٌ من المعلمة رهف بسبب عدم سماح المديرة لها بالتسيّب. انتهى التحقيق بقرار اللجنة فصل المديرة والشهود دون توضيح الأسباب. وبعد السؤال عن دواعي الفصل كان الردّ بأن رهف قدمت للّجنة تسجيلاتٍ توثّق أحاديث خاصةً بالمعلمات، تثبت أنهن لا يَرْقَيْن إلى مستوى عضواتٍ في مؤسسةٍ تعليمية.
لم تعلم المعلمات المفصولات محتوى التسجيلات، ولكنهن كنّ على يقينٍ بأنّ أحاديثهنَّ الخاصة استُخدِمت ضدّهن في التحقيق بسبب شهادتهن لصالح المديرة. لذا اشتكَيْن على زميلتهنّ بدعوى انتهاك خصوصيّتهن. ظهر تسجيلٌ بصوت رهف تعترف فيه لأحدٍ ما بحيازتها كثيراً من الأحاديث الخاصة بالمعلمات في المدرسة. ومع ذلك أنكرت لجنة التحقيق ورهف وجود أيّة تسجيلاتٍ بعد رفع الدعوى القضائية ضدّهم.
ومع زوال الذريعة الرئيسة لفصلهنّ، توجّهت المعلّمات مراراً إلى المجمع التربوي ومديرية التربية ومكتب التعليم في محافظتهنَّ للمطالبة بإعادة النظر في قرار الفصل. وأثناء رحلتهن بين هذه المؤسسات، لم يقبل بعض المسؤولين حتى سماعَهن، فيما سوّغ مسؤولون آخَرون قرارَ الفصل. غير أن إصرار المعلّمات على المطالبة بحقوقهنَّ أثمر عن إعادة المديرة ومعلمةٍ واحدةٍ فقط إلى وظيفتَيْهما، في حين بقيت المعلّمتان الباقيتان بانتظار إنفاذ وعدٍ قَطَعَه مسؤولٌ رفيع المستوى بإعادة تعيينهن وردِّ اعتبارهِن في أقرب فرصةٍ ممكنةٍ، وفقاً لرواية شهودٍ للفِراتْس فضّلوا عدم ذكر أسمائهم خوفاً من إيقاع الضرر على المعلمات.
هذه النتيجة، على أهميتها، لم تُنهِ كلَّ الآثار التي خلّفها قرار الفصل وما سبقه من مزاعم مغرضة. فكان الأذى الذي سبّبته الوشاية الكيدية أعمقَ وأعمّ.
لا تقتصر آثار الوشايات الكيدية على الأذى المباشر الذي يلحق بالمتضررين. بل تتحول من مجرّد فعلٍ فرديٍ إلى كرة ثلجٍ متدحرجةٍ تكبر معها آثارها السلبية طويلة الأمد على مستوى الأفراد والمؤسسات. ففي قصة المعلمات، حتى لو تراجع المعنيّون عن الخطأ، ستنصَف المعلمات ظاهرياً بالعودة إلى عملهن. لكن ما أصاب سمعتهنّ من ضررٍ معنويٍ رافق الفصل التعسفي سيخلّف ندوباً يصعب ترميمها. فالبشر قد يميلون لتصديق الأخبار السلبية حتى بعد دحض الخبر الكاذب، وهو ما توثّقه دراساتٌ علميةٌ، لاسيّما في مجالَيْ علم النفس وعلم النفس الاجتماعي.
من هذه الدراسات واحدةٌ شملت سبع عشرة دولةً نشرت سنة 2019 بعنوان “كروس ناشونال إيفيدنس أوف أ نيغتيفيتي بايِس إن سايكوفيسيولوجيكال رياكشنز تو نيوز” (دلائل عابرة للحدود على التحيز السلبي في ردود الأفعال النفسية العضوية في الاستجابة للأخبار)، أعدّتها مجموعةٌ من الباحثين. كشفت أن لدى البشر نزعةً فطريةً للانحياز إلى الخبر السلبي. إذ تكون استجاباتهم النفسية والعضوية أقوى تجاه المعلومات السلبية مقارنة بالإيجابية. المثير للاهتمام أن هذه الاستجابة، وإن تباينَتْ بحِدّتِها من شخصٍ لآخَر محكومين بسِماتهم الشخصية أو ظروفهم، إلا أنها عابرةٌ للحدود والثقافات. أيْ أنها سمةٌ إنسانيةٌ أكثر منها صفةً خاصةً بمجتمعٍ دون غيره.
وفي سياقٍ قريبٍ، توصلت إميلي ثورسون، الأستاذة المشاركة في قسم العلوم السياسية بجامعة سيراكيوز في نيويورك في دراستها “بيليف إيكوز” (صدى المعتقد) المنشورة في سنة 2016 إلى أن التصحيحات، حتى وإن كانت فوريةً ودقيقةً، لا تمحو بسهولةٍ أثر المعلومات الخاطئة. تظلّ المعلومة الأولى عالقةً في الذهن ويدوم تأثيرها على المواقف والانطباعات اللاحقة. لتفسر بذلك بهذه النتائج مجتمعة، سبب صعوبة إزالة الضرر المعنوي المرتبط بالسمعة حتى بعد اعتذار الواشي أو تراجعه عن الخطأ.
تزداد خطورة هذه النتائج في أماكن العمل تحديداً، مع تمثّل السمعة المهنية رأسَ مالٍ معنوياً بالأساس. كذلك لا تقتصر آثارها على الفرد نفسه بل تمتد لتقويض الثقة داخل بيئة العمل نفسها. لهذا تؤكد ديفارشا رامجيتان في مقالتها في أكثر من موضعٍ على أضرار الادعاءات الزائفة أو المشوِّهة للسمعة في المؤسسات. بالإضافة إلى تعطيل هذه الادعاءات سير العمل والتسبب بخسائر مالية. وفي بعض الأحيان، قد يتعرض موظفون أبرياء لإجراءاتٍ تأديبيةٍ أو يفقدون وظائفهم استناداً إلى اتهاماتٍ لا أساس لها. كذلك فإن الأثر النفسي على من يُتَّهمون ظلماً قد يكون بالغاً، مما يؤدي إلى التوتر والقلق ويسهم في خلق بيئة عملٍ سامة.
في السياق السوري القريبة منه منشأً وبحثاً، لم تنشأ الوشايات الكيدية في بيئات العمل من العدم، إذ قد تعود جذورها إلى ثقافةٍ اجتماعيةٍ زرعها نظام حافظ وبشار الأسد وغذَّاها لتمتد إلى مختلف جوانب الحياة. حتى غدت أسطورة “للحيطان آذان تلتقط الأحاديث المحظورة” أشبه بمعتقدٍ يؤمن به كثيرون.
ففي تقرير “للجدران آذان: تحليل وثائق سرية لقطاع الأمن السوري” الصادر في أبريل سنة 2019، يكشف المركز السوري للعدالة والمساءلة عن ملابسات المسألة، ويزيح الستار عن طبيعة المخبِر (الواشي) الذي قد يكون زميلاً أو طبيباً أو حتى قريباً. واستند التقرير إلى عينةٍ تحليليةٍ من نحو خمسة آلاف صفحةٍ من وثائق جُمعت من مقراتٍ حكوميةٍ مهجورةٍ من عدّة محافظاتٍ سوريةٍ بعد انسحاب النظام منها على خلفية الصراع المندلع. المرة الأولى في 2013 عند انسحاب قوات النظام من الطبقة والرقة. والثانية في 2015 بعد انسحابها من مواقعها في محافظة إدلب. ويشير التقرير إلى أن النظام السوري عمل منهجياً على ترسيخ سلوك الوشاية ضمن إستراتيجية توسيع الرقابة والسيطرة. وكشف أن المخبِرين كانوا من شرائح متعددةٍ تشمل الجنود والضباط والعاملين في القطاع الصحّي والمعارف وحتى أفراد العائلات. فكان الجندي يُوقِع بزميله والطبيب بمريضِه والمرء بقريبِه، إما مجبَرين بالقوة أو طوعاً لقاء امتيازاتٍ وحوافز.
كذا لم يسلم المعلِّمون من عدوى الوشاية، ففي مقالة واشنطن بوست بعنوان “ذا فول أوف أسدز إنفورمنت ستيت ليفز سيريا ريفن باي بيتربيلس” (سقوط دولة المخبرين في عهد الأسد ترك سوريا ضحية التوجس) التي نشرت في مايو سنة 2025، والتي تناولت فترة ما قبل سقوط الأسد، يرِد الحديث عن بلاغاتٍ رفعها معلمون سوريون بعد أن أفصح طلابهم عما سمعوه في منازلهم. أدّت تلك البلاغات إلى اعتقال أهالي هؤلاء الطلاب وتغيّبهم عن المدرسة.
وبيَّنَ تحليل المركز السوري للعدالة والمساءلة أن هذه الممارسة لم تقتصر على المجتمع، بل امتدت إلى داخل الأجهزة الأمنية نفسها. فقد وُثّقت حالات تجسّسٍ متبادلٍ بين الفروع الأمنية المختلفة. ويخلص التقرير إلى أن هذه السياسات عزّزت الخوف والانقسام داخل المجتمع السوري، وجعلت من الوشاية أداة قمعٍ مؤسسية. وبسبب تعسف النظام في التعامل مع التبليغات، تحولت الوشايات من إبلاغيةٍ أمنيةٍ إلى كيديةٍ وأداةٍ لتصفية الحسابات وتوريط الأبرياء. يشير التقرير إلى أن الأجهزة الأمنية كانت تستجيب لبلاغات المخبرين حتى في حالات تقديم معلوماتٍ ملتويةٍ وغير منطقيةٍ، ولم تكن تحقّق في الموضوع. وكانت الإستراتيجية المتّبعة هي الاعتقال الفوري ومن ثمّ طرح الأسئلة لاحقاً.
مع استفحال الحالة أصبح كاتب التقرير نموذجاً اجتماعياً مألوفاً. ولعلّ شخصية “عادل الفسّاد”، التي ابتدعها الكاتب ممدوح حمادة في المسلسل الفكاهي الساخر “ضيعة ضايعة” الذي بثّ بين عامَيْ 2008 و 2010، من أبرز الشخصيات الثقافية التي جسدت هذه النموذج. تدور أحداث المسلسل في قريةٍ افتراضيةٍ في ريف اللاذقية، حيث اعتاد “عادل” (قام بدوره الممثل عبد الناصر مرقبي) التجوال في القرية بعيونٍ شاخصةٍ وآذانٍ متربصةٍ بأحاديث الناس، محوّلاً اليومياتِ العاديةَ إلى تقارير أمنيةٍ تعرَض كما لو كانت مؤامراتٍ ضدّ الدولة. وعند كلّ وشايةٍ يقف عادل بقامةٍ منتصبةٍ ونظرة فخرٍ، بينما تُعزَف في الخلفية موسيقى وطنيةٌ، في مشهدٍ يصوّر الواشيَ واهماً بأنّه بطلٌ قوميّ.
يتحدَّث المهندس السوري عبد الحميد البالغ خمسة وستين عاماً للفِراتْس عن “عادل الفسّاد” الذي عرفه شخصياً في نقابة المهندسين بمدينة حلب. وهو اللّقب الذي أطلقه الموظّفون هناك على أحد زملائهم بعد أن اشتهر بمراقبتهم ورفع تقارير دوريةٍ عنهم إلى مسؤولين أمنيين. بناءً على تجربته في العمل بعدّة منشآتٍ حكوميةٍ – كان مديراً في بعضٍ منها – يؤكّد عبد الحميد أنّه في كلّ مؤسسةٍ سوريةٍ يوجد “عادل فسّاد” أو أكثر يتمتعون بالحصانة والامتيازات بعد إثبات ولائهم للسلطة بتقاريرهم. وفي الغالب هم شخصياتٌ غير محبّبةٍ يتجنّبهم العاملون ويتوخّون الحذر منهم.
لا ينفي التبليغ الكيدي داخل العمل المؤسساتي وجودَ تبليغٍ موضوعيٍ غرضه رصد الأخطاء والمخالفات في العمل بهدف تصحيحها وتحسين الأداء المؤسسي. ويعدّ تقييم الزملاء بعضهم بعضاً من أدوات رقابة الأداء الدارجة في أدبيات الإدارة وواحداً من الممارسات العملية في إدارة الموارد البشرية في عدّة شركات. ومن أساليب التقييم “التعقيب بزاوية 360 درجة” الذي يركّز على ملاحظات زملاء العمل في عملية تقييم الأداء الشاملة، إلى جانب تقييم المدير والعميل. وبذلك يقيَّم الموظف من عدّة أطرافٍ بدلاً من اقتصار التقييم على المشرف المباشر. ويطبّق هذا النموذج في كبرى الشركات بتوصياتٍ من مستشاري الأداء، وفقاً لما وضّحته أكاديمية ابتكار الموارد البشرية “إي آي إتش آر”.
ولكن حسب الأكاديمية نفسها، يُعاب هذا النموذج بأنه قد يفضي إلى تقييماتٍ غير دقيقةٍ ومدخَلاتٍ غير بنّاءةٍ أو غير كافيةٍ، بالإضافة إلى تأثّر التقييم بالتحيّزات الاجتماعية. يتحول تقييم الزملاء من تبليغٍ موضوعيٍ إلى وشايةٍ كيديةٍ، كما حدث في قصة المعلمات حين كان تبليغ إحداهنّ على الأخريات محض افتراءٍ لدوافع شخصيةٍ، كما أحُيل لنا من شهود. ويضاف إلى عيوب النموذج أن السماح للزملاء بتقييم بعضهم بعضاً قد يخلق حالةً من الارتياب بين أعضاء الفريق ويُسبّب صراعاتٍ وعداواتٍ فيما بينهم.
وفي حالاتٍ أخرى وتبليغاتٍ أشدّ حساسيةٍ قد تتحول الصراعات والعداوات بعد التقييم السلبي – حتى إن كان واقعياً – إلى عمليّاتٍ انتقاميةٍ من المبلغين. كما حدث مع أبي إبراهيم، الذي فضّل عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنيةٍ، وهو سوريٌ تجاوز السبعين من عمره.
يقصّ أبو إبراهيم للفِراتْس حكايته التي جرت أحداثها منذ أكثر من عشرين عاماً بين جدران إحدى المؤسسات الحكومية السورية التي كانت تغزوها شبكات الفساد بمباركةٍ من كبار المسؤولين. فبعد أن تسلّم أبو إبراهيم منصب المدير المالي لتلك المؤسسة في مدينة حلب، بدأ مشواره بنجاحٍ صادقت عليه الثناءات والمكافآت التي حصدها. بدأت مثاليّةُ الحالة تنحسر حين حاول رئيس لجنة المشتريات رشوته مراراً بشكلٍ غير مباشرٍ، إذ عرض عليه مبالغ ماليةً كبيرةً تحت مسمى “هدايا” أو “عيديّة” في الأعياد. رفض أبو إبراهيم عطايا رئيس اللجنة تكراراً وأكّد له أنه يتلقى راتبه من الدولة فحسب.
تبيّن لاحقاً أن محاولة إغداق الهدايا عليه كانت استدراجاً لإدخاله في شبكة فسادٍ بدايتها رئيس اللجنة ولا يُعلم نهايتها. فقد اكتشف أبو إبراهيم تلاعباً في الفواتير المالية وتدوين مبالغ كبيرةٍ تحت بند مصاريف لإصلاح مراكب وآليّاتٍ تفوق أسعارَ الآليّات الجديدة. قدّم أبو إبراهيم تقريراً لمدير الفرع يكشف فيه عن التلاعبات المالية ليردّ عليه المدير: “لماذا تخبرني بذلك؟”، وليعلم أنّه كان كمن يستنجد بالذئب لحماية القطيع.
انكشفت التلاعبات ودوّى ضجيج الفضيحة إلى حدٍّ جعل التحقيق الأمني في الواقعة أمراً حتمياً. وفي التحقيق أدلى أبو إبراهيم بشهادته وقدّم الوثائق المطلوبة، ولكن النتيجة كانت التستر على الضالعين الكبار وتقديم مدير لجنة المشتريات للمحاكمة ومن ثم حصوله على حكمٍ مخفَّفٍ لتستّره على مدير الفرع والمتورطين ذوي النفوذ.
عكّر أبو إبراهيم صفوَ السارقين الكبار، فعوقب على إبلاغه برَكْنِه جانباً في موضعٍ لا صوت له فيه. ومن مديرٍ ماليٍّ في موقعٍ مفصليٍّ يتناسب مع مؤهلاته، تحوّل إلى موظفٍ إداريٍ يقوم بمهامّ يوميةٍ مكررةٍ وينتظر موعد التقاعد متجنباً المواجهة والسؤال عن سبب تهميشه لضمان سلامته وخوفاً من انتقامٍ أشدّ. وعلى الرغم من مرور سنواتٍ طوالٍ على الواقعة، ما زال شعوره بالظلم مستمراً. وحتى بعد تقاعده ضربت أبا إبراهيم الحسرة حين قال للفِراتْس إنّ البديل الذي جاؤوا به كان أقلّ خبرةً وكفاءةً منه.
في مؤسساتٍ متهتكةٍ تنظيمياً ينخر الفساد مفاصلها مثل المؤسسات السورية، لا تكون نهاية قصة أبي إبراهيم صادمةً بقدر ما تكون نتيجةً متوقعةً تفسرها علاقةٌ سببيةٌ بين الفساد والظلم المؤسسي. فالقصة تمثل انعكاساً لنمطٍ واسعٍ من الفساد الخارج عن السيطرة، وهو ما تؤكده المؤشرات الدولية.
إذ تشير بيانات مؤشراتِ الحوكمةِ العالميةِ الصادرة عن البنك الدولي إلى ضعفٍ شديدٍ في السيطرة على الفساد في سوريا تحت سلطة نظام الأسد. إذ سجّلت سوريا في مؤشر “التحكم في الفساد” سنة 2023 معدلات فساد مرتفعة. يعكس المؤشر مستوىً مرتفعاً جداً من استغلال السلطة العامة لتحقيق مكاسب شخصيةٍ في سوريا، سواءً عبر أشكال الفساد الصغيرة أو الكبرى. ويتّسق هذا التقييم مع نتائج مؤشر مدرَكات الفساد الصادرة عن منظمة الشفافية الدولية، والذي منح سوريا في تقرير سنة 2024 درجة 12 بالمئة فقط، لتحتل المرتبة 177 من أصل 180 دولةً بين أكثر الدول فساداً عالمياً.
وعلى الرغم من غياب دراساتٍ أحدث تقيّم وضع المؤسسات بعد سقوط الأسد، قد تبقى مؤشرات الأعوام السابقة دليلاً على الحاجة الملحّة لتعزيز مكافحة الفساد. فالأسد رحل عن سوريا، لكن كثيراً من الفاسدين بقوا فيها. فوفق تقريرٍ للقناة الثانية بتلفزيون سوريا في أغسطس 2025 اعتمد شهاداتٍ ميدانيةً، فإن موروث الفساد الذي رسّخه النظام السابق لا يزال قائماً في بعض أوجهه في مؤسسات الدولة السورية والحياة العامة. عرض التقرير تجارب أشخاصٍ، منهم من اضطرّ إلى دفع رشوةٍ للحصول على مساعدة قوى الأمن، وآخَر من أجل تسهيل استصدار صكّ براءة ذمّةٍ لعقارٍ تجاريٍ استأجره. ويشير التقرير نقلاً عن مختصين بالشأن القانوني، منهم المحامية عهد قوجة، بأن منظومات الفساد بعد سقوط الأسد عادت لتشكيل نفسها لتوائم الظروفَ الجديدة. وأضافت قوجة لموقع تلفزيون سوريا بأن مكاتب الشكاوى التي استُحدِثَت في عهد ما بعد الأسد ما زالت شكليةً ومحدودة الفاعلية، مشيرةً أيضاً لعدم وجود “ثقافة الشكاوى” لدى كثيرٍ من المواطنين.
وقد يُنسب هذا إلى الإرث الثقيل من البلاغات الأمنية والوشايات الكيدية التي تورطت فيها المؤسسات عقوداً، إذ استُخدِم الإبلاغ أداةً لتصفية الحسابات الشخصية. كذا فإن غيابَ آليّاتٍ إداريةٍ فعالةٍ للتحقق من المعلومات المقدمة وغيابَ الإجراءات الحمائية، جذّر هذا الإرث أكثر فأكثر.
لهذا السبب يبدو منطقياً أن تبدأ مكافحة الفساد داخلياً بمنح الصوت للمبادرين في كشف الانحرافات وحمايتهم من أي عملياتٍ انتقامية. فانتقام السلطة من أبي إبراهيم اقتصر على تبديله من موقعه وسلبه الوظيفة التي استحقها بعد سنواتٍ من الخدمة. لكن في حالاتٍ أخرى لا يمكن التنبؤ بمقدار الأذى الذي قد يلحق بالمبلّغين، خصوصاً حين يعني كشف التجاوزات الاصطدامَ مع أطرافٍ متنفّذة.
واستلهاماً من تجارب أخرى لمجابهة الفساد، قد يكون ما مرّت به جنوب إفريقيا في سنوات ما بعد الإطاحة بنظام الفصل العنصري سنة 1994 من أبرز النماذج التي يمكن إسقاطها على الحالة السورية.
إبان سنوات الفصل العنصري التي بدأت في 1948 حين صار الفصل المادّي بين السلطة البيضاء الحاكمة وغالبية أبناء عرقيات البلاد الأصلية من السود سياسةً رسميةً، غرقت جنوب إفريقيا في ممارساتٍ إداريةٍ فاسدةٍ حابت وعزّزت قبضة سلطة الفصل العنصري والمقربين منها. وبالمحصلة شجعت هذه الممارسات مباشرةً أو بشكلٍ غير مباشرٍ أهلَ البلاد للتماهي مع منحى السلطة وركوب الموجة لغرض المعيشة والحصول على شيءٍ من الامتيازات. تمثلت أوجه الفساد الإداري مثلاً في تلاشي الحدود بين المال وأقطابه والسلطة، وتصميم آلياتٍ حكوميةٍ سرّيةٍ لإخفاء الفساد أو المستفيدين منه وحصر أغلب المنافع في الأقلية البيضاء. وكانت أبرز مظاهر هذا الفساد “من فوق” ما عُرف بِاسم “فضيحة مولدر غيت” في نهاية السبعينيات. إذ افتُضِح أمر استخدام الحكومة أموالاً عامةً لتمويل حملاتٍ إعلاميةٍ وسياسيةٍ لغاية شرعنة ممارسات الفصل العنصري في البلاد.
عقودٌ من الفساد أورثت حملاً ثقيلاً على جنوب إفريقيا استمرّت تداعياته بعد نهاية حقبة الفصل العنصري. وعلى الأثر وبعد سنواتٍ من استفحال الفساد بدأت تولَد تشريعاتٌ لتشجيع التبليغ على الفساد وحماية المبلّغين من أيّ عملياتٍ انتقامية. تمثل التحفيز على الإبلاغ بسنّ قانون الإفصاح المحميّ سنة 2000. وهدف القانون إلى تعزيز الشفافية والمساءلة في القطاعين العام والخاص من خلال توفير إطارٍ قانونيٍ للموظفين للإبلاغ عن أيّ سلوكٍ غير قانونيٍ أو غير نظاميٍ من أصحاب العمل أو زملائهم دون خوفٍ من الانتقام.
بعد سنواتٍ واجه القانون انتقاداتٍ لقصوره في حماية المبلغين وضآلة الحماية المضمونة لهم. فبينما ضمن التشريع الحمايةَ من الانتقام في مكان العمل، كان الانتقام الخارجي من المخبرين عن المخالفات أمراً شائعاً. وكان المبلغون يتعرضون لخطر التشهير والأذى المالي والتهديدات بالقتل وحتى الاغتيال. لذلك مُرر تعديلٌ على قانون الإفصاحات المحمية سنة 2017 يوفر حمايةً أكبر مع توسيع نطاق الحماية ليشمل الموظفين السابقين والعاملين المؤقتين والمنقولين، وألغى بنود السرية في العقود إذا كانت تعيق حقّ الإبلاغ. كذلك منح حصانةً من الدعاوى الجنائية أو المدنية للمبلغين بحسن نيةٍ غير المتواطئين في المخالفة، وأتاح إمكانياتٍ أوسع للإفصاح خارج جهة العمل في حال الخوف من الانتقام أو إخفاء الدلائل.
ومع ذلك، ما زال القانون يمرّ بمراحل متواصلةٍ من السعي للتعديل، إذ تُناقَش حالياً مقترحاتٌ إصلاحيةٌ جديدةٌ تهدف إلى توسيع نطاق الحماية لتشمل التهديدات خارج بيئة العمل، وتعزيز سرّية الإفصاحات، وتأسيس آليّات دعمٍ قانونيٍ وأمنيٍ أكثر صرامةً للمبلغين وفقاً لما جاء في تقريرٍ صادرٍ عن المنصة الإفريقية لحماية المبلغين في مايو سنة 2025 .
وعلى ما في القانون من فجواتٍ، يشير التقرير نفسه إلى أن تشريع الإبلاغ عن المخالفات في جنوب إفريقيا يُعدّ من بين أقوى التشريعات وأكثرها تقدماً في إفريقيا. إذ يُظهر مسحٌ سريعٌ لتأثير تشريعات المبلِغين عن المخالفات على مدى العقد الماضي أنها أداةٌ أساسٌ في مكافحة الفساد والاحتيال في جنوب إفريقيا، وخاصةً على المستوى المؤسسي. أيْ أنه وإن شابَهُ شيءٌ من القصور وحاقت ببعض جوانبه الفجوات، يظلّ يتطور ليصبح أداةً تساهم بقدرٍ بيّنٍ في تقليل الفساد المؤسسي بتسهيل سبل رصده والإبلاغ عنه، لا وشايةً بالمعنى التقليدي بل ضمن إطارٍ قانونيٍ حامٍ.
النتائج الإيجابية التي حصدتها جنوب إفريقيا من قانون الإفصاح المحميّ تحفّز على إمكانية إسقاط التجربة على سوريا. لكن عند استلهام الحلّ من تجربةٍ قد يكون الاعتبار من أخطائها مثالاً يحتذى أيضاً. كانت أبرز الآثار السلبية لقانون الإفصاح المحميّ في جنوب إفريقيا هي غرق البلاد في البلاغات الكاذبة. وظهرت الوشاية الكيدية والزائفة مشكلةً كبيرةً، ما أثار مخاوفَ بشأن إساءة استخدام هذا الإجراء الحمائي، كما جاء في مقالة ديفارشا رامجيتان بعنوان “الموظف صاحب الإنذارات الكاذبة”.
وتنسجم النتيجة السلبية المترتبة على قانون الإفصاح المحميّ في جنوب إفريقيا مع الدراسات الإدارية، بالعودة إلى نموذج “التعقيب بزاوية 360 درجة” يُعاب هذا النهج بأنه يفتح الباب لتحيزاتٍ اجتماعيةٍ وتقييماتٍ غير موضوعية. لذلك يعدّ معيار المساءلة واحداً من المعايير الأساس لإنجاح عملية تقييم الأداء الشاملة، إذ يجب أن يكون مدوّن الملاحظات مسؤولاً عنها. وهذا ما صنعَتْه جنوب إفريقيا استجابةً للآثار السلبية للقانون، فعدّلَتْه بإضافة مادّةٍ تنصّ على أن الموظف يرتكب جريمةً إذا تقدّم عمداً بإفصاحٍ زائفٍ وهو يعلم أن المعلومات خاطئةٌ، أو كان حريّاً علمُه بزيفِها، وكان مبيّتاً النيّةَ لإلحاق الضرر بالمبلّغ عنه الذي تضرر فعلاً نتيجة الإفصاح. وإذا ثبتت الإدانة، فقد يواجه الموظف غرامةً أو السجنَ لمدّةٍ تصل إلى سنتين أو كليهما.
تَشِي المراحلُ التي مرّ بها القانون في جنوب إفريقيا بأن معالجة الفساد عبر تشريعات حماية المبلّغين لا يمكن أن تقتصر على النص القانوني فقط، بل تستدعي رؤيةً استباقيةً شاملةً تتنبأ بالتحديات وتستوعب خصوصية كل سياق. فالقوانين آلياتٌ أساسٌ لضبط بيئات العمل. إلا أن هذه الأوساط المتخمة بالتفاعلات الاجتماعية تحتاج إلى عدالةٍ تنظيميةٍ تتعامل بحساسيةٍ مع جميع المظلوميات. وفي ظلّ غياب العدالة التنظيمية ولجوء الإدارة للحلول السهلة والتقاعس عن العودة إلى جذور المشكلة يُنصَر المدلّس ويفصَل الشاهد، كما حدث في قصة المعلمات، وينجو المتواطئ ويغيَّب النزيه كما جرى مع أبي ابراهيم. وهنا أيضاً يبرز دور الإدارة الواعية التي يستشهد عليها بقصة عبد الحميد.
فقد كان عبد الحميد مديراً لما لا يقلّ عن مئتين وخمسين موظفاً في إحدى المؤسسات المهنية الحكومية في عهد نظام الأسد. يقول للفِراتْس إنه حارب الوشايات الكاذبة عبر التحقق الدقيق من البلاغات حرصاً على عدم ظلم الموظفين، إضافةً لتعزيز فكرة أنّ “الولاء بالوشاية” لا يمكن أن يثمر عن أيّ امتيازاتٍ في مؤسسته، ليقطع بذلك الطريق أمام الوشاة. وبذلك تكون العدالة التنظيمية متمماً أساساً لجميع القواعد المكتوبة وصمام الأمان لبيئات عملٍ صحيةٍ، وتحقيق الإنصاف في ظل قصور القوانين ومحدوديتها. ففي قصة المعلمات، المشكلة لم تكن فقط في ضعف التشريعات التي تجرّم الوشايات الكيدية، بل في غياب منظومة عدالةٍ داخليةٍ كان يمكن أن تعالج الموقف في بدايته، وتمنع تطوّره إلى قرار فصلٍ تعسفيّ.
في بيئات العمل المتأرجحة بين الحاجة للإبلاغ النزيه عن التجاوزات وخطر الانزلاق إلى الوشايات الكيدية، تظلّ المعضلة قائمة: كيف نحمي صوت الحقّ دون أن نتيح المجال للافتراء؟ التجربة السورية، بما تحمله من إرثٍ تنظيميٍ سامٍّ، تكشف عن أن أي تشريعٍ أو آليةٍ رقابيةٍ، مهما بلغت قوّتها، ستظل قاصرةً إذا لم تُدعَم بثقافة عدالةٍ تنظيميةٍ تحكم القرارات اليومية وتسدّ الثغرات التي يتسلل منها الظلم. ومن جنوب إفريقيا تأتي الدروس بأن الحماية بلا مساءلةٍ قد تفتح أبواباً جديدةً للضرر، تماماً كما أن المساءلة بلا حمايةٍ تَئِد الشجاعة في مهدها.
باحثة في الإدارة والحوكمة
الفراتس
—————————–
العدالة الانتقالية… الضرورات والدوافع والتحدّيات/ رشيد حوراني
02 سبتمبر 2025
توفّر آلاف الوثائق والصور والأفلام وروايات شهود العيان من الناجين والجناة أدلّة توثّق الانتهاكات من قتلٍ ممنهجٍ (المقابر الجماعية)، واعتقالٍ تعسّفي وتعذيبٍ وإخفاءٍ قسري، وهو ما صرّح به رئيس اللجنة المستقلة من أجل العدالة الدولية والمحاسبة ستيفن راب، قائلاً إنّ الأدلة التي في حوزة اللجنة عن مسؤولية نظام الرئيس السوري بشار الأسد عن جرائم الحرب أكثر ممّا توفّر للمدّعين في محاكمة قادة النازية أو محاكمة الزعيم اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش.
وتتقاطع هذه الأدلة مع ما ورد في البند رقم 6 من ميثاق المحكمة العسكرية الدولية، المتعلّق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بالتحديد: القتل، والإبادة، والاستعباد، والترحيل، والأفعال الأخرى غير الآدمية المُرتكبة ضد أيّ مدنيّين، قبل الحرب أو في أثنائها، أو الاضطهاد على أساسٍ سياسيّ أو عرقيّ أو دينيّ.
بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 أصبحت مسألة العدالة الانتقالية حاضرةً بقوّة في الساحة السورية، إلى درجةٍ بدت موازيةً لعملية الانتقال السياسي التي تشهدها البلاد، بل من شروط نجاحها وتأمينها. ولم تكن غائبةً على الإطلاق في أنشطة منظمات المجتمع المدني في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، إذ ناقشتها مطوّلاً وتحضّرت لها لمرحلة ما بعد الثورة.
حضرت العدالة الانتقالية على المستوى الداخلي أيضاً في مستويين واضحين: يمثّل الأول الموقف الرسمي من العدالة الانتقالية، الذي ورد في خطابي النصر، وأول كلمة للرئيس السوري أحمد الشرع بعد تولّيه الرئاسة، حيث حدّد فيهما أولويات سورية بعد إسقاط النظام بملء فراغ السلطة، والحفاظ على السلم الأهلي بالسعي إلى تحقيق العدالة الانتقالية ومنع مظاهر الانتقام، وملاحقة المجرمين الذين ولغوا في الدم السوري، وارتكبوا المجازر والجرائم، سواء ممّن اختبأوا داخل البلاد أو فرّوا خارجها، نظراً إلى ما خلّفه النظام من جراحاتٍ عميقةٍ مجتمعيةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ.
رعت نقابة المحامين السوريين المؤتمر السوري للعدالة الانتقالية، وناقشت فيه مستقبل سورية وسبل إعادة إعمارها سياسيّاً، واجتماعيّاً، واقتصاديّاً، وبيّنت أنّ عملية المحاسبة هي عملية تسلسلية، وليس كلّ من كان جزءاً من النظام سيكون تحت المساءلة أو يتعرّض للمحاسبة، وأنّ الهدف منها إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، وستشمل الانتهاكات ضد حقوق الإنسان التي ارتكبها رجال الأعمال الموالون للنظام بحق الشعب السوري.
كما حضرت في الجلسات الحوارية التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني التي عُقدت في المدن السورية، واعتبر فيها الناشط السياسي أسامة أبو زيد أنّ العدالة الانتقالية تشمل الماضي، فالمستقبل يتساوى فيه جميع السوريين في ما يتعلّق بحقوق المواطنة. أمّا في الماضي فهناك مجرمون دمّروا المدن وارتكبوا الانتهاكات، وعلى المواطن المطالبة بمحاسبتهم.
ويمثّل المستوى الثاني داخليّاً ردّات الفعل الشعبية والاعتراض الشعبي على ظهور الشبّيحة ومرتكبي الجرائم في الشوارع والساحات وتطاولهم على المواطنين، حيث خرج الأهالي في مظاهرةٍ في حي التضامن، مطالبين السلطات المسؤولة بالقبض على مرتكبي مجزرة حي التضامن الطلقاء في الحي، وأكّدوا على ضرورة محاسبتهم بالطرق القانونية، والمحافظة على السلم الأهلي بتشكيل المحاكم، منعاً لتحويل العدالة الانتقالية إلى عدالةٍ انتقاميةٍ.
وعلى المستوى الخارجي، أكّد المجتمعون من 20 دولة، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في المؤتمر الدولي بشأن سورية في فبراير/ شباط الماضي في باريس، على ضرورة دعم عملية العدالة الانتقالية في سورية والعمل على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. واجتمع الشيباني مع ممثّلين عن منظمات المجتمع المدني السوري العاملة في هذا المجال (“المركز السوري للإعلام وحرية التعبير – مبادرة السلم الأهلية”). وأكّد المجتمعون في مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير/ شباط الماضي، ودُعيت إليه سورية لأوّل مرة، على أهمية العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا ومحاسبة المرتكبين، من أجل الحفاظ على السلم ومنع التكرار، وخصّصت فيه فعالية طاولة حوار حول العدالة الانتقالية من وجهة نظر النساء.
متطلبات … والسلطة القضائية
لا بدّ أن تسبق مسار العدالة الانتقالية مرحلة بناءٍ صحيحٍ له، يتمثّل في إصلاح منظومة العدالة الحالية في سورية، من خلال مجموعةٍ من الخطوات التي ينبغي اتباعها: أولاها توفّر الإرادة السياسية لدى الحكومة السورية الجديدة. تتبعها مجموعة إجراءات، كتوفير بيئةٍ آمنةٍ وهادئةٍ يتمتّع فيها السكان بحرية ممارسة حياتهم اليومية من دون خوفٍ من أيّ شكلٍ من أشكال العنف، وانتفاء كل أشكال الخطر الذي يهدّد حياة السكان والمدنيين بشكلٍ عام، حيث تتمثّل هذه الأخطار بالقتل، والاختفاء، والاعتقال، والتعذيب، وكل الانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان، وكذلك المخاطر المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية، ومسائل الطائفية والحشد الطائفي. … وينقلنا هذا إلى الخطوة اللاحقة المتمثّلة بإصلاح قطاع الأمن والعدالة للدولة السورية.
وتَمرّ عملية إصلاح القطاع الأمني بعدّة مراحل: الأولى منها فورية وعاجلة، تتمثّل بإعادة بناء جيشٍ وطنيٍّ وقوةٍ أمنيةٍ تتبع لوزارة الداخلية. وإلغاء القوانين التي تمنح الحصانات لعناصر الأمن، أو إلغاء بعض القوانين، أو وقف العمل بها. لا بدّ هنا من حصرها وتحديدها وإلغائها. ثم إقرار قانونٍ متعلقٍ بالعدالة الانتقالية، أو القوانين التي ستحلّ محلّ القوانين التي ألغيناها.
تُعدّ أبرز القوانين التي يمكن الحديث عن إلغائها: المرسوم التشريعي رقم 14 لعام 1964 الخاص بإحداث إدارة أمن الدولة، والمرسوم التشريعي رقم 549 لعام 1969 الخاص بالتنظيمات الداخلية لإدارة أمن الدولة وقواعد خدمة العاملين فيها، والقانون رقم 19 لعام 2012 الخاص بمحاكم مكافحة الإرهاب، والقانون رقم 22 لعام 2012 الخاص بإحداث وحدة مكافحة الإرهاب. وتعود المطالبة بإلغاء مثل هذه القوانين إلى عدم تمتّعها بالشفافية الكافية، سواء من جهة النشر والمراقبة، أو من جهة الصلاحيات والحصانات التي تمنحها لعناصر الأمن في أثناء تأديتهم خدمتهم، ولمخالفتها الصريحة معايير المحاكمات العادلة.
وتتعلّق الخطوة التالية بالسلطات القضائية في المرحلة الانتقالية، التي تسبق مرحلة إطلاق مسار العدالة الانتقالية، فبالإضافة إلى هيئة الحكم الانتقالي المتمثلة بالرئيس، والحكومة الانتقالية التي ستمارس دور السلطات التنفيذية، واللجنة الدستورية المكلفة بوضع دستورٍ جديد، والمجلس التشريعي الوطني الذي قد يتم تشكيله نتاجاً لمؤتمر الحوار الوطني؛ كل هذه الأطراف ستكون أمام تحدٍّ آخر يتمثل بالسلطات القضائية التي ستراقب وتحكم على عمل السلطات الأخرى في هذه المرحلة.
وبالتالي، سيضعنا إطلاق مسار العدالة الانتقالية من دون إصلاح القطاع القضائي في سورية أمام حالة مفادها أن القوانين التي ستسري هي التي وُضعت خلال حكم نظام الأسد، وأن القضاة الذين سيحاكمون المتورطين بانتهاكات وجرائم بحقّ الشعب السوري هم القضاة أنفسهم الذين عيّنهم النظام البائد، أو أحد رجالاته ممّن يخضعون حالياً للمحاكمة.
فمثلاً، في حالة توقيف اللواء محمد الشعار، ومن ثم محاكمة أحد القضاة الحاليين له، وتطبيق القوانين السابقة التي أقرّها نظام الأسد. نستطيع أن نتخيّل هذا النوع من المحاكم كم سيكون هزليّاً، ويهدر حق الضحايا السوريين. ولأجل ذلك كله، لا بدّ من وجود قضاءٍ حياديٍّ مستقلٍّ ونزيهٍ ومهنيٍّ، وقادرٍ على التعامل مع الملفات المتعلقة بانتهاكاتٍ كبيرةٍ لحقوق الإنسان في سورية.
خطوات ودوافع
بدأت وزارة العدل في الحكومة الانتقالية في هذا المجال من خلال القرار رقم 204/ل، الذي تضمّن إحالة الوزارة 87 قاضياً من محكمة الإرهاب إلى إدارة التفتيش القضائي للتحقيق معهم في المخالفات المسلكية والقانونية، ونصّ صراحةً على أن إحالتهم جاءت بناءً على مقتضيات العدالة الانتقالية. كما تحدّث وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال التي أعقبت سقوط النظام شادي الويسي، في اجتماعٍ مع أعضاء مجلس نقابة المحامين المركزية وفروع دمشق والقنيطرة وريف دمشق، ولفيفٍ من المحامين، عن العمل الدؤوب في الوزارة للتحضير لتطبيق العدالة الانتقالية بالتعاون مع نقابة المحامين وأساتذة الحقوق في الجامعات.
ويتضمّن إصلاح المنظومة القضائية في سورية ثلاث خطوات: إعادة تشكيل بعض المحاكم والهيئات القضائية، وإلغاء بعض المحاكم الاستثنائية، كإلغاء جميع المحاكم الاستثنائية، وإحالة الدعاوى المنظورة أمامها إلى القضاء العادي، ومنها محكمة الإرهاب ومحكمة الميدان العسكرية، وإحالة بعض الدعاوى من المحاكم العسكرية إلى المحاكم العادية، كالدعاوى المنظورة أمام القضاء العسكري وأحد أطرافها مدنيّون، ووقف إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري.
من الطبيعي أن يبدأ الحديث عن العدالة الانتقالية في سورية بعد سقوط نظام الأسد ودخول البلاد في عملية الانتقال السياسي، خصوصاً أن منظمات المجتمع المدني في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية قبل سقوط النظام لعبت دوراً كبيراً من خلال أنشطتها في نشر ثقافة العدالة الانتقالية، وتسليط الضوء على الانتهاكات والمجازر وضرورة محاسبة مرتكبيها، وقطعت أشواطاً متقدّمة وناضجة مقارنةً مع واقع الحال في مناطق سيطرة النظام، وظهرت بوضوح الفجوة بين الطرفين والفرق في خبرة العاملين في هذا المجال، بحسب عاملين في المجتمع المدني في مناطق النظام، نظراً إلى تهميش نظام الأسد هذا القطاع والضغوط التي مارسها عليه، والقيود التي فرضها على أنشطته.
تأخذ دوافع تحقيق العدالة الانتقالية منحَيَين رئيسيين: الاجتماعي: حيث يفتح التأخّر في تطبيق العدالة الانتقالية الباب أمام مشاعر الغضب عند المتضرّرين ومَن تعرّض للظلم، إلى الانتقام الذي قد يُفسد أيّ فرصةٍ للمصالحة وبناء السلام. وتُعدّ العدالة الانتقالية خطوةً أساسيةً نحو الشفاء الاجتماعي وتحقيق العدالة لجميع الأطراف المعنية، وتهدف إلى تحقيق نوعٍ من التوازن بين حقوق الضحايا وحقوق المجتمع بشكلٍ عام، بحيث يمكن للجميع التطلّع إلى المستقبل من دون أن تُظلم الأطراف المعنية. مقابل ذلك، دعا مشايخ وقادة روحيّون من الطائفة العلوية في سورية، في عدة بيانات، إلى عفوٍ عن جميع السوريين، لشعورهم بأنّ الطائفة العلوية شكّلت ثقلاً كبيراً في صفوف القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
وبالتالي، تقع العدالة الانتقالية بين قطبي رحى هذين التيارين الاجتماعيين، اللذين عكسهما الرئيس الشرع بقوله: “إنّ هناك خيطاً رفيعاً، لكن مهمّاً جداً، بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي؛ فإن فرّطنا في حقوق الناس سيؤثر هذا على السلم الأهلي، وإن تشدّدنا في المطالبة بحقوق الناس، فهذا سيؤثر على السلم الأهلي لأنه ستحصل حالة من الفزع. ومنذ اللحظة الأولى، لم نصدر عفواً عمّن ارتكب جرائم منظّمة، وعلى الناس أيضاً أن تتسامى نوعاً ما عن بعض الحقوق، ونركّز على الحقوق المتعلقة بالجرائم المنظّمة”.
يتمثل المنحى الثاني في الجانب الأمني، حيث تُشكّل العدالة الانتقالية، سواء من خلال المحاكمات الجنائية أو التعويضات وجبر الضرر أو الإصلاحات أو لجان تقصّي الحقائق، رادعاً أمام مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان، وتمنع تكرارها مستقبلاً مهما كان حجمها. كما تمنع إجراءاتها النزعات الانتقامية التي من شأنها تقويض الأمن وعودة استخدام العنف، وتمثّل طريقاً مختصراً للانتقال من الحكم الاستبدادي الشمولي إلى الحكم الديمقراطي القائم على الحوكمة والشفافية. وتقطع الطريق على مرتكبي الجرائم للعودة إليها، كما هو الحال في الحالة السورية، من خلال ما يجري ترويجه من تنسيقٍ بين ضباط النظام البائد وإيران، وإعادة تنظيم أنفسهم للوقوف في وجه النظام الجديد، وإحداث اضطراباتٍ أمنيةٍ تمنعه من المضيّ في سبيل تحقيق الاستقرار.
تحدّيات تطبيق العدالة الانتقالية
التحدّيات التي تعترض مسار العدالة الانتقالية تجعل منه مساراً طويلاً ومعقّداً. وهي تتمثّل في: ضخامة الانتهاكات والجرائم وكثرتها، وامتدادها على عقودٍ طويلة، وتفاقمها خلال سنوات النزاع. فمن الممكن في سورية، على سبيل المثال، أن تشمل العدالة الانتقالية ما حصل منذ استلام نظام حافظ الأسد السلطة في مطلع السبعينيات، وحتى تاريخ سقوط نظام نجله بشّار. ومن الممكن أيضاً أن تشمل ما حصل منذ دخول حافظ الأسد الحياة السياسية العامة في مطلع الستينيات من القرن الماضي، نظراً إلى وجود جرائم وانتهاكات كان المدبّر الرئيس لها.
التحديات القانونية والتشريعية: إذ بات يوجد في سورية ما يمكن تسميته “التضخّم التشريعي”، الذي يتجلّى في زيادة القوانين الصادرة كل سنة وتكدّسها، ووجود قوانين ظرفية، وكذلك استخدام النظام البائد قوانين التشريع العقاري لتحقيق التغيير الديموغرافي، ووجود قوانين متداخلة في هذا المجال بالتحديد.
القصور التشريعي: يتمثّل في عدم ملاءمة النص القانوني للحياة الاجتماعية والسياسية السائدة في المجتمع، وتظهر هذه المشكلة عند انتقال المجتمع من وضعٍ سياسيٍّ معيّن إلى وضعٍ جديد، كما هو الحال في سورية التي انتقلت من دكتاتورية إلى عهدٍ جديد. وبالتالي، تجد العدالة نفسها بحاجةٍ إلى مجموعةٍ من القوانين، أهمّها: المعاقبة على ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، وعدم تطبيق نصوص التقادم عليها، وتسريع قانون الإجراءات، وتطبيق النصوص التي تراها ضروريةً بأثرٍ رجعيٍّ.
صعوبة إنشاء محاكم محلية: كما هو في نموذج رواندا، الذي يهتم بالانتهاكات المحلية الصغيرة، لا يمكن أن ينجح هذا النموذج في الدولة السورية، نظراً إلى انقسام المجتمع السوري أفقيّاً وعموديّاً، بين مؤيّدٍ للثورة ومعارض، وبالتالي، لن نستطيع إيجاد قضاةٍ محايدين بهذا الحجم والعدد.
التفاوت في الوعي والثقافة ومفهوم العدالة الانتقالية: بين المواطنين السوريين ممن كانوا في مناطق سيطرة نظام الأسد البائد والمواطنين السوريين ممن كانوا في المناطق الخاضعة لفصائل المعارضة السورية. ويعود ذلك إلى تحجيم نشاطات منظمات المجتمع المدني في مناطق سيطرة النظام، في وقتٍ كانت فيه تلك المنظمات تنفّذ برامجها كاملةً في المناطق الخارجة عن سيطرته، وتنفّذ أنشطتها المتعلقة بالعدالة الانتقالية ومتطلبات الانتقال السياسي بشكلٍ عام.
الحاجة إلى نشر الوعي القانوني
يتطلّب هذا الواقع من المنظمات القانونية ومنظمات المجتمع المدني وضع برامج خاصة بنشر الوعي حول العدالة الانتقالية، والتأكيد على أنّها عملية قانونية، وبعيدة كلّ البعد عن الانتقام، وتساهم في استقرار المجتمع واحترام القانون وعدم تجاوزه.
يبقى مسار العدالة الانتقالية في سورية مساراً شائكاً، متداخلاً، ومعقّداً، لكنه ضروريٌّ للعبور بالمجتمع إلى السلم الأهلي، وإبعاده عن النزاعات الانتقامية التي تُقوّض الأمن والاستقرار.
العربي الجديد
———————-
المواطنة في بلد مزدحم بالمصطلحات/ سميرة المسالمة
01 سبتمبر 2025
خلال الأشهر التسعة الماضية، وبينما كانت الدولة السورية الجديدة تحاول أن تتشكل بعد حربٍ استمرت 14 سنة، وبعد عقود من الفساد الممنهج، بدأ الاحتدام حول المصطلحات المتداولة في الواقع السياسي السوري، ليس فقط بين بعض التجمّعات الطائفية وعدة مثقفين من جهة، والدولة الناشئة من جهة مقابلة، بل بين عناصر السلطة نفسها القادمين من خلفياتٍ مختلفة، ما زاد الطين بلة. ما يعني أننا أمام خلافاتٍ على مستويات متعددة، ربما حُسم بعضها على الأقل داخل السلطة نفسها أو من أعلاها، عندما قرّر الرئيس أحمد الشرع التأكيد أنه ليس امتداداً للأحزاب الإسلامية والجهادية أو للربيع العربي. هذه قطيعة تنهي آمال بعض المنضوين في عباءة السلطة من المرجعية السلفية والجهادية في أخذ البلاد إلى حدود إمارتهم الإسلامية، لكنها أيضاً تقطع مع مصطلحاتٍ تداولها “الربيع العربي”، أي إنها ليست انقلاباً “معدياً” للشعوب على الأنظمة القائمة.
يعكس هذا المشهد المليء بالجدل حقيقة أن سورية اليوم ليست فقط أمام تحدّي إعادة الإعمار المادي، بل أمام معركة تعريفية عميقة للمصطلحات التي ستشكل هويتها السياسية والاجتماعية، فالصراع لم يعد عسكريّاً بين النظام الأسدي والمعارضة، كما كان في السنوات الماضية، بل تحوّل إلى عدة صراعات، أحدها “المسلحة”، إضافة إلى الصراع حول المرجعيات التي ينبغي أن تؤسّس عليها الدولة: هل هي دولة تستند إلى الشرعية الدينية، أم إلى شعارات الثورات، أم أنها تتجه نحو صيغة جديدة يمكن أن توازن بين مكوناتها المتنوعة؟
وسط هذا التنازع على المصطلحات والمرجعيات، يظلّ مفهوم المواطنة الغائب الحاضر. وربما هو المنقذ، فهو المصطلح الذي يملك القدرة على تجاوز الخلافات النظرية، إذا استطاعت السلطة الجديدة أن تجعله المضمون النهائي الذي يجب أن يتحوّل إلى ممارسة فعلية تترجم في حياة الناس. فالمواطنة تعني حقوقاً متساوية، وأن الدولة لا تُبنى على ولاءاتٍ ضيقة، ولا على شعاراتٍ عابرة، بل على قاعدة العدالة والمساواة التي تكفل لكل مواطنٍ حقوقه كاملة، من تعليم وصحة وفرص عمل ومشاركة سياسية، بصرف النظر عن دينه أو طائفته أو خلفيته.
بالطبع، لا يتحقق هذا الأمر بكبسة زر تلغي ما ورثته السلطة الحالية من واقع مجتمعي مدمّر، وما تابعته الأحداث اللاحقة للتحرير في 8 ديسمبر/ كانون الأول (2024) بتحريض مفتعل من نظام مهزوم وقوى داعمة له، لزعزعة الاستقرار المجتمعي لضمان استمرار الفوضى التي تقوّض بناء الدولة. ويتطلب تحقيق ذلك أساساً أن تضع السلطة الناشئة قواعد واضحة لقطيعتها مع إرث السلطة السابقة التي كرّست الفساد والإقصاء. ومن جهة أخرى، يتطلب القطيعة الحاسمة مع المرجعيات المتشدّدة أيضاً، التي تحاول بعض الأطراف استحضارها من جديد، لمواجهة التغيير الخارج عن سيطرتها. كذلك يتطلب من المجتمع المدني والمثقفين تجاوز دور الرافض سلفاً أو المتلقّي الصامت، والانتقال إلى المشاركة الفاعلة في صياغة خطابٍ بديلٍ يعزّز فكرة المواطنة بوصفها الهوية الوطنية الأوسع.
ما يثير القلق أن استمرار النقاش عند مستوى “المصطلحات” قد يعوق الانتقال إلى مستوى “الممارسات”، فالمواطن الذي فقد ثقته بالدولة عقوداً طويلة من التمييز والفساد، لن يقتنع بخطاب سياسي مجرّد، بل بما يلمسه من تغييراتٍ حقيقيةٍ في حياته. لذلك يحتاج الحديث عن المواطنة ترجمة فورية في بنى القانون والمؤسّسات، بحيث يشعر الفرد بأن حقوقه مصونة، وأنه ليس مضطرّاً إلى احتماء طائفي أو مناطقي كي ينال ما يستحقه من الدولة.
علمتنا الحرب الطويلة أن غياب المواطنة هو ما فتح الباب أمام الانقسامات والصراعات، فعندما تحوّل الولاء إلى الطائفة أو الجماعة بدلاً من الدولة، تراجع الانتماء الوطني، وتفتّت النسيج الاجتماعي. أما إذا أُعيد الاعتبار إلى المواطنة، فإنها ستعيد اللحمة الوطنية، وتعيد توجيه الولاء نحو الدولة باعتبارها البيت المشترك لجميع السوريين.
لذلك ليس النقاش الفكري الراهن عبئاً، بل هو فرصة “سورية” لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع. وإذا تمكّنت السلطة من السير على طريق بناء دولة مدنية عادلة، وشارك المجتمع بدوره في تعزيز قيم المواطنة بدلاً من الانغلاق على الهويات الضيقة، يمكن أن يولد عقد اجتماعي جديد، ينهي مرحلة التشتت والاتهامات المتبادلة، لكن ذلك كله أيضاً مشروط بتنظيم المجتمع المدني نفسه، وبقبول السلطة وجوده، ويقابله بقبول المجتمع سلطة قانون تنظمه، وليس مرجعية طائفية تغلق حدوده وتضعه في مواجهة بعضه بعض
العربي الجديدة
—————————–
رئيس العدالة الانتقالية بسوريا: نسعى لتحقيق المصالحة والسلم الأهلي
03 أيلول 2025
قال رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية السورية عبد الباسط عبد اللطيف -اليوم الثلاثاء- إن أهداف الهيئة تشمل العمل على تحقيق المصالحة الوطنية والسلم الأهلي في البلاد، إلى جانب الإصلاح المؤسسي.
وجاء ذلك في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الرسمية (سانا) بعد 5 أيام من تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.
وأضاف عبد اللطيف -في تصريحات نقلتها “سانا”- أن أهداف العدالة الانتقالية في سوريا تشمل أيضا كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة، والمساءلة والمحاسبة، وجبر ضرر الضحايا وتعويضهم.
وأوضح أن الهيئة تعمل بجدية لأداء هذه المهمة، مشيراً إلى أن الضحايا وأسرهم سيكون لهم دور مركزي في عملية العدالة الانتقالية.
تشكيل الهيئة
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أصدر مرسوما بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية من رئيس و12 عضوا أحدهم نائب للرئيس أيضا، وفق نص المرسوم الذي أوردته “سانا” حينها.
وفي 18 مايو/أيار الماضي، أصدر الشرع مرسوما بتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية تتولى كشف الحقائق بشأن انتهاكات النظام المخلوع، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا.
وجاء القرار حينها بعد أن تصاعدت مطالبات محلية ودولية بالمحاسبة وتحقيق العدالة في الانتهاكات التي ارتكبها نظام بشار الأسد أثناء محاولاته قمع احتجاجات شعبية مناهضة اندلعت في مارس/آذار 2011، وطالبت بتداول سلمي للسلطة.
وكانت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني السوري -المنعقد في فبراير/شباط الماضي- شددت على أهمية العدالة الانتقالية، وضرورة محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة في عهد نظام الأسد.
وفي 6 مارس/آذار الماضي، أكد وزير الخارجية أسعد الشيباني أن بلاده تمضي قدما في محاسبة المجرمين وتحقيق العدالة للشعب السوري.
المصدر: الجزيرة + الأناضول
—————————
صعوبات تواجه فرق الدفاع المدني في توثيق المقابر بحمص.. ما هي؟
2025.09.01
كشف مدير المكتب الإعلامي في مديرية الدفاع المدني بحمص، أحمد بكار، الإثنين، عن الصعوبات الكبيرة التي تواجه عمل الفرق في التعامل مع المقابر المكتشفة حديثًا، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا.
وشهدت مدينة حمص خلال الأيام الماضية سلسلة من الاكتشافات المؤلمة، حيث عثرت فرق الدفاع المدني على رفات ستة مدنيين في أحياء كرم الزيتون وعشيرة وقرية القبو بريف حمص الغربي. بينما تواصل الجهات المعنية كالدفاع المدني جهودها في التوثيق والتعرف على هوية الضحايا.
اكتشافات متتالية في حمص وريفها
في حي كرم الزيتون، كشف الأهالي في أثناء حفرهم قرب جامع الرفاعي عن رفات جثتين مجهولتي الهوية. وعلى الفور، تدخّلت فرق الدفاع المدني وانتشلت الرفات التي تبين أنها تعود لرجل وامرأة، وُجدا مكبلي الأيدي والرقبة وعليهما آثار تعذيب، ما يرجح تعرضهما لتصفية ميدانية.
كما عُثر على رفات شخصين آخرين في منطقة تقع بين قريتي القبو والعوصية بريف حمص الغربي، وتم نقلهما إلى مشفى الوليد.
وفي حادثة مشابهة، اكتشفت فرق الدفاع المدني رفات جثتين داخل منزل مهجور في حي المضابع بمنطقة عشيرة، في أثناء إجراء الأهالي بأعمال ترميم. ووفقاً لشهادات السكان، يُرجح أن الجثتين تعودان لرجل مسن وطفلة. وقد نُقلت الرفات إلى مشفى كرم اللوز لإجراء الفحوص الطبية الشرعية قبل تحويلها إلى مركز الاستعراف في دمشق للتعرف على الهوية.
بكار: ستة أشخاص في ثلاثة أيام
وفي تصريحات خاصة لموقع تلفزيون سوريا، أوضح مدير المكتب الإعلامي في مديرية الدفاع المدني بحمص، أحمد بكار، أن المعلومات حول وجود رفات تصل عادةً عبر الأهالي أو من الجهات الأمنية.
وأشار بكار إلى أن الأيام الماضية شهدت ثلاث حوادث متتالية: الأولى يوم الجمعة الماضي في قرية القبو شمال غربي حمص حيث عُثر على رفات شخصين، والثانية يوم السبت في حي كرم الزيتون، أما الثالثة فكانت يوم الأحد في حي عشيرة، ليصل مجموع الضحايا المكتشفة رفاتهم إلى ستة أشخاص.
إجراءات التوثيق وتحليل الهوية
وبيّن بكار أن الإجراءات المتبعة عند تلقي البلاغ تبدأ بتوثيق الرفات وجمعها، ثم تسليمها للطبابة الشرعية ونقلها لاحقاً إلى مركز الاستعراف في دمشق لإجراء تحليل DNA وتحديد الهوية.
لكنه لفت إلى غياب إحصائية دقيقة لعدد المقابر، موضحاً أن الدفاع المدني استجاب لخمسة مواقع رئيسية بينها تلكلخ وكرم الزيتون والقبو وخربة السواد.
وأضاف: “سياستنا تقوم على التعامل مع المقابر المكشوفة فقط، بينما يتم تجميع بيانات وإحداثيات عن المقابر غير المكتشفة وتسليمها لاحقاً للهيئة العامة للمفقودين، حيث يُتوقع أن تتدخل جهات دولية للإشراف على عملية فتحها وتوثيقها.”
تحديات أمام فرق الإنقاذ
وأشار بكار إلى تحديات تواجه العمل، أبرزها استعجال بعض الأهالي في فتح القبور أو نقل الرفات، ما يضر بعملية التوثيق. واستشهد بحالة كرم الزيتون، حيث وُجدت بقايا أيدي مكبلة وأدلة على لواصق في الجماجم، وهي مؤشرات على تعرض الضحايا للتعذيب قبل إعدامهم، لكنها كادت أن تضيع بسبب تدخل الأهالي. وأكد أن تحديد هوية الضحايا لا يمكن أن يتم إلا عبر الفحوص المخبرية، وليس من خلال تكهنات السكان.
رسالة إلى الأهالي
وختم بكار رسالته قائلاً: “المأساة لم تنتهِ رغم سقوط النظام، فما زال لدينا آلاف المغيبين والمفقودين. هؤلاء ضحايا لم تُنصفهم العدالة بعد. لذا نطلب من الأهالي الصبر وعدم فتح المقابر حالياً، حتى يتم توثيقها بشكل علمي بإشراف جهات محلية ودولية معنية.”
نحو معالجة ملف المفقودين
وتأتي هذه الجهود بالتوازي مع تأسيس الهيئة العامة للمفقودين، التي أُنشئت عقب سقوط نظام الأسد بتاريخ 17 أيار/مايو 2025 بموجب مرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع، استنادًا إلى أحكام الإعلان الدستوري السوري للعام نفسه. وتوصف الهيئة بأنها مستقلة، تتمتّع بشخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري، وتمارس مهامها على امتداد الأراضي السورية.
بهذا الإطار، تتكامل جهود الدفاع المدني مع الهيئة الوليدة، في خطوة يُنتظر أن تسهم في إغلاق واحد من أكثر الملفات إيلامًا في الذاكرة السورية، وإعادة الاعتبار لضحايا المجازر والمختفين قسرًا.
————————————
تفاؤل حذر حول الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا/ أحمد العقلة
الثلاثاء 2025/09/02
في خطوة تهدف إلى تعزيز مسار العدالة الانتقالية في سوريا، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس في 28 آب/ أغسطس، المرسوم الرئاسي رقم 149 لعام 2025، الذي يقضي بتشكيل لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف ونائبته زهرة نجيب البرازي.
تأتي هذه الخطوة استناداً إلى المرسوم رقم 20 لعام 2025، الذي استحدث الهيئة وكلفها بمهام محورية تشمل محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات خلال سنوات الثورة السورية منذ 2011، إلى جانب جبر ضرر الضحايا والاعتراف بمعاناتهم.
تهدف الهيئة وفق القائمين عليها إلى تحقيق العدالة الانتقالية، التي تُعد أداة لمعالجة إرث الانتهاكات الحقوقية معالجةً تعزز الاستقرار وتمنع العنف المستقبلي، مستلهمةً تجارب دول مثل جنوب أفريقيا ورواندا. ومع ذلك، أثارت هذه الخطوة نقاشاً حاداً بين الخبراء القانونيين والحقوقيين، حيث تباينت آراؤهم بين التفاؤل الحذر والتشكك في جدوى الهيئة.
في تصريح لـ”المدن”، عبّر الخبير القانوني، المستشار السابق في منظمات حقوقية دولية، علي حمدي، عن تفاؤله المشروط بالهيئة. وقال حمدي: “تشكيل الهيئة خطوة ضرورية لبناء جسور الثقة بين الشعب السوري والسلطات الجديدة. إذا تمكنت الهيئة من العمل بشفافية واستقلالية، يمكن أن تسهم في محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب، وبوجهٍ خاص مع وجود تقارير دولية توثق انتهاكات جسيمة مثل التعذيب والإبادة. الإعلان الدستوري يمنح الهيئة إطاراً قانونياً قوياً، لكن يجب دعمه بآليات دولية، مثل التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، لضمان محاسبة كبار المسؤولين. إن نجحت الهيئة في إشراك المجتمع المدني والضحايا، فقد تكون نواة لمصالحة وطنية حقيقية.” وأضاف حمدي: “تجربتي في دراسة نماذج العدالة الانتقالية تؤكد أن النجاح يعتمد على حماية الشهود وتوفير تعويضات عادلة، وهو ما أتمنى أن تركز عليه الهيئة.”
واعدة على الورق
على النقيض من ذلك، أعرب المحامي المتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان، أحمد الخير، في حديث لـ”المدن”، عن تشاؤمه حيال فعالية الهيئة. وقال الخير: “الهيئة تبدو واعدة على الورق، لكن تركيبتها تثير الشكوك. من هم الأعضاء؟ هل يمثلون التنوع السوري فعلاً، بما في ذلك الأقليات مثل الكرد والدروز؟ غياب الشفافية في اختيار الأعضاء قد يجعل الهيئة أداة سياسية لخدمة أجندات معينة بدلاً من تحقيق العدالة. بصفتي محامياً دافع عن ضحايا الاعتقال التعسفي، أرى أن جبر الضرر يحتاج إلى ميزانية واضحة وآليات تنفيذية، وهو ما لا أرى بوادره بعد”. وأضاف الخير: “تاريخياً، فشلت تجارب مشابهة في دول عربية مثل العراق بسبب التدخلات السياسية. إذا لم تُحمَ الهيئة من تأثير السلطة التنفيذية، فقد تصبح مجرد واجهة لامتصاص غضب الضحايا من دون تحقيق نتائج ملموسة”. وحذر الخير من أن “عدم إشراك الشتات السوري، الذي يضم ملايين النازحين، قد يقوض صدقيّة الهيئة”.
تعكس الآراء المتضاربة بين حمدي والخير التحديات التي تواجه الهيئة، حيث يرى البعض فيها أملاً للعدالة، في حين يخشى آخرون من تحولها إلى أداة شكلية. تبقى الأيام القادمة حاسمة لاختبار قدرة الهيئة على تحقيق أهدافها وسط تعقيدات المشهد السوري.
————————–
الطب الشرعي بسوريا يكابد لحل ألغاز الرفات/ مصطفى رستم
إعادة تصنيع الوجه للجثث المجهولة وخصوصاً إذا كانت الجمجمة مهشمة وتحديد بصمة الأسنان وأرشفتها
الخميس 4 سبتمبر 2025 12:42
أهمية دور أطباء الأسنان الشرعيين في تحديد هوية الرفات، وهو ما يسمى بالاستعراف، ويتضمن تحديد الجنس وتقدير العمر.
في أواخر مارس فتح مركز الاستعراف للطبابة الشرعية أبوابه في مبنى العيادات الشاملة بمنطقة الزاهرة الجديدة في دمشق.
المركز الجديد الذي أنشئ بعد التحرير يستقبل الهياكل العظمية مجهولة الهوية لأخذ بياناتها الكاملة من دراسة إنتربولوجيا لكامل الهيكل، وهنا بدأ يتكشف دور أساس لأطباء الأسنان وخبرتهم بالكشف عن بصمة الأسنان وأرشفتها، باستخدام مخبر خاص لإعادة تصنيع الوجه للجثث المجهولة وخصوصاً إذا كانت الجمجمة مهشمة.
على منضدة مستطيلة تصطف عظام رفات شخص مجهول في مركز يتبع للطب الشرعي في العاصمة دمشق، يحاول الأطباء جاهدين تحديد هويته، في مشهد يلخص وجع أعوام طويلة أثقلت عائلة شخص تحول إلى رفات، وكم التعب والإرهاق اللذين رافقا عائلته لمعرفة مصيره وهم يتوقون إلى خبر عنه يشفي غليلهم.
الاستعراف وكشف الهوية
في مركز يطلق عليه “الاستعراف”، يحاول قلة من الأطباء تحديد هويات رفات مجهولة، لا سيما بعد سقوط النظام في أواخر العام الماضي 2024، والكشف عن مقابر جماعية أخذت تتكشف يوماً بعد يوم عن جماجم مثقوبة الرأس جراء رصاص اخترقها، أو هياكل عظمية مقيدة، كم هائل من الرفات ينقل إلى مراكز الطب الشرعي، إذ تعكف الكوادر الطبية وعلى رغم نضوب هذا الاختصاص وندرته، عن حل شيفرات هوية الهياكل العظمية.
في عام 2011، اندلع الحراك الشعبي في البلاد بغية الإصلاح، وسرعان ما تحول هدفه إلى إسقاط النظام، حينها ارتفع أزيز الرصاص ليسكت أصوات المتظاهرين المطالبين بالحرية. بعدها وتحديداً في عام 2013 بدأ النزاع المسلح يشق طريقه، ولقي سوريون حتفهم بتصفيات ميدانية، وباتوا مجرد أرقام بعد إخفاء القاتل هوية ضحيته المدفونة تحت التراب.
وفي أواخر شهر مارس (آذار)، فتح مركز الاستعراف للطبابة الشرعية أبوابه في مبنى العيادات الشاملة بمنطقة الزاهرة الجديدة في دمشق، ولم يخف وقتها ماهر الشرع الذي كان يشغل منصب وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال قبل انتقاله إلى منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية بعد تشكيل الحكومة الجديدة، أهمية هذا المركز كونه يعمل على كشف الجثث للتعرف عليها وتحليل معلوماتها وحفظها، ويرى في هذا المركز “نقلة نوعية بمجال الطب الشرعي في سوريا”.
المركز الجديد الذي أنشئ بعد التحرير يستقبل الهياكل العظمية مجهولة الهوية لأخذ بياناتها الكاملة من دراسة إنتربولوجيا لكامل الهيكل، وهنا بدأ يتكشف دور أساس لأطباء الأسنان وخبرتهم بالكشف عن بصمة الأسنان وأرشفتها، باستخدام مخبر خاص لإعادة تصنيع الوجه للجثث المجهولة، وخصوصاً إذا كانت الجمجمة مهشمة.
يعمل المركز الطبي بكامل طاقته عبر غرف تبريد وتحليل أولي وغسيل وتنشيف وأشعة وحفظ عينات، بينما مكتب الاستقبال يتلقى المعلومات من أهالي المفقودين، ويجتهد الأطباء على جمع البيانات وأرشفتها. وفي هذا الشأن يقول طبيب الأسنان الشرعي رئيس مركز الاستعراف أنس الحوراني “هناك طرق عدة للتعرف على الجثث منها اختبار الحمض النووي ’دي أن إيه‘ أو بصمات الأسنان في سياق معرفة حقيقة الرفات وهويتها”، وذلك بتصريح صحافي ألقاه على هامش افتتاح مركز الاستعراف، وتشير المعلومات عن افتتاح مراكز مشابهة في محافظات سورية عدة بالشمال.
بصمة الأسنان
في غضون ذلك يتابع أطباء الأسنان الشرعيون عملهم بجهود شاقة، ويعكفون على ترتيب الجماجم المهشمة إلى قطع، وبعد رحلة تعب ودراسة، وعلى رغم قلة عدد الأطباء ووسط كم هائل من الرفات الواصلة إلى الطب الشرعي من المقابر الجماعية، ينجح هؤلاء بالتوصل إلى تحديد هويات الرفات.
وتحدثت الطبيبة الاختصاصية في طب الأسنان الشرعي وئام شوبك عن دور أطباء الأسنان الشرعيين المهم في تحديد هوية الرفات، وهو ما يسمى بالاستعراف، ويتضمن تحديد الجنس وتقدير العمر.
وتضيف “في ما يتعلق بتحديد الجنس كأطباء أسنان شرعيين فإن ذلك يحدث عن طريق فحص معالم الجمجمة، وبعض النقاط التشريحية فيها، إضافة إلى شكل القوس السنية، وكذلك الأمر يتعلق بتقدير العمر عن طريق الأسنان من خلال ملاحظة ما هي الأسنان البازغة، وذلك في مرحلة عمرية معينة للأسنان اللبنية والمختلطة، إضافة إلى ملاحظة بزوغ (الأرحاء) الثالثة سريرياً وشعاعياً”.
وتعد طريقة “لاماندين” إحدى طرق تقدير العمر التي تتبعها طبيبة الأسنان الشرعية شوبك، تسمح للأطباء بتحديد البصمة السنية بالاعتماد على تطابق أسنان الجثة مع بيانات المفقود السنية في حال كان إيجابياً أو سلبياً.
وتعتبر الطبيبة شوبك المقابر الجماعية تحدياً كبيراً يحتاج إلى تعاون فريق كامل من أطباء الشرعيين البشريين وأطباء الأسنان، إضافة إلى الفنيين وغيرهم من أصحاب الاختصاص أو باختصاصات مرتبطة بالطب الشرعي.
المقابر الجماعية
في الأثناء وبعد سقوط الأسد في عملية “ردع العدوان” يوم الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصلت “اندبندنت عربية” إلى مدينة القطيفة (تبعد نحو 37 كيلومتراً من العاصمة دمشق)، وحضرت الكشف عن جزء من مقابر جماعية يقدر الخبراء عدد الضحايا فيها إلى 100 ألف شخص، مع وجود ما لا يقل عن 66 موقعاً لمقابر جماعية على امتداد البلاد.
وتحولت القطيفة، البلدة الواقعة في ريف دمشق الشمالي، إلى موقع دفن مركزي لضحايا التعذيب في السجون والمعتقلات وتصفيات النظام السابق الميدانية، بالمقابل تهيم السيدة “ليلى” من دمشق على وجهها تتفقد الرفات، وأماكن الجثث بعد اكتشاف فريق من الدفاع المدني مقبرة القطيفة الجماعية.
تقول “كل ما شاهدته جماجم وهياكل عظمية، لكن أبحث عما يقودني إلى ولدي من ملابس أو أي شيء”، تجهش بالبكاء السيدة الخمسينية، وهي تروي تفاصيل مغادرة ابنها مع أولاده هرباً من المجاعة والحصار، “خرج ليلاً مع عائلات كثيرة للهرب من الحصار لينال قدره بانفجار ضخم هز المنطقة”.
أما الشاب ياسر الطويل، من أبناء منطقة القطيفة، يروي ما حدث بالقرب من بحيرة العتيبة من مجزرة دامية حصلت في الأعوام الأولى من الحرب بعد تلغيم الطريق من النظام السابق عندما اكتشف أن هناك عائلات تهرب من دوما، إذ أطبق النظام وقتها على كامل الغوطة وحاصرها، وهربت العائلات من مجاعة الغوطة، وبعد تفجير الآلاف من السوريين دفنوهم هنا.
يتواصل العمل الطبي ليلاً ونهاراً لتحديد هويات الرفات بينما نفوس تترقب أي خبر يأتي ليدفنوا أحبتهم بطريقة كريمة، في الأثناء يطلب الأطباء مزيداً من الخبرات الطبية في هذا المجال، ولا سيما أطباء الأسنان للمساعدة، وفق مصدر خاص في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أعلن “أن اللجنة لا تشارك بصورة مباشرة في استعادة الرفات البشرية أو تحديد تهويتها، ومع ذلك تقدم اللجنة الدعم للسلطات والجهات الرسمية المتخصصة بهذه المهمة، وتوفر لها الخبرة الفنية اللازمة لتمكينها من اكتساب المعارف والأدوات المطلوبة التي تحسن من خلالها إدارة جثث الموتى وتحديد هويتهم”.
(اندبندنت عربية)
———————————
الوطنية والخصوصية في مجتمع فسيفسائي.. “الوطنية الدستورية”/ بشار الحاج علي
2025.09.04
ليست الوطنية في المجتمعات الحديثة شعاراً فضفاضاً أو انفعالاً عاطفياً مؤقتاً، بل هي بناء اجتماعي وسياسي يقوم على فكرة الانتماء إلى جماعة سياسية واحدة، رغم ما بينها من اختلافات في الدين أو القومية أو اللغة أو الثقافة.
وفي الحالة السورية، حيث تتقاطع فسيفساء الهويات الفرعية بشكل قلّ أن يوجد له مثيل في المنطقة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تهدد الخصوصيات المتعددة وحدة الوطن؟ أم أنها يمكن أن تكون مصدر قوة إذا أحسنّا إدارتها؟
منذ عقود طويلة، ساد في الوعي الجمعي العربي عموماً، والسوري خصوصاً، ميلٌ إلى النظر إلى الخصوصية على أنها خطر كامن: الطائفة تهدد وحدة المجتمع، والقومية الفرعية تشق الصف الوطني، واللغة الخاصة تعرقل الاندماج!
هذه المخاوف غذّاها تاريخ من النزاعات والحروب الأهلية في محيطنا، حيث تحولت الهويات الفرعية إلى وقود لصراعات دموية. لكن علم الاجتماع السياسي يقدم قراءة مختلفة تماماً، تؤكد أن الخصوصية لا تتنافى مع الوطنية ولا مع فكرة دولة القانون، بل العكس: غياب الاعتراف بالخصوصيات هو الذي يهدد الدولة ويمزق الوطن.
الوطنية كتصور مشترك
يذكر عالم الاجتماع بندكت أندرسون أن الأمة هي “جماعة متخيلة”، أي أنها لا تقوم على رابطة الدم أو الدين وحده، بل على تصوّر مشترك يجعل ملايين الأفراد يشعرون أنهم ينتمون إلى فضاء سياسي واحد.
هذا التصور لا يعني طمس الفوارق الداخلية، بل صياغتها ضمن مشروع جامع. لذلك فإن الوطنية السورية لا تُبنى على نفي الانتماءات الطائفية أو القومية أو الثقافية، وإنما على خلق إطار سياسي يجعل الجميع شركاء في عقد اجتماعي واحد.
أما إرنست غلنر، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن القومية هي نتاج الدولة الحديثة، لا العكس. أي أن بناء الدولة هو ما يصنع الانتماء الوطني، وليس الذوبان القسري للهويات الفرعية. وبعبارة أخرى: الدولة التي تعترف بحقوق مكوناتها وتساوي بينهم في القانون هي التي تنتج شعوراً وطنياً صلباً ومستقراً.
الخصوصية كثراء اجتماعي
الخصوصية ليست انقساماً بالضرورة: عالم الاجتماع العراقي علي الوردي كان يؤكد أن التعددية الثقافية يمكن أن تكون مصدراً للإبداع والتجديد، إذا أحسن المجتمع إدارتها.
فحين تتعايش اللغات واللهجات والطقوس والموروثات المختلفة في إطار واحد، تصبح مادة لإنتاج ثقافة غنية ومعقدة، قادرة على التفاعل مع العالم بمرونة أكبر.
وفي التجربة الأوروبية، لم تؤدِّ الخصوصيات القومية والدينية إلى انهيار الدول الحديثة، بل إلى ابتكار أنظمة سياسية مرنة تسمح لكل جماعة بالتعبير عن نفسها ضمن القانون. سويسرا مثال واضح: أربع لغات رسمية، ديانات متعددة، وانقسامات مناطقية حادة، لكنها اليوم من أكثر الدول استقراراً. والسبب بسيط: كل فرد هناك مواطن كامل الحقوق، لا يُطلب منه أن يتخلى عن خصوصيته لكي يكون سويسرياً.
القانون جسر العبور للوطنية وتعميق الانتماء
في العلوم السياسية، يشدد يورغن هابرماس على أن “الوطنية الدستورية” هي الأساس في المجتمعات المتعددة، أي أن الانتماء الأسمى هو للنظام القانوني الذي يساوي بين الأفراد، لا للهويات الفرعية ولا حتى للهوية القومية وحدها. بهذا المعنى، لا أحد يُطلب منه التخلي عن دينه أو قوميته أو لغته، لكن الجميع يُطلب منهم أن يلتزموا بعقد دستوري عادل يحمي حقوق الجميع.
الهند مثال آخر لنجاح هذا المنطق: مئات اللغات واللهجات، عشرات الديانات، انقسامات طبقية وتاريخية هائلة، ومع ذلك ما تزال دولة قائمة منذ استقلالها. السر ليس في إلغاء الخصوصيات، بل في بناء دستور يُلزم الجميع بالاحتكام إلى القانون.
في سوريا، تتجاذب الخطابات السياسية والاجتماعية بين اتجاهين: اتجاه يخاف من الخصوصية ويرى فيها بذرة لتقسيم الوطن، واتجاه يستغل الخصوصية ليفرض نفسه على الآخرين. كلا الاتجاهين يفتقر إلى فهم أعمق: أن الخصوصية ليست تهديداً بحد ذاتها، بل تتحول إلى تهديد حين تُقمع أو حين تُستغل لفرض الهيمنة.
الوطنية السورية اليوم تحتاج إلى خطاب جديد: خطاب لا يطالب الكردي أن يتخلى عن لغته، ولا المسيحي أن يخفي صليبه، ولا العلوي أن يعتذر عن مذهبه، ولا الدرزي أن يذوب في غيره، ولا السني أن يتخلى عن انتمائه التاريخي. الوطنية السورية الحقيقية تطلب من الجميع أن يكونوا مواطنين في دولة قانون تحميهم جميعاً، وتساوي بينهم جميعاً، وتضمن لهم التعبير عن خصوصياتهم دون خوف أو قمع.
إذا أراد السوريون فعلاً الخروج من دوامة الصراع والتخوف المتبادل، فعليهم أن يتبنوا رؤية تجعل من فسيفساء المجتمع لوحة متكاملة، لا شروخاً متقابلة.
نحو عقد اجتماعي جديد
إذن، التحدي ليس في “إلغاء الخصوصية” بل في “تأطيرها”، وهذا لا يتم إلا عبر عقد اجتماعي جديد، يقوم على ثلاث ركائز:
المساواة القانونية: لا مواطن درجة أولى وآخر درجة ثانية؛ الجميع متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.
الاعتراف بالتنوع: اعتبار التعددية واقعاً مشروعاً ومصدراً للغنى، لا خطراً يجب التخلص منه.
الوطنية الجامعة: الانتماء الأعلى هو للدستور والدولة، مع بقاء الانتماءات الخاصة في إطارها الطبيعي.
ما لابد من قوله
الخصوصية والوطنية ليسا خصمين. الوطنية تعطي المشترك، والخصوصية تمنح الثراء. دولة القانون هي الحاضنة الوحيدة التي تتيح لهما أن يتعايشا دون خوف. وإذا أراد السوريون فعلاً الخروج من دوامة الصراع والتخوف المتبادل، فعليهم أن يتبنوا رؤية تجعل من فسيفساء المجتمع لوحة متكاملة، لا شروخاً متقابلة.
وبكلمات واضحة: الخصوصية ليست خطراً على الوطنية، بل هي ضمانتها. الخطر الحقيقي يكمن في غياب القانون العادل، وفي محاولات القمع أو الاستغلال. أما حين تُدار الخصوصية في إطار دستور جامع، فإن الوطنية السورية لن تكون شعاراً هشاً، بل عقداً صلباً يربط بين المختلفين ويحوّل اختلافهم إلى مصدر قوة.
تلفزيون سوريا
————————
“الشبكة السورية” والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يعقدان اجتماع تشاورياً بدمشق
2025.09.04
عقدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اليوم الخميس اجتماعا مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بمقر الشبكة في دمشق، بحضور رئيس الهيئة عبد الباسط عبد اللطيف وعدد من أعضاء فريقه، ومدير الشبكة السورية فضل عبد الغني وفريق عمله.
وجاء الاجتماع لتبادل الرؤى والمناقشات حول مسار العدالة الانتقالية في سوريا، حيث قدم عبد الغني عرضًا متكاملاً حول رؤية الشبكة للعدالة الانتقالية، مستعرضًا التحديات القانونية والتنفيذية التي تواجه تطبيق هذا المسار. وفق بيان للشبكة السورية.
من جانبه، أكد عبد اللطيف على أهمية الاعتراف الكامل بحقوق الضحايا، وكشف الحقائق التاريخية، وضمان مشاركتهم الفاعلة في كل مراحل العملية.
وأشار إلى أن الهيئة تعمل على تطوير شراكات استراتيجية مع منظمات المجتمع المدني السورية، لا سيما تلك ذات الخبرة في التوثيق والممارسات الحقوقية.
كما تطرق الاجتماع إلى آليات التنسيق والتعاون بين الهيئة والشبكة، حيث شدد عبد الغني على دعم الشبكة للهيئة، معتبرًا أن التعاون التكاملي هو السبيل لضمان سرعة وفعالية الإنجاز لصالح الضحايا. مشيرا إلى أهمية الاستفادة من قاعدة بيانات الشبكة التي توثق الانتهاكات منذ عام 2011، بما يسهم في بناء سياسات عادلة وموثقة.
وأكد الطرفان على استمرار اللقاءات الدورية وتوسيع إطار التعاون بين الهيئة ومنظمات المجتمع المدني خلال المرحلة المقبلة، لتعزيز جهود العدالة الانتقالية وتوفير بيئة متكاملة لعمل الهيئة في سوريا.
وفي ختام الاجتماع، أعربت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن تقديرها العميق لرئيس الهيئة وفريقه، مشيدةً بجهودهم المستمرة في تعزيز مسار العدالة الانتقالية، والانفتاح على الحوار والتشاور مع المجتمع المدني، لضمان تقديم الدعم الفعّال للضحايا وبناء مستقبل حقوقي مستدام.
————————–
الهيئة الوطنية للمفقودين تتجه لإطلاق منصة دعم دولية وتعزيز التعاون مع لبنان
2025.09.04ار الملخص icon
أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا استعدادها لإطلاق منصة دعم دولية بالشراكة مع منظمات دولية، وذلك بعد أيام من تدشين منصتها الوطنية بالتعاون مع منظمات سورية.
وقال رئيس الهيئة، محمد رضا جلخي، في تصريح لصحيفة الشرق الأوسط، أمس، إنّ ولاية الهيئة تشمل جميع المفقودين السوريين “بغض النظر عن الزمان والمكان والانتماء”، موضحاً أن الأولوية تُعطى للمفقودين منذ اندلاع الثورة السورية، من دون إغفال باقي الملفات ذات الصلة.
تنسيق سوري–لبناني مشترك
كشف جلخي أن زيارة رسمية أجراها إلى بيروت شملت مباحثات مع الجانب اللبناني حول قضيتي السوريين المفقودين في لبنان واللبنانيين المفقودين في سوريا، كاشفاً عن اتفاق لتعزيز التنسيق بين الهيئتين السورية واللبنانية عبر رفع مستوى اللقاءات المشتركة ضمن إطار المنصة الدولية المقبلة.
بناء القدرات التقنية والبصمة الوراثية
وعلى الصعيد التقني، أوضح رئيس الهيئة أن خطط العمل تتضمن توقيع اتفاقيات للاستفادة من مخابر مركز التقانة الحيوي في جامعة دمشق وهيئة الطاقة الذرية ووزارة الصحة، إلى جانب الحصول على منح تدريبية خارجية في مجال تكنولوجيا الحمض النووي (DNA). كما تلقت الهيئة عروضاً لتزويدها بتجهيزات وتقنيات مرتبطة بالبصمة الوراثية، مشدداً على أن الأولوية حالياً لبناء القدرات الوطنية في هذا المجال.
ميزانية مستقلة
وأشار جلخي إلى أن الحكومة السورية خصصت ميزانية مستقلة للهيئة، مؤكداً انفتاحها على تلقي الدعم من جميع الجهات المعنية بملف المفقودين.
وكانت رئاسة الجمهورية أعلنت في 17 نيسان/إبريل الماضي تشكيل “الهيئة العامة للمفقودين” برئاسة جلخي، لتتولى مهمة البحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، إضافة إلى تقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم.
———————-
======================
ِ



