انتخابات مجلس الشعبسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

حضور للمرأة السورية في مجلس الشعب؟/ ميادة سفر

05 سبتمبر 2025

بعد فترة وجيزة من وصولها إلى السلطة في سورية، وتعرّضها لانتقادات مبطنة وعلنية، لجأت الإدارة الجديدة في دمشق إلى تغيير نهجها العام في شؤون المرأة، وسط مخاوف من فرض النموذج الذي كان متّبعاً في إدلب على باقي المدن السورية، إن لناحية فرض الزي الشرعي أو لجهة تحييد النساء وإبعادهن عن دوائر المشاركة في العمل في الشأن العام، ناهيك عن المشاركة في السلطة وصناعة القرار.

وقد شكلت الحكومة مكتباً خاصاً لشؤون المرأة يحاكي الاتحاد النسائي سابقاً، لكنه ما لبث أن تعرّض لانتقاداتٍ كثيرة، لأنه بدا كصوت السلطة الحاكمة في الأوساط النسائية وناطقاً باسمها، كما أنّ تعيين سيدة واحدة في حكومة المرحلة الانتقالية في محاولة أخرى لتغيير النظرة التي يرى فيها العالم الإدارة السورية الجديدة وأدبياتها تجاه المرأة لم يكن مبشّراً.

تخشى ناشطاتٌ سورياتٌ اليوم أن تقمع حريتهنّ عموماً، وحريتهن السياسية خصوصاً، كما قمع الشعب السوري في الخمسين سنة الماضية، وحرم من حرية الرأي. فعلى الرغم من أنّ الإعلان الدستوري نصّ في مادته العاشرة “المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، من دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب”، إلا أنّ المساواة التي لطالما ناضلت المرأة في سورية في سبيلها لم تتحقق، ويبدو أن الهيمنة الذكورية على مجلس الوزراء سوف تنسحب على عضوية مجلس الشعب المزمع تعيين بعض أعضائه وانتخاب آخرين.

وبعد أن اقتصر حضور المرأة في اللجنة العليا للانتخابات على سيدتين من أصل 11 عضواً، جاءت النسبة التي حدّدها النظام الانتخابي ب 20% لحصر النساء في أعداد محدّدة لا تشكل ثقلا مقابل الحضور الذكوري، مع التأكيد على احتمال أن يكنَّ صوتاً مضافاً للسلطة تحت قبة البرلمان، على اعتبار أن لا ترشيحات مستقلة ولا انتخابات حرّة سوف تجري، وإنما تعيينات بأشكال جديدة، فلا يمكن إذاً التعويل على تلك الأصوات أو الشخصيات إلا بما يخدم السلطة، فلا يمكن لتلك النسبة المفروضة واحتمالية تماهي شخصياتها مع أيديولوجيا السلطة أن تفرض تغييراً في أي مجال، ناهيك عما يخص المرأة، ويشكل امتداداً للمجالس التشريعية السابقة، حين لم تستطع النساء الأعضاء فيها أن تثير أو تطالب بأيٍّ من حقوقهن.

غابت المرأة السورية أو تكاد عن الحياة السياسية عقوداً، على الرغم من أنها من أوائل اللواتي حصلن على حق الترشّح والانتخاب، ففي 1949 منحت النساء حق الانتخاب شريطة أن تكون متزوّجة ومتعلمة، وبعد انتخابات 1954 حصلت المرأة على حقها في الترشّح والانتخاب، إلا أنّ مقاعد البرلمان السوري ستبقى خالية من الحضور النسائي، على الرغم من ترشّح بعض الأسماء في ذلك الوقت، مثل ثريا الحافظ، إلا أياً من النساء لم تدخل البرلمان في ظل الهيمنة الذكورية عليه حتى 1970 حيث ضم المجلس المعين حينها أربع نساء في عضويته، بنسبة تقترب من 2%. وبدءاً من 1973 توالى الحضور الخجول للمرأة في المجالس التشريعية، ولم يتجاوز 12% شكّلت البعثيات النسبة الأكبر بينهن.

لطالما اتسم دور المرأة بالمحدودية والضعف الذي يصل، في أحيان كثيرة، إلى التلاشي وذوبان شخصيتها في شخصية الجوقة واللائحة التي ترشّحت على قائمتها، فعلى الرغم من تبنّي الدساتير السابقة قيم الديمقراطية (خلا منها الإعلان الدستوري) والعدالة والمساواة بين المواطنين جميعهم. كما أنّ تلك المبادئ التي أقرّها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ظلت بعيدة عن متناول المرأة السورية، لتغيب عن الحياة السياسية، وتحضر فقط في الصور التذكارية والدعوات العامة “برستيج” يكمل اللوحة، ويشي بنوع من التحرّر الملتبس.

تبنت دولٌ كثيرة نظام الكوتا النسائية التي تفرض نسبة 30% من النساء في المجالس التشريعية والهيئات وغيرها، غير أنّ هذا النظام غالباً ما اتسم بالفشل وعدم المصداقية، لأن غالبية المرشّحات كنّ يجبرن على الانضمام إلى لوائح ليتمكّن من الوصول إلى البرلمان، الأمر الذي يحتّم عليهن تبنّي أفكار (ومطالب) أعضاء اللائحة المرشّحين الذين ستكون غالبيتهم من ذكور لن يُهمّهم شأن المرأة وحضورها أكثر من أنها صوتٌ يقف إلى جانبهم ويؤيدهم في المجالس، يختفي بعد الخروج منها.

لم تغب المرأة في بلادنا عن السياسة مناصبَ وحسب، بل غابت وغيّبت حتى عن المؤتمرات واللجان التي تناقش قضاياها والقوانين التي تمسّها مباشرة، فالتهميش الذي أصاب مشاركة المرأة في الحياة السياسية انعكس ضعفاً على دورها في صياغة التشريعات والقوانين، فلم تُعط الدور الفاعل والتمثيلي في المجالس واللجان، لتعبّر عن إرادة نصف المجتمع. على سبيل المثال، لمناقشة قانون الأحوال الشخصية الذي يعني المرأة مواطنةً أولاً، تشكّلت لجان كل أعضائها من الرجال، وإن وجدت بينهم امرأة فهي تكملة عددٍ، لا يقدّم صوتها ورأيها ولا يؤخّر.

ولأن المشرّع في بلادنا دائماً رجل، نلاحظ تلك النفحة الذكورية في القوانين التي عايشتها النساء السوريات قبل سقوط النظام وبعده، اليوم وبعد كل ما اتخذ من قرارات وما شُكلَّ من لجانٍ في ظل السلطة الحالية، يحقّ لنا أن نتساءل: أي حضور للمرأة فيها؟ وما حجم الصوت ومداه ورجع صداه فيما اتخذ من قرارات وتوصيات؟، ثمّة غصّة في حلوق سوريات كثيرات يطمحن إلى بلد أكثر أمناً يحترم فيه حقهنَّ بالتعبير والحرية والمشاركة بصناعة مستقبل سورية، وهو مستقبلهن بالضرورة.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى