إشتباكات السويداءسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعشهادات

دينا الزاقوت: “هذول ولادي… بينحملوا عالأكتاف…ما بينزتّوا من البلكون وبيتقوّسوا”/ نجاة عبد الصمد

05.09.2025

توثّق الكاتبة والطبيبة السورية نجاة عبد الصمد شهادات من مدينة السويداء، التي ارتُكبت فيها مجازر في شهر تموز/ يوليو عام 2025، مجازر وانتهاكات تُتهم قوات الحكومة السورية المؤقتة و”فزعات” من العشائر العربية بارتكباها، الشهادة التالية على لسان دينا الزاقوت، أم معاذ وبراء عرنوس، اللذين رُميا من شرفة ثم أُطلق النار عليهما مع ابن عمهما معضاد عرنوس.

“لا… ما شفت الفيديو… ما قدرتش شوفو… هذول أولادي… ربيتهم عالغالي، بينحملوا ع الأكتاف ما بينزتّوا من البلكون وبيتقوّسوا…”، هذا جواب دينا الزاقوت، أم معاذ وبراء، حين سؤالها عن فيديو انتشر على وسائل التواصل، يوثق إجبار ثلاثة شبان على رمي أنفسهم من شرفةٍ عالية، وفي الأثناء يطلق عليهم مسلحون تابعون لحكومة دمشق أو مقربون منها النار عليهم.

 الشباب الثلاثة هم الأخوان معاذ وبراء عرنوس/ طبيب أسنان وطالب هندسة، وهما ابنا دينا الزاقوت، وثالثهم، ابن عمهم أسامة معضاد عرنوس، طبيب كان يشتغل في عيادته في بلدة “المزرعة”.

لم تقوَ أمّ معاذ وبراء على رؤية ولديها في لحظات حياتهما الأخيرة، وهي ليست وحدها، إذ إن كثيرين لم يقووا على رؤية مشهدٍ فوق عبثيّ، يصعب التصديق أنه واقعيّ. ابتكار ساديّ مغمّسٌ بالدم، كان واحداً من عشرات الفيديوهات التي توثق مجازر السويداء التي ارتكبتها قوات الأمن العام ووزارة الدفاع في السويداء، منتصف تموز الماضي بالتعاون مع “فزعات” من العشائر العربية.

“أولادي سلاحهم العلم”

تصرخ دينا: ما أبشع القتل! ما في بقلوبهم رحمة. قتلوا زوجي بشّار قبل أولاده بدقائق. بشو أذنبوا؟ دماتهم لوين راحوا؟ من أجل مين؟ من أجل شو؟!  أولادي طلاب جامعة، ما كان إلهن علاقة لا بسلاح ولا فصائل… سلاحهم العلم والقلم والدفاتر… وزوجي مهندس. إن كان العلم سلاحاً، فنعم، زوجي وأولادي مسلّحون.. كانوا يحاربوا ليخدموا بلدهم، ويفتحوا عين بلدهم.

كنا عائلة نقية، عايشين ببلدتنا “المزرعة”، بالريف الغربي لمدينة السويداء، بيتنا حلو، كلو سكينة وصفاء، ضحكاتنا تملأ البيت، هلق راحوا كلهم، ما ظل عندي شي غير إحكي عنهن وإتذكرهن.

نحنا عائلة علم، أنا خريجة معهد تجاري وزوجي بشار مهندس كهرباء، والده المرحوم، قاسم عرنوس، كان قاضي دم. والمرحومة حماتي غازية بدر، كانت مديرة مدرسة. وأخوة زوجي، سمر مهندسة، إياد طبيب جرّاح في البوسنة، والمرحوم معضاد كان مدرّساً، توفى سنة 2006.

ابني معاذ وُلد سنة 2002، بوجه سموح، بيقدّ نور، كأنه نبيّ، بعمر السنتين ظهر حبّه للمعرفة، كان يجمّع مجسّمات الحروف ويصنع منها كلمات. بالروضة، وبعمر 4 سنوات، كان يعرف كل حروف العربية والإنكليزية. قالت لي معلمته: كل طفل مميّز بشي، لكن معاذ غير… وبالمدرسة صاروا المعلمات يتسابقوا، كل وحدة بدها تأخذه إلى شعبتها، لأنه مش بس شاطر، الأهم أنه يحب رفاقه ويساعدهم… وظل هيك لوقت الجامعة، يجلس مع التلاميذ الأضعف بالصف ويساعدهم بالدراسة، وأخ لكل رفقاته البنات، وأهاليهن متطمنين أنو معاذ جنب بناتهم.

“براء” ولد على أيديكِ يا دكتورة، 30 أيار/ مايو 2004، تتذكري لما ولّدتيه وحطّيتيه عصدري وقلتيلي: شمّي ريحته؟! ما بنسى هاللحظة… شمّيته.. .شو كان حنوون… وظلّ، طول عمره القصير، حنون ومتعلّق فيي.

أولادي كبروا سوى، نربّيهم سوى أنا وزوجي بالحب والألفة، نعلّمهم يكونوا أقوياء وقدّ المسؤولية وقدوة لرفاقهم، وهني يحسّوا انو امهن وبيهن بيحموهن… راضين بواقعنا، إنو نحنا على قدّ حالنا، ما بعمرهن تطلّبوا شي. يشتغلوا بالصيف ليطالعوا مصروف المدرسة.

وكانوا يحبوا ويتذوّقوا الموسيقى، معاذ يعزف على الأورغ وبراء إيقاع على الطبلة. وأنا وإياهم رفقة، يحبوا قعدات البيت، كاسة المتي تجمعنا، يشاركوني أخبارهم، ونتناقش بأمور الحياة، أسئلتهم في مكانها وأجوبة والدهم وافية.

باع معاذ الأورغ ليسجّل بجامعة حلب طب أسنان، شفت غصّته وحرقة قلبه لما باعه، لكن هو اللي واساني: ماما، بس خلص جامعة أول شغلة راح اشتريها هي أورغ.

التحق براء بجامعة حلب ليدرس هندسة اتصالات، وهو وأخوه عانوا بيوم الزلزال، وقعت البناية اللي كانوا فيها، والحمد لله نجوا. اجتهد براء لينجح بكل مواد السنة الأولى ليقدر ينتقل إلى جامعة دمشق ويصير أقرب علينا، ما كان يطيق يبعد عنا.

زوجي بشار كان موظف في مديرية السياحة، وضد بشار الأسد. رئيسه في الشغل كتب فيه تقرير كيدي. فصلوه تعسفيّاً وحولوه على محكمة الإرهاب. حجزوا على أموالنا المنقولة وغير المنقولة، وزوجي خسر شغله وما عطوه تعويض فقط، تقاعد عن خدمة 23 سنة، قدمنا طلب استئناف وبعده طلب تظلم.

وكنا نسند بعضنا بكل موقف، إلا وقت اللي قتلوهم… ما كنت جنبهم… يا ريتني كنت معهم!

كنا ببلدتنا “المزرعة” بـ14 تموز/ يوليو، نحنا وبيت أخي عاطف. قرّبوا المهاجمين على بلدتنا فقرر الرجال: قبل كل شي لازم يجلوا النساء! طلب أخي إطلع معه هو وزوجته وأمي وأختي. اعترضت، بدّي إبقى جنب اولادي، ضغطوا عليي هو وزوجي: لازم نأمّن النسوان.

 أخذنا بسيارته على شقة عنده بمدينة السويدا عند مفرق مصاد. وصّلنا ورجع عالمزرعة، ظلّ يساعد بإجلاء الجرحى هو وزوجي وأولادي وابن سلفي، الدكتور أسامة، لحتى اشتدّ القصف واضطروا يطلعوا.

وصّلهن أخي على شقة د. أسامة بحي الشرطة العسكرية مقابل مدرسة الشهيد عدنان المدني. الشقتان بعاد عن بعض، والطريق مش آمن من القنص، زوجي وولادي مش قادرين يوصلوا لعندي… بقيت أحكي معهم باستمرار حتى صباح الثلاثاء 15 تموز. اشتد القصف بالسويدا، اضطرينا ننتقل على قرية السهوة، جنوب شرقي السويدا، وزوجي واولادي مش قادرين يطلعوا من البيت بسبب القصف والقنص. قالولي: روحي أنتِ، عالأقل أنت تكوني بأمان.

مساءً اتصل أولادي: ماما ما عاد تتصلي دخلوا الأمن العام وأخذوا موبايلاتنا، أسامة وحده قدر يخبّي موبايله فما لقطوه. امسحي أرقامنا من عندك واتصلي بس على رقمه… ماما، دخلت فرقة ثانية، قلنالهم اللي قبلكم أخذوا الموبايلات… صار بدهم مصاري وذهب. ماما هني لابسين زيّ أمن عام، ومعهم جنود أشكالهن غريبة، لغتهم العربية مكسّرة، وأشكالهم غير مألوفة لأهل منطقتنا… عطيناهم شو معنا مصاري… نزلوا فينا ترهيب وضرب وقواس حوالينا، قلبوا أغراض البيت فوقاني تحتاني… فتّشوا شنتات اليد اللي معنا، نتّفوها تنتيف، عرفوا من بطاقاتنا إنا أطباء ومهندسين.

رجعت حكيت 12 بالليل، أصوات اولادي الاثنين مخنوقة ع بيحكوا همس: قفلوا بوابة البناية الرئيسية، فصلوا الرجال عن النساء، ومنعونا يطلع منا أي صوت..

ما قدرت نام، للصبح اتصل وما حدا يردّ، والنار شعلانة بقلبي، وما عرفت إلا ليوم الخميس 17 تموز، اتصلت سلفتي والدة أسامة من الإمارات، قالت لي العواض بسلامتك، ظنّت إني كنت عرفانة.

لا… بتذكّر شو صار فيّي… لا… اولادنا مش لازم يموتوا… هي شافت الفيديو كيف انقتل أولادي وابنها، وأنا لليوم ما قدرت شوفو.

بعدين خبروني أهل البناية: الاربعاء 16 تموز، الصبح، كانوا أولادي ع بيشربوا قهوة هجموا عليهم… قوسوا زوجي في الممر. أولادي وابن عمهم ما سكتوا، صاروا جماعة الأمن يضربوهم ويشتموهن.. أجبروهم يمشوا للشقة المقابلة، كسروا بابها وأدخلوهم، يمكن لأن ناويين يرموهم من هاي الشقة، بلكونها أعلى من شقة أسامة. أجبروهن يزتوا حالهم وأمطروهم بالرصاص… بقيت جثثهم مرميةً تحت البناية ليومين..

تتوجّع دينا: “حرقوا قلبي الله يحرق قلوب اللي ما بيخافوا الله… حرموني شوفهن عرسان وافرح بتخرجهن واحمل اولادهم… في شي أصعب من هيك بكثير: حرموني من كلمة: يا إمي!!

كانوا الأمل ليرفعوا مجتمعهن، واللي قتلوهم قتلوا طاقة الأمل…”.

تصرخ دينا: “صوت الأمهات لازم يوصل… أولادي وإن ماتوا بعدهن ع بيعطوني القوة والشجاعة لحتى يظلّ صوتي مسموع، يضوّي على شبابنا المقتولين… ليش تعمّدوا ياخذوا من كل البناية فقط أصحاب الشهادات، طبيبين ومهندسين يقتلوهم ويرموهم عالشارع، لحتى يرهبونا كلنا؟!، ما راح يضيع دمهم هدر، المتعلمين أنبياء ورسل بعثهم الله ليوصلوا رسالة سامية توقف حمام الدم… تركوا بصمة وهم أحياء وتركوا بصمة بموتهم… أنا أم الشهداء… وحق الأم ما بيضيع. حق أصحاب الأرض ما بيضيع… راح يخلق عندنا ألف معاذ وبراء وأسامة…”.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى