تطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمنوعات

مشاهدات على هامش معرض دمشق الدولي/ زينة شهلا

20 دولة وأكثر من 800 شركة على أرض المعارض

02-09-2025

        وسط احتفاء رسمي وشعبي كبيرين، وحملات إعلامية وإعلانية واسعة النطاق، افتتح معرض دمشق الدولي أبوابه في دورته الثانية والستين، وهي الدورة الأولى بعد سقوط نظام الأسد، وكذلك بعد سنوات من الانقطاع مع تعليقه لعدة أعوام متتالية عقب بداية الثورة السورية.

        «سوريا تستقبل العالم» هو عنوان هذه الدورة التي تشارك فيها أكثر من 20 دولة عربية وغربية، وأكثر من 800 شركة محلية وعربية وأجنبية تُمثّل قطاعاتٍ خدمية واقتصادية متنوعة، على مساحةٍ تقارب 90 ألف متراً مربعاً على أرض المعارض جنوب دمشق. افتُتحت يوم الأربعاء الفائت بحضور رسمي على رأسه الرئيس أحمد الشرع وعدد كبير من الشخصيات الحكومية، إلى جانب شخصيات عربية وغربية سياسية واقتصادية وإعلاميين و«مؤثرين» وصناع محتوى.

        شكّل المعرض عند إقامته لأول مرة عام 1954، ظاهرة اقتصادية وثقافية فريدة في سوريا والمنطقة، فكان الأول من حيث المساحة والمضمون وعدد الدول المشاركة وعرضت فيه كبرى المصانع السورية إنتاجها، وشهد فعاليات فنية مختلفة خلال السنوات التالية، وقد توقّف عام 2011 وعاد عام 2016، ثم توقف مجدداً عام 2020 مع انتشار وباء كورونا.

        واليوم، يتم الترويج للمعرض وعودته من جديد على أنه «بوابة التعافي والإعمار»، و«مؤشر على حالة الانفتاح الاقتصادي بعد سنوات الحرب»، و«فرصة لدمج سوريا في الاقتصاد العالمي»، وتأكيد على أن «سوريا تقدم نفسها للعالم كشريك اقتصادي موثوق». وتحدّث الشرع في كلمة الافتتاح بأن «سوريا جعلت أولويتها منذ التحرير في الاستقرار الأمني والتعافي الاقتصادي، وهي رغم الحروب والأزمات حافظت على الزراعة والصناعة والتجارة كثقافة في المجتمع، واليوم تعيد الجهود الدبلوماسية علاقاتها الخارجية، فبدأت البلاد تتحرر من العقوبات والقيود وبدأت موجات اللاجئين العائدين حاملين علمهم وخبراتهم ليساهموا في نهضتها».

        وقد تزامن الافتتاح مع غارات إسرائيلية عنيفة على جبل المانع في منطقة الكسوة جنوب دمشق، وإنزال جوي في المنطقة، ما أدى إلى عدد من الوفيات والإصابات وتدمير لبعض الآليات في الموقع الذي يحوي قطعاً ومعدات عسكرية، وفق مصادر حكومية.

        كما شهد أسبوع المعرض بعضاً من الأحداث ذات الدلالات الاقتصادية الإيجابية، منها إصدار مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية قاعدة تنظيمية تُخفّف من متطلبات الترخيص الخاصة بالصادرات الأميركية المدنية إلى سوريا والمتعلقة بالبنية التحتية للاتصالات والصرف الصحي وتوليد الطاقة والطيران المدني، وأيضاً إعلان إحدى الشركات نجاح أول عملية تحويل عبر نظام سويفت من ألمانيا إلى سوريا، بعد سنوات من توقفه نتيجة العقوبات.

مشاهدات عامة

على مدخل المعرض ترفرف أعلام الدول المشاركة، بينها دول غابت لسنوات طويلة عن سوريا نتيجة انقطاع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية. خُصّصت أجنحة لدول في مقدمتها مصر والأردن وتركيا، والسعودية التي حملت مشاركتها كضيف شرف شعار «نشبه بعضنا»، وأخرى لشركات ومنظمات محلية ودولية مختلفة. واحتل الجناح السوري مساحةً واسعة وضمنه يمكن زيارة مختلف المؤسسات كالوزارات والهيئات العامة وحضور ندوات ذات صلة، وفي فسحة داخل الجناح وضعت لوحات تحمل أسماء المحافظات السورية.

إلى جانب هذه الأجنحة الاقتصادية والثقافية، تشارك فعاليات متنوعة مخصصة لعرض وبيع الأطعمة والمشروبات، وتوجد مساحات واسعة لألعاب الأطفال والتنزه.

في أرجاء المعرض، انتشر المئات من العناصر الأمنية وهم يرتدون لباساً مُوحّداً يحمل الشعار الجديد لسوريا، مع تسجيل حضور للشرطة السياحية التي شكّلتها وزارة الداخلية منذ نحو ثلاثة أشهر، ومن بينها عناصر نسائية، احتفت بهن مواقع التواصل كمظهر جديد غير مألوف في سوريا.

وقد حافظ المعرض على بعضٍ من تقاليده، مثل حافلات النقل المجانية والقطار الذي ينطلق من حي القدم وصولاً لأرض المعارض، في حين غابت تقاليد أخرى على رأسها يانصيب المعرض الذي انطلق مع أولى الدورات عام 1954 وكان له حضور كبير في أذهان السوريين وفي الشارع السوري.

«من دمشق هنا إدلب»

خلال السنوات السابقة، غاب حضور المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام السوري عن معظم الفعاليات الاقتصادية والثقافية التي كانت تحدث في دمشق والمحافظات الأخرى. اليوم، تعود هذه المناطق، وعلى الأخص محافظة إدلب، لتسجّل حضورها مجدداً على خارطة المعرض.

في جناح وزارة الاقتصاد والصناعة وضمن قسم «المعرض الوطني للابتكار والاختراع»، عرض طلاب وطالبات من مدارس إدلب وبإشراف مجمع ETC التعليمي، مجموعة من الابتكارات، شملت تقنيات الزراعة المائية التي تتيح الزراعة دون الحاجة للتراب والطرق التقليدية في الري، وآلة لإعادة تدوير العلب البلاستيكية ونواتج الطباعة ثلاثية الأبعاد، إضافة إلى ذراع روبوتية للرسم بالليزر. يشكل هذا العرض فرصة استثنائية لهؤلاء الطلاب الذين لم تتجاوز مشاركاتهم السابقة نطاق محافظتهم، ما يمنحهم أملاً بفتح آفاق جديدة للتعريف بعملهم وطموحاتهم.

وفي جناح وزارة السياحة، والذي يروّج عادة لأهم المواقع السياحية في سوريا ويعرض منتجات لعدد من الحرفيين والحرفيات التقليديين، احتلت معروضات «فسيفساء كفرنبل» مساحةً وحضوراً. تشتهر المدينة الواقعة جنوب غرب إدلب بصناعة الفسيفساء الحجرية، ومع دمارها ونزوح سكانها خلال السنوات السابقة، لم تتبقّ الكثير من الورشات العاملة في هذا المجال، فمعظمها تعرّض للدمار وأغلق أبوابه، ومع ذلك، ما زالت مدينة إدلب تحتضن بعضاً منها اليوم، وأغلب العاملات فيها من النساء. داخل الجناح جلس بعضٌ منهن للحديث مع الزوار وقدّمن تعريفاً بهذه الحرفة وشرحن تقنياتها وعرضن منتجاتها التي تبيّن معالم من مختلف المدن السورية.

رموز من الثورة

شكّل معرض دمشق الدولي لهذا العام فرصةً فريدةً للحديث والتعريف بمحطات من الثورة السورية، تلك التي لم يكن ممكناً حتى مجرد الإشارة إليها في العاصمة من قبل.

لهذا الغرض، اختارت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث طريقتها الخاصة في التعريف عن عملها: تحت عبارة «سوريا تستقبل العالم» والتي عرضت بحجم كبير، سيارة إسعاف مدمرة، وعلى الجدران صور وأسماء العشرات من شهداء الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، والذين قضوا أثناء أداء مهامهم في إنقاذ الأرواح في مختلف المناطق السورية التي كانت تتعرّض لقصف قوات نظام الأسد وحلفائه، إلى جانب صور متنوعة من عمل فرق الدفاع المدني في الإنقاذ والتفقد وإزالة مخلفات الحرب. وفي نهاية الجناح خريطة كبيرة يخرج منها برعم أخضر وكُتب عليها: «سوريا تستحق الحياة».

وفي جناح ريف دمشق، وإلى جانب عرض ما تتميز به المحافظة من مواقع أثرية وسياحية ومنتجات زراعية، يجد الزوار ركناً خاصاً يعرض مجسمات وصوراً توثق أحداثاً مختلفة خلال الثورة السورية، ومنها مجزرة داريا الكبرى (2012) والهجوم الكيماوي على غوطتَي دمشق الشرقية والغربية (2013) وسجن صيدنايا، كما يمكن للزائر الحصول على بطاقة تعريفية عن محافظة ريف دمشق من حيث الديموغرافيا والمناخ والتراث والثقافة والسياحة وكذلك التاريخ والثورة بما فيها حصار مضايا والزبداني وصمود داريا.

استوقف هذا الجناح عدداً كبيراً  من الزوار، ولعل اللافت أن جزءاً لا يستهان به منهم لا يمتلكون المعرفة الكافية حول كل هذه الأحداث المأساوية التي عاشتها البلاد خلال السنوات السابقة، إلا أنهم أبدوا اهتماماً بالاستماع والاطلاع ولو بشكل موجز.

وفي جناح وزارة الثقافة يمكن للزوار الانطلاق في جولة تعرض تاريخ سوريا بشكلٍ موجز من العصر الحجري وصولاً إلى الوقت الحاضر. تشمل هذه الجولة لوحة لصور وأسماء رؤساء سوريا خلال العقود الماضية، مع تلطيخ وجهي حافظ وبشار الأسد باللون الأحمر، إضافة إلى صور لعدد من رموز الثورة السورية مثل غياث مطر وحمزة الخطيب ومازن الحمّادة، وشرح عن بعض أبشع الانتهاكات التي ارتكبها نظام الأسد، مثل مجزرة حماة ومجزرة تدمر وفظائع سجن صيدنايا. بمناسبة المعرض أيضاً، أصدرت الوزارة كتاباً للأطفال بعنوان «أمي الحبيبة سوريا»، تضمّن تعريفاً عن كل المحافظات السورية من خلال أهم أطباق الطعام التقليدية التي تشتهر بها.

ولعل المفارقة هي عند الاقتراب من جناح منظمة «التنمية السورية»، والتي تأسست عام 2001 تحت اسم «الأمانة السورية للتنمية» وكانت تابعةً بشكلٍ مباشر لأسماء الأسد وتسيطر على قطاعات اقتصادية وثقافية هامة في سوريا. داخل الجناح، يمكن الحصول على بطاقات تعريفية عن المنظمة بحلتها الجديدة من اسم وشعار وغيرها، وإلى جانبها إصدارات سابقة للمؤسسة من كتب توثّق جوانب معينة من التراث اللامادي السوري، ما زالت محتفظة بالاسم والشعار القديمين، مع منتجات «السورية للحرف»، وهي إحدى برامج «الأمانة السورية للتنمية» المخصصة لإنتاج وتسويق المنتجات اليدوية التراثية السورية، وكانت تثير الكثير من الجدل بسبب سعيها لاحتكار عمل كثير من الحرفيين والحرفيات بشروط مجحفة. ووسط الجناح يقدم شاب عرضاً للحكواتي التقليدي كجزء من برنامج «التراث الحي» للمؤسسة، والذي ما يزال يعمل بالحد الأدنى من جهود وموظفين حتى اليوم.

يحمل المعرض بالمجمل مجموعة من الرسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية، إلا أن الآراء ليست موحدة حول أثره على دفع عجلة التعافي الاقتصادي في البلاد على نحو ملموس وواضح. بعض من التقيناهم كانوا متحمسين للمشاركة، ويرون بأنها ستفتح لهم أفقاً جديداً بعد أعوام من الانغلاق، وأبواباً للإعلان والتسويق والتشبيك مع جهات جديدة خارج سوريا، وآخرين تذمروا من ضعف حركة البيع كما هو الحال في عموم سوريا، ويخشون من أن تكون مشاركتهم رمزية فقط دون أثر حقيقي على أرض الواقع.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى