الرئيس لا يصافح النساء/ شعبان عبود

02 سبتمبر 2025
ليست المصافحة مجرّد عادة اجتماعية أو بروتوكولاً دبلوماسياً، بل هي فعل رمزي يعكس الثقة والنيات السلمية والاحترام المتبادل. تاريخياً، كانت اليد الممتدّة تعني خلوّها من السلاح، وهي أول إشارة سلام اخترعها البشر، بعد رفع اليد من بعيد. وكلاهما حمل اسماً يعبّر عن وظيفته: السلام. … ثم أصبحت في العصر الحديث وسيلة لبناء الجسور بين الأشخاص والثقافات والدول. أما حين تُغيّب هذه المصافحة بدافع ديني، وحين تصطدم هذه الرمزية ببنية دينية صارمة، كما في حالة الرئيس السوري، أحمد الشرع، تتولد أسئلة شائكة تتجاوز حدود الشكل لتطاول جوهر العلاقة بين المبدأ والمصلحة.
الشرع، الذي وصل إلى السلطة بخلفية إسلامية محافظة، امتنع أكثر من مرّة عن مصافحة النساء ضمن وفود محلية وعربية وغربية، في مواقف التقطتها عدسات الإعلام الدولي بدقة. وبغض النظر عن تفسيراته الشخصية، أو مدى التزامه بفتاوى تحرّم مصافحة المرأة الأجنبية، لا تقف الرسالة التي تصل إلى الخارج عند حدود القناعات الدينية أو احترام المرأة وخصوصيتها، بل تُقرأ أحياناً كإشارة رفض أو ازدراء مبطن، أو كإخفاق في فهم قواعد التواصل الدبلوماسي الحديثة.
من الناحية الدينية، تحرّم فتاوى كثيرة المصافحة بين الجنسين، لكنها ليست محلّ إجماع. علماء ومفكرون معاصرون، خصوصاً ممن يعيشون في الغرب، طرحوا اجتهاداتٍ تتيح المصافحة في السياقات الرسمية، باعتبارها خالية من دوافع الشهوة أو الريبة، وتندرج تحت “باب الضرورة” أو “دفع الحرج”. وفي سيرة النبي محمد نفسه شواهد يمكن فهمها في سياق مرونة التعامل الاجتماعي، لا في إطار التحريم القاطع الذي يتبنّاه بعض الفقهاء. ولطالما استطاع الفقهاء عبر التاريخ إيجاد الحلول الوسطى لقضايا تظهر في عصرهم، ولم تكن مطروحة في عصر الأولين.
وقد لجأت غالبية الدول الإسلامية إلى تجاوز هذه الإشكالية إما عبر فتوى تتيح المصافحة الرسمية، أو من خلال العرف الدبلوماسي الذي يفصل بين السلوك الشخصي والتمثيل السياسي. في المقابل، لا يزال المسؤولون في إيران مثلاً يرفضون مصافحة النساء علناً، ما يتسبّب أحياناً بإحراجات في المحافل الدولية. ويُظهر هذا التباين أن للمسألة حلولاً فقهية عملية متى وُجدت الإرادة السياسية والمرونة الاجتهادية.
قد يبدو تمسّك رئيس دولة بموقف ديني كهذا لبعضهم مبدأ يُحترم، لكنه في ميزان السياسة لا يخلو من آثار جانبية، خصوصاً في بيئة دولية مشبعة بحساسية جندرية ومطالبات بالمساواة. الامتناع عن المصافحة قد يُفهم رسالةً مغلقة، أو رفضاً للتفاعل الكامل، وهو ما قد يضع الشرع في مواقف محرجة مستقبلاً، أو يُستغل ضده إعلامياً باعتباره متشدّداً دينياً لا يواكب الحداثة، حتى لو لم يكن الأمر كذلك.
ليست الأزمة هنا في اليد التي لم تُمد، بل في التأويلات التي ستُبنى على ذلك الامتناع. من هنا، يصبح التفكير في فتوى تتيح لرؤساء الدول المسلمين المصافحة في سياق رسمي أمراً مشروعاً، بل وربما ضرورياً. إذ لا يعقل أن تظل تفاصيل بسيطة كهذه عائقاً أمام دبلوماسية مرنة، خصوصاً في بلد كـسورية يحتاج إعادة ترميم صورته ومكانته بعد سنوات من الحرب والعزلة.
ليست المصالحة بين القيم الدينية والانفتاح السياسي مستحيلة، لكنها تتطلب اجتهاداً شجاعاً، ومقاربة مقاصدية لا تتوقّف عند ظاهر النصوص، بل تنظر في المآلات والنتائج، فحين تصبح المصافحة قضية سياسية أو جندرية، لا بد من إعادة التفكير، لا في المبدأ وحده، بل في الكيفيّة التي نعبر بها عن أنفسنا في زمن وعالم لا يقرأ النيات، بل الصور
العربي الجديد



