أبحاثتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

النساء في سوريا ومواجهة الإسلام السياسي/ نهى سويد

نساء في مواجهة الإسلام السياسي.. سؤال الحقوق والحرّيات

2025-09-01

في سياق التحولات السياسيّة التي شهدتها سوريا بعد رحيل نظام الأسد، برزت قضية تمثيل النساء في السلطة الجديدة كإحدى المؤشرات الهامة على مدى التزام السلطة الحاكمة (هيئة تحرير الشام) بمبادئ الحوكمة الشاملة. غير أنّه ومن اللحظة الأولى بدا العنوان واضحًا لقراءة المضمون، حضورٌ نسائيّ محدود، ومفاهيم مشبعة بالخطاب الأيديولوجي. حيث كشفت السلطة الجديدة سريعًا عن ملامح رؤيتها لمكانة المرأة وحقوقها. في هذا الإطار، تمّ تعيين السيدة عائشة الدبس في 22 ديسمبر 2024 رئيسةً لمكتب شؤون المرأة في إدارة الشؤون السياسية التابعة لحكومة أحمد الشرع. وفي أوّل تصريح للدبس قالت: سنعمل على “صنع نموذج يناسب وضع وظروف المرأة السورية”، مشيرة إلى أن “الشريعة الإسلامية ستكون المرتكز الأساسي لأي نموذج”.، حيث قالت: “لن أفتح المجال لمن يختلف معي بالفكر” وأوضحت أنها لن تسمح بعمل المنظمات التي لا تتوافق مع “النموذج” الذي تسعى الإدارة الجديدة لبنائه.

في هذا السياق، أثارت تصريحات ” عبيدة أرناؤوط” المتحدث باسم إدارة الشؤون السياسية في الحكومة الانتقالية، جدلاً واسعًا، حيث صرّح في ديسمبر 2024 بأن “جوهر المرأة وطبيعتها البيولوجية والنفسية لا يتناسب مع جميع المناصب”، مما أثار مخاوف من تهميش النساء في المناصب السيادية والوزارية.

اتضح منذ البداية هيمنة الذهنية الأيديولوجية على سياسات الحكومة الانتقالية إذ اقتصرت التمثيلات النسائية بمنصب وزاري واحد من أصل 23 منصبا.

تُظهر هذه التطورات أن تمثيل النساء في السلطة الجديدة لا يزال محدودًا ومقتصرًا على أدوار إدارية أو هامشيّة دون تأثير حقيقي في صنع القرار السياسي. هذا التوجه يتناقض مع المطالب المجتمعية والحقوقية بتمثيل نسائي فعّال في جميع مؤسسات الدولة، ويُثير تساؤلات حول مدى التزام الحكومة الانتقالية بمبادئ الشمولية والمساواة في الحكم.

إذًا كيف سيُعاد تشكيل موقع المرأة وحقوقها في ظل الإسلام السياسي؟

ففي حين كانت سياسات نظام الأسد تتسم بالازدواجية، خطاب رسمي يتحدث عن “التحديث” و“المساواة” مقابل بنية قانونية اجتماعية تعزز التمييز، فإن المرحلة الجديدة تحت سلطة الإسلام السياسي تُدخل النساء في معادلة أكثر تعقيدًا. هنا لا يدور النقاش حول ضعف التطبيق أو الانتقائية كما كان سابقًا، بل حول إعادة تعريف الحقوق ذاتها وفق معايير شرعية–فقهية، قد تُعيد إنتاج التراتبية الجندرية بشكل مؤسّس ومقونن، مع تأثيرات عميقة على الفضاء المدني والسياسي.

 وفي ظلّ وجود بنية قانونية دولية ترسم حدود الالتزامات، فإنّ سوريا كطرف موقّع على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، تظلُّ مطالَبة بالمواءمة بين أيّ إطارٍ شرعيّ جديد، وبين المعايير الدولية لمنع التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي. لكنّ الممارسة العملية تكشف أن التحفظات السابقة على سيداو، مقرونة بالخطاب المحافظ لسلطة الإسلام السياسي، تجعل الالتزام بهذه المعايير أقرب إلى الامتحان الشائك منه إلى السياسة المضمونة. وهنا تتضاعف هشاشة النساء اللواتي عانين أصلًا من آثار جندرية ثقيلة بسبب المرجعية الشرعيّة للقوانين من جهة، وتحفظات سلطة الأسد على أهم مواد اتفاقية السيداو، وبين آثار النزاع المسلح -عنف جنسي، نزوح، فقدان سبل العيش من جهة أخرى، ليجدن أنفسهن اليوم أمام مرحلة جديدة قد تحوّل القيود من “أعراف” إلى “قوانين” نافذة.

وعليه، فإن مقدمة هذا النقاش لا تقتصر على وصف انتقال سياسي من نظام استبدادي إلى حكم ديني سياسي، إنّما على إعادة طرح سؤال الحريات والحقوق: هل ستمثل سوريا الجديدة قطيعة مع تهميش النساء، أم استمرارًا وتوسّعًا لمنظومة الإقصاء؟ وهل يمكن أن يتسق الإسلام السياسي في صورته المحلية السورية، مع مبادئ المساواة الجندرية، أم أن ازدواجية خطابه – انفتاح سياسي خارجي مقابل تشدّد اجتماعي داخلي- ستنتج واقعا أكثر تضييقًا مما سبقه؟

تجربة هيئة تحرير الشام في إدلب والتي تسعى لإسقاطها على كل سوريا، توضح ثلاثة أبعاد مترابطة لسياسات الإسلام السياسي: الشرعي- الفقهي، حيث تمارس الهيئة “تديينًا مؤسسيًا مرنًا” يفصل بين خطاب سياسي خارجي مرن وتشدد داخلي قد يقيّد النساء في التعليم والعمل والتنقل ويُلزمهن بقواعد صارمة للباس والاختلاط.

 السياسي-السلطوي، إذ تتحول هذه القيود إلى أدوات للهيمنة ويخضع النشاط النسوي لرقابة صارمة تُضعف قدرته على التأثير.

الحقوقي–الدولي، حيث تتعارض الممارسات مع اتفاقية سيداو والتزامات سوريا الدولية الواردة في الإعلان الدستوري الجديد بشأن حقوق المرأة في العمل والتعليم والمشاركة السياسية، ما يضع أي إطار شرعي جديد أمام تحدٍ للتوفيق بين المرجعية الإسلامية والمعايير الدولية لمنع التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

ما تزال النساء السوريات يتعرضن لانتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب من قبيل العنف الجنسي والاختطاف والاحتجاز التعسفي والنزوح القسري، تجلّى ذلك بوضوح بعد غزوة الهيئة للساحل السوري ومحافظة السويداء، فضلًا عن ملاحقة الناشطات السياسيات والنسويات، والتضييق عليهن وتهديدهن، وحملات التشويه المتعمدة لسمعتهن، للحدّ من قدرتهن على التعبير والمشاركة السياسيّة. في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف والسيداو. وقد فاقم النزاع هشاشتهن الاقتصادية والاجتماعية وعرّضهن للعنف القائم على النوع الاجتماعي، فيما يهدد تضييق الفضاء المدني بمضاعفة الانتهاكات وتقويض التزامات الدولة والسلطات المسيطرة بضمان الحماية والمساءلة.

يشهد الواقع تقنيناً متزايداً لـ “الأخلاق العامة” عبر تحويل الأعراف الاجتماعية المتعلقة باللباس والاختلاط والحياة العامة إلى لوائح وطنية ملزمة، بما يترتب عليه من قيود أوسع على حرية الحركة والتعليم والعمل، وتالياً تضييق المجال المتاح للنشاط النسوي وتعميق الفجوة بين الالتزامات الدولية والسياسات المحلية. ومن جهة أخرى، قد تعتمد السلطة نهج التجميد الانتقائي عبر تهدئة مؤقتة تحت ضغوط شعبية أو دولية مع الاحتفاظ بإمكانية إعادة تفعيل الضوابط الصارمة في أي وقت. هذا النهج يفضي إلى حالة مزمنة من عدم اليقين القانوني والاجتماعي، حيث تبدو بعض المكتسبات النسوية مؤقتة وغير مضمونة، وهو ما يقوّض فرص التخطيط بعيد المدى ويُبقي المشاركة المجتمعية للنساء رهينة لتقلّبات القرار السياسي.

تشكّل العلاقة بين الإسلام السياسي وحقوق النساء في سوريا واقعًا معقدًا، إذ تعدّ معيارًا كاشفًا لمصداقية أي مشروع سياسي يُطبَّق على الأرض. الإسلام السياسي التقليدي، رغم ما يثيره من جدل، يمتلك مشروعًا فكريًا وسياسيًا واضحًا يُترجم عبر مؤسسات الدولة والتعليم والرقابة الاجتماعية، ويشمل تنظيم دور المرأة ضمن رؤية منهجية متكاملة. بالمقابل، هيئة تحرير الشام تفتقر لهوية سياسية واضحة، ولا ينبع تعاملها مع النساء من رؤية إيديولوجية سياسيّة متماسكة، بل يتغير وفق موازين القوة والظروف الأمنية والسياسية المؤقتة. تُوظف الهيئة الدين أداةً لتبرير سلطتها وتحقيق مصالحها المؤقتة على حساب النساء والمجتمع، لا لبناء مجتمع مستقر أو تنظيم مؤسسات الدولة. هذه الهشاشة الإيديولوجية تتجلى في ازدواجية واضحة بين خطاب خارجي يقدّم التزامات شكلية وممارسات داخلية تقيّد الحريات وتكرّس السيطرة، مما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل هيئة تحرير الشام تنتمي فعلاً للإسلام السياسي، أم أنها تنظيم مسلح قائمٌ على الدين لتحقيق أهدافه المؤقتة؟

تمثّل المرحلة الراهنة اختبارًا حاسمًا لطبيعة الحكم الإسلامي في سوريا، إذ تكشف قدرة أيّ مشروع سياسي على التوفيق بين الالتزامات الدولية، الضغوط المجتمعية، والمرجعية الشرعية، وتحديد مدى جدية إعادة صياغة الإسلام السياسي بما يتيح حدًا أدنى من المساواة والمشاركة للنساء. ومع استمرار هشاشة الأفق السياسي والاجتماعي، يبقى السؤال مفتوحًا حول إمكانية تجاوز توظيف الدين كأداة للضبط والتقييد، نحو مشروع يحترم الحقوق ويحقق استقرارًا مؤسسيًا حقيقيًا.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى