الناستشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمنوعات

بيروقراطية إدارة الهجرة والجوازات السورية.. حكايات مع موظف “لا يعرف عمله”/ وفاء عبيدو

 

2025.09.04

على مدى عقود من حكم النظام البائد لم تُبنَ مؤسسات الدولة السورية على أساس الكفاءة أو التخصص، بل على قاعدة الولاء والانتماء للأجهزة الأمنية والحزبية، فالموظف المقرّب كان يحظى بالترقية والتثبيت، بينما يُهمّش أصحاب الخبرة أو يُدفعون إلى الهجرة.

ومع تفشّي الفساد الإداري والمالي تحولت الوزارات والدوائر الرسمية إلى بيئات طاردة للعاملين الجادّين، وباتت المعاملات مرتبطة بالرشوة والواسطة، هذا النهج أضعف البنية الإدارية للدولة وجعل مؤسساتها أشبه بهياكل متداعية تعمل بالحد الأدنى لتسيير الأمور من دون أي استثمار حقيقي في تطوير الكوادر البشرية أو تحديث أساليب الإدارة.

إذ حلّت سوريا حَسَبَ مؤشر

مدركات الفساد لعام 2024 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في المرتبة الرابعة ضمن قائمة الدول الأكثر فسادًا عالميًا (من أصل 180 دولة)، بحصولها على 12 نقطة فقط من أصل 100، بعد جنوب السودان (8 نقاط)، الصومال (9 نقاط)، وفنزويلا (10 نقاط)، أما في عام 2023 فقد حصلت

على 13 نقطة، ما أبقاها أيضًا ضمن أسوأ الدول في العالم في إشارة إلى أن الفساد البنيوي ظل مستشريًا حتى في سنوات تراجع النظام الأخيرة.

واليوم بعد أشهر من سقوط النظام ظهر أثر هذا الإرث جليًا، لتجد سوريا نفسها أمام مؤسسات منخورة عاجزة عن مواكبة متطلبات المرحلة الجديدة، كما تواجه المؤسسات السورية أزمة خانقة فغالبيّة الموظفين يفتقرون إلى الكفاءة والتأهيل، ولم يتلقوا أي برامج تدريبية أو خطط متابعة تساعدهم على أداء مهامهم، جاؤوا بحكم التعيين العشوائي أو الضرورة لا بحكم الخبرة أو المعرفة المهنية.

والنتيجة أن المعاملات تتأخر والقرارات تُتخذ ببطء وبأسلوب ارتجالي، بينما يعجز الموظفون عن التعامل مع أبسط التحديات اليومية، هذا القصور لا يعرقل فقط حياة المواطنين، بل يهدد أيضًا أي محاولة جدية لبناء مؤسسات فاعلة، إذ بات المواطن الذي كان يأمل بزوال الفساد بعد سقوط النظام يصطدم اليوم بعقبة أخرى جهاز إداري ضعيف، يفتقر إلى التدريب والخبرة.

لتنعكس هذه الأزمة مباشرة على ثقة السوريين بمؤسساتهم، وبينما تحتاج البلاد إلى إدارة ذات كفاءة لإعادة الإعمار وبناء بنية تحتية حديثة، تبقى المؤسسات الرسمية عاجزة عن مواكبة هذه الطموحات، ما يجعل سوريا أسيرة جهاز إداري مترهل لا يلبّي أبسط الحاجات الأساسية.

كما سبق أن أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال اجتماعاته في الرياض أن النظام السابق خلّف إرثًا ثقيلًا من الفساد الإداري والمالي وهياكل مؤسسية متقادمة، باتت عاجزة عن مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة، مما يستدعي جهودًا استثنائية لإعادة بناء الدولة على أسس الشفافية والكفاءة.

من فساد الأمس إلى عجز اليوم.. تحديات بناء مؤسسات جديدة

لطالما شكّلت مؤسسة الهجرة والجوازات واحدة من أكثر المؤسسات فسادًا في عهد النظام السابق، حيث ارتبطت سمعتها   بالرشاوى والسمسرة والتأخير المتعمّد في إنجاز المعاملات، ما دفع المواطنين لدفع مبالغ إضافية مقابل تسريع الحصول على الجواز.

وبعد سقوط النظام ورثت الحكومة الحالية هذا الإرث المثقل بالمشكلات، مع بقاء الازدحام والفوضى وارتفاع الرسوم عقبةً أساسية أمام السوريين، ما يجعل إصلاح هذه المؤسسة أولوية لا يمكن تأجيلها.

حياة سيدة دمشقية، تروي لموقع تلفزيون سوريا تجربتها المرهقة حين قصدت إدارة الهجرة والجوازات لاستخراج جواز سفر لابن شقيقتها والتي أوضحت أنها حضرت مسبقًا جميع الأوراق المطلوبة، من إخراج القيد إلى الوثائق اللازمة لتتفادى أي عوائق متوقعة.

اقرأ أيضاً

432

كيف يقضي السوري ليلة كاملة أمام الشاشة بحثا عن موعد جواز سفر.. وتنتهي بلا شيء؟

لكن ما إن وصلت إلى الموظف المعني حتى دخلت في جدال طويل معه حول اسم الشاب، إذ يتضمن اسمه الثلاثي يتضمن اسمًا مركبًا لوالده “محمد ضياء”، بينما أصر الموظف على تسجيله مجرد “محمد”، ما كانت حياة تدرك أنه قد يؤدي لاحقًا إلى رفض إصدار الجواز بسبب اختلاف البيانات.

وقالت “أخبرت الموظف أن اسم والد ابن أختي محمد ضياء، وإن لم يُكتب كما هو فلن تتطابق بياناته الرسمية، لكن إقناعه استغرق وقتًا وجهدًا كبيرًا”، وبعد شد وجذب اضطرت حياة لإحضار صورة من جواز الأب لإثبات صياغة الاسم المركب، ليقتنع الموظف أخيرًا.

كما أضافت أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد طلب منها الموظف مساعدته في العثور على الرقم الوطني للشاب في إخراج القيد، لأنه لم يكن يعرف مكانه بدقة.

تصف حياة تلك الساعات بأنها مليئة بالتوتر والضغط، إذ كان أي خطأ بسيط في كتابة الاسم أو البيانات كفيلًا بضياع كل الجهد والتكاليف التي بذلتها العائلة.

وتابعت قائلة “الموظف غير المدرّب وغير المحضَر قد يتسبب بأضرار تمس المواطن والمؤسسة والدولة معًا، أتمنى من الجهات المعنية أن تعالج هذه الفوضى، نعلم أن المسؤوليات عليهم كثيرة، لكن غياب الحلول يجعل حياة الناس أصعب”.

غياب الحلول العملية يزيد الفجوة

أحيانًا تكفي لحظة واحدة أمام موظف غير مدرّب أو غير ملم بالإجراءات لتتحول مهمة بسيطة إلى معاناة طويلة للمواطنين، هذا ما واجهه أبو علاء (56 عامًا)، أحد سكان دمشق، حين ذهب لاستخراج وثيقة “لا حكم عليه” لابنه المقيم خارج البلاد فوجد نفسه عالقًا في متاهة المعاملات الرسمية حين قصد إدارة الأمن الجنائي في منطقة الجمارك.

وقال في حديثه لموقع تلفزيون سوريا “أخذت معي صورة هويته ودفتر العائلة لأثبت أنه ابني”، لكن الموظف رفض الطلب مشترطًا إحضار الهوية الأصلية للشاب، على الرغْم أن الأخيرة بقيت بحوزته في بلد اللجوء كوثيقة تعريف أساسية لا يمكن التخلي عنها.

حاول أبو علاء أن يشرح استحالة الحصول على الهوية الأصلية من خارج القطر، غير أن الموظف أصرّ على الرفض، لينتهي الأمر بطريق مسدود وحرمان العائلة من استكمال الإجراءات.

هذه الحكاية تكشف عن عمق المشكلة التي ورثتها المؤسسات السورية بعد سقوط النظام، حيث تغيب المرونة، ويُقدَّم “النص الجامد” على المنطق، فيما يُترك المواطن يواجه عبثية الإجراءات.

وبحسب تقرير صادر عن المركز العربي في واشنطن (Arab Center DC)

، فإن إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية بعد سقوط النظام تواجه ثلاث عقبات رئيسية إرث السلطة العائلية التي همّشت المؤسسات المدنية، وتعدد القواعد العسكرية الأجنبية الذي يهدد سيادة القرار الوطني، وأخيرًا محدودية الكفاءات الإدارية لدى السلطات الجديدة.

ويؤكد التقرير أن العامل الأخير هو الأخطر، إذ يبرز عجز واضح في تأهيل كوادر قادرة على إدارة المرافق العامة بكفاءة، ما يفتح الباب أمام استمرار الفوضى وضعف الأداء.

كما يوصي التقرير بضرورة الاستثمار في تدريب الكوادر الوطنية، وبناء مؤسسات مدنية مستقلة تقوم على التخصص والشفافية والمساءلة، باعتبارها المدخل الأساسي لإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع ومنع عودة أنماط الفساد والشللية.

إصلاح المؤسسات السورية.. إرث الفساد ومتطلبات الرقمنة

بعد عقود من الفساد الإداري وضعف الكفاءات، تجد المؤسسات السورية نفسها اليوم أمام تحدي إعادة البناء والتحديث بما يتلاءم مع مرحلة إعادة الإعمار.

في هذا الشأن أوضح الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي لموقع تلفزيون سوريا أن تقييم كفاءة الموظفين في سوريا يتطلب وقتًا وجهدًا أكبر للوصول إلى صورة عادلة وصحيحة، لاسيما أن المؤسسات عانت طوال عقود النظام السابق من فساد إداري متجذّر في مختلف القطاعات.

ويرى أن إعادة تأهيل مؤسسات الدولة اليوم بحاجة إلى استقطاب أصحاب الكفاءات القادرين على تحمّل مسؤولية القرار بحرية في ظل مرحلة البناء وإعادة تنظيم القوانين والتشريعات.

وأشار قضيماتي إلى أن ضعف الكفاءة يعود إلى عدة أسباب، أبرزها الإرث الإداري الفاسد وضعف قيمة الرواتب التي لا تكفي لسد احتياجات الموظف المعيشية، ما أدى إلى فقدان الخبرات أو عزوف الكفاءات عن العمل في القطاع العام، لافتًا إلى وجود بعض الموظفين الذين يعرقلون الإجراءات عن قصد، ما يؤثر سلبًا على كفاءة المؤسسات بشكل عام.

وأكد أن هذا الواقع انعكس على علاقة المواطن بالمؤسسات الرسمية، حيث تراجعت الثقة بسبب الإجراءات الورقية القديمة والبعيدة عن التكنولوجيا، فضلًا عن انتشار ما وصفه بـ”الرشوة الممنهجة”، التي كانت تُفرض كرسوم غير رسمية لتمرير المعاملات خلال سنوات الحرب.

ومن وجهة نظره فإن الحل يكمن في مكافحة الرشوة والتزوير، وإعادة صياغة القوانين التي تتيح لبعض الموظفين استغلال الثغرات لتحقيق مكاسب غير مشروعة، ويرى أن النهوض بمؤسسات الدولة لا ينفصل عن تأهيل كوادرها، بدءًا من المديرين وصولًا إلى الموظفين التنفيذيين عبر برامج تدريب وتطوير آليات العمل وهو ما يتطلب وقتًا وصبرًا.

كما شدد قضيماتي على ضرورة إعادة النظر بالكفاءات الموجودة داخل المؤسسات العامة، خصوصًا بعد معالجة ملف “البطالة المقنّعة” وتعدد الوظائف، داعيًا إلى توظيف أصحاب الخبرة ومنح رواتب تتناسب مع متطلبات المعيشة، بما يسد ذرائع الفساد والرشوة ويحسن بيئة العمل.

وختم بالقول إن تجارب دول عدة أظهرت إمكانية تجاوز مثل هذه التحديات، ورغم أن “المرحلة السورية” كانت أكثر قتامة إلا أن وجود اتفاقيات تعاون مع دول مثل تركيا والسعودية للاستفادة من تقنيات الإدارة الحديثة يمهد الطريق لرفع كفاءة المؤسسات عبر أتمتة الدوائر الحكومية ورقمنتها، مع تدريب الموظفين على هذه التقنيات وصولًا إلى إدارة أكثر كفاءة وشفافية.

الفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى