تكريم منى واصف في جامعة دمشق…نَظَّمه محتال!

الخميس 2025/09/04
بعد تكريم الممثلة السورية منى واصف قبل أيام في جامعة دمشق، بمنحها لقب “سفيرة السلام في العالم” من قبل “المنظمة العالمية لحقوق الإنسان” وسط حضور رسمي تقدمته وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات، تبين لاحقاً ان المنظمة مشبوهة ولا ترتبط أصلاً بالأمم المتحدة، خلافاً لما تم الترويج له.
وقالت منصة “تأكد” للتحقق من دقة المعلومات، أن المشهد قدم على نطاق واسع باعتباره يحمل طابعاً أممياً، غير أن التحقق من خلفية الجهة المانحة يظهر أنها لا تتمتع بأي صفة رسمية لدى الأمم المتحدة، وأنها ليست مدرجة ضمن سجلات المنظمات المعترف بها دولياً، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذه التكريمات، وكيفية توظيف المسميات الأممية في فعاليات محلية تمنحها طابعاً أكبر من حجمها الفعلي.
وفي مطلع أيلول/سبتمبر، شهدت قاعة جامعة دمشق فعالية بعنوان “سوريا الأمل”، خصصت فيها فقرة لتكريم واصف، التي منحت خلالها لقب “سفيرة السلام في العالم” بحضور قبوات، التي بدت متأثرة وهي تكرم الفنانة في لحظة وثقتها الكاميرات وانتشرت سريعاً عبر وسائل الإعلام.
والتغطيات الصحافية قدمت التكريم بوصفه اعترافاً أممياً بمسيرة واصف الفنية والإنسانية، واستخدمت عبارات مثل “سفيرة السلام في العالم لدى الأمم المتحدة” في بعض المنابر، ما عزز الانطباع لدى المتابعين بأن الحفلة تحمل صفة دولية رسمية. ولم يقتصر ذلك على التغطية الإعلامية، بل ترسخ من خلال حضور مسؤول حكومي رفيع، لتتشكل صورة جماهيرية عن تكريم صادر من مؤسسة أممية، بينما خلفية الجهة المانحة تكشف واقعاً مختلفاً تماماً.
وتقدم “المنظمة العالمية لحقوق الإنسان” في الخطاب الإعلامي بوصفها جهة أممية مانحة للألقاب والصفات، غير أن مراجعة السجلات الرسمية تكشف واقعاً مختلفاً. فهذه المنظمة لا تظهر في قاعدة بيانات المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة “إيكوسوك” الخاصة بالمنظمات غير الحكومية المعتمدة كما تدعي في موقعها. كما أنها غائبة عن منصات التوثيق الحقوقي الدولية مثل “إن.جي.أو مونيتور”. كذلك، لا يرد لها أي حضور في وثائق مكتبة الأمم المتحدة الرقمية أو في لوائح المنظمات المشاركة في مجلس حقوق الإنسان، ما يؤكد أنها ليست جزءاً من المنظومة الأممية المعترف بها.
وإلى جانب واصف، حصل العديد من الشخصيات على ألقاب مشابهة مثل “سفير السلام” أو “المفوض”، لكن ليس عبر مبادرات أممية أو اعتراف دولي، بل من خلال نظام العضويات والانتسابات الذي تمنحه هذه الجهة. هذا الطابع الرمزي يضع التكريم في خانة الفعاليات المحلية لا القرارات الدولية. وتأكد ذلك عبر نفي رسمي حصلت عليه منصة “تأكد” من المتحدثة باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في سوريا، التي أوضحت بشكل صريح أن مكتبها وكذلك منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” لا يعملان مع هذه الجهة ولا يرتبطان بها.
وأظهر البحث أن الشخصية المحورية وراء المنظمة، هو اللبناني علي عقيل خليل، الذي يقدم نفسه بصفة “السفير” والمؤسس للمنظمة المذكورة، وهو شخصية اعتادت الظهور عبر صور وبطاقات رسمية المظهر، من بينها بطاقة تبدو كأنها صادرة عن الأمم المتحدة لكنها في الواقع مرتبطة بعضوية في “UNA سريلانكا”، إلى جانب حمله “جواز سفر عالمياً” صادراً عن منظمة “WSA” وعضوية سفير ضمن هذه المنظمة.
ويحرص خليل على نشر صور تجمعه بشخصيات عالمية ودولية بارزة في موقعه وصفحاته الرسمية، بما يضفي عليه مظهراً من المصداقية والصفة الرسمية. غير أن التحقيق أثبت أن هذه المظاهر لا تعدو كونها أدوات دعائية، وأن لا صلة لها بأي اعتراف قانوني أو أممي حقيقي، لأنه ليس مدرجاً ضمن المنظمات المعتمدة في سجلات الأمم المتحدة أو الكتاب الأزرق الخاص بالدبلوماسيين والسفراء ضمن المنظمة، ولا يحمل أي تفويض رسمي يمكن أن يبرر الألقاب التي يوزعها أو الصفة التي يقدم بها نفسه.
وبحسب تقارير إعلامية لبنانية، واجه خليل اتهامات خطيرة العام 2011 بعدما أوقفته مفرزة الضاحية الجنوبية القضائية بناءً لإشارة القاضي سامي صادر، على خلفية شكوى تقدم بها الممثل آلان الزغبي عبر وكيله القانوني. وشملت التهم الموجهة إليه انتحال صفة، وتزوير، وتقليد أختام، واحتيال، إضافة إلى القدح والذم.
وكشفت قناة “الجديد” في تحقيق استقصائي مطول طبيعة نشاط خليل من خلال شهادات لأشخاص وقعوا ضحايا عمليات نصب واحتيال استندت إلى وثائق وشهادات مصممة بمظهر أممي وألقاب دبلوماسية مزعومة. وأظهر التحقيق كيف روج خليل لنفسه باستخدام جواز السفر العالمي الصادر عن منظمة “WSA” وصور مع شخصيات دولية لإضفاء صفة رسمية غير موجودة، فيما أكدت ردود أممية أن منظمته لا ترتبط بأي شكل بالأمم المتحدة. وخلص التقرير إلى أن توزيع تلك الوثائق والعضويات أوقع العديد من الأفراد في شراك وعود كاذبة، رسخت صورة عن “صفة أممية” لم تكن يوماً حقيقية.
واعتمد خليل في ترويج صورته كسفير أممي على بطاقة صادرة عن جمعية الأمم المتحدة في سريلانكا، حيث يظهر اسمه بوضوح على موقعها الرسمي كـ”عضو خاص مدى الحياة”. مثل هذا الظهور يمنح في الظاهر هالة من المصداقية، خصوصاً أمام جمهور غير متمرس في قراءة تفاصيل المنظمات الدولية، حيث يوحي بارتباط مباشر مع الأمم المتحدة نفسها. وساعد هذا الانطباع على تكريس صورة خليل كشخصية ذات نفوذ حقوقي ودولي، تقدم في المناسبات على أنها تملك صفة رسمية.
والحال أن العضوية في جمعية الأمم المتحدة في سريلانكا متاحة لأي شخص، مقابل رسوم مالية محددة: 25 ألف روبية سريلانكية للمواطنين المحليين أو ألف دولار أميركي لغير السريلانكيين. ولا تتجاوز العضوية كونها بطاقة انتساب رمزية، لا تمنح أي امتيازات دبلوماسية ولا اعترافاً أممياً، ولا تخول حاملها تمثيل الأمم المتحدة أو الحديث باسمها. بل إن الاتحاد العالمي لجمعيات الأمم المتحدة، وهو المظلة الجامعة لهذه الكيانات، يوضح بجلاء أن هذه الجمعيات مستقلة عن الأمم المتحدة، وأن عضويتها لا تكسب صاحبها أي صفة رسمية.
ويستند خليل في ترسيخ صورته كصاحب صفة أممية إلى ارتباطه المعلن مع السلطة العالمية للخدمات (WSA)، حيث يظهر اسمه وصورته في الموقع الرسمي لهذه المنظمة كأحد سفرائها. هذا الظهور الرقمي يمنحه في الظاهر هالة من المصداقية، خصوصاً لدى من يجهل طبيعة المنظمة، ويستخدم لإقناع الجمهور بأنه يمتلك اعترافاً دولياً عبر وثائق مثل الجواز العالمي الذي تصدره “WSA”. ويقدم هذا الجواز في الخطاب الدعائي كوثيقة سفر أممية، بينما الحقيقة أنه مجرد مستند رمزي لا يحمل أي قيمة قانونية، وساهم إدراجه في موقع المنظمة في تعزيز الوهم بأن خليل يرتبط بمؤسسة دولية راسخة.
لكن الواقع يظهر أن “WSA” كيان مثير للجدل أسسه الناشط الأميركي غاري دايفز في خمسينيات القرن الماضي تحت شعار “المواطنة العالمية”. والوثائق التي تصدرها، وفي مقدمتها الجواز العالمي، مصنفة رسمياً من قبل منظمة الطيران المدني الدولي “إيكاو” ضمن فئة الوثائق الخيالية، أي أنها لا تعترف بها في أنظمة السفر الدولية.
وواجهت المنظمة قضايا قانونية متكررة، أبرزها محاكمة مؤسسها في فرنسا العام 1974 بتهمة بيع جوازات مزورة، وتوثيق حالات احتيال في الصين وماليزيا نتيجة استخدام الجواز العالمي. ورغم ادعاءات القبول المحدود لهذه الوثائق في بعض الدول، فإن جهات رسمية مثل وزارة الخارجية الأميركية وإدارة الضمان الاجتماعي شددت على أنها لا تحمل أي صفة قانونية.
وتظهر الصفحات الرسمية للمنظمة التي يقودها خليل تركيزاً لافتاً على نشر مواد مرتبطة بالنظام المخلوع، حيث أعادت مراراً نشر صور لبشار الأسد وزوجته أسماء في مناسبات اجتماعية وثقافية ودينية، مرفقة بتعليقات تشيد بهما وتصفهما برموز للصمود والسلام. كما نشرت الصفحة صوراً من الأرشيف، بينها صورة تعود إلى العام 1973 يظهر فيها حافظ الأسد أثناء استقباله وفداً أجنبياً، وقدمتها ضمن محتوى يوحي بتاريخ “نضالي” متصل بجذور النظام.
والأكثر وضوحاً هو إبراز صور شخصية تجمع خليل ببشار الأسد في لقاءات مباشرة، حيث جرى نشرها في صفحات المنظمة للتأكيد على قربه من دوائر السلطة. هذا الاستخدام للصور ترافق مع نصوص احتفائية بالنظام المخلوع، ما جعل منصة خليل الحقوقية المزعومة أداة لتلميع صورته الشخصية عبر إظهار علاقته الوثيقة بالحكم. وبذلك، بدت المنظمة في محتواها أقرب إلى منبر دعائي يعيد إنتاج خطاب التمجيد، أكثر منها مؤسسة حقوقية مستقلة ذات ارتباط حقيقي بالمنظومة الدولية.
وبحسب “تأكد” فإن خطر هذه الممارسات لا يقتصر على تضليل الرأي العام، بل يكمن في قدرة كيانات وهمية على اختراق المشهد العام وإعادة تدوير نفوذ شخصيات فاسدة و مرتبطة بالنظام المخلوع تحت غطاء “حقوقي” و”أممي”. استخدام الألقاب، والبطاقات، والصور الرمزية يمنح هذه الكيانات مساحة للتأثير والتغلغل، في وقت تحتاج فيه المرحلة الجديدة إلى مؤسسات شفافة وموثوقة تعكس مسار العدالة والشرعية الدولية، لا إلى واجهات دعائية توظف العاطفة والرمزية لخدمة أجندات مشبوهة.
المدن



