تكوين المجتمع السوري… الطائفيّة التي لا تحتمل الطائفيّة السياسية/ عمار ديوب

02 سبتمبر 2025
عاندت سورية طويلاً التطييف السياسي. شكّلت تعدديتها الدينية والمذهبية والقومية والاتجاه القومي المسيطر سياسياً سبباً تأسيسياً لرفض الطائفية؛ قبل الاستقلال 1947 وبعده. شكلت خلفية حافظ الأسد المذهبية سبباً لعدم اللعب بورقة الطائفية؛ فهو سيخسر في أيِّ تسييسٍ طائفي، كذلك يتناقض توجهه القومي مع الطائفية السياسية. وعدا ذلك، وظّف الطوائف بنىً أهليةً في إطار التعيينات الوظيفية، وبما يمنع تشكيل قوى سياسية حداثية وتخويف الطوائف بعضها من بعض، محاولاً تموضع المجتمع بالهويات الأهلية. القوى التي أعلنت عن نفسها قوىً طائفيةً سياسيةً لم تكن واسعة الانتشار، ولم تحظ بحضورٍ سياسيٍ. لقد هيمنت القوى الحداثية بوصفها تيارات ليبرالية واشتراكية وقومية أمداً طويلاً وقبل لحظة الاستقلال كذلك؛ هيمنت سياسياً واجتماعياً وثقافياً أيضاً.
مرحلة حافظ الأسد هي مرحلة إخفاق مشروع الحداثة حيث تزامنت بداية إخفاق مشروع الحداثة مع تأسيس السلطة الفردية والأمنية؛ مع حافظ الأسد. هنا كانت بدايات التأسيس الهادئ للهويات “السياسية” للطوائف، وظلّت حركة الإخوان وحزب التحرير أبرز أشكال القوى السياسية الطائفية، ومع حرب الثمانينيات، تهمشت بشكل هائل؛ كان المجتمع يتشكّل دينياً “محافظة اجتماعية والتزام ديني” وطائفياً “بداية تشكل رؤى فكرية وسياسية”. ترافق مع التسعينيات بصفة خاصة بروز أشكال من السلفية الجهادية، وقبل ذلك مع الثورة الإيرانية ولاحقاً مع الحرب ضد السوفييت في أفغانستان، فنشأت مجموعات جهادية، واعتقل معظمها، وكانت سورية ممرّاً لمختلف التنظيمات الجهادية العالمية، واستثمر بشار الأسد في الأمر، ما بعد 2003، للعراق. ولكن، ومع عودة الجهاديين بعد الاحتلال، هناك من حاول تشكيل مجموعات جهادية، ولكنها لم تشكل ظاهرة حقيقية، ولم تتشكل حركة سلفية جهادية قوية في سورية، واعتقل معظم أعضائها سنوات طويلة. أُفرج عن كثيرين من تلك الكوادر في العام الأول للثورة 2011، وبقصد حرف توجهاتها نحو الطائفية، فتوسعت الطائفية السياسية التي استفادت من التأسيس السياسي للهويات الدينية منذ ذلك الوقت، وتشكلت الفصائل الجهادية متنوعة الأشكال والمرجعيات، وارتبط صعودها بالحرب وسطوة السلاح، ولكنها ظلّت بلا شعبية وازنة.
دُعمت القوى السلفية والجهادية في سورية من دول في الخليج بشكل واسع، وبقصد إفشال الثورة الشعبية بدءاً من 2011، وجعلها ثورة إسلامية، وقطع إمكانية أن تؤثر عربياً. عزّز الخيار الأمني العسكري والتطييفي لبشار الاتجاهات السلفية، حيث أُرفق خياره بأيديولوجيا وبسردية أن الثورة سنية وهدفها اجتثاث الأقليات وبدءاً العلويين، وتبنت الفصائل السلفية والجهادية، والإسلام السياسي بعامة السردية نفسها، وكأنّها تتحالف مع بشار الأسد في حرف الثورة ودحرها.
وكان من آثار حرب بشّار الأسد على الشعب من الناحية الدينية تعزيز الاتجاهات السلفية والتطييفية في كل الطوائف في سورية. كانت السنوات بين 2011 و2024 سنوات تجهيل عام، وانخفاض مستوى التعليم، وسيادة الوعي الطائفي، وانهارت المرجعيات الأخلاقية العامة، وتراجعت قيمة الأخر فكراً ووجوداً مادياً. كانت ممارسات جيش بشار الأسد وشبيحته مثالاً في الانهيار الأخلاقي العام، وتكرّر الأمر نفسه مع الجيش والأمن بعد سقوط الأسد في الساحل والسويداء، في غياب حياة سياسية أو دورة اقتصادية أو علاقات اجتماعية ذات مرجعية دينية أو أخلاقية، وهذه عوامل لسيادة أشكال من الأفكار والممارسات اجتثاثية للآخر، والاستهزاء بمنظومة حقوق الإنسان أو المواطنة أو أية أفكار وطنية عابرة للطوائف والقوميات.
كانت سنوات ما بين 2018 و2024 الأسوأ على الاطلاق، فرُسمت حدود الأقاليم الأربعة، وانقطعت تقريباً أشكال التواصل بينها. تكرست عدة سرديات عمّا يجري في سورية، طغت سردية لكل إدارة ذاتية في “السوريات” الأربع. كانت لحظة هروب بشار الأسد لحظة مفاجئة للقوى المسيطرة في السوريات، وكذلك للشعب نفسه. كان لحظة تغيير مذهلة في إعادة تشكيل العلاقات بين الطوائف والقوميات والمذاهب كذلك. سيطرت إحدى قوى الأمر الواقع على السلطة المركزية، وعملت جاهدة لفرض رؤيتها السابقة، السلفية الجهادية، على كل السوريات؛ هنا كانت بداية مرحلة تأزيم العلاقات بين الطوائف والقوميات والمذاهب، وشكلت سلفية هيئة تحرير الشام بداية الانتقال إلى التسييس الواسع وفقاً للبنى الأهلية، والتفكير في المحاصصة الطائفية والقومية. وبالتالي، هي بداية تفكيك البنى الحداثية واستبدالها ببنى دينية وطائفية، فهل تنجح سلطة دمشق في مشروعها هذا، وتفرض هيمنة كاملة على الدولة والمجتمع.
أوهام السلطة في دمشق
أول أوهام السلطة في دمشق أنها ستتمكّن من تمثيل الطائفة السنية، فيما هذه الطائفة لا يمكن أن تتخلّى عن “تطوّرها” التاريخي، الإسلامي المعتدل، وتصبح سلفية، ولا يمكنها أن تتخلى عن العلاقات المدينية “الحداثية” وتتبنّى علاقات قائمة على الطائفية. لا ترى هذه الطائفة في لبنان أو في العراق نموذجاً للحكم في سورية. الأسوأ أن مشروع السلطة يرفض الانتقال الديمقراطي، بينما السنة يريدون تمثيلاً ديمقراطياً يتناسب مع تركيا مثلاً أو باكستان، أو إندونيسيا. رفض الرئيس أحمد الشرع التأسيس للانتقال إلى الديمقراطية، ومحاولته التفرّد بالسلطة تتناقض مع أحلام سنة المدن السورية بصفة خاصة، ولكنها تتناقض أيضاً من الإسلام السوري، وبعامة، وبما يعيد سورية إلى النظام البرلماني والديمقراطي، والتصالح مع التشكيلات الأهلية. لا ترى الطائفة السنية نفسها طائفة كبقية الطوائف، بل ممثلة للأمة، لسورية، وبالتالي، يجب الكف عن الاعتقاد أن الأوهام قابلة للتحقق.
ثاني الأوهام الاعتقاد أن الخارج لن يمانع تكرار تجربة حافظ الأسد في التفرّد، لا سيما أن الشرع من أصول سنية. صحيحٌ أن دول التعاون الخليجي ودول الإقليم والغرب لا تريد نظاماً ديمقراطياً في سورية، ولكن أيضاً لا تريد نظاماً سلفياً، وهذا ستكون انعكاساته سلبية على كل دول الإقليم والعربية. يخطئ أحمد الشرع في اعتقاده أن الشرعية الخارجية من دون اشتراطات، وقد أعيدت إلى بيانات مجلس الأمن وتصريحات الدبلوماسيين أن سورية لا بد أن تُحكم بنظام ديمقراطيٍّ، وبتمثيل الشعب، وتكرر الأمر مع أحداث السويداء، ومع استعصاء التفاوض مع قوات سورية الديمقراطية (قسد) أخيراً.
تراجع شعبية
مع مؤتمر النصر في 2024، بدأت شعبية أحمد الشرع في التراجع، وكانت استجابة السوريين في أدنى حالاتها لدعوة السلطة إلى إقامة تجمعات في ساحات المحافظات السورية في الأول من الشهر الماضي (أغسطس/ آب) لرفض التدخل الخارجي وتأييداً لشرعيته. وهذا تعبير سياسي بشكلٍ ما، ودليل على فشل سياسات السلطة منذ ذلك التاريخ، وإنذار شعبي بضرورة تغييرها. لم تقرأ السلطة أسباب فشلها في الساحل، لا سيما بين 6 و9 مارس/ آذار، وعاندت بأن القضية ليست انتهاكات ممنهجة لجيش السلطة والأمن، واتخذت ذريعة من هجوم بعض أنصار بشار السابقين على دورية للأمن العام ومحاولتهم السيطرة على الساحل لارتكاب مجازر على الهوية الطائفية، ولفرض إذلال شديد لم ينته بعد، وجاءت نتائج لجنتي التحقيق والسلم الأهلي من دون إيقاف الانتهاكات. وبالتالي، لم تعد الثقة بالسلطة من جهة العلويين أو الأقليات وكذلك من أغلبية الطائفة السنية.
تكرّرت مأساة الساحل في السويداء، وعلى نحو أشد سوءاً، سواء لجهة المجازر أو حرق القرى أو ممارسات إذلالية كقص الشوارب. وصارت “قسد” التي راقبت المشهد ورفضت تسليم سلاحها تشترط عدم حلّ قواتها، وأن تنضوي كتلة متّحدة في الجيش. وهذا يعني قدرتها على الانسحاب من الجيش مع أول خلافات جدّية.
ثرثراتٍ لطائفٍ سوريٍّ
جاء مؤتمر “وحدة المكونات” في الحسكة ليوسع الجماعات المنخرطة في مشروع الإدارة الذاتية القسدية، حيث تحدّث فيه غزال غزال وحكمت الهجري، وأُشيع عن تحالف الأقليات المناهض لدمشق “السنية”. وترافق هذا التطور مع كلام عن ضرورة عقد مؤتمر طائفٍ سوري على غرار طائف لبنان، والكلام يُشيد بذلك الطائف، لا بنتائجه على لبنان، ودويلات الطائفيين ضمن الدولة، ولن يتغير ذلك حتى لو سلّم حزب الله سلاحه؛ فما دام النظام السياسي يتأسّس على أرضية المحاصصة الطائفية، فستظل هناك عطالة كاملة عن البدء بالتنمية أو المساواة بالحقوق بين الأفراد وإمكانية تجدّد الحرب الأهلية، وغير ذلك التحكم الخارجي الكامل بالدولة والمجتمع المتذررين، والمطيفين، والفاقدين أي أشكال من الاستقلال.
أضاع أحمد الشرع فرصة تاريخية طوال الأشهر الثمانية المنصرمة، فقد كان الشعب السوري راغباً بشدة في الانتقال الديمقراطي؛ ولكن وبعد مجازر الساحل والسويداء، لم يعد ذلك الانتقال مرغوباً بذاته، وصار التفكير يتّجه نحو اللامركزية السياسية لا نحو اللامركزية الإدارية، فالثانية تقتضي وجود جيش موحد، ومركزي، وكذلك الأمن، بينما الأولى أقرب للفيدرالية، وتفترض جيشاً وأمناً خاصاً، وتفترض حكومة وبرلماناً خاصين.
ما العمل؟ كيف يتفادى السوريون تلك اللامركزية السياسية، أو ما يشاع عن أقاليم خمسة، أو طائف سوري. تفترض هذه العناوين سورية مقسّمة، وموحّدة بقوة التدخل الخارجي، وبما يجعلها مقسّمة ولكن ضمن دولة واحدة. ليست هذه عودة إلى سوريات بشّار الأسد، وإن بصيغة أخرى.
عكس ما يشاع أن الطائفية تجذرت، لا تزال الأكثرية السورية، لا الدينية، تفكّر بكيفية الوصول إلى دولة ديمقراطية مدنية، فيها تكامل بين المركزية واللامركزية الإدارية، وبما لا يهمّش العاصمة أو المحافظات، وينهض بسورية المدمّرة. تستند الأكثرية هذه إلى بعدٍ تاريخيٍّ، حاولنا توصيفه أعلاه، وتستند إلى ثورة شعبية في 2011، وتستند إلى رفض العودة إلى حافظ الأسد.
إيقاف الانهيار الذي أدّى إليه مشروع السلطة، وأصبحت هناك مصلحة في المحاصصة الطائفية والقومية لقوى مجتمعية (لم تترسّخ) بعد، لا سيما بعد المجازر، يقتضي تشكيل أكثرية سورية وطنية ديمقراطية، أساسها المساواة بين السوريين، وإعادة تأسيس الجيش وطنياً لا عقائدياً، ولصالح طائفة واحدة، والدعوة إلى مؤتمر وطني عام، وأن تكف السلطة عن الهيمنة على الدولة، وأن تعتبر نفسها والدولة انتقاليين، أي تمكن إعادة النظر بكل مشروعها السياسي، السلفي، الذي هو أس كل مشكلات سورية منذ 8 ديسمبر.
العربي الجديد



