أبحاثتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

سلطة هشّة، مجتمع هشّ، ونُخَب هشّة: نقاش في مقال «الأمة ضد الدولة» لياسين الحاج صالح/ سامر الجنيدي

04-09-2025

        ينتظر مثقفون وناشطون سوريون مقالات الصديق ياسين الحاج صالح، لما له من وزنٍ فكري وتجربةٍ طويلة في قراءة الحالة السورية، فضلاً عن رمزيته كمعارضٍ معتقلٍ سابق في حقبة الأسد الأب، ومشاركٍ في الثورة، وكانت زوجته المغيّبة سميرة خليل إحدى ضحاياها، بالإضافة إلى صلابته الأخلاقية الملفتة حقاً.

        في إحدى مقالاته الأخيرة، “الأمة ضد الدولة/في جذور فشل بناء الدولة في سورية”      

يقدّم الكاتب أطروحةً محورية: أن الفشل الراهن في سورية يشبه فشل بلدٍ خرج من استعمارٍ قاسٍ؛ حيث تتقاطع جغرافيا ممزّقة مع مجتمعٍ منقسم وبُنى تحتية منهارة وتشكيلاتٍ مسلّحة فوضوية. وفي رأيه أن جوهر الأزمة يتمثّل في غياب «قوّة الحكم العامة المنظَّمة» (أي الدولة)، وأن ما هو قائم ليس سوى سلطةٍ فئوية طائفية عاجزة عن التنظيم الداخلي وفاقدة لشرعية التمثيل الوطني. كما يشدّد على أن البناء الوطني لا يمكن أن يتحقّق إلا عبر نزع الطائفية عن الدولة، إذ لا تستطيع دولةٌ طائفية – بغضّ النظر عن «لباسها» – أن توحّد الشعب والأرض.

        تحمل هذه المقاربة قيمةً تحليلية مُعتبَرة، خصوصاً في تمييزها بين الدولة بوصفها جهازاً عاماً منظَّماً، والسلطة بوصفها قوّةً خاصة قد تكون فئوية أو طائفية. غير أنّ السؤال يبقى مطروحاً: هل نحن حقاً أمام سلطة فاقدة للشرعية أولاً؟ وطائفية ثانياً؟

        ينبغي الاعتراف بأن إسقاط الأسد كان حلماً بعيد المنال، أقرب إلى الهذيان، قبل الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، بعد أربعة عشر عاماً من الإبادة والتهجير والتغييب والفساد. وما حدث في ذلك التاريخ لم يكن انقلاباً عسكرياً في دولة طبيعية، بل واقعة غير متوقعة أعادت صياغة مفهوم الشرعية نفسه. مسطرة الشرعية هنا تحتاج إلى إعادة نظر، فإسقاطُ الأسد بحد ذاته يمنح أي قوة قادرة على إزالته شرعية أولية لا يمكن تجاهلها، حتى وإن لم ترقَ إلى شرعية تمثيلية ولا أسّست لدولة عامة منظّمة. ثم إن السلطة الجديدة دخلت دمشق رافعة أعلام الثورة السورية، وقدّمت انتصارها على أنه انتصار للثورة نفسها، وهو أمر حرصت عليه منذ اللحظة الأولى. رغم أن إزالة الأسد لم يكن الهدف الوحيد للثورة، ولكنه كان الممر الأصعب نحو بقية أهدافها.

        أما المجازر التي وقعت في الساحل والسويداء، والمُدانة أخلاقياً بلا شك، فلا يجوز تحليلها بعيداً عن سياقاتها المحلية. فقد حملت تلك المجازر طابعاً طائفياً نعم، لكنها جاءت في الحالة الأولى عقب وضع عسكري انقلابي، وفي الثانية بعد استعصاء سياسي على بسط نفوذ الدولة وأجهزتها، وكان ذلك يجري تحت شعارات العلمانية. هذا لا ينفي فداحتها، لكنه يُذكِّر بضرورة قراءة الأحداث ضمن ظروفها المباشرة.

        ويذهب ياسين إلى أنّ السلطة القائمة ليست سوى «انعكاس لعصبيات المجتمع». هذا تشخيص صحيح جزئياً، لكنه لا يكفي لرسم اللوحة كاملة، فالحقبة الأسدية أورثت السوريين رأس مالٍ اجتماعياً مشوهاً أسوأ من مجرد «عصبيات»: روابط ضيقة وقوية تقوم على العائلة والقرابة والحي والطائفة يقابلها انعدام ثقة بالمؤسسات؛ زبائنية حلّت محل المواطنة حيث تُصبح عبارة «محسوب على فلان» أهم من القانون؛ تنظيمات قشرية من أحزاب ونقابات وجمعيات بلا استقلال؛ ذاكرة عمل جماعي مشوشة بالخوف اعتادت الحشود ولم تتعلم التفاوض أو الانتخاب الحر؛ شبكات دينية وخيرية ملأت فراغ الدولة أحياناً لكنها عمّقت الانقسامات؛ وأخيراً ذكاءُ التفافٍ لا ذكاءَ بناء، أي التكيف مع الفساد والتحايل على القوانين وصمت جماعي يحمي الفرد ويؤذي المجموع. وفوق هذا الإرث المشوّه، جاءت سنوات الحرب الطويلة والتهجير والإفقار وحرمان أجيال كاملة من التعليم لتُضيف هشاشة مضاعفة، جعلت المجتمع أقرب إلى جزر معزولة عاجزة عن حمل مشروع وطني جامع.

        وعلى الضفة الأخرى، بدلاً من مراجعة نقدية تُجيب على السؤال الكبير: «كيف حدث ما حدث خارج توقعاتنا؟»، لجأت بعض النخب إلى سردية «الاستلام والتسليم» في نسخة مؤامراتية بلسان نخبوي، ثم رفعوا أمام الدولة الجديدة كاتالوغاً جاهزاً لـ«الدولة الناجحة»، وكأنها وصفة مخبرية بدل النظر إليها كمسار تاريخي طويل. والأسوأ أن جزءاً من هذه النخب، بعد مجازر الساحل والسويداء، ارتد إلى طائفته أو جهته، وفقد دوره كجسر بين المجتمع والسلطة، فصار جزءاً من المشكلة بدل أن يكون جزءاً من الحل.

        من هنا، قد يكون المقال محقاً حين يؤكد أن البناء الوطني لا يقوم مع دولة طائفية؛ لكن الأعمق في لحظتنا أن نقول: لا إمكانية لبناء وطني مع سلطة هشّة، ومجتمع هشّ، ونُخَب هشّة. إن التحدي أكبرُ من استحضار صورة جاهزة لـ«الدولة الناجحة»، ويكمن في تحويل هذه الهشاشة الشاملة إلى مسار بناء تدريجي متلازم: أجهزة دولة تعتمد الكفاءة والقانون لا الولاء أو العصبية وتُظهر للناس أن الخدمات تُقدَّم بعدالة؛ رأسمال اجتماعي يُرمَّم وتُعَاد صياغته عبر النقابات والمجالس والمبادرات والمشاريع المشتركة التي تُلزِمُ جماعات مختلفة بالتعاون، بحيث تتحوّل الروابط الضيقة إلى جسور وطنية؛ ونُخَب تمتلك شجاعة تجاوز طوائفها قبل مطالبة المجتمع بتجاوزها، عبر أحزاب ومنصات وبرامج تُعرِّف نفسها بالمصالح العامة لا بالانتماءات الضيقة.

        إن إدراك هذه الهشاشة على المستويات الثلاثة هو الخطوة الأولى لتفكير واقعي في كيف يُبنى الوطن السوري من جديد.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى