الناستشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

شوارع مهجورة ومنازل مهدمة.. صورة للخراب الشامل الذي خلّفه نظام الأسد

1 September 2025

ترسم صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في هذا التقرير الموسّع صورة قاتمة لمدينة داريا، إحدى أبرز ضواحي دمشق التي تحولت إلى أطلال بعد حرب مدمرة امتدت لأعوام. ويُبرز التقرير مشاهد الخراب الشامل الذي أصاب الأحياء السكنية والبنى التحتية، من منازل منهارة ومستشفيات فارغة إلى طرق متهالكة وشبكات مياه وكهرباء معطلة، في وقت تكافح فيه الحكومة الجديدة لتأمين الموارد وسط عجز مالي كبير، بينما يعيش العائدون ظروفًا قاسية بلا مأوى أو فرص عمل.

تفتتح “نيويورك تايمز” تقريرها بالإشارة إلى أن محمد العباد (29 عامًا)، وهو شاب نحيل يرتدي بنطال جينز أسود ونظارة شمسية، يقود دراجته النارية عدة مرات أسبوعيًا على تلة من الحصى تراكمت من بقايا حيّه القديم المهشم في مدينة تقع على مشارف دمشق، العاصمة السورية.

يجلس العباد في الأعلى، يتأمل مشهدًا شبيهًا بالمريخ من رمال مسطحة بلون رملي. لا يوجد ما يشير إلى أن هذا كان في يوم من الأيام مجتمعًا مزدهرًا من المنازل التقليدية المكونة من طابق واحد والمبنية حول ساحات وحدائق صغيرة.

“في كل خطوة شهيد”

تضيف الصحيفة الأميركية أن العباد يستطيع أن يرى عبر الأفق أبراج الشقق في المزة، وهي منطقة سكنية راقية نسبيًا في دمشق، نجت من الحرب التي استمرت 14 عامًا سالمة إلى حد كبير، واصفة المنطقة بأنها “قد تكون أوز”، في إشارة إلى أنها منطقة خيالية.

يقول العباد في ظهيرة أحد أيام الصيف، وقد اشتد صوته: “لم يحدث شيء هناك، وها هو مُدمر”، مضيفًا “كما ترون، لم يكن هناك قصف، ولا إطلاق نار، لا شيء”. ويتابع في حديثه لـ”نيويورك تايمز” قائلًا: “جميعهم ممثلون، فنانون، أثرياء، مؤيدون للنظام. لم يلحق بهم أي مكروه، لم يمسسهم أحد، لكنهم دمروا حياتنا. هذا يُغضبني بشدة”.

كان حيّ الخليج، وهو الحيّ الذي سكنه العباد في السابق، يقع في مدينة داريا، وهي مدينة مدمرة مثل غيرها من المدن في أنحاء سوريا. ويُعد إعادة بناء هذه الأحياء أحد التحديات الرئيسية التي تواجهها الحكومة الجديدة التي لا تزال هشة في البلاد. إذ يجب عليها حشد موارد هائلة لتوفير المأوى وفرص العمل لملايين يشعرون أنهم ضحوا بكل شيء لإسقاط حكومة الرئيس بشار الأسد، ولم تُستعاد منازلهم أو حياتهم بعد.

وتوضح “نيويورك تايمز” أن داريا تبعد حوالي 30 دقيقة بالسيارة عن وسط دمشق. لكنها عالمٌ منفصل، فهي واحدة من سلسلة من التجمعات السكانية ذات الأغلبية السنية من الطبقة العاملة، والتي تُحيط بالعاصمة، وقد شكلت العمود الفقري للمعارضة في المنطقة ضد الأسد.

نظام الأسد، الذي كان عازمًا على جعل أماكن مثل داريا غير قابلة للعيش، صبّ عليها جام غضبه الوحشي. فقد قُصفت بالبراميل المتفجرة، ودُكّت بالقذائف، وأحيانًا بالغازات، وحوصرت وجُوّعت وفُرغت من سكانها، ثم جُرّدت من كل ما يمكن حمله تقريبًا، حيثُ تسمع هناك باستمرار كلمة “تعفيش” بالعربية، أي “النهب”، وفقًا للتقرير ذاته.

يقول المهندس المدني ورئيس بلدية داريا، محمد جنينة، لـ”نيويورك تايمز”: “في البداية، شعرنا بالارتياح لأن دمشق لم تُدمّر؛ فهي مدينة جميلة للغاية”. وأضاف “لكن عندما نعود إلى داريا، نشعر بالانكسار. لا نستطيع أن نتوقف عن سؤال أنفسنا: لماذا حدث هذا لداريا؟ لماذا كل هذا الدمار؟”.

وفقًا للصحيفة الأميركية، بعد دوار المرور الرئيسي عند مدخل داريا، تعلو الشارع العريض لافتة تُذكّر الزائرين بوجوب احترام ذكرى الموتى، كُتب عليها: “الرجاء الدخول بهدوء، ففي كل خطوة شهيد”.

وقال رئيس البلدية في مقابلة إن عدد سكان داريا عام 2011، قبل اندلاع الحرب، كان يبلغ 350 ألف نسمة، وكان كثير منهم يعملون كنجّارين وكهربائيين وحرفيين مهرة يكسبون لقمة عيشهم بكرامة من خلال العمل في المصانع. وكان المستشفى الوطني بسعته البالغة 160 سريرًا يجذب الأطباء والممرضين والعاملين في المجال الطبي، كما كان هناك مجتمع زراعي كبير، بحسب “نيويورك تايمز”

تقع داريا بمحاذاة قاعدة المزة الجوية، وهي منشأة عسكرية رئيسية تضم معتقلًا سيّئ الصيت للسجناء السياسيين. وكانت قوات الأسد تخشى أن يتمكّن مقاتلو المعارضة من التسلل إلى القاعدة عبر شوارع حيّ الخليج المتشابكة، حيث كان يسكن 40 ألف شخص، لذلك دمّرت كل المنازل هناك لإنشاء منطقة عازلة.

مشاهد الدمار تفوق الوصف

تعيد “نيويورك تايمز” التذكير بأن بقية أحياء داريا، لم يكن وضعها أفضل بكثير، مشيرةً إلى أن أسوأ حادثة شهدتها المدينة في يوم واحد، بحسب السكان، كانت مجزرة في آب/أغسطس 2012، عندما اقتحمت قوات الأسد البلدة وأطلقت النار على الأهالي بشكل عشوائي، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 700 شخص، وفقًا لياسر جمال الدين، المتحدث باسم قوات الدفاع المحلية.

وبعد ذلك، فرّ نحو ثلاثة أرباع السكان. كما منعت قوات الأسد السكان من العودة، وطلبوا رشاوى ضخمة للسماح بمرور أي شيء عبر حواجزهم، ما أدى إلى ارتفاع هائل في أسعار المواد الأساسية، مثل القهوة والسكر والطحين والزيت، بحسب الصحيفة ذاتها.

كانت داريا شبه خالية بين عامي 2016 و2019، حين بدأت قوات الأسد بالسماح للسكان بالعودة تدريجيًا. وقال رئيس البلدية إن عدد السكان كان 25 ألفًا فقط في كانون الأول/ديسمبر الماضي عند سقوط النظام، لكنه ارتفع الآن إلى أكثر من 150 ألفًا. وأوضح ناشطون أن نحو نصف الـ5,400 شخص الذين اعتُقلوا ما يزالون مفقودين، فيما توفي 451 منهم تحت التعذيب أو في أثناء الاعتقال.

تعلق الصحيفة الأميركية على مشاهد الدمار في المدينة بالقول إنه “يفوق الوصف”. إذ إن المباني السكنية المنهارة جزئيًا تصطف على طول الشوارع واحدًا تلو الآخر، وكتل من الخرسانة الممزقة ما تزال متدلية بقضبان الحديد فوق طرقات فارغة كأنها مجسّمات شيطانية متحركة، مذكّرة بأن تقرير للبنك الدولي عام 2022 قدّر أن 43% من المساكن في داريا قد دُمّرت.

أما بالنسبة للبنية التحتية والخدمات المتضررة، فقد صنّف التقرير داريا كأسوأ المدن الـ14 التي شملها المسح. فثلث شبكة الطرق تقريبًا يحتاج إلى إصلاحات جذرية، والقصف المتواصل دمّر شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي. أما الأنقاض فقد سدت أنابيب الصرف، ما أدى إلى تسرب المياه الملوثة إلى الأرض. كما أن سبعة من أصل ثمانية مرافق صحية أصبحت خارج الخدمة تقريبًا، فيما تحوّل المستشفى الوطني إلى هيكل فارغ بلا عمل.

تشير “نيويورك تايمز” إلى أن جنينة عاد إلى سوريا عام 2020، بعد أن هرب من البلاد عام 2013. يقول: “عندما عدتُ في البداية، كنتُ أتجنب داريا”، مضيفًا “لم أرغب في رؤية الدمار؛ كان صادمًا. عندما ترى بيتك، وكل ما عملت من أجله مدمّرًا بالكامل، تشعر باكتئاب شديد”.

ولفتت الصحيفة في تقريرها إلى أن داريا تُعد مثالًا نموذجيًا على سبب عزوف معظم اللاجئين، وهم بالملايين، عن العودة. فلا بيوت ولا وظائف بانتظارهم، وغالبًا ما يفتقرون إلى الموارد اللازمة لإعادة الإعمار.

“صورة لخراب شامل”

وفي جوبر، أحد أحياء دمشق المدمَّرة مثل داريا، لم يُسمح للسكان بالعودة إلا مؤخرًا. وبعد خطبة صلاة الجمعة الأخيرة، خرج المصلون في تجمّع يطالبون بإعادة الإعمار، حيثُ اندلعت نقاشات حول ما إذا كان ينبغي الضغط على الحكومة أو منحها مزيدًا من الوقت.

تصف “نيويورك تايمز” المسجد بأنه “صورة لخراب شامل”. وأضافت أن الإمام عمر ربيع، واقفًا أمام جدار من الخرسانة العارية، دعا الحكومة إلى حماية العائدين وبناء مساكن لهم. يقول: “منذ التحرير ونحن ننتظر حلولًا عملية تُظهر لأبنائنا أن شيئًا ما يتغير”، محذّرًا المصلين من الحقد على من يملك أموالًا لإعادة البناء، مؤكدًا أن “هذا البلد لن يُبنى فوق كل هذه الأحقاد”.

يوضح وزير المالية، محمد يسر برنية، في تصريح مقتضب للصحيفة، أنه لا يوجد مال عام لإعادة الإعمار في أي وقت قريب، مضيفًا أن الحكومة تتطلع إلى القطاع الخاص، وتابع قائلًا: “نحن بحاجة إلى أن نكون مبتكرين”.

لكن السكان يخشون أنه ما لم تُعِد الحكومة تأهيل البنية التحتية الأساسية، فسيتردد المستثمرون الخاصون في البناء، في الوقت الذي نصب بعض العائدين الفقراء خيمًا في مبانيهم السكنية القديمة.

تقول هند صادق (55 عامًا)، وهي أم لأسرة من سبعة أفراد تعيش على أرضية إسمنتية في غرفة واحدة جرى ترميمها: “ليس لدينا مكان نذهب إليه، هذا بيتنا”. وأضافت “نيويورك تايمز” أن جدران المبنى مثقوبة بالرصاص، ومعظم الغرف مليئة بالركام المحطّم والنوافذ المكسورة، فيما تبرز الأنابيب المتشققة وحديد التسليح بزوايا حادة.

وبحسب الصحيفة ذاتها، عادت نصف دزينة من العائلات إلى مبنى كان يضم في السابق 24 شقة لعائلة واحدة موزعة على ستة طوابق. ولا يجرؤ أحد على الخروج ليلًا، إذ لا يوجد أشخاص ولا سيارات ولا إنارة في الشوارع المظلمة تمامًا، بل فقط مجموعات من الكلاب الشاردة. ومع ذلك قالت السيدة صادق: “لا يزال هذا أفضل من العيش تحت النظام القديم”.

توافقها الرأي زوجة شقيقها خديجة (51 عامًا)، وأضافت في حديثها: “لكن بالنظر إلى ما رأيته، ينبغي أن تكتبوا 500”. وعندما سُئلت عن تأثير العيش وسط هذا الدمار الكامل على حالتها النفسية، قالت: “لقد اعتدنا على ذلك. فالدمار يعكس حياتنا”.

أما محمد العباد، فهو يستأجر الآن منزلًا في داريا، لكن عندما يشتد شعوره بالضيق بسبب بيته المدمَّر، يقفز على دراجته النارية ليشعر على الأقل بقرب جسدي من حياته السابقة. يقول: “نأتي إلى هنا لنخفف الضغط عن قلوبنا”.

وأضاف في نهاية حديثه لـ”نيويورك تايمز” أن الحي لا يمكن أن ينهض من جديد من دون مساعدة، لافتًا إلى أن “الأمر قد يستغرق 20 عامًا. ليست داريا وحدها بالطبع، بل هكذا هو الحال في كل سوريا”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى