ما بعد الدولة: الفواعل العسكرية المحلية وتحولات القوة بسوريا/ مهيب الرفاعي

الخميس 2025/09/04
مع خلق عدة توازنات أمنية وعسكرية واقتصادية في سوريا، غيّر صعود الفواعل العسكرية غير الحكومية، بشكل كبير الإطار التقليدي للسياسة العسكرية المرتكز على الدولة، لتتحدى هذه الفواعل التي تتراوح بين الجماعات المتمردة، الميليشيات، الشركات العسكرية الخاصة والمجالس العسكرية المحلية، مفهو احتكار الدولة لاستخدام القوة؛ إذ غالباً ما تتجاوز أنشطتهم الحدود المحلية، مؤثرة على الأمن الداخلي، والاستقرار الإقليمي، والاستراتيجيات العسكرية الدولية.
أثارت الفواعل العسكرية غير الحكومية في سوريا أخيراً جدلاً حول السيادة، وسلطة الدولة، والأطر الأخلاقية والقانونية التي تنظم النزاع المسلح بعد تعقيد المشهد الأمني في البلاد؛ إذ تعمل من خلال شبكات عابرة للحدود ومعقدة، غالباً ما تدعمها تمويلات خارجية، أو مجتمعات الشتات، أو الأسواق غير المشروعة (غسيل أموال سلاح ومخدرات وغيرها من الاعمال المشبوهة). تقوم هذه الفواعل بمجموعة من الوظائف، بما في ذلك السيطرة على الأراضي، وتجنيد عناصر لصالح الممولين، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وصولاً إلى المشاركة المباشرة في الحروب أو المعارك على مستوى أضيق بصفتها رديفة للجيش السوري النظامي؛ ويمتد نفوذها إلى ما هو أبعد من العمليات القتالية المباشرة، مؤثراً على الحكم المحلي، والخطاب السياسي، وقرارات السياسات داخل الدولة؛ وتشبه في عملها غالب الفواعل العسكرية غير الحكومية التي تستغل الدول الضعيفة أو الفاشلة أو الخارجة من أزمات سياسية، حيث تتيح الثغرات المؤسسية لها تأسيس سيطرة شبه سلطوية أو تقديم خدمات أمنية لا تستطيع الدولة توفيرها، وبذلك تدمج نفسها في هياكل السلطة المحلية والإقليمية؛ الأمر الذي يؤثر على الفهم التقليدي للأمن الدولي، وحفظ السلام، وتسوية النزاعات.
تنوع وأدوار موسعة
الفواعل العسكرية والأمنية غير الحكومية في سوريا تنوعت بشكل كبير منذ عام 2011، واتسع نطاق أدوارها مع تراجع سلطة الدولة كمفهوم سيادي، خصوصاً بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، ويمكن تلخيص أنشطتها في عدة مجالات أساسية مترابطة ومتكاملة. فمن الناحية العسكرية والأمنية المباشرة، فرضت العديد من الميليشيات المحلية والقبلية، وكذلك التنظيمات الجهادية والفصائل العسكرية المعارضة، سيطرتها على مدن وقرى ومعابر حدودية، وحولت هذه المناطق إلى قواعد نفوذ عسكري وإداري، وأنشأت آليات منظمة لتجنيد المقاتلين وإطلاق حملات عسكرية غير مقنّنة او مرسومة بإطار قانوني، مبنية على العرُف والفزعات، سواء عبر الانتماءات القبلية والعائلية، أو بدوافع أيديولوجية ودينية، أو عبر الحوافز الاقتصادية. كما خاضت مواجهات مع قوات الأمن العام، ما أدى إلى إعادة رسم الخريطة العسكرية من جديد والتلويح بورقة هذه الفواعل امام أي تحرك قد يشكل خطرا على وجود الإدارة الحالية. بالإضافة إلى ذلك، تولت بعض الميليشيات حماية المنشآت النفطية أو خطوط الإمداد، مع تأمين الحدود واستغلال غياب الأمن للتحكم بمسارات التهريب والتواصل الخارجي وغالباً مقابل دعم مالي أو سياسي من أطراف إقليمية ودولية.
وعلى صعيد إدارة الأمن المحلي، كما الحال في مناطق سيطرة قسد أو في محافظة السويداء، أقامت هذه الفواعل نقاط تفتيش ونظمت المرور والحركة في مناطق سيطرتها، وأنشأت أجهزة شرطة محلية أو ما يشبهها لحفظ النظام الداخلي وتأمين الأسواق ونقاط التجمع، كما تدخلت في النزاعات القبلية أو الطائفية وعملت كوسيط أو قوة ردع/ هجوم في غياب سلطة الدولة المركزية. أما في الأدوار الإدارية والحكومية، فقد قدمت خدمات أساسية مثل توزيع المساعدات الغذائية، وتأمين المياه والكهرباء بوسائل بدائية، وإدارة المدارس الدينية والمدنية، وأقامت محاكم شرعية أو محلية لتسوية النزاعات وفقاً لمعايير دينية أو قبلية أو قانونية خاصة بها. وعلى المستوى السياسي والإيديولوجي، روّجت هذه الجماعات لأيديولوجيات دينية أو قومية، وتفاوضت مع قوى خارجية مثل روسيا وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة للحصول على اعتراف أو دعم أو لحماية مناطق نفوذها، وانخرطت في ترتيبات المصالحة أو الهدنة كما حصل في بعض المنطقة الجنوبية والشمالية الشرقية من البلاد. غير أن هذه الأنشطة ترافقها انتهاكات انسانية وصراعات داخلية واسعة، شملت الاعتقالات والاغتيالات بحق الخصوم أو المدنيين المشتبه في معارضتهم، وعمليات التهجير القسري في بعض المناطق ذات الطبيعة الطائفية أو العرقية، واستخدام المدنيين كدروع بشرية أو شن هجمات عشوائية على مناطق مأهولة، ما تسبب بانتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان.
فواعل ما بعد الأسد
في سوريا ما بعد الأسد، تختلف شرعية الفواعل غير الحكومية بشكل كبير، بما يعكس الفروق في الأهداف، والأساليب، والقبول المحلي. غالباً ما تحظى الجماعات القبلية والشبكات المسلحة المحلية الدرزية، ومجموعات مثل الحمزات والعمشات والحركات المسلحة الكردية، بشرعية قوية داخل مجتمعاتها، حيث توفر الأمن الأساسي، وتحمي السكان المحليين، وتحافظ على السيطرة على المناطق الاستراتيجية. وترتكز سلطتهم على الروابط الاجتماعية والعائلية والإقليمية، مما يجعلهم يُنظر إليهم كجهات عملية ذات دور وقائي، كما حصل في أحداث السويداء والساحل السوري. في المقابل، تدّعي الجماعات الجهادية المتطرفة، بما في ذلك داعش وهيئة تحرير الشام سابقاً ، شرعية أيديولوجية ودينية، ساعية لفرض تفسيرها للشريعة الإسلامية وتوسيع أجنداتها العابرة للحدود؛ إلا أن أساليبها القسرية، وتنفيذها الوحشي، وهجماتها على المدنيين غالباً ما تنفر السكان المحليين، محدودة قبولهم الاجتماعي.
المنظومات الموازية
تُظهر التجربة السورية كيف ساهم تفكك مؤسسات الدولة بعد 2011، في صعود الفصائل العسكرية المحلية، التي لم تكتفِ بالبقاء، بل بنت منظومات عسكرية واقتصادية موازية مكّنتها من لعب دور حاسم في الصراع. فقد اعتمدت هذه الفصائل، مثل الحمزات والعمشات والتشكيلات القبلية في البادية وأرياف المحافظات السورية والفصائل الدينية في السويداء والساحل ومناطق أخرى، على التمويل الخارجي والتسليح من قبل دول داعمة، أو على التمويل المحلي عبر الضرائب والأتاوات، والسيطرة على طرق التهريب والموارد الطبيعية، لتأمين رواتب آلاف المقاتلين وإنشاء هياكل عسكرية مرنة ولامركزية. يتيح هذا الاقتصاد الحربي لهذه الجماعات تطوير قدراتها القتالية، والاعتماد على أساليب غير تقليدية مثل الكمائن، والغارات السريعة، وزرع العبوات الناسفة، والحرب الحضرية التي تستغل الكثافة السكانية والمعرفة الدقيقة بالميدان لتعقيد عمليات الجيوش النظامية. كما لعبت الحرب الإعلامية والنفسية دوراً في كسب ولاءات محلية وتقويض معنويات الخصوم، ما منح هذه الفصائل نفوذاً سياسياً وأمنياً فاق أحياناً سلطات الدولة المركزية؛ إذ انه بفضل التنظيم الشبكي والتجنيد المستمر، تحوّلت هذه المجموعات إلى فاعلين يصعب القضاء عليهم عسكرياً، وساهمت في إطالة أمد الصراع عبر مزيج من الاقتصاد الحربي والمرونة الميدانية والقدرة على المناورة داخل مجتمعاتها المحلية.
الفواعل من منظور حقوقي
تتسم وجهات نظر حقوق الإنسان حول حرب الفواعل العسكرية غير الحكومية عموماً بالنقد والحذر، حيث غالباً ما تعمل هذه الجماعات خارج الأطر القانونية المعمول بها وتستخدم أساليب تعرض المدنيين لمخاطر كبيرة. يؤكد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني على حماية المدنيين أثناء النزاع المسلح، ومع ذلك، غالباً ما تفتقر الفواعل غير الحكومية، على عكس الدولة المعترف بها كهياكل ومؤسسات أمنية، إلى آليات المساءلة، وتنفذ عملياتها، بما في ذلك الهجمات العشوائية، واستخدام الدروع البشرية، والحروب الحضرية، بشكل ينتهك هذه الحمايات.
يلجأ العديد من هؤلاء الفاعلين إلى أساليب إرهابية، مثل التفجيرات، والخطف، والهجمات على الأهداف المدنية الرمزية، لتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية، وهي أفعال تدينها منظمات حقوق الإنسان باستمرار نظراً للضرر المتعمد الذي تلحقه بالمدنيين. وبالتالي، فإن الاعتماد على ورقة الفواعل غير الحكومية يعطي القدرة للدول على التنصّل من المساءلة الحقوقية والقانونية وفرض العقوبات او حتى الإقصاء، ويصبح اللوم على هذه الفواعل بوصفها حالات فردية او فصائل غير منضبطة، وتقديم أفعالها على أنها تجاوزات وليست جرائم منظمة.
تُعد محاسبة هذه الجماعات تحدياً جوهرياً، إذ إنهم ليسوا موقعين على المعاهدات الدولية، مما يجعل الإنفاذ معتمداً على الولاية القضائية العالمية، أو محاكم جرائم الحرب، أو التحقيقات الاستثنائية، وهي آليات غالباً ما تكون محدودة في مناطق النزاع مثل سوريا. وفي الوقت نفسه، توفر بعض الميليشيات المحلية، بما في ذلك الجماعات المسلحة القبلية أو المجتمعية، الأمن والحكم في مناطق تخليت عنها الدولة، مما قد يخفف بعض الأضرار؛ ومع ذلك، من منظور حقوق الإنسان، تبقى شرعيتهم مشروطة، ويجب عليهم الالتزام بالمبادئ الإنسانية الأساسية، بما في ذلك التناسب وتجنب سقوط المدنيين. كما يميز خطاب حقوق الإنسان بين شرعية المطالب السياسية وعدم قانونية الأساليب العنيفة: فقد تمثل مجموعة ما مصالح محلية أو سياسية حقيقية، ولكن استخدام أساليب تنتهك معايير حقوق الإنسان، مثل استهداف المدنيين، أو التعذيب، أو التهجير القسري، يقوض كلاً من شرعيتها ومسؤوليتها القانونية. وبشكل عام، رغم أن الفواعل العسكرية غير الحكومية قد تؤدي أحياناً أدواراً وقائية، فإن تقييمات حقوق الإنسان تبرز دائماً المخاطر والتحديات التي تفرضها حروبهم، مشددة على أن الالتزام بالمعايير الإنسانية أمر أساسي بغض النظر عن الدوافع السياسية أو الأيديولوجية.
“حماة ومعتدين”
اللافت للانتباه بعد أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، هو صدور تقرير منظمة العفو الدولية الإحصائيات حول الإعدامات خارج نطاق القضاء للمدنيين الدروز في السويداء، ما يوضح التعقيد الكبير في التفاعل بين الدولة والفواعل غير الحكومية في سوريا ما بعد الأسد، إذ أنه بعد انهيار النظام، أتاح الفراغ الأمني لكل من الميليشيات المحلية والجماعات المسلحة القبلية تولي أدوار في السيطرة على الأراضي والحدود المحلية والقيام بدور التطهير العرقي، والحكم، والدفاع. في السويداء، توضح الاشتباكات بين الجماعات المسلحة الدرزية، والمقاتلين القبليين البدويين، والقوات الرديفة للحكومة كيف يمكن للجهات غير الحكومية أن تعمل في الوقت نفسه كحماة وفاعلين في دورات العنف، خصوصاً في المناطق التي تغيب فيها السلطة المركزية أو تكون محل نزاع. تبرز عمليات القتل المتعمدة التي نفذتها القوات الحكومية والفواعل غير الحكومية التابعة لها، بوجود مسلحين يحملون شعارات أيديولوجية ودينية متطرفة، الحدود الضبابية بين النشاط العسكري للدولة وغير الدولة، مما يزيد صعوبة المساءلة ويزيد من تعرض المدنيين للخطر. كما توضح هذه الأحداث كيف تعمل الميليشيات المحلية والشبكات القبلية، رغم توفيرها أحياناً للأمن، في بيئة تتفاعل فيها الفواعل غير الحكومية المنافسة، والفصائل الأيديولوجية، والتوترات الطائفية، مما يؤدي غالباً إلى تصعيد النزاع. وبالتالي، كتوصيف حالة، يمثل ملف السويداء الطبيعة المزدوجة للجهات غير الحكومية في سوريا، فهي أدوات للحماية المحلية وفاعلة في ساحة قتالية غير متماثلة ومجزأة، مؤثرة بشكل عميق على الأمن، والحكم، وحالة حقوق الإنسان في ظل وجود هذه الفواعل.
المدن



