متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟ -مقالات مختارة-

لمراجعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
——————————
تحديث 05 أيلول 2025
حل «الإخوان» السوريين واحتكار التمثيل السنّي/ ياسين الحاج صالح
04 أيلول 2025
ليس واضحاً لماذا يحتاج «تثبيت حكم» الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع إلى أن تحل جماعة الإخوان المسلمين السوريين نفسها، ولا لماذا من شأن حل التنظيم أن «يخدم البلد»، مثلما يعتقد مستشار الشرع للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان (مقالته في موقع قناة الجزيرة، 22/8/2025). الرجل لا يوضح السبب، وما يسوقه من عبارات لتسويغ دعوته من نوع أن مسارعة «الائتلاف الوطني السوري لقوى المعارضة، والمجلس الإسلامي السوري، إلى الفصائل العسكرية والسياسية والمجالس المحلية، وغيرها إلى حل أنفسها، ووضع مقدراتها، تحت تصرف القيادة السورية الجديدة» لا يقول لماذا هذا جيد ومرغوب. هذا عدا عن أن في الكلام على «مسارعة» هذه المجموعات إلى حل نفسها غير قليل من مجاملة الذات، كما من مخادعة الغير. فالحقيقة ليست كذلك كما يعرف جيداً المستشار الذي يخلط بين الحل الواجب للفصائل العسكرية (وهو حل ناقص، كما يثبت تقرير اللجنة الدولية المستقلة في الانتهاكات ضد المدنيين في الساحل وشمال غرب سوريا، وقد تسبب نقصه في جعل الدولة فصائلية وفي كارثتين وطنيتين خلال سبعة أشهر) وبين حل أجسام سياسية واجتماعية ومدنية لا يمكن نسبة أي انتهاك أو جريمة إليها. أما تبرير دعوة حل الإخوان بأن «يهتف الكل لحناً واحداً ونغماً موحداً» فهو أصلح لتبرير عدم الحل، لأن اللحن الواحد والنغم الموحد يمكن أن يكون تعريفاً جيداً للطغيان، لا لأي شيء طيب. ومثل ذلك ينطبق على الكلام على التغريد خارج السرب وقد كرره المستشار مرتين، فالمجتمع ليس سرباً من الطيور المغردة، بل كوكبات لا تحصى من أفراد أحرار ومجموعات مستقلة تتكلم أو يفترض بها أن تتكلم ما تؤمن هي به، لا ما يطلب منها من تغريد يطرب الطالبين. وأقرب ما يمكن أن يكون مبرراً سيئاً لدعوة الحل هو إشارة زيدان المقتضبة إلى أن الإخوان ألمحوا إلى «عدم رضاهم عما يجري». لكن أليس هذا واجب من يغارون على بلدهم ويتمنون له الخير، والقوم لم يتجاوزوا التلميح حسب المستشار نفسه. ثم ألا يكفي الإخوان عقاباً أن تلميحهم إلى عدم الرضا «يزيد الشقة والفجوة مع الشارع الداعم للحكومة»؟ ثم إذا كان حل النفس مصير من يلمح إلى عدم الرضا، فماذا يحتمل يا ترى أن يكون مصير من يجهر بعدم الرضا؟ ومن يدعو إلى وجوب تغيير الحكم الحالي؟ ولا ينصر زيدان قضيته بالقول إن الإخوان شيوخ مسنون في العمر، باستثناء أولادهم ربما. فإذا كان الأمر كذلك فلم لا يُترك للمقادير التكفل بحل هذه الجماعة الشائخة؟
ليس هناك مبرر قانوني أو معقول لطلب السلطة أن يحل الإخوان أنفسهم، ولا يحتاج المرء إلى أن يكون على تعاطف خاص مع الإخوان حتى يتحفظ على هذا الطلب. كل تقييد للتعدد الاجتماعي والسياسي في سوريا هو تضييق للهوامش الحرة لحركة السوريين ومبادراتهم وإضعاف للمجتمع أمام السلطة. الدفاع عن حق الإخوان في النشاط العام والعلني هو ما يتوافق مع الدفاع عن التعددية وهوامش الحرية في سوريا، وهو لا يعني بحال الدفاع عن مضمون فكر الإخوان أو عن سياستهم. هذا شيء وذاك شيء. التعدد هو تعدد المختلفين، أما المتماثلون فلا يشكلون تعدداً ولو كانوا بالملايين. والخشية هي أن يكون الابتهاج بأن يؤكل ثور الإخوان الأبيض غفلة لا يعقبها غير أن تؤكل بقية الثيران المبتهجة.
على أن الاعتراض على حل الإخوان لا يقتصر، في هذا السياق المخصوص، على الدفاع عن مبدأ التعدد العام في الإطار الوطني. فالمراد المرجح من دعوة زيدان المستشار هو احتكار التمثيل السني، أي إلغاء التعدد في الإطار السني، بما يسهل إلغاء التعدد على المستوى الوطني، أو قصره على جماعات أهلية أقل عدداً وأدنى قوة. وهو ما يضمن استئثاراً مديداً بالحكم، ربما أبدياً، من قبل ما يفترض أنها سلطة انتقالية. مؤشرات نحو 9 أشهر تشير إلى إرادة تركيز السلطة وإضعاف الخصوم المحتملين، وليس إلى حكم انتقالي يعمل على معالجة الملفات الشائكة ووضع قطار البلد على سكة السير المتوازن إلى الأمام. الإخوان ليسوا ملفاً شائكاً من وجهة نظر المصلحة الوطنية، وإن أمكن لهم أن يكونوا كذلك من وجهة نظر تركيز السطلة واحتكار التمثيل السني وتسنين الدولة عبر هذا الاحتكار. ولعله من طبائع الاستبداد التي لم يذكرها الكواكبي نزعة المستبد إلى الاستئثار بكامل السلطة وسط جماعته هو، وهذا قبل ومن أجل الاستئثار بها في مواجهة الجماعات الأخرى. لقد فعل حافظ الأسد ذلك بحبس أو اغتيال أبرز خصومه العلويين، صلاح جديد ومحمد عمران، قبل أن يتفرغ لمن يحتمل أن يكونوا تهديداً من غيرهم. حين بدأ بمواجهة الإخوان المسلمين الذي كان زيدان من أوساطهم وقتها، كان على سيطرة تامة على جيشه ومخابراته عبر محاسيبه الأهليين.
لكن ماذا يريد الإخوان؟ لا ينبغي أن يكون الجواب صعباً: ألا ينحلوا، وأن يقدروا على ممارسة العمل العام في البلد. السؤال الذي قد تكون الإجابة عليه صعبة هو: إلى أي مدى يريدون ذلك في مواجهة حكم سني؟ هل إذا زادت الضغوط عليهم يحلون أنفسهم، أم ربما يثابرون على البقاء على قيد الحياة في الشتات؟ هل هناك أي احتمال لأن يتحالفوا مع تعبيرات أهلية أخرى أو منظمات سياسية قديمة أو جديدة ضد الحكم الانتقالي الحالي؟ لا نملك إجابات، ولا حتى تقديرات. الجماعة لم يتركوا لأنفسهم صاحباً، وهم لم يدافعوا يوما عن حق أي كان في الوجود، وليس عن الحق في السياسة فقط. وفي مواجهة قوى إقليمية تريد تجريمهم ووضعهم على قوائم الإرهاب، وكون بعض رعاتهم الإقليميين هم من رعاة الحكم الجديد في سوريا، سيكون مفاجئاً ألا «ينِخّوا» لطلب الحل.
هذا يبقى مؤسفاً إن حصل. ونجد أنفسنا في المحصلة في وضع تعيس بفعل قلة مبدئية وقلة عدالة وقلة جدية أكثر الفاعلين، هذا بينما تواجه سوريا أشد المخاطر، ربما الأشد منذ نشأة الكيان السوري قبل أكثر من 107 سنوات. وهو وضع حزين إن فكر المرء من موقع إخواني. فالجماعة واجهوا النظام الأسدي ودفعوا ثمنا باهظاً من الضحايا والمعاناة والمنفى، وها هم اليوم يستبعدون ويطالبون بحل أنفسهم من قبل حكم سني!
يتساءل زيدان لماذا قبل الإخوان بحل أنفسهم أيام الوحدة مع مصر: «وهل دعوة عبد الناصر هي أولى بالإجابة والسمع والطاعة من حاجة الرئيس السوري أحمد الشرع لتثبيت حكم ثمنه مليون شهيد..».؟ كانت الوحدة مع مصر انتحاراً لسوريا، دفع إليه عجز النخب المدنية والعسكرية السورية عن حل مشكلاتها، ورمي نفسها بين يدي جمال عبد الناصر تخلصاً من النفس العاجزة، وليس حتماً من المشكلات. ربما كانت هنا نيات حسنة وراء هذا المسعى الذي يجب أن يفهم في زمنه، لكن السياسة ليست بالنيات بل بالعواقب ونتائج الأفعال، والنتائج كانت سيئة. حين سقط حكم الوحدة بعد ثلاث سنوات ونصف، جاء السقوط على أيدي ضباط وثق بهم نظامها وليس من سياسيين أُحبِطوا فانكفأوا على أنفسهم، ولم يدافعوا عن الوحدة التي تحمسوا لها بدئياً. اليوم تبدو سوريا على عتبة انتحار ثان، انتحار تقسيمي وليس توحيديا. وبدلاً من العمل على معالجة المشكلات التي تواجه البلد اليوم والبحث عن حلول سياسية لها، يبدو المستشار ومن يشير عليه وكيلين في عملية الانتحار الجديدة، منشغلين بما هو ثانوي، حل الإخوان ومنظمات سنية أخرى، عما هو أساسي: معالجة المشكلات الكبيرة التي تهدد بانهيار البلاد. الأرجح أن الخطر على نظام الشرع لن يأتي من جهة الإخوان أو أي منظمات سياسية سورية أخرى. واضح في واقع الأمر من أين سيأتي: من تركيبات متينة بين الانقسام الأهلي وحمايات أجنبية معادية، أو من داخل الدولة الفصائلية نفسها، أو من تقاطع محتمل بينهما. واضح إلى درجة أن المرء يتساءل عما إذا لم يكن حكم الأمويين السعداء اليوم راضياً بأن يسيطر على أجزاء أصغر من سوريا، فقط بشرط أن تكون أكبر من «الكيان السني» في إدلب. زيدان الذي نظر لذلك الكيان وقتها لا تعوزه المواهب للتنظير لنسخة مزيدة ومنقحة منه اليوم.
كاتب سوري
القدس العربي
—————————
المخاض السوري… الجماعات المنظّمة ضرورة حيوية/ علي العبدالله
03 سبتمبر 2025
أثارت دعوة أحمد موفق زيدان، مستشار الشؤون الإعلامية للرئيس السوري، جماعة الإخوان المسلمين في سورية إلى حل نفسها (“متى ستحلّ جماعة الإخوان المسلمين في سورية نفسها؟، موقع الجزيرة نت: 22/8/2025)، أسئلة بشأن المغزى والتوقيت؛ بعضها مستغرب، لأن الجماعة تنتمي إلى الجذر الإسلامي الذي يجمعها مع السلطة الجديدة، ما يستدعي التعاون والتنسيق، لا القطيعة والعداء، وبعضها مرحب، لأن الجذر المشترك يثير قضية حساسة في مشهد الجماعات الإسلامية: الشرعية والتمثيل والتنافس على الحاضنة الشعبية ذاتها، السُنّة، حيث سيضع وجود الجماعة على المسرح السياسي السوري السُنّة أمام مهمّة تلقائية: المقارنة بين خيارات (وتوجهات) الطرفين واختيار الأقرب إلى مصالحها ومزاجها العام، وهو ما يثير قلق السلطة التي تعلم أن الجماعة أقرب إلى مصالح سُنّة المدن الكبرى ومزاجهم العام الذي يميل إلى المرونة والليونة لتحقيق الاستقرار، لأهميته لرواج الأعمال وتحقيق المصالح.
حاول زيدان تبرير دعوته باستعراض وقائع من تجارب الجماعة في دول عربية وإسلامية انطوت على انفصال عدد منها عن الجماعة الأم، باعتبارها قرائن تبرّر دعوة الجماعة في سورية إلى حل نفسها، من انفصال عبد الكريم الخطيب في المغرب، الذي أسّس عام 1967 حزبا إسلاميا جديدا تحت اسم العدالة والتنمية، وراشد الغنوشي في تونس الذي أسّس عام 1980 تشكيلا سياسيا إسلاميا جديدا تحت اسم حركة الاتجاه الإسلامي، يجمع بين النشاطين الدعوي والسياسي، تحوّل عام 1981 إلى حزب سياسي بخلفية إسلامية تحت اسم حركة النهضة، بعد رفض طلب منحه رخصة للعمل بشكل قانوني، إلى حسن الترابي في السودان الذي أسّس عام 1999حزباً إسلامياً جديداً تحت اسم المؤتمر الشعبي، ونجم الدين أربكان، الذي أسّس عام 1983 حزب الرفاه، ورجب طيب أردوغان، الذي أسس حزب العدالة والتنمية عام 2001، والذي أراد به، أي الاستعراض، الإيحاء بأن الانفصال عن الجماعة الأم مطروح داخل جماعات الإخوان المسلمين طريقاً للتحرّر من أعباء تاريخ الجماعة الثقيل وسرديتها الفاشلة وتطلعاتها غير العملية.
تجاهل صاحب الدعوة المناخ السياسي العربي الذي دفع هذه التجارب إلى إعادة صياغة نفسها على خلفية التكيف مع المتغيرات، حيث كانت الجمهوريات العربية “التقدّمية” ضد الجماعة الأم وفروعها باعتبارها جماعة “رجعية”؛ لاحقتها وقمعتها، وكانت الأنظمة الملكية والأميرية معها على خلفية صراعها مع جمال عبد الناصر، قد احتضنت كوادرها ودعمتها مادّياً وعملياً. ومع تغيّر المناخ السياسي بوصول الرئيس المصري أنور السادات عام 1970 إلى سدّة الحكم في مصر ومصالحته مع الجماعة الأم انقلبت الأدوار، حيث باتت الأنظمة الملكية والأميرية تتوجّس من الجماعة على خلفية موقفها من الأنظمة الوراثية وتمسّكها بولاية الأمة على نفسها، واختيارها الإمام ومحاسبته وعزله في حال خرج على الشرع، أو بات عاجزاً عن تحقيق مصالح المسلمين، وارتفاع حدّة الضغط المباشر وغير المباشر على جماعات الإخوان المسلمين الفرعية، ما دفع قادتها إلى العمل على تحاشي الصدام مع حلفاء الأمس، بالانحناء للعاصفة عبر إجراء تعديلاتٍ في الاسم والنهج، مع بقاء الهدف العام إقامة نظام حكم إسلامي، لكن هذا لم يشفع لهم، حيث تواصلت الحملات الإعلامية ضد الأحزاب الإسلامية الجديدة، والضغط على الحكومات، لإقصائها من المسرح السياسي، وهو ما حصل لحزب المؤتمر الشعبي في السودان الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري أخرج الحزب من المسرح السياسي السوداني بعد فترة قصيرة، ولحركة النهضة في تونس التي نجحت في الانتخابات البرلمانية، لكن نجاحها لم يدم، حيث لم يكتف انقلاب الرئيس التونسي قيس سعيّد على المسار الديمقراطي بإخراج الحركة من المسرح السياسي، بل عمل ايضاً على تفكيكها بسجن قادتها، أما نجاح حزب “العدالة والتنمية” المغربي فمرتبط بعوامل أخرى، إصلاحات ملك المغرب محمد السادس، التي جرت تحت وطأة مناخ الربيع العربي الساخن، وحزب “الرفاه” التركي، الذي فاز في الانتخابات البلدية عام 1994 والبرلمانية عام 1995 حظره القضاء بطلب من المؤسّسة العسكرية عام 1998 بذريعة انتهاك علمانية الدولة، وحزب العدالة والتنمية التركي تعرّض لمحاولة انقلاب عام 2016 انعكست سلباً على توجهات النظام الديمقراطية بذهابه نحو مركزة السلطة بيد الرئيس. وقد كانت محاولة زيدان تعزيز مطلبه بالاستشهاد بواقعة قبول الجماعة في سورية حلّ نفسها استجابة لشرط الرئيس المصري جمال عبد الناصر حل الأحزاب السياسية في سورية قبل قيام الوحدة السورية المصرية عام 1958 غير موفقة، لأن الجماعة لم تحل أيام الوحدة، كما قال، لأنها لم تعتبر حزباً سياسياً، بل جماعة دعوية. عدا عن أن استحضار هذا المثال يؤكّد هواجس ومخاوف قطاعات واسعة من السوريين لأنه اقترن بحل الأحزاب وإقامة نظام الحزب الواحد، حيث استبدل الاتحاد القومي بالأحزاب السياسية التي كانت قائمة إلى ذلك الحين.
كان وصف زيدان وضع الجماعة قيادة هرمة، وقريبة من حالة موت سريري، متمسّكة بقصور خيالية وهمية سرابية، أكثر نقاط مناورته ضعفاً، لأن هذا الوصف لا يستدعي الدعوة إلى الحل بقدر ما يستدعي ترك الجماعة في غيبوبتها والدعاء لها بحسن الختام. هذا قبل أن تبلغ طرافته منتهاها بعرض صفقة/ رشوة بقوله: “وقد تسبّب إصرارهم بالتمسّك بقرار عدم حل الجماعة في حرمان شبابهم من المشاركة في بناء الدولة”. كلام واضح عن الهدف من الدعوة إلى الحلّ: السلطة السورية الجديدة تريد أفراداً يلتحقون بها، لا جماعات منظّمة تشاركها العمل السياسي.
ربطت تعليقات كتّاب سوريين وعرب دعوة الجماعة إلى حل نفسها برغبة السلطة السورية الجديدة التماهي مع توجه عام في النظامين العربي والدولي، مصر والأردن ودول الخليج العربية حظرت الجماعة في دولها، عربياً، ودول أوروبية عديدة والولايات المتحدة تضيّق على نشاط الجماعة وتلوّح بتصنيفها جماعة إرهابية، دولياً. تفسير وجيه، لكنه لا يستغرق الحالة السورية الراهنة، حيث حلّت السلطة السورية الجديدة جميع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني بقرارات ما سمّي مؤتمر النصر، وعملت جاهدة على دفع قيادتي الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة والمجلس الإسلامي السوري إلى حل نفسيهما؛ ونجحت في ذلك، ورفضت السماح لحزب وعد، الذي شكلته جماعة الإخوان المسلمين في سورية من عدة أعوام، بالعمل في سورية، ولاحقت أي محاولةٍ لتشكيل أجسام أو تكتلات منظّمة في المسرح السياسي السوري، استدعت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية شخصيات سورية على خلفية مشاركتها في تشكيل تحالف تماسك، ضم 35 كياناً سياسيّاً ومدنيّاً متنوعاً، وطالبتها بحله، وتم لها ذلك، حتى التشكيلات الصغيرة التي نشأت في بلدات، مثل التيار الليبرالي في بلدة مصياف التابعة لمحافظة حماة، لم تسلم من ملاحقتها وحلّها، فحلّ الأحزاب توجّه أساسي في تصوّرها، والسلطة للمسرح السياسي السوري الذي تسعى إلى تكريسه، مسرح الحزب الواحد. وهذا يفسّر إلى حد كبير الإبقاء على بند إصدار قانون أحزاب في الإعلان الدستوري حبيس الأدراج إلى حين استكمال عملية بسط سيطرتها على المجتمع، وتحويل “الأمانة العامة للإدارة السياسية”، التي شكلها وزير الخارجية أسعد الشيباني، في خطوة غير مفهومة كونها خارج مهمّات وزارة الخارجية، إلى حزب سياسي يحتكر المسرح السياسي، ويكون الحزب الوحيد في البلاد على طريقة حزب البعث في سورية والعراق والاتحاد الاشتراكي في مصر وحزب المؤتمر العام في اليمن، فنهج السلطة وهدفها في إقامة نظام شمولي واضح في كل خطواتها وقراراتها ومراسيمها الرئاسية، ما يستدعي حل كل الأحزاب ومنظّمات المجتمع المدني، وتحويل السوريين إلى أفراد كي يسهل استدراجهم واستقطابهم وإغراؤهم، ودفعهم إلى الإقرار للسلطة بامتلاك الحقيقة والصواب وعدم معارضتها أو منافستها عبر تشكيل أحزاب مستقلة والانصياع لقراراتها وتوجّهاتها السياسية والاقتصادية.
تجاهلت السلطة السورية الجديدة وضع جماعة الإخوان المسلمين، حيث العداء التاريخي بين التيار السلفي، الذي تمثله هيئة تحرير الشام، التي جاءت منها هذه السلطة، والجماعة، كي لا تثير لغطا حول شرعية تمثيل التوجه الإسلامي في سورية، كون الجماعة غريما في مجال الصراع على هذه الشرعية، حتى صدور بيان الجماعة إثر اجتماع مجلس شوراها في السابع من أغسطس/ آب الماضي، وما انطوى عليه من دلالات وما عكسه من تباينات مع توجهات السلطة السورية الجديدة وخياراتها حيث جاء في البيان “دعمها (الجماعة) لبناء دولة مدنية حديثة ذات مرجعية إسلامية، تقوم على المواطنة الكاملة والتعددية السياسية، وترفض الاستبداد والانقسام”، وتشديدها على “ضرورة الحفاظ على وحدة الأرض والشعب السوريين، ورفض أي حلول تؤدي إلى تقسيم البلاد أو إبقاء الوضع الراهن”. وإعلانها عن قرب إصدار ورقة توضح رؤيتها للعيش المشترك، وقد زادت تعليقات عضو المكتب السياسي في الجماعة سمير أبو اللبن حساسية الموقف حين غمز من قناة السلطة بقوله: “سورية لكل السوريين، ولن تكون سورية سليمة صحيحة إلا إذا كانت كل مكوناتها مصونة محمية”.
تشكل جماعة الإخوان المسلمين تحدّياً كبيراً للسلطة السورية على خلفية قدرتها على منافستها على حاضنتها السُنّية، حيث لجماعة الإخوان المسلمين حضور تاريخي بين سُنّة المدن بشكل رئيس، ولديها فرصة لاستعادة مكانتها بينهم، بعدما بدأ تذمّرهم من سياسات السلطة الإدارية والاقتصادية وانعكاسها السلبي على مصالحهم المادّية، بما في ذلك تقليص حجم أسواقهم التجارية والاستثمارية بسبب المناخ السياسي والتوتر القائم بين المكونات والمناطق الذي ترتّب على حملاتها العسكرية ضد العلويين والموحدين الدروز وارتكابها المجازر بحقهم، وعدم نجاحها في الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على تنفيذ بنود اتفاق العاشر من مارس/ آذار الماضي، فلدى الجماعة مؤسّسات تحفظ تماسكها التنظيمي وخطاب مدني معتدل يجذب المدينيين الباحثين عن الاستقرار السياسي، وهي قادرة في حال السماح لها بالعمل العلني على تشكيل جسم نشط ومنافسة السلطة على قاعدتها السُنيّة في فترة قصيرة. في هذا السياق، يمكن قراءة دعوة زيدان الجماعة إلى حل نفسها، باعتبارها حاجة حيوية للسلطة، لأن وجودها لا يتماشى مع توجّه السلطة التي تريد وضع السُنّة أمام خيار واحد ووحيد، هو سرديتها وخياراتها وتوجهاتها، من جهة، واختباراً لردّة فعل الجماعة ومدى استعدادها للمواجهة، من جهة ثانية، فدعوة زيدان تقول بصراحة إنه لن يُسمح للجماعة بالعمل السياسي داخل سورية. ما يطرح احتمال تصادم تيارين في الإسلام السياسي في ضوء انطواء دعوة زيدان لحل الجماعة على تهديد ضمني.
لا يشكّل حلّ الأحزاب ومنع عمل جماعات منظّمة على المسرح السياسي السوري مدخلا مناسبا لمواجهة الأزمات السياسية والمشكلات الخدمية والمعيشية التي تواجهها البلاد، ناهيك عن استحالة هيمنة السلطة الجديدة ذات اللون الواحد وسيطرتها على المجتمع السوري في ضوء وجود موانع داخلية، اجتماعية وفكرية، فالتعدّد الديني والمذهبي والقومي والسياسي لا يقبل سلطة بلون واحد، وهو ما أدركه حافظ الأسد، وحاول الالتفاف عليه بتشكيل “الجبهة الوطنية التقدّمية”، فالاكتفاء بجسم سياسي سُنّي منظم وصفة لصراع مفتوح. وخارجياً، استحالة حصول استثمارات عربية ودولية في بلد غير مستقر، كما هو حاصل على خلفية المواجهات الدامية والانقسامات القائمة، حيث بقيت العقود التي وقعت مع شركات خاصة ودول من دون تنفيذ بانتظار البيئة المناسبة. فالرضى العام شرط للاستقرار والرضى العام مرتبط بإحساس المواطن بأن حقوقه مصانة، وبأنه جزء من السلطة ومشارك في قراراتها، وهذا لا يتم من دون تمثيل سياسي عبر التعدّدية والتشاركية ما يجعل الأحزاب والجمعيات والنقابات الحرّة ضرورة وحتمية لحياة وطنية مستقرّة وآمنة.
العربي الجديد
——————————
حل الإخوان في سوريا.. خطوة للاستقرار أم تهديد للديمقراطية؟/ رانية نصر
01 أيلول 2025
قراءة سياسية فقهية
في خضم التحولات السياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة، برزت مؤخرا أصوات سياسية وازنة تُلوح بخيار حل جماعة الإخوان المسلمين كحزب سياسي في سوريا. وهذا الطرح، الذي لم يأتِ من فراغ، يُولد بطبيعته سلسلة من التساؤلات الفكرية والفقهية والسياسية:
لماذا يُطرح موضوع الحل تحديدا في هذه اللحظة؟
هل للمسألة ارتباط بما تشهده الساحة من تقارب سوري- خليجي قد تكون له انعكاساته على مستقبل سوريا؟
هل يمكن أن يُقرأ المطلب كخطوة استباقية لتأمين استقرار الدولة وتحصينها من قوى خارجية تناصب الإخوان العداء وتلاحقهم بالحديد والنار، فيفرض هذا الخيار نفسه “كصكوك تأمينية” لحماية سوريا وتعزيز مسار نهضتها بعد تاريخ طويل من الاستبداد والتعب والإرهاق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أم أنه قد يُقرأ كحلقة جديدة في مسار الإقصاء السياسي الذي يناقض مبدأ التعددية التي تقوم عليه الدولة الحديثة؟
ومن منظور السياسة الشرعية، يبرز سؤال أكثر إلحاحا: أيُ المصلحتين تُقدَم عند التعارض؛ مصلحة استقرار الدولة بوصفها ضرورة كبرى لحفظ الكيان، أم مصلحة الحرية السياسية والتعددية بوصفها ضمانة طويلة المدى للعدل والمشاركة ومنع عودة الاستبداد؟
ثم بالنظر في المآلات: هل سيحقق “الحل” مصالح إستراتيجية تدفع بعجلة الوحدة الوطنية إلى الأمام، أم أنه قد يتحول إلى منزلق تاريخي خطير يفتح الباب لتعقيدات جديدة في غنى عنها الدولة الناشئة؟
إنها أسئلة مُلحة تحاول هذه المقالة مقاربتها بموضوعية بعيدا عن الاصطفافات والأحكام المسبقة، عبر الجمع بين التحليل السياسي الواقعي والميزان الفقهي.
لم يكن حديث بعض القيادات السياسية السورية مؤخرا عن فكرة حل جماعة الإخوان المسلمين كحزب سياسي مجرد تصريح عابر، بل بدا كرسالة سياسية مُبطنة محملة بالدلالات. وحتى نفكك المشهد، لا بد من التنبيه أولا إلى أمرين:
أولا: تجنب التعصب والانفعالات
كثيرا ما تُقابَل الأفكار الجديدة برفض تلقائي، خصوصا إذا خالفت القناعات الموروثة أو هددت المكاسب القائمة، من دون نظر متأن في النتائج والمآلات.
فالنفوس بطبعها تميل إلى ما يُوافق قناعاتها السابقة وتخشى المجهول أو فقدان المكتسبات، فرديا كان الأمر أو جماعيا. غير أن الشأن العام لا يُدار بالعاطفة، بل يحتاج إلى تجرد وميزان دقيق ينظر في المآلات، مع عمق في التفكير وبصيرة بالواقع وأبعاده.
ثانيا: تحديد نطاق النقاش
يقتصر هذا المقال على مناقشة مسألة “الحل” في السياق السوري الراهن، باعتباره خيارا سياسيا يُنظر إليه من زاوية المصلحة الوطنية العليا في ظل مشهد دولي معقد وعلاقات متشابكة مع المحيطين الإقليمي والدولي.
ولا يتناول المقال جماعة الإخوان من حيث هي مدرسة فكرية أو تيار إصلاحي ذو امتداد تاريخي؛ فهذا بحث آخر. إنما السؤال هنا: هل يمكن أن يشكل “الحل” مخرجا سياسيا يفتح باب الاستقرار ويُحصن الداخل من عدو متربص، أم سيكون عثرة إضافية في طريق الديمقراطية وبناء الدولة الحديثة؟
لماذا الآن؟!
يرتبط طرح موضوع “الحل” في هذه اللحظة على الأرجح بالتقارب السوري-الخليجي والانفتاح السوري-الغربي، بما له من انعكاسات مباشرة على مستقبل سوريا.
فهذه الدولة، التي كادت أن تكون الوحيدة في المنطقة التي نالت حريتها من سطوة الاستبداد السياسي بعد مخاض طويل، تجد نفسها اليوم أمام مخاوف من تكرار السيناريو العربي في الالتفاف على الثورة وسط تعقيدات سياسية دولية واختلال موازين القوى والتحالفات.
التحدي الذي تواجهه الدولة الحديثة هائل وخطير، وربما يدفعها ذلك للتعامل بحذر شديد مع الملفات الخارجية، مبتعدة عن المواجهة المباشرة وردود الأفعال غير المحسوبة، على الأقل حتى ترسيخ أركانها واستقرار أمرها.
وهذا يقتضي قدرا كبيرا من المرونة والبراغماتية السياسية تجنبا للمزالق التي قد تهدد وجودها، حتى ولو كان على حساب الديمقراطية السياسية. لكن هل لهذا “الحل” -إن افترضنا وقوعه رغبة أو رهبة- وجه شرعي؟
ارتكاب أخف الضررين
يقرر أهل العلم قاعدة أصولية في باب التزاحم بين المفاسد، مؤداها: “إذا تعارض ضرران رُوعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما”، أو كما يُقال “يُرتكب أخف الضررين لدفع أعظمهما”. وقد قرر الإمام العز بن عبدالسلام-رحمه الله- أن “الشريعة كلها مصالح؛ إما بجلب المنافع، أو بدرء المفاسد”.
وعليه، فقد يُبرر أحيانا التنازل عن بعض ما يُعد من الثوابت أو من الأمور المعتبرة، لا من باب الإلغاء أو التعطيل، وإنما لتحقيق مصلحة راجحة أو دفع مفسدة أعظم، خاصة إذا تعلق الأمر بشؤون الدولة وإدارة المجتمع. فالدولة في التصور الإسلامي إنما وُجدت لتحقيق مصالح العباد ورعاية شؤونهم، وتأمين مقاصد الشريعة، وفي مقدمتها حفظ الكليات الضرورية الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
والشواهد في التاريخ الإسلامي تدل على هذا النمط من الموازنات؛ فقد صالح النبي- صلى الله عليه وسلم- قريشا في الحديبية مع ما فيه من شروط ظاهرها الإجحاف بالمسلمين، لكنه كان ينظر إلى المآلات لا إلى الجزئيات، فكانت النتيجة فتحا مبينا.
وكذلك فعل صلاح الدين الأيوبي حين عقد هدنة مع بعض ملوك الصليبيين ليصفي جبهات أخرى، إذ الحكمة تقتضي تسكين الجبهات لا إثارتها، وجمع أكبر قدر من المصالح وتقديم الأهم فالأهم.
وفي ظل التحولات السياسية الكبرى اليوم وتعقيداتها الكثيرة، فإن إعمال هذه القاعدة يكون من باب أولى. وقد يصبح “حل” بعض الأحزاب -ولو مرحليا- خطوة تؤدي إلى مصلحة راجحة في ظل انفتاح سوريا على العالم وتقارباتها الإقليمية، خاصة أن هذه التقاربات يُتوقع أن تكون مشروطة بمصالح متبادلة أو بكف الأذى.
غير أن الوجه الآخر للمسألة هو الخطر من أن يتحول “الحل” إلى إقصاء سياسي يهدد الديمقراطية تحت مسميات جديدة، وهو ما يخالف قاعدة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، إذ إن واجب ترسيخ الدولة الحديثة العادلة لا يتم إلا بصيانة التعددية السياسية وضمان حق جميع القوى في التعبير والمشاركة.
وفي الحالة السورية تحديدا، فإن التحديات الأمنية والضغوط الدولية تضع صناع القرار أمام هذا النوع من المفاضلات الحرجة.
“الحل” بين إلحاح الاستقرار وتهديد الديمقراطية
عانت سوريا لسنوات طويلة من سطوة استبدادية إقصائية تنكرت لمبدأ التعددية، ودُفعت أثمان جسيمة في سبيل الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية. فهل يعد حل الأحزاب السياسية اليوم قبل ترسيخ قواعد الدستور إقصاء أم دعوة للانضواء تحت مظلة الوحدة الوطنية؟
قد يُفهم حل حزب الإخوان في السياق السوري على أنه استجابة لضغوط خارجية، خاصة من دول عربية وغربية تسعى لتأمين حدود العدو الصهيوني، وهو ما يجعل القرار يبدو وكأنه خطوة استباقية لحماية الدولة من مخاطر محتملة. ومن منظور الدولة، قد يوفر هذا الحل استقرارا نسبيا من خلال تسكين هذه الجبهة “لحاجة في نفس يعقوب”.
لكن يظل الأمر محفوفا بالمخاطر؛ إذ قد يتحول إلى تهميش سياسي يضعف استقلالية قرار الدولة، ويؤثر على مهابتها أمام مواطنيها، ويُقوض التعددية التي نشأت بعد صراع طويل ضد الاستبداد.
فالنجاح طويل المدى لأي تجربة انتقالية يعتمد على توازن دقيق بين حماية الدولة من التهديدات الخارجية، وبين ترسيخ قواعد الديمقراطية داخليا. وأي حل سياسي يجب أن يُصاغ في إطار دستوري وقانوني واضح، يضمن حقوق جميع الأطراف، ويتيح آليات عادلة للاندماج السياسي، حتى لا يتحول الاستقرار قصير المدى إلى مأزق طويل الأمد يهدد مستقبل الدولة الحديثة.
ومن جهة التأصيل، فإن القاعدة الفقهية تقرر أن “الضرورات تُبيح المحظورات”، لكن المقيِد لها أن “الضرورات تُقدر بقدرها”؛ بمعنى أن أي إجراء استثنائي إذا تجاوز حد الضرورة انقلب إلى ظلم، والظلم -كما يقرر ابن تيمية- “لا تقوم به دولة ولو كانت مؤمنة”، بينما العدل هو أساس الملك وشرط البقاء.
الترجيح بين استقرار الدولة وحماية الديمقراطية
قرر العلماء أنه إذا تزاحمت المصالح ولم يمكن جلبها كلها، فالمطلوب هو تحقيق أعلاها. وإن تزاحمت المفاسد وتعين ارتكاب بعضها، فإنه يُرتكب الأدنى لدفع الأعلى. وإن تساوت، فدفع المفسدة أولى من جلب المصلحة.
وعليه، فإن مسألة ترجيح استقرار الدولة أو حماية الديمقراطية عند التعارض تُنظر ضمن قاعدة فقهية عامة: ترجيح الضرر الأعظم أو المفسدة الكبرى.
من زاوية استقرار الدولة: الأَولوية لتأمين الاستقرار، لأنه ضرورة كبرى، وانعدامه يؤدي إلى فوضى سياسية وتدهور اقتصادي وتهديد النفوس والمصلحة العامة. وفي السياسة الشرعية، حماية الدولة من الانهيار أو الانقسام مصلحة عامة قصوى تُقدم على مصالح جزئية مؤقتة، لكن على ألا يكون ذلك مطلقا أو تعسفيا.
من زاوية الديمقراطية والتعددية: هي مصلحة شرعية معتبرة، لأنها تضمن مشاركة الناس في الحكم، وتحمي الحقوق، وتحقق العدالة الاجتماعية. لكنها مصلحة تابعة لاستقرار الدولة، إذ لا يمكن ضمانها إذا انهارت الدولة.
الترجيح الفقهي: عند التعارض الحاد بين استقرار الدولة وحماية الديمقراطية، تُقدم مصلحة الاستقرار، بشرط أن يكون الهدف تمهيد الطريق لإعادة التعددية وحقوق المشاركة لاحقا. ويجب أن يكون التقييد مؤقتا ومحدودا، لا ذريعة لإلغاء الحقوق بشكل دائم. يقول ابن قدامة: إن سلامة الدولة ومصالح الأمة الكبرى قد تُقدم على مصالح جزئية مؤقتة، بشرط ألا يكون ذلك جزافا أو مطلقا.
إذن؛ فالاستقرار أَولى مبدئيا لضمان المصالح الضرورية الكبرى، ولكن لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لإلغاء الديمقراطية أو التعددية بشكل دائم، ولا لإلغاء الرقابة العامة على الدولة من قبل الأحزاب والقوى السياسية المؤثرة.
التعليق على مقال مستشار الرئاسة أحمد زيدان
نظر الأستاذ أحمد موفق زيدان إلى مسألة “الحل” من زاوية تنظيمية بالدرجة الأولى؛ إذ اعتبر أن الجماعة استنزفت ذاتها شيخوخة وجمودا، وباتت عبئا على المشهدين السوري والإقليمي.
وتبقى هذه القراءة محصورة في نقد التجربة الحركية للإخوان. ومع أن المقال عبر عن رأي شخصي، فإن توقيعه بصفته الاعتبارية يمنحه وزنا سياسيا إضافيا، وقد يُشير إلى مزاج عام آخذ في التشكل داخل البيئة السياسية الحاكمة.
ومع ذلك، فإن المقال تجاوز تاريخا طويلا من التضحيات التي قدمتها الجماعة في مواجهة الاستبداد، لكن الأهم في السياق الراهن أن السؤال لم يعد يقتصر على مصير الجماعة، بل بات يمس الدولة الناشئة ذاتها، في صورة معالجة داخلية لأزمة تنظيمية تحت ذريعة أن استمرار التنظيم لا يخدم المصلحة الوطنية.
عند هذا المفترق، يصبح ميزان السياسة الشرعية هو المرجع، بترجيح المصلحة العليا، والنظر في المآلات، والاستناد إلى القواعد: “دفع أعظم المفسدتين”، و”الضرورات تُقدر بقدرها”.
ومن الحكمة السياسية -إن كانت هناك نية للسير في خيار “الحل”- أن يتم ذلك ضمن مشروع وطني توافقي، يراعي خصوصية المرحلة، ويشمل مشاركة واسعة من القوى السياسية والاجتماعية، مع ضمانات دستورية تحمي التعددية وتصون حرية العمل السياسي والفكري، حفاظا على استقرار الدولة من التهديدات الداخلية والخارجية.
بهذه الكيفية يمكن أن يتحول “الحل” إلى خطوة عقلانية مسؤولة تسهم في إعادة ترتيب البيت الداخلي وتثبيت المكتسبات، بدلا من أن يكون مدخلا جديدا للتفكك أو الإقصاء.
في ضوء ما سبق من معطيات سياسية وشرعية، يمكن القول إن خيار “الحل” في السياق السوري الراهن ليس مجرد إجراء تنظيمي أو قرار سيادي، بل هو مفصل حاسم في رسم ملامح الدولة الناشئة، واختبار حقيقي لمدى التزامها بقيم التعددية والعدالة والتشاركية السياسية.
وإن كان الاستقرار مقصدا مشروعا وضروريا، فإن الطريق الأفضل لبلوغه هو التوافق، عبر إيجاد عقد وطني جامع يتوافق عليه الجميع.
فالسياسة الرشيدة تُحسن إدارة الاختلاف كما تحسن دفع الضرر عن استقرار الدولة، وتستطيع تحويل أي تهديد إلى فرصة للبناء. ومن ثم، فإن أي معالجة للملفات الداخلية يُفضَل أن تكون ضمن إطار مشروع وطني شامل يضمن الحقوق، ويكرس الشراكة، ويوازن بين المصالح الداخلية والخارجية على حد سواء.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتبة وباحثة فلسطينية
الجزيرة
——————————-
الإخوان المسلمون في سوريا: من المواجهة مع البعث إلى صراع البقاء بعده/ أغيد حجازي
1 September 2025
منذ تأسيس فرع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا عام 1945 على يد مصطفى السباعي، شكّلت الجماعة أحد الفاعلين في الحياة السياسية والاجتماعية السورية، قبل أن تدخل في صدام دموي مع نظام البعث بدءًا من أحداث حماة عام 1964 وصولًا إلى المواجهات المسلحة في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. ومع صدور القانون 49 عام 1980 الذي قضى بإعدام كل منتمٍ لها، دخلت الجماعة مرحلة جديدة من العمل السري والمنفى، لتظل على هامش المشهد حتى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.
بعد سقوط النظام أصدرت الجماعة سلسلة من البيانات والتصريحات، كان أبرزها البيان الصادر عن مجلس شورى الجماعة في دورته الرابعة، والذي جاء مختلفًا – شكلًا ومضمونًا – عن البيانات السابقة. ويمكن اعتباره وثيقة سياسية تعكس دور الجماعة ورؤيتها لمستقبل سوريا بعد الأسد، حيث دعت فيه إلى بناء دولة مدنية حديثة بمرجعية إسلامية، وأكدت ضرورة إشراك جميع مكوّنات الشعب السوري في صياغة المرحلة الانتقالية. كما شدّدت على انتمائها إلى “النهج الإسلامي الوسطي”، وقدّمت نفسها بوصفها “الناصح الأمين” للعهد الجديد.”
اليوم، وبينما تطرح الولايات المتحدة تصنيفها كتنظيم إرهابي، وبين مقال لمستشار الرئاسة للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان دعا فيه الجماعة إلى حلّ نفسها، تتصاعد الأسئلة حول مستقبل الإخوان في سوريا ما بعد الأسد: هل يمكن للجماعة أن تجد لنفسها موطئ قدم في المرحلة الانتقالية، أم أن الرغبة الإقليمية والدولية في إقصائها ستطوي صفحتها نهائيًا؟
بين توجهات الحكم الجديد وتفسيرات المراقبين
قال الكاتب والمحلل السياسي، ياسر سعد الدين، إن الحكم الجديد في سوريا لا يرحب بوجود الإخوان، معتبرًا أن رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع يميل إلى “الحكم الفردي” بعدما ركز السلطات بيده لخمس سنوات مقبلة. وأضاف أن الغرب وعددًا من الدول العربية ترغب أيضًا في إقصاء الإخوان من المشهد العربي والدولي. وقال: “أميركا وإسرائيل تعتبران أن فكر الإخوان أشد خطرًا من فكر القاعدة، ولن يغفرا لمصر مرسي وقوفها مع قضايا الأمة وإغاثتها لغزة ودعمها لها”.
وبحسب سعد الدين، فإن الكاتب زيدان في مقاله الأخير كان “يعبر عن وجهة نظر الشرع لتحقيق غايتين: التفرد بالسلطة وإرضاء جهات عربية ودولية”. أما بشأن احتمال حل الجماعة لنفسها، فقد رأى أن ذلك “لن يتم بشكل اختياري”، لكنه توقع أن تسعى الجماعة إلى “تجنب الصدام”، قائلًا: “إن صدر أمر مباشر من الحكم الجديد بحظر أنشطتها أو بما يشابه ذلك فستلتزم به، أقله في المرحلة الحالية”.
فيما قال الصحفي والباحث في شؤون الجماعات الإسلامية صهيب عنجريني إن فهم مقال أحمد موفق زيدان الأخير يتطلب “وضع الأمور في نصابها”. واعتبر أن المقال “لم يأتِ بشكل عابر أو مفاجئ، بل بدا في جوهره مرتبطًا مباشرة بالبيان الذي أصدرته جماعة الإخوان المسلمين في 7 أو 8 آب عقب ختام دورة مجلس الشورى”.
وأوضح عنجريني أن البيان، “رغم تأكيده أن موقف الجماعة من الإدارة الجديدة في سوريا هو موقف الناصح الأمين”، إلا أنه تضمن ما وصفه بأنه “قائمة بما لم تفعله الإدارة حتى الآن”، مشيرًا إلى أن البيان “اشتمل على دعوة إلى دولة مدنية تعددية وخطاب جامع يشمل جميع الطوائف”. وأردف أن الإدارة الجديدة وإن كانت قد بدأت عهدها بخطاب مشابه، فإن “التغييرات التي برزت بدءًا من كانون الثاني الماضي، ثم أحداث الساحل وصحنايا وجرمانا، جعلت إيقاعها العام مختلفًا”، معتبرًا أن بيان الإخوان “جاء ليشير إلى كل ما كان ينبغي على الإدارة أن تفعله ولم تفعله”.
وأضاف عنجريني: “برأيي، هذا هو ما جعل مقال أحمد موفق زيدان يحمل طابعًا سياسيًا مباشرًا، وأنا أعتقد أنه لا يعكس رأيه الشخصي بقدر ما يعكس توجهات الإدارة الجديدة”، لافتًا إلى أن “هذا المقال هو أول ظهور مكتوب بشكل واضح لزيدان بصفته مستشارًا، وبالتالي لا يمكن قراءته كاجتهاد فردي”.
بين الاستهداف الخارجي والقبول الشعبي
وأوضح سعد الدين أن جماعة الإخوان المسلمين “تنظيم بشري، معرض للأخطاء والنكسات والعثرات”، مشيرًا إلى أن انتقادها أو حتى اقتراح حلها قد يُعتبر أمرًا طبيعيًا، غير أن “السياق والتوقيت والمكانة والمنطق يكشفون الكثير”.
وأضاف سعد الدين أن “الثورة المضادة تجاه الإخوان، بدعم غربي وصهيوني، استهدفت الثورات العربية ونجحت في تصفية بعضها أو محاصرتها وتقزيمها” في دول مثل مصر وتونس، مذكّرًا بأن الحريات والخيارات الشعبية الحرة غالبًا ما كانت تدفع بالإخوان إلى الواجهة. وقال: “في مصر، كان أول رئيس منتخب شعبيًا منذ عقود هو محمد مرسي، رغم أن الجماعة كانت محاصرة أيام حسني مبارك، وكذلك في تونس. وفي الأردن، حقق حزب الإخوان المرتبة الأولى في آخر انتخابات نيابية”. واعتبر أن استهداف الإخوان جاء لأنهم “الخيار الشعبي الأول”، نظرًا لما عُرف عنهم من “تفانٍ في خدمة الناس وأمانة ذات اليد”.
ونوه عنجريني قائلًا: “بتقديري الشخصي، جماعة الإخوان المسلمين تحظى بقبول واسع في سوريا، وأشدد هنا على كلمة قبول. هذا لا يعني أن لديها قاعدة شعبية منظمة وواسعة بالضرورة، لكن كثيرًا من السوريين، بما في ذلك من أبناء طوائف غير سنية، قد يرون فيها بديلًا أو منافسًا محتملًا للإدارة الجديدة وحاضنتها”. وأكد أن “الجماعة ليست منقرضة كما أوحى مقال زيدان، بل لا تزال عائلات كبرى في سوريا تُحسب عليها تاريخيًا، وقدمت أثمانًا باهظة منذ أواخر السبعينيات والثمانينيات”.
وأشار عنجريني إلى بُعد آخر، يتمثل في “التنافس بين الإخوان المسلمين وهيئة تحرير الشام”، موضحًا أن “الإدارة الجديدة تُرى من جانب السوريين كنسخة معدّلة من هيئة تحرير الشام”، وأن التنافس بين الطرفين له طبيعة “مدنية ــ ريفية”. وقال: “الإخوان لديهم حضور قوي في المدن مثل دمشق وحلب وحماة، بينما تحظى التيارات السلفية عمومًا وهيئة تحرير الشام خصوصًا بقبول أكبر في الأرياف، وهذا بُعد مهم في التوازنات القائمة”.
واستبعد عنجريني أن تُقدم الجماعة على حل نفسها، مؤكدًا: “لا يوجد أي سبب يدفعها إلى ذلك حاليًا. الحياة السياسية في سوريا مغلقة بالكامل، لا لإخوان مسلمين ولا لغيرهم، ولا أحد يتوقع أن تُفتح قريبًا”. لكنه أضاف أن المستقبل قد يحمل “نافذة ما من العمل السياسي”، وربما انتخابات مجلس شعب أو غيرها، “لكن ليس الآن، بل ربما في مرحلة لاحقة”.
بين الإخوان وهيئة تحرير الشام
رأى سعد الدين أن من يظن أن بإمكانه إخفاء جماعة الإخوان المسلمين فهو مخطئ، مؤكدًا أن الجماعة مستهدفة من قِبل قوى عالمية. وأشار في هذا السياق إلى تقرير أصدره معهد القدس للاستراتيجية والأمن بعنوان النهج الاستراتيجي لإسرائيل تجاه جماعة الإخوان المسلمين: الأمن الإقليمي والتحالفات، والذي شبّه أيديولوجيا الجماعة بالفاشية والنازية. كما لفت إلى إعلان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة تعمل على تصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي.”
وأكد عنجريني أن “الجماعة تبقى لاعبًا وازنًا ومنافسًا محتملًا في أي لحظة تُفتح فيها الحياة السياسية في سوريا”. وتحدث عن بعدها الإقليمي قائلًا: “الإخوان قادرون على الموازنة بين مرجعيتهم لقطر وتركيا وبين واقعهم الداخلي. لقد اختبروا مواقف مشابهة في سنوات الربيع العربي، واكتسبوا خبرة وقدرة على التكيف. رأينا ذلك في تجارب الأردن وغيرها. هم لاعب سياسي قديم في المنطقة، تمرّس في النجاح والفشل، لكنهم يملكون خبرة عريقة”.
وعن علاقة الجماعة بالشباب، أوضح عنجريني أن “الإخوان محرومون من العمل داخل سوريا منذ سنوات طويلة، وبالتالي رصيدهم ضعيف لدى الجيل الشاب”، في حين أن “الإدارة الجديدة تنبّهت مبكرًا لهذه النقطة منذ أيام وجودها في إدلب، وأنشأت الهيئة السياسية لاستقطاب الشباب الميالين للتيار الإسلامي، لا سيما ممن لا يندرجون بالضرورة تحت السلفية”. وأضاف أن “هذا منح الإدارة رصيدًا إضافيًا عند هذه الشريحة، بينما يظل رصيد الإخوان مختلفًا وأكثر تقليدية”.
بين تاريخ طويل من الصدام مع الأنظمة السورية المتعاقبة، وبين محاولات مستمرة لإعادة التموضع في المشهد الجديد، تقف جماعة الإخوان المسلمين اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فبين ضغوط دولية تسعى إلى تصنيفها إرهابية، ورغبة إقليمية في إقصائها، تبدو خياراتها محدودة في بيئة سياسية سورية ما زالت مغلقة، ومع ذلك، فإن الجماعة، بخبرتها الممتدة وقدرتها على التكيّف، يرى مراقبون أنها لا تزال قادرة على الظهور مجددًا كفاعل سياسي واجتماعي متى ما فُتحت نافذة للعمل السياسي في سوريا. وحتى ذلك الحين، يبقى السؤال مطروحًا: هل يكتب التاريخ فصلًا جديدًا للإخوان في سوريا، أم أن سقوط الأسد سيشكل بداية أفولهم؟
الترا سوريا
—————————–
الإخوان في سوريا: حل أم بقاء؟/ محمد إسماعيل كريدي
02 أيلول 2025
على الساحة السورية ظهر نقاش حول مستقبل جماعة الإخوان المسلمين، بين من يرى أن ضعف رصيدها وأدائها خلال الثورة يستدعي إنهاء وجودها، وبين من يؤكد أن بقاءها ضرورة لحماية التعددية ومنع تفريغ المجتمع من كياناته الشعبية والسياسية.
بداية أقول: أنا لست منتميا إلى جماعة الإخوان المسلمين، وقد كتبتُ عدة مرات على مواقع التواصل الاجتماعي انتقادات للجماعة، مؤكدا أنها بحاجة إلى تطوير وتحديث وضخ دماء شبابية جديدة.
ومع ذلك، لا أرى أن هذا الضعف أو الحاجة إلى التحديث يعني أن يكون الحل هو إلغاء الجماعة بالكامل، خصوصا في ظل واقع سياسي واجتماعي معقد كالوضع السوري الحالي.
منذ نشأتها، عُرفت جماعة الإخوان في سوريا كجماعة إصلاحية لا ثورية، وحتى في ثمانينيات القرن الماضي تأخرت كثيرا في الانخراط بالصدام العسكري ضد نظام الأسد الأب، وكانت في البداية تعارض الحل العسكري، مفضلة الإصلاح والتدرج.
ومع ذلك، دفعت الجماعة ثمنا باهظا؛ إذ أُعدم الآلاف في سوريا لمجرد اتهامهم بالانتساب إليها. وبعد سقوط نظام الأسد، أصدرت أكثر من بيان يبارك ما جرى ويدعو إلى التعاون مع القيادات الجديدة، ولم تنخرط في مهاجمة أحد، بل أبدت استعدادها للتعاون ووضع خبراتها ومقدراتها في خدمة الدولة السورية الجديدة.
إن دعوات حل الجماعة اليوم تأتي في توقيت حساس، تزامنا مع دعوات بعض أعضاء الكونغرس الأميركي لوضع جماعة الإخوان المسلمين على لوائح الإرهاب، وقد حُظرت سابقا في العديد من الدول العربية، وكان آخرها الأردن قبل فترة قريبة.
أما على الساحة السورية، فتأتي هذه الدعوة بعد أقل من شهر على حل المجلس الإسلامي السوري نفسه، وهو المجلس الذي كان يحظى بقبول شعبي واسع ولم يعارض الحكومة في شيء. وسبقه موقف الحكومة السورية الرافض لاستقبال الجماعات ككتلة، مع قبول التعاون مع أعضائها كأفراد، كما هو الحال مع الائتلاف السوري المعارض.
مثل هذا التزامن يثير تساؤلات عن الهدف الحقيقي من إقصاء ما تبقى من الكيانات المجتمعية ذات الامتداد الشعبي، في وقت لا تمتلك فيه الحكومة الجديدة منهجا فكريا واضحا أو مشروعا جامعا.
إن جماعة الإخوان، ورغم ضعف رصيدها السياسي، بذلت خلال الثورة جهدا ملحوظا في العمل المجتمعي والدعوي، وأسهمت في تعزيز وعي الناس وحماية بعض البنى الاجتماعية من الانهيار. وإن إلغاء هذا الدور يعني إضعاف المجتمع السوري نفسه، لا مجرد إنهاء تنظيم.
قد ترى بعض الأنظمة أن تقليم أجنحة المجتمع وإضعاف قواه الشعبية يحفظان الحكم المطلق ويثبتانه، لكن ذلك خيار قصير النظر؛ فلا أحد يعلم ما يخبئه القدر.
فالتحديات التي تواجه الحكومة الجديدة جسيمة، والاحتلال الإسرائيلي استهدف بالفعل هيئة الأركان للجيش السوري وسط العاصمة دمشق، واستهدف القصر الجمهوري، وربما- لا قدر الله- تصيب القيادة حادثة ما. عندها لا بد أن يبقى في المجتمع من يستطيع تولي زمام المبادرة، وإلا فإن الفراغ سيكون كارثيا.
وحول أهمية ترك المجتمع قويا بتجمعاته ومجالسه، نقرأ في التاريخ تجربة محمد علي باشا مع المجتمع المصري.. فالإمام محمد عبده يرى في مقالته «آثار محمد علي في مصر» أن محمد علي لم يُحيِ مصر، بل أمات فيها روحها؛ إذ حطم قوى المجتمع الأهلي، وصادر استقلال الأفراد والقرى بجمع السلاح منهم، وقضى على التعددية والعزائم التي كانت تحيي الأمة، فاستبدل بها سلطة مركزية جعلت الناس آلات جباية وأتباعا للسلطان.
أما المدارس والمصانع والبعثات التي أنشأها فكانت تخدم الدولة وجيشها لا الشعب، فكانت النتيجة دولة قوية ظاهرا، لكن شعبها ضعيف منزوع الإرادة، حتى إن المصريين الذين قاوموا الاحتلال الفرنسي ببسالة لم يملكوا القدرة نفسها على مقاومة الاحتلال البريطاني لاحقا؛ بسبب ما أحدثه حكم محمد علي من إضعاف للروح الوطنية.
إن تجريد الساحة السورية من أي قوى فاعلة خطأ إستراتيجي جسيم؛ فسوريا بلد كبير ذو تاريخ طويل، وشعبها حديث عهد بتجربة ثورة مسلحة.
والجهات التي تمثل الحكومة الحالية نفسها خاضت في إدلب معارك عديدة ضد أطراف مختلفة، بعضها لا يزال موجودا على الأرض. وهذا يعني أن مشهد التعددية القسرية مفروض بحكم الواقع، وأن تفريغ الساحة من القوى المجتمعية والسياسية لن يحقق الاستقرار، بل سيجعل أي صدام مستقبلي أكثر خطورة.
إن الشعب السوري اليوم واعٍ تماما لحالته الداخلية، والضعف الاقتصادي للدولة الجديدة نتيجة تخريب النظام البائد وفساده، ولا يطالبها إلا بأقل القليل من العدالة الاجتماعية.
وهو يخشى أشد الخوف من الثورات المضادة، ولن يقبل بأي شكل من الأشكال تهديد الحكومة الحالية، وقد ظهر ذلك جليا في أحداث الساحل وأحداث السويداء. لكن هذا الوعي لا يعني بحال القبول بحل كل الأحزاب والجماعات والمجالس المجتمعية والشعبية؛ فحماية الحكومة لا تكون بنسف التعددية، بل بترشيدها وضبطها ضمن إطار وطني جامع.
فالتجارب الأخرى القريبة ماثلة أمام السوريين، والشعب السوري يدرك هذه التجارب جيدا ولا يريد تكرارها. فالتعددية المجتمعية ليست ترفا، بل صمام أمان لأي مشروع وطني. وتفريغ الساحة من كل مكونات المجتمع المدني والسياسي سيؤدي إلى فشل ذريع واحتكار سيئ.
يقدم القرآن الكريم والسيرة النبوية العديد من الأمثلة التي تجلي عظمة الشورى وأهمية تعدد الآراء واختلاف الأمة الواعية، باعتبار ذلك رحمة وهبة، لا نقمة.
ومن أبلغ صور هذا الفهم العميق إبقاء النبي ﷺ مفاتيح الكعبة في أيدي من عُهدت إليهم، دون المساس بالأمانة التقليدية لعائلة بني شيبة، بل تركها في أيدي أفراد العائلة نفسها تكريما للعادات واحتراما للحقوق المشهورة بين الناس، رغم أن مكة فُتحت بالقوة لا بالسلام. وهم الذين كانوا سدنة الكعبة في الجاهلية، شاهدين على حكمة النبي ﷺ في الجمع بين السلطة والعدل، بين القوة والإنصاف.
إن منهج الحاكم الطبيعي البشري، الذي وصل إلى السلطة بالقوة، هو الإقصاء، وهو أمر متوقع. لكن بالمقابل، واجب الشعب أن يعمل على وجود كيانات شعبية مشاركة تعزز العمل المجتمعي، وتضمن استمرارية المؤسسات، ووجود قوى حية توازن بين السلطة والمجتمع. وقد قال أحمد شوقي:
وما نيلُ المطالب بالتمني .. ولكن تُؤخذ الدنيا غلابا
قد يكون أداء جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ضعيفا، لكن حلها الآن سيكون خسارة للمجتمع قبل أن يكون نهاية لتنظيم. فبقاء الجماعة -مع نقد أخطائها- ضرورة لحماية فكرة التعددية، ولضمان ألا تتحول سوريا إلى ساحة مغلقة لا مكان فيها إلا لصوت واحد، في بلد كبير ومعقد الاتجاهات الفكرية. وغياب هذه الروح عن المجتمع السوري لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانغلاق والتفرد بالسلطة.
إن توظيف أفراد المؤسسات والجماعات في مفاصل الدولة ليس بديلا، ولا يغني عن جماعتهم الأساسية؛ فالمناصب يمكن أن تُلغى أو تُستبدل عند تغيير الحكومة.. حينها تكون الدولة قد خسرت خبرات طويلة، وربما لا يُعاد تشكيل الجماعة بعد حلها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب، سوري، مهتم بالشأن العام وقضايا الأمة
الجزيرة
——————————
مستشار الشرع أحمد موفق زيدان: الهجري خطف الدروز.. وهذه قصتي مع أسامة بن لادن
يستضيف قابل للجدل هذا الأسبوع مستشار الرئيس السوري أحمد الشرع أحمد موفق زيدان، الصحفي الذي ارتبط اسمه وصوته بتغطية الحركات الإسلامية المسلحة في افغانستان وباكستان لأكثر من 3 عقود. أثار الجدل بقربه من قيادات طالبان والقاعدة انذاك واليوم تحول إلى مستشار للرئيس السوري أحمد الشرع.. لماذا دعا جماعة الاخوان المسلمين في سوريا لحل نفسها وهي بأعين البعض ليست موجودة ولا مؤثرة ؟ ومامستقبل الدولة السورية في ظل أحداث السويداء و الساحل والخلاف مع قسد ؟ وكيف تغير فكر الرئيس السوري أحمد الشرع .. أسئلة كثيرة نطرحها على ضيفنا في قابل للجدل
أنظر الفيديو التالي
————————————
مستشار الشرع أحمد زيدان مروّجاً صورة «الزعيم المخلّص»
الثلاثاء 2 أيلول 2025
في أحدث ظهور إعلامي على قناة «العربية»، قدّم أحمد موفق زيدان، الصحافي السابق في أفغانستان وباكستان والمستشار الإعلامي الحالي للرئيس السوري أحمد الشرع، مرافعة مطولة عن التجربة السورية الراهنة. الرجل ارتبط اسمه في التسعينيات وبداية الألفية بتغطية الحركات الإسلامية المسلحة وقربه من رموز «القاعدة» و«طالبان»، ما أثار جدلاً واسعاً عند تعيينه مستشاراً للشرع. بدا هذه المرة منخرطاً في خطاب الدولة السورية الجديدة رغم بعض التعثرات. لكن لغته، رغم انسجامها مع التحوّل الذي يقوده الشرع في مقاربة الحركات الجهادية، كشفت عن ثغرات عميقة في الخطاب الإعلامي الرسمي الناشئ.
تبرئة الأجانب من الدم وإدانة الداخل
في برنامج «قابل للجدل»، شدّد زيدان على نفي أي مسؤولية للمقاتلين الأجانب عن المجازر والانتهاكات التي شهدتها مناطق الساحل والسويداء. وأشار إلى أنه كان متوقعاً منذ دخول الفصائل المسلحة ــ التي اندمجت لاحقاً في وزارة الدفاع ــ أن ترتكب هذه العناصر عمليات انتقامية واسعة في الساحل، رداً على سنوات من البراميل المتفجّرة والهجمات الكيميائية التي استهدفهم فيها النظام السابق، «لكنهم لم يفعلوا»، بحسب تعبيره، «والتزموا بتعليمات الرئيس أحمد الشرع». وأكّد أن هؤلاء المقاتلين «لن يشكّلوا أي خطر على الدول خارج سوريا»، متحدّياً أي طرف أن يقدّم دليلاً على تهديدهم لدول عربية أو أجنبية خلال سنوات قتالهم إلى جانب الثوار في سوريا.
لكن هذه المرافعة، التي كرّرها أكثر من مرة، دفعت مقدّم البرنامج إلى مقاطعته قائلاً: «لا نسأل عن التزامهم بعدم مهاجمة دول أخرى، بل التزامهم بعدم استهداف مكوّنات داخلية هي جزء من الوطن السوري على أساس طائفي». وهنا بدا كلام زيدان متناقضاً أمام حجم الأدلة المرئية من شعارات ورايات وخطابات عابرة للحدود. فالتبسيط الذي قدّمه لا يخفي حقيقة أن المشهد أكثر تعقيداً من مجرد «التزام بالتوصيات»، وأن هذه الجماعات لم تكن محكومة دائماً بقرار مركزي. مع ذلك، يصرّ زيدان على تبني خطاب السلطة الجديدة بأن «الشباب يحتاجون إلى وقت» بعد عقد كامل من العمل تحت شعارات جهادية، مراهناً على قدرتهم على التكيّف مع المرحلة الراهنة، وعلى قدرة الشام على تغييرهم، قائلاً «هل الاجانب في الشام هم نفسهم في آسيا الصغرى وأفغانستان! ».
الإخوان المسلمون… عدو النظام الأبدي
قبل مقابلته الأخيرة، نشر زيدان مقالاً، دعا فيه جماعة «الإخوان المسلمين» السورية إلى حلّ نفسها. هذه الدعوة، التي أعاد تكرارها في المقابلة، بدت امتداداً لخطاب سلطوي يفتّش دائماً عن «عدو داخلي» يبرّر به التوترات السياسية ويغلق به المجال العام. ومع تراجع الأحزاب التقليدية وتآكل حضورها الشعبي، يبدو أن السلطة الجديدة وجدت في الإخوان الخصم «المثالي» في الشارع السنّي، تماماً كما فعل النظام السابق. فالجماعة التي وصلت إلى الحكم في بلدان عربية خلال الربيع العربي، عادت في سوريا لتجد نفسها محاصرة بنظام عسكري قوي أولاً، ثم بقوى جهادية صاعدة قررت خلع عباءة الأيديولوجيا المتشددة لاحقاً.
وخلال المقابلة، وصف زيدان الجماعة بأنها «عبء» فقد تأثيره، قائلاً: «لكل أجل كتاب، كما أن للإمبراطوريات كتاباً، كذلك الفصائل لها كتاب معلوم. البيئة الإقليمية لم تعد تحتمل مثل هذه الجماعات». وأضاف أن الأحزاب التي لم تُحل بعد تحرير دمشق «تفتّت وتشتّت جهد الدولة السورية»، مستعيداً بذلك مشهداً من عام 1958 حين حُلّت الأحزاب عقب الوحدة مع مصر، ما تسبب بوأد الحياة السياسية لعقود. المفارقة أن دعوة المستشار تأتي في لحظة يُفترض أن تنفتح فيها الدولة الجديدة على كل المكوّنات والقوى السياسية لمواجهة خطر التقسيم.
دعوة زيدان تأتي متوافقة مع تصريحات الرئيس الشرع التي تبرأ فيها من الحركات الإسلامية من بينها حركة الأخوان المسلمين ومن الربيع العربي معاً، وقد ترمي هذه العبارة إلى إرسال رسائل طمأنة إلى دول عربية تريد التأكد من انضمامه للحضن العربي بدلاً من تركيا، والقلقة من ماضيه «الجهادي». وكذلك فعل مستشاره الذي حرص في ظهوره التلفزيوني مع قناة «العربية» السعودية على التذكير بأن أهم سنين حياته هي في عمله لجريدة «الحياة » اللندنية سعودية التمويل، كما لم ينس شكر المملكة العربية السعودية على إعادة سوريا للحضن العربي وقيادتها لرفع العقوبات عنها في أكثر من مناسبة.
من السويداء إلى «قسد».. لغة التهديد تتسع
رغم محاولات الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع بث رسائل طمأنة، قدّم مستشاره مقاربة أكثر صدامية في حديثه عن أحداث السويداء. فقد برّر العنف هناك باعتباره «ردة فعل طبيعية» لجرائم النظام السابق، قلّل من حجم الضحايا، وحمّل المجتمع المحلي جزءاً كبيراً من المسؤولية. كما شكّك في أرقام الضحايا، ورفض تحميل عشائر البدو المسؤولية كاملة، معتبراً أنه ليس هناك دولة في العالم يمكن أن تحتمل تمرد وخروج محافظة كاملة من سيطرتها لسبعة أشهر في إشارة إلى السويداء. وأشار إلى أن الدولة والرئيس صبرا طويلاً، واستجابا لطلب الانسحاب من وسطاء، وأن تدخّلها لاحقاً «حال دون وقوع مجازر أكبر» بفعل «الفزعة» التي قادتها عشائر من الشرق وبدعم عربي.
أما في حديثه عن «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) شرق الفرات، فقد استخدم زيدان لغة تهديد غير مباشرة، ملوحاً بمصير مشابه لما حدث في السويداء إذا لم تسلم «قسد» مناطقها للدولة، بذريعة وجود «احتقان شعبي» ضدها. هذا الخطاب يبتعد عن الحلول السياسية، ويكرّس منطق الإقصاء والصدام بدلاً من البحث عن تسويات وطنية جامعة.
صورة القائد.. سياسة إعلامية لا تموت
اللافت أيضاً في المقابلة كان خطاب الإشادة المكثّف بالرئيس أحمد الشرع، الذي وُصف بـ«القائد البراغماتي والقارئ العميق والمستمع الجيد». هذا التمجيد يعيد إلى الأذهان تقاليد إعلامية قديمة قامت على صناعة صورة «الزعيم – المخلص»، ما يتناقض مع ادعاءات أن التجربة الجديدة تجاوزت الأيديولوجيات والأحزاب نحو «الانصهار الوطني».
وكشف زيدان عن حوار قديم مع الشرع يعود إلى عام 2015، قال فيه الأخير إنه «غير مقتنع بالأفكار الجهادية لداعش أو القاعدة أو النصرة»، وإنه استخدمها تكتيكياً لقتال النظام السابق، على أن يعمل لاحقاً على «تغيير عقلية المقاتلين تدريجياً». واعتبر زيدان أن «المراجعات الفكرية والسلوكية التي حصلت في هيئة تحرير الشام والقاعدة في الشام لم تحدث في أي وسط آخر، لا الإسلامي ولا الليبرالي».
ما قدّمه أحمد موفق زيدان في مقابلته ليس مجرد مواقف شخصية لمستشار إعلامي، بل انعكاس لاتجاه عام في خطاب الإعلام الرسمي السوري الجديد: تبرئة العنصر الخارجي، تحميل الداخل مسؤولية الإخفاقات، المطالبة بحل الأحزاب والفصائل، ورفع صورة الرئيس إلى مقام المرجعية الوحيدة. عناصر مألوفة في الثقافة السياسية العربية، وإن ارتدت هذه المرة ثوب «البراغماتية» و«التجديد». يبقى السؤال الأهم مفتوحاً: هل ينجح هذا الخطاب ــ بكل تبسيطاته ومبالغاته ــ في إقناع جيل سوري عاش المأساة بكل تفاصيلها؟
—————————–
الإخوان المسلمون في سوريا: من المواجهة مع البعث إلى صراع البقاء بعده/ أغيد حجازي
1 September 2025
منذ تأسيس فرع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا عام 1945 على يد مصطفى السباعي، شكّلت الجماعة أحد الفاعلين في الحياة السياسية والاجتماعية السورية، قبل أن تدخل في صدام دموي مع نظام البعث بدءًا من أحداث حماة عام 1964 وصولًا إلى المواجهات المسلحة في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. ومع صدور القانون 49 عام 1980 الذي قضى بإعدام كل منتمٍ لها، دخلت الجماعة مرحلة جديدة من العمل السري والمنفى، لتظل على هامش المشهد حتى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.
بعد سقوط النظام أصدرت الجماعة سلسلة من البيانات والتصريحات، كان أبرزها البيان الصادر عن مجلس شورى الجماعة في دورته الرابعة، والذي جاء مختلفًا – شكلًا ومضمونًا – عن البيانات السابقة. ويمكن اعتباره وثيقة سياسية تعكس دور الجماعة ورؤيتها لمستقبل سوريا بعد الأسد، حيث دعت فيه إلى بناء دولة مدنية حديثة بمرجعية إسلامية، وأكدت ضرورة إشراك جميع مكوّنات الشعب السوري في صياغة المرحلة الانتقالية. كما شدّدت على انتمائها إلى “النهج الإسلامي الوسطي”، وقدّمت نفسها بوصفها “الناصح الأمين” للعهد الجديد.”
اليوم، وبينما تطرح الولايات المتحدة تصنيفها كتنظيم إرهابي، وبين مقال لمستشار الرئاسة للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان دعا فيه الجماعة إلى حلّ نفسها، تتصاعد الأسئلة حول مستقبل الإخوان في سوريا ما بعد الأسد: هل يمكن للجماعة أن تجد لنفسها موطئ قدم في المرحلة الانتقالية، أم أن الرغبة الإقليمية والدولية في إقصائها ستطوي صفحتها نهائيًا؟
بين توجهات الحكم الجديد وتفسيرات المراقبين
قال الكاتب والمحلل السياسي، ياسر سعد الدين، إن الحكم الجديد في سوريا لا يرحب بوجود الإخوان، معتبرًا أن رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع يميل إلى “الحكم الفردي” بعدما ركز السلطات بيده لخمس سنوات مقبلة. وأضاف أن الغرب وعددًا من الدول العربية ترغب أيضًا في إقصاء الإخوان من المشهد العربي والدولي. وقال: “أميركا وإسرائيل تعتبران أن فكر الإخوان أشد خطرًا من فكر القاعدة، ولن يغفرا لمصر مرسي وقوفها مع قضايا الأمة وإغاثتها لغزة ودعمها لها”.
وبحسب سعد الدين، فإن الكاتب زيدان في مقاله الأخير كان “يعبر عن وجهة نظر الشرع لتحقيق غايتين: التفرد بالسلطة وإرضاء جهات عربية ودولية”. أما بشأن احتمال حل الجماعة لنفسها، فقد رأى أن ذلك “لن يتم بشكل اختياري”، لكنه توقع أن تسعى الجماعة إلى “تجنب الصدام”، قائلًا: “إن صدر أمر مباشر من الحكم الجديد بحظر أنشطتها أو بما يشابه ذلك فستلتزم به، أقله في المرحلة الحالية”.
فيما قال الصحفي والباحث في شؤون الجماعات الإسلامية صهيب عنجريني إن فهم مقال أحمد موفق زيدان الأخير يتطلب “وضع الأمور في نصابها”. واعتبر أن المقال “لم يأتِ بشكل عابر أو مفاجئ، بل بدا في جوهره مرتبطًا مباشرة بالبيان الذي أصدرته جماعة الإخوان المسلمين في 7 أو 8 آب عقب ختام دورة مجلس الشورى”.
وأوضح عنجريني أن البيان، “رغم تأكيده أن موقف الجماعة من الإدارة الجديدة في سوريا هو موقف الناصح الأمين”، إلا أنه تضمن ما وصفه بأنه “قائمة بما لم تفعله الإدارة حتى الآن”، مشيرًا إلى أن البيان “اشتمل على دعوة إلى دولة مدنية تعددية وخطاب جامع يشمل جميع الطوائف”. وأردف أن الإدارة الجديدة وإن كانت قد بدأت عهدها بخطاب مشابه، فإن “التغييرات التي برزت بدءًا من كانون الثاني الماضي، ثم أحداث الساحل وصحنايا وجرمانا، جعلت إيقاعها العام مختلفًا”، معتبرًا أن بيان الإخوان “جاء ليشير إلى كل ما كان ينبغي على الإدارة أن تفعله ولم تفعله”.
وأضاف عنجريني: “برأيي، هذا هو ما جعل مقال أحمد موفق زيدان يحمل طابعًا سياسيًا مباشرًا، وأنا أعتقد أنه لا يعكس رأيه الشخصي بقدر ما يعكس توجهات الإدارة الجديدة”، لافتًا إلى أن “هذا المقال هو أول ظهور مكتوب بشكل واضح لزيدان بصفته مستشارًا، وبالتالي لا يمكن قراءته كاجتهاد فردي”.
بين الاستهداف الخارجي والقبول الشعبي
وأوضح سعد الدين أن جماعة الإخوان المسلمين “تنظيم بشري، معرض للأخطاء والنكسات والعثرات”، مشيرًا إلى أن انتقادها أو حتى اقتراح حلها قد يُعتبر أمرًا طبيعيًا، غير أن “السياق والتوقيت والمكانة والمنطق يكشفون الكثير”.
وأضاف سعد الدين أن “الثورة المضادة تجاه الإخوان، بدعم غربي وصهيوني، استهدفت الثورات العربية ونجحت في تصفية بعضها أو محاصرتها وتقزيمها” في دول مثل مصر وتونس، مذكّرًا بأن الحريات والخيارات الشعبية الحرة غالبًا ما كانت تدفع بالإخوان إلى الواجهة. وقال: “في مصر، كان أول رئيس منتخب شعبيًا منذ عقود هو محمد مرسي، رغم أن الجماعة كانت محاصرة أيام حسني مبارك، وكذلك في تونس. وفي الأردن، حقق حزب الإخوان المرتبة الأولى في آخر انتخابات نيابية”. واعتبر أن استهداف الإخوان جاء لأنهم “الخيار الشعبي الأول”، نظرًا لما عُرف عنهم من “تفانٍ في خدمة الناس وأمانة ذات اليد”.
ونوه عنجريني قائلًا: “بتقديري الشخصي، جماعة الإخوان المسلمين تحظى بقبول واسع في سوريا، وأشدد هنا على كلمة قبول. هذا لا يعني أن لديها قاعدة شعبية منظمة وواسعة بالضرورة، لكن كثيرًا من السوريين، بما في ذلك من أبناء طوائف غير سنية، قد يرون فيها بديلًا أو منافسًا محتملًا للإدارة الجديدة وحاضنتها”. وأكد أن “الجماعة ليست منقرضة كما أوحى مقال زيدان، بل لا تزال عائلات كبرى في سوريا تُحسب عليها تاريخيًا، وقدمت أثمانًا باهظة منذ أواخر السبعينيات والثمانينيات”.
وأشار عنجريني إلى بُعد آخر، يتمثل في “التنافس بين الإخوان المسلمين وهيئة تحرير الشام”، موضحًا أن “الإدارة الجديدة تُرى من جانب السوريين كنسخة معدّلة من هيئة تحرير الشام”، وأن التنافس بين الطرفين له طبيعة “مدنية ــ ريفية”. وقال: “الإخوان لديهم حضور قوي في المدن مثل دمشق وحلب وحماة، بينما تحظى التيارات السلفية عمومًا وهيئة تحرير الشام خصوصًا بقبول أكبر في الأرياف، وهذا بُعد مهم في التوازنات القائمة”.
واستبعد عنجريني أن تُقدم الجماعة على حل نفسها، مؤكدًا: “لا يوجد أي سبب يدفعها إلى ذلك حاليًا. الحياة السياسية في سوريا مغلقة بالكامل، لا لإخوان مسلمين ولا لغيرهم، ولا أحد يتوقع أن تُفتح قريبًا”. لكنه أضاف أن المستقبل قد يحمل “نافذة ما من العمل السياسي”، وربما انتخابات مجلس شعب أو غيرها، “لكن ليس الآن، بل ربما في مرحلة لاحقة”.
بين الإخوان وهيئة تحرير الشام
رأى سعد الدين أن من يظن أن بإمكانه إخفاء جماعة الإخوان المسلمين فهو مخطئ، مؤكدًا أن الجماعة مستهدفة من قِبل قوى عالمية. وأشار في هذا السياق إلى تقرير أصدره معهد القدس للاستراتيجية والأمن بعنوان النهج الاستراتيجي لإسرائيل تجاه جماعة الإخوان المسلمين: الأمن الإقليمي والتحالفات، والذي شبّه أيديولوجيا الجماعة بالفاشية والنازية. كما لفت إلى إعلان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة تعمل على تصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي.”
وأكد عنجريني أن “الجماعة تبقى لاعبًا وازنًا ومنافسًا محتملًا في أي لحظة تُفتح فيها الحياة السياسية في سوريا”. وتحدث عن بعدها الإقليمي قائلًا: “الإخوان قادرون على الموازنة بين مرجعيتهم لقطر وتركيا وبين واقعهم الداخلي. لقد اختبروا مواقف مشابهة في سنوات الربيع العربي، واكتسبوا خبرة وقدرة على التكيف. رأينا ذلك في تجارب الأردن وغيرها. هم لاعب سياسي قديم في المنطقة، تمرّس في النجاح والفشل، لكنهم يملكون خبرة عريقة”.
وعن علاقة الجماعة بالشباب، أوضح عنجريني أن “الإخوان محرومون من العمل داخل سوريا منذ سنوات طويلة، وبالتالي رصيدهم ضعيف لدى الجيل الشاب”، في حين أن “الإدارة الجديدة تنبّهت مبكرًا لهذه النقطة منذ أيام وجودها في إدلب، وأنشأت الهيئة السياسية لاستقطاب الشباب الميالين للتيار الإسلامي، لا سيما ممن لا يندرجون بالضرورة تحت السلفية”. وأضاف أن “هذا منح الإدارة رصيدًا إضافيًا عند هذه الشريحة، بينما يظل رصيد الإخوان مختلفًا وأكثر تقليدية”.
بين تاريخ طويل من الصدام مع الأنظمة السورية المتعاقبة، وبين محاولات مستمرة لإعادة التموضع في المشهد الجديد، تقف جماعة الإخوان المسلمين اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فبين ضغوط دولية تسعى إلى تصنيفها إرهابية، ورغبة إقليمية في إقصائها، تبدو خياراتها محدودة في بيئة سياسية سورية ما زالت مغلقة، ومع ذلك، فإن الجماعة، بخبرتها الممتدة وقدرتها على التكيّف، يرى مراقبون أنها لا تزال قادرة على الظهور مجددًا كفاعل سياسي واجتماعي متى ما فُتحت نافذة للعمل السياسي في سوريا. وحتى ذلك الحين، يبقى السؤال مطروحًا: هل يكتب التاريخ فصلًا جديدًا للإخوان في سوريا، أم أن سقوط الأسد سيشكل بداية أفولهم؟
الترا سوريا
—————————-
الإخوان المسلمون في سوريا.. حل الجماعة أم إصلاحها؟/ د. محمد عبد الله المطر
04 أيلول 2025
أثار الدكتور أحمد موفق زيدان الكاتب الناشط المعروف، والمستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد الشرع، في مقالته المنشورة مؤخرا على موقع الجزيرة نت، سؤالا حاسما يعكس رؤية سياسية محددة بالدرجة الأولى، وفكرية بالدرجة الثانية، وهو: “متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟” محولا بذلك قضية سياسية معقدة ذات جذور تاريخية وفكرية عميقة إلى خيار ثنائي صارم لا يراعي طبيعة مرحلة الانتقال الديمقراطي، ومقترحا حل الجماعة بوصفه الحل الوحيد واجب التنفيذ.
أَسْتند الدكتور أحمد في طرحه إلى منطق سليم قائم على المقدمات والنتائج؟ أم إنه بدأ بالنتيجة، ثم راح يبحث لها عن مبررات؟
لي مع هذا الطرح وقفات، أبدؤُها بما يلي:
أولا: الإخوان المسلمون جماعة ذات جذور عميقة
إن الحركات الاجتماعية ذات الجذور الفكرية والتاريخية العميقة مثل الإخوان المسلمين، الذين يمثلون تيارا فكريا إسلاميا مبنيا على أفكار الإمام حسن البنا، وشخصيات أخرى في سوريا كالشيخ مصطفى السباعي، والشيخ عصام العطار، والشيخ سعيد حوى، وغيرهم، فهذه شخصيات ثرية في بنائها الفكري والشرعي. وأدبياتها أثرت في أجيال كثيرة من شخصيات ومؤسسات في العالم.
والتجربة والنضال والتضحيات المقدمة لا يمكن أن تمحى بقرار إداري يتوج بعبارات عاطفية وشعارات عامة مثل: (قامت بواجبها، تجاوزها الزمن، جامدة، قيادات، ديناصورات… إلخ)، بل يكون ذلك من خلال آليات دستورية وقانونية تضمن المساءلة والشفافية داخل النظام السياسي، مستندة إلى قوله تعالى: “وأمرهم شورى بينهم” (الشورى: 38)، الذي يؤكد الشورى أساسا للحكم الإسلامي الذي يجمع بين الدين والسياسة دون إقصاء، وتستند إلى المنظومة الديمقراطية المعاصرة التي تضمن الحريات الفكرية، والعملية السياسية.
وأما النهج الذي يفرض حل الجماعة وانصهارها الكامل بالدولة تحت راية حزب أحادي، فسيولد مشكلات ضخمة لم تتعظ بدروس التجارب السابقة، حيث أدى مثل هذا الإجراء إلى تعزيز التوترات بدلا من حلها في كثير من الدول.
كما يؤكد الواقع في تجارب قمعية كثيرة أن الفكر والعمل التنظيمي لا يمكن قمعه؛ فمهما جرت تصفيته سيعود للحياة بشخصيات جديدة وأساليب مختلفة، كما حصل في تجارب سابقة مثل عودة الإخوان بعد القمع الشديد في العهد الناصري، وعودة حركة النهضة وفوزها بعد عقود من قمع النظام العلماني المتطرف في تونس، والأمثلة كثيرة لا يسع هذا المقال ذكرها.
ثانيا: إرضاء القوى الدولية والإقليمية ليس معيارا للشرعية الوطنية
لوحظ من المقال أن هناك فكرة مركزية تسكن نفس الكاتب وربما يعبر عنها نيابة عن غيره، وهي أن حل جماعة الإخوان سينتج عنه مكاسب خارجية، وأما بقية الأفكار والملاحظات فهي مقدمات وضعها لتسعفه في الوصول للنتيجة التي يطمح إليها.
والسؤال للدكتور أحمد: لماذا يطرح مقترح “حل التنظيمات” كـ”ثمن” لرضا عواصم ومنظمات وشخصيات من الخارج؟! ألا يعيد ذلك إنتاج نموذج الوصاية الخارجية، حيث يقدم الأمن الإقليمي والعالمي على حقوق الداخل، مما يتعارض مع مبادئ السيادة الإسلامية.
في سوريا الجديدة يجب أن يكون معيار الشرعية الوطنية مبنيا على الالتزام بالقانون والدستور، والمنافسة الانتخابية العادلة، والاحتكام للقضاء الدستوري، لا الرضوخ لاشتراطات متقلبة.
ومن الخطأ النظر للأحزاب والجماعات على أنها منافس أو مناهض للدولة؛ فكل الديمقراطيات الحقيقية تقوم على تنوع الأحزاب ووجودها الذي يمنح شرعية للدولة، كما في تجارب أوروبا الغربية، حيث تعزز الأحزاب التنوع السياسي والاستقرار.
من الممكن والمنطقي تفهم المطالبة بـ”حل التنظيمات العسكرية والفصائل المسلحة”؛ لأنها تهدد السيادة، ولكن ما الحاجة إلى حل القوى المدنية؟! وبخاصة صاحبة التاريخ مثل الإخوان الذين ساهموا في النضال ضد الاستبداد منذ عقود؟
وهنا يبرز تعليق على أخطر عبارة في مقال الدكتور أحمد موفق زيدان: “ومن الذي أولى بتثبيت الحكم، أبناء سوريا وتنظيماتها، أم دول إقليمية ودولية هبت لدعم الدولة الوليدة؟!”
فالسؤال الأساسي: أَتُستمدُّ الشرعية الأقوى من الشعب ومكوناته الداخلية أم من قوى خارجية، خاصة أنها غير مضمونة وغالبا ما تفضي إلى فقدان السيادة، كما في أمثلة ما بعد الثورات في ليبيا وأفغانستان، حيث أدى الاعتماد على الدعم الخارجي إلى عدم استقرار.
ثالثا: أسطورة “الديناصور”
وصف الجماعة بـ”الديناصور” أمر غير متوقع من الدكتور أحمد، خاصة لتاريخه وأدبه وفهمه لتجربة العمل الإسلامي، وفيه إشكاليات عديدة، منها: عدم الدقة في الزعم بأن كل الجماعة في سوريا من كبار السن، ولا يليق أن توصف بالديناصورات رموز قدمت تضحيات كبيرة صونا لفكرها ومقاومة للمستبد، وعيشا في غربة عن الوطن لعقود طويلة، فقد أفنوا أعمارهم خارج أوطانهم حتى شابت لحاهم وضعفت صحتهم وعافيتهم. وإن سلمنا جدلا بذلك، فما الذي يضير من وجود تجمع من “ختيارية” في واقع سوريا وتوازناته؟!
رابعا: ما هي “الأساليب القديمة” المرفوضة تحديدا؟
للابتعاد عن التهم المطاطية، تُتناول هذه القضية كثيرا بطريقة عاطفية أو “شعاراتية” عامة دون تحديد موطن الخلل. فالأساليب القديمة لا تعني بالضرورة أنها سيئة أو منتهية الصلاحية، وأيضا من الخطأ تعميم بعض هذه الأساليب على جميع المنتمين للجماعة في كل زمان.
مع الإشارة إلى أن هذه الأساليب متفاوتة في تقييمها وتطبيقها بين الدول والقيادات بقناعاتها وتكوينها؛ فهي ليست قالبا واحدا، بل يمكن الحوار فيها، وترشيدها لتناسب السياقات الديمقراطية، فعلى سبيل المثال:
يتحول التنظيم إلى بيئة مفتوحة تشترط تسجيلا علنيا وحوكمة داخلية شفافة.
إذا تزامن النشاط التنظيمي مع تولي العضو مناصب مهمة في الدولة، يعالج ذلك بلوائح تضارب مصالح ومعايير استحقاق موضوعية.
تضبط لغة الخطاب الهوياتي المستقطب عبر ميثاق مواطنة يركز على دولة وطنية وحقوق متساوية.
يقنن التمويل بإفصاحات دورية وتدقيق مستقل من جهات رقابية على أموال الأحزاب.
يطور العمل نحو منع تداخل الدعوي والسياسي في الجماعة بفصل وظيفي ملزم: فتصبح جماعة مدنية مسجلة كمنظمة مجتمع مدني، وحزبا سياسيا مستقلا يخضع لقانون الأحزاب.
فهذه مجموعة من الإصلاحات الملموسة تمثل حصونا حامية أمام من يفرغ الساحة ويغري بالارتداد السلطوي، وتعتمد على مبادئ إسلامية مثل الشفافية والعدل.
خامسا: دروس من تونس والمغرب والسودان
تشير التجارب في تونس والمغرب والسودان إلى أن التنازلات السياسية من قبل الحركات الإسلامية، من دون ضمانات دستورية ملزمة، غالبا ما تؤدي إلى تراجع ديمقراطي لاحق، مما يؤكد أفضلية الإصلاح الداخلي على اللجوء إلى الحل الشامل للحركة، وفي ذلك بعض التفاصيل:
تونس: في نهاية 2013 تنازلت حركة النهضة عن الحكومة عبر “الحوار الوطني” لحماية المسار الديمقراطي وتمهيد الطريق لدستور جديد وانتخابات، مستلهمة من الفكر الإسلامي الوسطي الذي يؤمن بالتداول السلمي، وخففت لهجتها في كثير من المسائل الفكرية والتنظيمية والشرعية، لكن خصومها لم يزدادوا إلا طعنا وتحريضا، إلى أن قام الرئيس التونسي في 25 يوليو/تموز 2021 بتغيير المشهد السابق، ومن ذلك سجن الشيخ راشد الغنوشي رجل المرحلة بتسامحه في وقتها.
المغرب: تعرض حزب العدالة والتنمية لهزيمة مدوية في انتخابات 2021، خاسرا أكثر من 90% من مقاعده بعد عقد من المشاركة في الحكم، وربطت تحليلات واقعية كثيرة الانهيار بـ”التماهي” مع قرارات عليا حساسة، مثل التطبيع مع الكيان الصهيوني في ديسمبر/كانون الأول 2020، ومع تنازلات أخرى فكرية وتنظيمية، ولكن لم يثبت جدواها.
السودان: وتجربة السودان توضح هذه المشكلة؛ فقد ابتعد حسن الترابي عن تنظيم الإخوان المسلمين، وقدم دراسات ولقاءات ناقدة للجماعة، كما في كتابه “الحركة الإسلامية في السودان”، ومع ذلك لم يسْلم من وصف “الأخونة”. كذلك فإن الرئيس عمر البشير، الذي انفصل عن الجماعة منذ تسعينيات القرن الماضي، لم يتمكن من تجنب هذا الوصف، ولم يؤدِ ابتعادهما عن الإخوان إلى تعزيز النهضة أو الاستمرار في السودان، بل واجهت حكومتهما عدم رضا شعبي حتى بين المحافظين.
لذلك، بعد عرض هذه النماذج ليس الحل في مصادرة الحق في التنظيم؛ فالخلاصة العملية: التنازلات السياسية تفقد قيمتها إذا لم ترافقها منظومة ضمانات دستورية ورقابية تلزم الجميع، وإلا عاد ميزان القوى ليبتلع الطرف الأضعف في أول فرصة.
سادسا: أين الدليل على أن “الإخوان عائق للنظام الجديد”؟
الادعاء بأن الجماعة تشكل “عائقا” يتطلب أدلة محددة وموثقة:
ما المخالفة القانونية الملموسة؟
ما الضرر الأمني المباشر؟
ما الوقائع التي عطلت مؤسسات الدولة الوليدة؟
فمن دون ذلك يتحول الادعاء إلى حكم قيمي غير موضوعي. وفي تجارب قمعية كثيرة- منها العراق، وتونس، ومصر في مرحلة عبدالناصر- ثبت أن الحظر لم ينهِ الحضور الاجتماعي، بل فتح أبواب الاحتقان ودفع النشاط إلى الظل، مما يثبت الوجود بصورة مناهضة للدولة، وكانت هذه الجماعات المحظورة حاضرة بقوة بعد فترة منعها وقمعها، وفي التاريخ شواهد كثيرة.
سابعا: الفكر الإخواني بين الإسلام والسياسة
الجدير بالذكر أنه من الصعب الفصل بين وجهة نظر الكاتب زيدان وتلك الخاصة بالمؤسسة التي يرتبط بها، مثل الرئاسة أو الهيئات الرسمية، إذ قد تعكس الدعوة لحل الجماعة أجندات سياسية أوسع، كما في مقاله الأخير الذي يدعو لحل الإخوان كشرط للاستقرار.
والجواب على فكرة “الحاجة للوجود” التي طرحها الدكتور زيدان في مقاله أن الإخوان المسلمين، كفكر مبني على الإسلام، يمتلكون منظومة تفكير وتنظير خاصة بهم، يتفقون فيها مع غيرهم أو يختلفون، ولا يعني ذلك أنهم غير ملتزمين بالعمل للدين؛ بل قد يعمل غيرهم للدين بصورة أفضل أو مختلفة، لكن الحل الشامل يعني تفكيك فكر وسطي يسعى للعمل بحرية ضمن الإطار الديمقراطي.
كما يعد الإخوان تيارا معتدلا يوازن بين المكونات السنية في وجهات نظرها المتباينة عقديا ومذهبيا وسياسيا.
وقد وقف الإخوان مع الثورة السورية ضد نظام الأسد، ولعبوا دورا رئيسيا في الاحتجاجات منذ 2011، وكان مشهودا لهم بتنظيم المعارضة رغم القمع السابق، وكانوا جزءا من تاريخ النضال ضد الاستبداد منذ السبعينيات؛ فهم جزء من هذا التاريخ، مما يجعل تقييم “الأساليب القديمة” أو “أخذ الفرصة” بحاجة إلى نهج علمي موضوعي- لا عبارات عامة عاطفية- مدعوم بدراسات مقارنة لتجنب التحيزات.
ثامنا: موقف الإخوان المسلمين في سوريا من النظام الحالي
أما هدف الإخوان وكل الأحرار فهو بقاء سلطة النظام الحالي بعيدا عن تقييم حالته ورموزه، ولكن لكونه أكثر حرية من السابق وأقرب إلى الدين إلى الآن، فهم ليسوا خصوما له، بل شركاء في تعزيز الاستقرار عبر الفكر الوسطي.
وأيضا، بالمقابل، من مصلحة النظام بقاء الإخوان، كونهم يمثلون الفكر الوسطي الذي يوازن بين المكونات السنية في وجهات نظرها المتباينة في العقيدة والمذهبية والنظر للسياسة، مما يمنع التطرف ويعزز الوحدة الوطنية، وخاصة مع التناحر والفتن الحالية التي تستهدف الحالة الدينية في سوريا، بمختلف أنواع التطرف وصورها وتقابلاتها.
لذلك، للدكتور أحمد موفق زيدان ومن يحمل فكرته، مهما كانت نواياهم وأهدافهم التي نحسن الظن بها: يرجى التريث والتحقيق في هذه القناعة؛ فربما تنكشف أحداث واقعية تبين عدم صحتها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
باحث كويتي في الفكر الإسلامي
حاصل على الدكتوراه في العقيدة الإسلامية
الجزيرة
————————–
دعوة زيدان بشأن حلّ “الإخوان”/ خالد داهم الهاجري
03 سبتمبر 2025
عرفتُ الدكتور أحمد موفق زيدان منذ سنوات بعيدة، يوم كان حضوره لافتًا في مجموعات البريد الإلكتروني على موقع “مكتوب” ثم “ياهو”، قبل أن يتألّق لاحقًا عبر شاشة قناة الجزيرة. وقد تابعت مسيرته الفكرية والإعلامية وهو يمرّ بمراحل من التطوّر والنضج السياسي، حتى وصل اليوم إلى موقعه مستشار الإعلام في الرئاسة السورية، حيث يواصل طرح رؤى جريئة حول مستقبل سورية والمنطقة.
في مقاله الأخير على موقع الجزيرة، ومقابلته مع قناة العربية، دعا الدكتور زيدان جماعة الإخوان المسلمين في سورية إلى حلّ نفسها طوعًا. دعوة تعبّر عن إدراك عميق بضرورات المرحلة، فالجماعة التي غابت عن الداخل السوري منذ الثمانينيات، بقيت مشدودة إلى الماضي أكثر من استعدادها للمستقبل، وفقدت الكثير من قدرتها على التفاعل مع الواقع الوطني. والتجارب الإسلامية في المنطقة أثبتت أنّ الجمود التنظيمي لا يقود إلّا إلى التراجع. فقد انفصلت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن الإخوان وشقّت مسارًا وطنيًا خاصًا، بينما أعادت أحزاب في الأردن والعراق صياغة نفسها بعيدًا عن البنية التقليدية، فيما قدّمت تركيا نموذجًا ناجحًا بانتقالها من حزب الرفاه إلى حزب العدالة والتنمية الذي تمكّن من الحكم. أما محاولة الإخوان في سورية عبر حزب “وعد” فقد فشلت لأنها لم تتحرّر من ثقل الماضي.
إنّ حلّ الجماعة لا يعني إقصاء أفرادها أو منعهم من المشاركة السياسية، بل إنهاء الشكل السرّي الضيّق الذي يعيق اندماجها في المشروع الوطني. وهذا ما يتناغم مع توجّهات الدولة الجديدة التي شهدت بالفعل حلّ أكثر من 18 فصيلاً عسكريًا واندماجها في وزارة الدفاع، إلى جانب طي صفحة كيانات كبرى مثل الائتلاف الوطني والمجلس الإسلامي السوري وحتى حزب البعث.
وعلى الصعيد الإقليمي، يواجه التنظيم عداءً واضحًا من أبرز شركاء الحكم الجديد في سورية، أي دول الخليج، وعلى وجه الخصوص السعودية والإمارات اللتان كانتا الأكثر صراحة في رفض الإخوان واعتبارهم تهديدًا مباشرًا لمشروع الدولة الوطنية واستقرار المنطقة. أما مصر، فإنّ علاقتها بسورية الجديدة يشوبها التوتّر، إذ ترى أو تظنّ أنّ دمشق قد تكون خاضعة لتأثير الإخوان، وهو ما يستدعي خطوات عملية لقطع الطريق على هذه الهواجس وتعزيز الثقة المتبادلة.
أما دوليًا، فإنّ الولايات المتحدة وأوروبا، وخاصة بريطانيا وفرنسا، تمضي في تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً أو معادياً، ما يزيد من عزلة الجماعة ويجعل استمرارها عبئًا على أيّ مشروع وطني سوري يسعى للاندماج في المجتمع الدولي.
إنّ دعوة الدكتور أحمد موفق زيدان تمثّل مقاربة واقعية لتجنيب سورية مخاطر التطرّف والانقسام، ولإطلاق طاقات الشباب الإسلامي في إطار حزب وطني علني يشارك في بناء الدولة.
أخيرا، إنّ حلّ الجماعة ليس نهاية لمسارها، بل بداية لمسار أكثر صحة وعلنية وتعدّدية، يتيح لها المساهمة الفاعلة في سورية الجديدة، متصالحة مع مجتمعها ومحيطها العربي والدولي. إنها دعوة جريئة تستحق الدعم، لأنها تعني أولًا وأخيرًا: الانحياز لمستقبل سورية.
العربي الجديد



