منوعات

معركة حلاوة الجبن… قصّة مدينتين/ أسامة سعد الدين

02 سبتمبر 2025

يُعدّ الخلاف التاريخي بين  المدينتين السوريتين الجارتين، حماة وحمص، حول “حلاوة الجبن” من الطرائف الشعبية السورية المتداولة منذ عقود، ويستمرّ كنقاش وديّ وتنافس هوياتي لا يخلو من النكتة والحس الفكاهي.

يعتبر أهل حماة مدينتهم الأصل والمنشأ لهذه الحلوى التقليدية، ويُعزى ذلك إلى وفرة المواد الأولية لصناعتها في ريف حماة، كالحليب والقشطة والأجبان. وفي المقابل، يدّعي أهل حمص أن أصل حلاوة الجبن حمصي، وأنهم هم من ابتكروها، وتزعم بعض القصص الشعبية أن مكوناتها “سُرقت” ونُسبت لاحقاً إلى حماة، ويشيرون إلى أن موقع مدينتهم الوسيط بين المحافظات ساهم في شهرتها وتداولها.

في النصف الثاني من ديسمبر/ كانون الأول الفائت، زرت سورية بعد اغتراب 14 عاماً، وشاهدت كيف احتفل الحمويون والحمصيون بتوزيع “حلاوة الجبن” ابتهاجا بإسقاط نظام الأسد، ما أعاد الخلاف التاريخي، الذي يصل إلى حد الصراع، بين المدينتين الجارتين اللتين تتوسّطان سورية، على اخترع هذه الحلوى التقليدية، والتي تصنع من مواد أساسية تشمل الجبن، والسميد، والسكر، وكل منهما تدّعي الملكية الفكرية لهذه الحلوى المنتشرة في عموم المدن السورية وفي لبنان أيضا، وظهر الخلاف على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي جولتي الصحافية الميدانية، زرتُ محلين شهيرين لـ”حلاوة الجبن”، في كل مدينة، ولمّا أصر الحموي أن الحلوى من إبداع حماة، أقرّ الحمصي بأنها لا حمصية ولا حموية، مضيفا حاضرة ثالثة زعم أنها أصل هذه الحلوى، طرابلس اللبنانية.

على مقربة من نواعير حماة، ووسط ساحة العاصي، ولجت أحد أشهر المحال المتخصصة بهذه الحلوى. يقول مدير محل سلورة للحلويات، قرب ساحة العاصي في حماة، ماهر عبد الفتاح حلوم سلورة، إن حلاوة الجبن حموية، ويفتخر أن جده الحاج  حمدو سلورة أول من صنعها وحضّرها سنة 1910، وشرح أن عملية التحضير تستغرق نحو 60 دقيقة، وتتكون من سميد وسكر وجبنة وسمن عربي، وتُحشى بالقشطة، ويمكن تطعيمها بكميةٍ قليلة من الفستق الحلبي أو أنواع أخرى من المكسّرات، وتقدم باردة، ويمكن أن تضاف فوقها البوظة (آيس كريم) حسب الطلب، كاشفا أن كمية الجبنة تلعب دورا في مذاق الحلوى وجودتها.

أما في حمص وعلى مقربة من دوار الساعة القديم، ولجت إلى محل حلويات يحمل الاسم الحموي نفسه “سلورة”، وسألت صاحبه السؤال الشائك، فاعترف الرجل بكل صراحة وشفافية بأنها حموية، طالبا عدم ذكر اسمه، إلا أن مرافقي الحمصي خلال الجولة احتج، واعتبر أن هذا الحلونجي يتحدر من حماة، فقصدتُ حلويات الأفندي (سلطان الحلو)، وسط المدينة، فأفاد مدير المحل عبد الناصر محمد العجيل بأن “الطرابلسية” (أهل طرابلس اللبنانية) هم الذين “اخترعوا” حلاوة الجبن، ثم نقل الحموية صناعتها، فيما أبدع فيها “الحماصنة”. وبهذا التصريح، دخلت مدينة ثالثة على خط الصراع التاريخي، والذي سيبقى قائماً، ربما، حتى يُقدم أحد صانعي الحلوى، ويسجّل براءة اختراع باسمه وينسبها إلى مدينته.

وعن أشهر الحلويات التي تشتهر بها حمص، قال العجيل إن الحلاوة الطحينية الحمصية تأتي في المقدّمة، وقد توسع انتشارها ونقلها المغتربون الحماصنة إلى بلدان الاغتراب، فترى خليجيين وأردنيين ولبنانيين وغيرهم كانوا يطلبونها عندما يزورون المدينة قبل عام 2011، إلى جانب السوريين من مختلف المحافظات، كاللاذقية وحلب والرقة ودير الزور وإدلب وغيرها، ولفت إلى أنواع أخرى من الحلوى الشعبية الحمصية، ومنها المعجوقة والكنافة والسمسمية والفستقية.

يرى فضل عبد الغني، وهو أحد أبناء مدينة حماة، أن حلاوة الجبن من أشهر الحلويات التراثية السورية التي ارتبطت بشكل خاص بمدينة حماة، على الرغم من “مزاعم” حمصية من دون أي مراجع أو أدلة تاريخية محققة، موضحاً أن تاريخ هذه الحلوى العريقة يعود إلى أكثر من 155 عاماً، إذ يُنسب ابتكارها إلى عائلة سلورة في عام 1868، على يد أحمد حلوم سلورة، وأن الهدف الأساسي من صناعتها كان الاستفادة من مكونات بسيطة ومتوفرة، مثل الجبن الطازج والسميد والسكر، وتحويلها إلى طبق شهي يعكس هوية المطبخ الحموي العريق، وشدّد على أن حلاوة الجبن أصبحت رمزا ثقافيا لحماة، إذ تُقدّم في المناسبات الاجتماعية والأعياد، وتُعتبر من أهم مفردات الضيافة السورية.

وعن أنواع الحلويات التقليدية التي تشتهر بها حماة، زاد عبد الغني أن مدينته تشتهر بحلويات تقليدية عديدة تعكس غناها التراثي وتميز مطبخها، من أبرزها السيالات (اللزاقيات)، وهي الحلويات الشعبية البسيطة التي تعتمد على مكوّنات متوفرة مثل الطحين، والماء، والسكر، تُحضّر عجينة رقيقة تُطهى على النار، ثم تُحلّى بالعسل أو السكر، وغالباً ما تحضّر في فصل الشتاء. أما “الشلق” فهي من الحلويات الشتوية التقليدية في حماة، وتُحضر من رقائق عجين رقيقة جداً تُطهى على النار، ثم تُسقى بالسمن العربي والسكر وتُزين بجوز الهند والجوز المطحون. تعود جذورها إلى صناعة البقلاوة، لكنها تحوّلت إلى طبق قائم بذاته يتميّز بمذاقه الغني وقوامه الهش، “ولم أجدها في مدينة أخرى غير حماة”.

وتشتهر المدينة بـ”حلاوة المحيا” التي تعتمد أساساً على السميد والقطر (الشيرة) مع إضافة نكهاتٍ مثل ماء الزهر أو ماء الورد، وتُشكل عادة على هيئة قطع صغيرة أو شرائح وتُزين بالمكسرات مثل الفستق الحلبي. و”البشمينا” تتكون من عجينة السميد المُحلاة والمطبوخة مع السمن العربي والسكر، على شكل كرات صغيرة أو أصابع وتُزين بالفستق الحلبي أو جوز الهند، وتعد خصوصاً بمناسبة ليلة نصف شعبان، وهو تقليد حموي قديم، إذ تغصّ أسواق المدينة التي تعرضها كتلال مرتفعة، احتفالا بالمناسبة.

وتقدّم حلاوة الجبن في الأعياد والمناسبات الاجتماعية، وكان الطهاة في القصور والبيوت الكبيرة، يتفننون في إعدادها وتزيينها بالفستق الحلبي وماء الزهر، ويجري إعدادها يدوياً وبطرق تظهر المهارات العالية التي يتمتّع بها الصنّاع، ما يجعلها تتميز بمذاق خاص ونكهة فريدة.

مع تطور تقنيات التصنيع الغذائي وظهور الأسواق الكبيرة، أصبحت حلاوة الجبن متوفرة بطرق إنتاج حديثة، ما ساهم في انتشارها وشهرتها في دول عربية وأجنبية عديدة، وباختصار حلاوة الجبن ليست مجرّد حلوى، بل رمز للتنافس الودي والطرافة بين مدينتي حماة وحمص، وموضوع “خلافي” يدو

العربي الجديدة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى